رواية حين يجبر العشق الفصل الثامن عشر 18 لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل الثامن عشر 

كان الليل قد أرخى سدوله على دار العامرية، وانسحب صخب النهار شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ سوى سكونٍ هادئ يلف أرجاء القصر.

داخل جناح سلطان....

كانت حور تتحرك بين المطبخ الصغير وغرفة المعيشة بخفة، تضع آخر الأطباق فوق المائدة، ثم تعود لتعدل موضع أحد الأكواب، قبل أن تتراجع خطوة تتأمل ما صنعته.

ابتسمت في رضا...

لم يكن العشاء فاخرًا، ولم تكن المائدة عامرة كما اعتادت موائد الدار...

لكنها كانت أول مرة تُعد فيها شيئًا بيديها خصيصًا له.

رفعت عينيها نحو الساعة المعلقة على الحائط، ثم زفرت بهدوء : اتأخرت اوي يا سلطان !!

همست بها لنفسها، ثم اتجهت نحو الشرفة، تزيح الستارة قليلًا، وعيناها تبحثان في ظلام الحديقة.

وفي اللحظة نفسها...

تسلل إلى أذنها صوت محرك السيارة الذي باتت تحفظه عن ظهر قلب.

اتسعت ابتسامتها بسعاده وتركت الستارة تهبط مكانها، واتجهت مسرعة نحو الباب.

ما إن انفتح الباب، حتى دخل سلطان بخطوات بطيئة، يحمل فوق كتفيه إرهاق يومٍ كامل.

كان لا يزال يرتدي قميصه الأسود، وقد فك الزر العلوي منه، بينما بدا التعب واضحًا في عينيه.

لكن ما إن وقعت عيناه عليها...حتى هدأت ملامحه قليلًا.

ابتسمت وهي تستقبله قائلة برقة: حمد لله على السلامة.

نظر إليها لثوانٍ...
ثم اقترب منها، وانحنى يقبل رأسها قبلة طويلة، وكأنه يستمد منها هدوءًا افتقده طوال اليوم في حركه يفعلها لاول مره منذ زواجهم، ولكنه كان يحتاجها بشده !!!،

ابتعد عنها قليلًا، يتأمل وجهها هامساً بخفوت : الله يسلمك...

ثم قال مبتسمًا:شكلك مستنياني من بدري.

تصنمت حور مكانها اثر قبلته التي اثارت اضطراب داخلها، لاول مره يفعلها عند عودته ،...

اخرجت نفسها من حاله التيه التي اصابتها 
ورفعت كتفيها بدلال : اكيد .....

تحرك بخطوات مثقله ثم ألقى بجسده المتعب فوق الأريكة، وأغمض عينيه للحظة، مطلقًا زفرة طويلة.

راقبته حور بصمت ، كانت ترى الإرهاق واضحًا في كل تفصيلة من وجهه.

اقتربت منه بهدوء وجلست إلى جواره ثم قالت بخفوت:ــ شكلك تعبان أوي النهارده.

فتح عينيه ونظر إليها ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه : العادي ...

ضيقت عينيها وهي تنظر إليه : العادي !!

ثم أشارت إلى وجهه : ده وش واحد بقاله أسبوع ما نامش.

ضحك لأول مرة منذ الصباح ضحكة قصيرة لكنها كانت حقيقية
مد يده دون تفكير، وأمسك طرف أنفها بين إصبعيه وهو يقول:ــ بقيتي بتعرفي تقري وشي؟

ضحكت وهي تمسك يده: من زمان.

سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أكثر دفئًا: انا حافظه كل تفاصيلك يا سلطان.//

ثبتت عيناه عليها وومضت ببريق العشق وهو يلتهمها بنظراته ....

للحظة...تناسي سارة والطيب وكل ما يطحن رأسه منذ الصباح.

لم ير أمامه سوى تلك الفتاة الجميله التي تطالعه بنظراتها الحنونه الدافئة التي تربط علي روحه المتعبه والتي أصبحت تقرأه من نظرة دون ان يتكلم ....

قطعت حور الصمت بينهم عندما اخجلتها نظراته : يلا العشا هيبرد.

رحمها من تحديقه بها ، طاوعها ووقف معها واتجها نحو المائدة.

وما إن جلس، حتى نظر إلي الطعام باستغراب : هو إنتِ اللي عاملة الاكل ده ؟ 

أومأت بفخر انثوي ودلال : طبعاً ، مفيش حد ممكن يعمل الاكل ده غيري انا وبس..

نظر إلى الأطباق مرة أخري ثم إليها وهتف مشاكساً : امممم...طب اجرب علي ضمانتك ولا هندم بعدها ولا ايه بالظبط،،،

نظرت له برفعه حاجب وتابعت بنبره ذات مغذي : جرب براحتك بس خاليك متاكد ان معايا مش ممكن تندم ابداً....

بادلها النظر بنظره اعمق واقترب بوجه منها حد الخطر وهمس امام شفتيها بشغف : وانا واثق من ده ....

ثم ابتعد عنها وجلس علي السفره الصغيره 
ابتسم وهو يلتقط أول لقمة ياكلها بتمهل بملامح خاليه التعبير....

تابعته حور بعينيها في ترقب ثم سالته بقلق : ايه الاخبار ...

نظر اليها بوجه جامد خالي من التعابير وسالها: انتي متاكده انك انتي اللي عملتي الاكل ده .../

حور بصدق وهي تشير بيديها: والله العظيم عملاه بايديه دول ....

وضع الملعقة جانباً ثم مد يده ملتقطاً يديها هامساً : تسلم لي الايدين الحلوين ثم طبع قبله حسيه علي باطن كفها واتبعه بسيل من القبلات الصغيرة علي كل اصبع من اصابع يدها ....
وبين كل قبله واخري يرمقها ينظره داكنه من عينيه الراغبه فتزيدها ضربات قلبها اضطراباً.....

عاد بجسده الي الخلف كما كان ومازالت عينيه تأثر عينها ثم قال وهو يعود لمواصله طعامه: اخبار جامعتك ايه ؟؟
عملتي ايه انهارده ؟؟

وكانها كانت تنتظر سؤاله ومن تلك الكلمة فقط...انطلقت.
بدأت تحكي بحماس، ويداها تتحركان بعفوية وهي تستعيد تفاصيل يومها.
حكت له عن المحاضرات...
وعن زميلاتها اللاتي تعرفت عليهن وكل شيء حدث معها .

وكان سلطان بستمع لها مستمتعاً بطريقه حكيها و لا يقاطعها فقط ينظر إليها مبتسماً 
كأن كل كلمة او ابتسامة تخرج منها تزيح بعفويتها وروحها الحلوه هماً من همومه وفي نفس الوقت تزيد من ثقل الحمل فوق قلبه 

ثم تابعت بحماس:وعلى فكرة، الدكتور بتاع مادة الاقتصاد النهارده دكتور رهيب شرحه سلس وشخصيته كمان لطيفه بيتكلم معانا كاننا اخواته مش طلبه عنده ....

ابتسم ابتسامه لا تصل الي عينيه وهو يرشفه رشفه من كاس الماء : امممم 

تابعت حور استرسالها ؛ والله يا سلطان انا طول عمري بكره حاجه اسمها اقتصاد بس حبيتها بسبب الدكتور ....

رفع عينيه إليها بجمود : للدرجه دي ؟؟

حور بعفويه : واكتر والله ...

حك سلطان طرف انفه وسالها بجمود : اسمه ايه الدكتور ده وعنده كام سنه ؟

حور بابتسامه واسعه : اسمه دكتور راغب الجوهري وسنه تقريباً من سنك شاب يعني مش عجوز ....

سلطان بغيره وهو ينهض من علي الاكل: تمام ....

قبضت حور علي يده ووقفت، ونظرت إليه بعينين تلمعان بالمشاكسة : سلطان انت غيران ؟؟

نظر اليها بعبوس : وأنا أغير ليه؟

ابتسمت بخبث وتابعت : يعني علشان كنت بشكر في الدكتور قدامك....

سلطان بغيره واضحه : مش قصه قدامي او من ورايا ...
صمت لثواني وهو ينظر لها بجدية: مش سهل عليا يا حور اشوفك فرحانه ومبسوطه وأنتي بتتكلمي عن رجل غيري بالشكل ده ، 
 انتي مش شايفه عنيكي بتلمع ازاي وانتي بتتكلمي عنه ....

ساد الصمت بينهما اختفت النظره المشاكسه من عينيها وحل محلها نظره دافئة
ولانت ملامحها ثم قالت بصوت خرج ناعمًا كهمسه حرير : عارف عينيه كانت بتلمع ليه؟؟

ظل ينظر إليها دون رد لكن ملامحه ظلت علي عبوسها ...

ابتسمت ابتسامة صغيرة وأكملت: مش علشان الدكتور ولا الجامعه ولا علي اي حاجه من دي ....
صمتت لثواني ثم اردفت : عينيا بتلمع بسببك انت ... اتبعت قولها وهي تشير علي صدره باصبعها..

تحشرج صوته وهو يسالها : بسببي انا ازاي يعني...

نظرت اليه حور بعيون تلمع عشقاً وتابعت : ايوه بسببك انت ....لان الراجل اللي واقف قدامي دلوقتي...هو السبب إن الحلم ده بقى حقيقة.

ظل سلطان ينظر إليها بالرغم من اختلاج نبضات قلبه فرحاً بحلاوه كلماتها التي اصابت مكان داخل قلبه لم يصل اليه احداً من قبل الا ان هناك شيئا ثقيلاً  انقبض داخل صدره.

خفضت رأسها وهي تعبث بزر قميصه ثم قالت بابتسامة هادئة: كل ما أدخل الجامعة بدعي ربنا يخاليك ليا ///

أدار وجهه بعيدًا عنها للحظة وأغمض عينيه لأن شعورًا مريرًا اجتاح قلبه.
كيف يخبرها بعد كل هذا أن هناك حقيقة قد تهز هذا السلام بينهم .\\

عاد ينظر إليها فوجدها تبتسم له بنفس الثقة...نفس الطمأنينة...التي وعدته بها ليلة أمس.
عندها اتخذ قراره.....
رفع يديه ووضعهم علي ذراعيها ثم رفع عينيه إليها وقد اختفت ابتسامته تمامًا.وقال بصوت هادئ لكنه كان أثقل من الجبال:حور... فيه كلام لازم تسمعيه مني قبل ما تسمعيه من أي حد تاني...

أما حور...فقد اختفت ابتسامتها تدريجيًا وانقبض قلبها ، لم تكن الكلمات وحدها هي ما أقلقها...بل طريقته في قولها
كان صوته مختلفًا.....هادئًا...إلى حدٍ أخافها.

ابتلعت ريقها وهمست وهي تنظر إليه باستفهام: خير يا سلطان...؟

ظل ينظر إليها للحظات طويلة.كأنه يحاول أن يحفظ ملامحها...
قبل أن يهدم ذلك السلام الذي يسكن عينيها.

تنهد ببطء ثم قال بصوت خفيض: في موضوع مهم لازم تعرفيه ، لانه هيترتب عليه كل اللي جاي ، بس لازم تعرفي حاجه مهمه اوي ، ان انا اختارتك انتي ....

انعقد حاجباها وتسالت بحيره : موضوع ايه؟؟

خفض بصره ولأول مرة...يشعر أن الكلمات التي كان يرددها في رأسه طوال اليوم...
هربت جميعها امام عينيها...
لا يعرف كيف يبدأ؟
هل يخبرها عن سارة أولًا؟
أم عن الزواج العرفي؟ أم عن الحمل؟
وأي حقيقة فيهم ستكون أقل وجعًا؟

رفع رأسه إليها من جديد.
فوجدها تنظر إليه بثقة كاملة...الثقة نفسها التي منحته إياها ليلة أمس، همست حور تحثه علي الحديث عندما رأت التردد في عينيه وقد ادركت أن الموضوع يتعلق بساره وقد ايقنت أن كلامه لن يعجبها : قول يا سلطان كل اللي جواك ...
صمتت لثواني وتابعت بعدها بحسم : وانا هصدقك ،،،،

انقبض قلبه ومجرد تخيله انه قد بفقدها او تبتعد عنه يشعر بخنجر ينغرس بقوه داخل قلبه .،،
وهمس في داخله: سامحيني...
فتح فمه أخيرًا وكاد ان يتحدث لكن...
رن هاتفه فجأة شق الرنين سكون الجناح كالسهم.

نظر سلطان إلى شاشة الهاتف فتجمدت ملامحه باستغراب وقطب جبينه في دهشة.:  هارون؟

تسالت حور بقلق وقد اختفي اللون من وجهها: هارون اخويا؟؟ بيتصل ليه دلوقتي ؟؟
اجابها سلطان بجهل : هنعرف دلوقتي...
ثم ضغظ زر الإجابة سريعًا : أيوه يا هارون...

لم يكد يتم جملته...
حتى جاءه صوت هارون من الطرف الآخر، متقطعًا، يختلط فيه اللهاث بالبكاء المكتوم.: إلحقني يا سلطان...

انقبض قلب سلطان لكنه حافظ علي جمود ملامحه حتي لا يقلق حور المرتعبه جانبه : خير في إيه؟

جاءه صوت هارون مبحوحًا:أبويا اتضرب عليه نار...

شحب وجه سلطان ، نظر الي حور نظره سريعه ثم هتف بقلق : إيه اللي حصل؟... وانتوا فين دلوقتي؟

هارون بصوت مكسور : نقلناه علي المستشفى وهو في العمليات دلوقتي .. بس بالله عليك ما تقولش لحور دلوقتي أنا عارفها هتنهار...
ساد الصمت...لكن هارون لم يكن يعلم أن الوقت قد فات.

رفع سلطان رأسه ببطء...
ينظر الي حور الواقفه امامه بجسد مرتعش ووجهها فقد لونه وعيناها معلقتان به تفتشان في ملامحه عن الإجابة.
أنهى المكالمة باختصار : أنا جاي حالًا وأغلق الهاتف.
ساد صمت ثقيل...
.اقتربت حور خطوة كانت أنفاسها متسارعة سالت بصوت مرتعش: سلطان ....
هو... هارون كان بيتصل ليه؟

ظل صامتًا.
شعرت بقلبها يهبط في قدميها وترقرقت الدموع في عينيها: سلطان رد عليا...

أغمض سلطان عينيه للحظة ثم اقترب منها ببطء مسح بابهامه دموعها وقال بصوت خرج مثقلًا بالألم: اهدي مفيش حاجه ...
الحج هاشم ... هو كويس والله بس هو ...
صمت لا يعرف كيف يخبرها ....

فصرخت فيه : ماله ابويا في ايه ؟؟

استجمع سلطان شجاعته واخبرها محاولاً تخفيف الامر عليها : اضرب عليه نار ونقلوه ع المستشفى...

في لحظة...توقفت الدنيا حولها لم تسمع بقية الجملة ولم تعد ترى شيئًا أمامها.
ظلت تحدق إليه وكأن عقلها يرفض استيعاب ما قاله ثم همست بصوت يكاد لا يُسمع:لا...
بابا...
ثم صرخت فجأة...صرخة خرجت من أعماق روحها: بابااااا...وانهارت ركبتاها.
لكنها لم تلامس الأرض.

كان سلطان قد سبقها بخطوة احتواها بين ذراعيه بقوة.
دفنت وجهها في صدره وانفجرت تبكي بحرقة كانت شهقاتها تمزق قلبه.

أغمض عينيه وضمها إليه أكثر.
كانت ترتجف بين ذراعيه...ارتجافة طفلة فقدت الأمان.

رفع يده...وأخذ يمسح على شعرها ببطء رفع وجهها بين كفيه.
كانت دموعها تغرق وجنتيها.وعيناها حمراوين من شدة البكاء.
قال لها بصوت ثابت يبثها القوه والامان : اهدي يا حور ... هو كويس ان شاء الله..
هنروح له دلوقتي ...
انا جنبك ومش هسيبك...
بس عاوزك قويه زي ما طول عمرك قويه ، علشان خاطر والدتك مش لازم تشوفك وانتي منهاره كده ...سمعاني ....

اومأت له بضعف وهي تشد علي يده تستمد منه القوه .....
.......................

بعد دقايق هبطا من الجناح وهو يحتوي جسدها المرتجف تحت ذراعه،  مرّا عبر بهو الدار بسرعة.

رفعت هانم رأسها ما إن رأتهما وتوقفت الكلمات على شفتيها...
حين رأت وجه حور الغارق في الدموع.
ثم نظرت إلى سلطان وسالته : خير يا ولدي حصل ايه ؟؟

قال سلطان وهو ينظر الي حور : الحج هاشم  اضرب عليه ناو وهو في المستشفى في العمليات ...
واحنا رايحين له دلوقتي....

شهقت ماجدة، ووضعت  يدها فوق صدرها وهي تتمتم:يا ساتر يا رب...
اما هانم فلم تنطق بحرف ولمعت عينيها بنظره فرح لم تخطئها نظره سلطان....
فتحرك نحو الخارج بعدما رمقها بغضب .

تحرك عامر من خلفه : انا جاي معاك يا سلطان...

وفي الخارج ، هتف سلطان في ياسين: بسرعه يا ياسين اطلع علي المستشفى..

فتح سلطان باب السيارة وساعد حور على الجلوس وجلس بجوارها ،بينما قاد ياسين السيارة وبجانبه عامر ...

وانطلقت السيارة تشق ظلام الليل بسرعه تسابق الريح ...

بينما كانت حور تبكي في صمت إلى جواره، وقد تشبثت بطرف عباءته دون وعي...
فمد يده إليها وشبك أصابعه بأصابعها...
وضغط عليها بقوة وقال بصوت هادئ...
كأنه يقسم لها وعدًا جديدًا:مهما حصل انا جنبك ومعاكي .....
.............................

بعد عده دقائق........
ظهرت أضواء المستشفى من بعيد....
ما إن توقفت السيارة أمام المدخل...
حتى فتحت حور الباب قبل أن تتوقف السيارة تمامًا هتف سلطان من خلفها بخوف: حور... استني!

لكنها كانت قد اندفعت تركض بكل ما تملك من قوة.
هبط سلطان خلفها بسرعة، ولحق بها قبل أن تتعثر على درجات المدخل.
أمسك ذراعها برفق قائلاً: اهدي مش كده ..

كانت أنفاسها تتلاحق بعنف وهي تبحث بعينيها في وجوه الواقفين.

وفجأة...وقع بصرها على والدتها.
كانت تجلس على أحد المقاعد الحديدية خارج غرفة العمليات وجهها شاحب...
وعيناها معلقتان بباب غرفة العمليات دون أن ترمش ....

شهقت حورثم اندفعت إليها وهي تصرخ:
ماماااا...

رفعت نرجس رأسها وما إن رأت ابنتها...
حتى انهارت آخر ذرة صمود كانت تتمسك بها احتضنتها بقوة وهي تبكي:أبوكي يا حور...أبوكي غدروا بيه وضربوا نار عليه ،

دفنت حور وجهها في صدر أمها وهي تبكي بحرقة.
بينما وقف سلطان خلفهما مباشرة يراقبهما بعينين امتلأتا بالألم.

اقترب هارون بخطوات متعبة.
كان قميصه الأبيض ملطخًا بالدماء، وشعره مبعثرًا، وعيناه حمراوين من شده الغضب ،

توقف أمام سلطان تبادلا النظرات بصمت قبل ان يساله سلطان بصوت خفيض:
إيه اللي حصل؟

تنهد هارون بحرقه وهو يمسح وجهه بكفيه وتابع: كانا راجعين من جلسه عرفيه عند العبابدة والعربية دخلت الطريق الزراعي...

صمت لحظة ثم أكمل بصوت مخنوق: فجاة طلعوا علينا بعربية من غير نمر وقطعوا الطريق وفتحوا النار علينا...

انعقد فك سلطان بقوة وساله : كان معاكم حرس؟

اجابه هارون : أيوه السواق والحارس .
واحد منهم اتصاب والتاني مات وهو بيضرب نار عليهم ...
بس هما هربوا ولاد الكلب ..

اقترب عامر وقد تغيرت ملامحه وساله : تعرفوا حد منهم ؟؟

هز هارون رأسه بالنفي : لا كانوا ملثمين.

ساد الصمت لكن سلطان لم يقتنع.
ظل ينظر إلى بقعة الدم التي تغطي كم قميص هارون.
ثم سأله بهدوء مخيف:الضرب كان عشوائي ولا كان مقصود بيه الشيخ هاشم؟

رفع هارون عينيه إليه وهي تلمع بنار الغضب المكبوت : لا كان موجه عليا انا وابويا ...

في تلك اللحظة ، اشتعلت عينا سلطان بغضب حارق واختفت ملامح سلطان ابن المدينه وحل محلها وجه شيخ العامرية.
وجه الرجل الذي أدرك أن ما حدث...
ليس حادثًا...بل إعلان حرب جديد....

كانت ملامحه ساكنه، هادئة إلى حدٍ يبعث على الخوف.
إلا أن أصابعه المشبوكة خلف ظهره كانت تنقبض وتنبسط في توترٍ لا يراه أحد.

اقترب ياسين بخطوات سريعة، فانحنى نحوه قليلًا.
همس سلطان دون أن يحول بصره عن باب العمليات: اسمعني كويس...
أومأ ياسين منتظرًا.

قال سلطان بصوت منخفض، لكنه خرج حاسمًا: من اللحظة دي... عدد الرجالة على دار العامرية ودار الرفاعية يتضاعف.

صمت لحظة ثم أردف بنبرة أشد: وحور... ما تتحركش خطوة من غير حراسة.

هز ياسين رأسه بطاعه ...

لكن سلطان لم يكن قد انتهى ، مال نحوه أكثر، وقال بصوت خافت يحمل وعيدًا صريحًا:واللي اتجرأ وعمل كده مع الشيخ هاشم عاوزه حي ولو مستخبي في بطن الأرض تمد ايدك وتطلعهولي.

انعقد فك ياسين بقوة: حاضر يا شيخ سلطان...
ثم تحرك مغادراً منفذاً اوامره ....

لكن خطواتٍ مسرعة جذبت انتباه الجميع.
رفع سلطان رأسه...
فرأى صبري يدخل المستشفى بملابس غير مرتبة، وأنفاس متلاحقة، وعيناه تبحثان بلهفة بين الواقفين.
هتف فور أن وقع بصره على هارون: عمي عامل إيه؟ ومين ابن الحرام اللي عمل كده ؟؟

اجابه هارون بخفوت : لسه في العمليات ادعي له،،،
ثم تحرك يقف بجانب والدته ...

تحركت عين صبري نحو الواقفين فالتقت عيناه بعيني سلطان في صمت مشحون كان كافياً ليشتعل الهواء بينهما ...
كانت نظراتهم تحمل من الكره والتحدي 
ووعد قديم بالدم ولم ينطق أيٌّ منهما بحرف.

رمقه سلطان لكره وتحرك بخطواته حتى وقف بجوار حور مباشرة وقف قريبًا منها إلى حدٍ جعل كتفه يلامس كتفها.
وكأنه يعلن أمام الجميع لن تقترب منها.

قرأ صبري الرسالة جيدًا.
فاشتدت عضلات فكه، لكنه صرف نظره عنها مجبرًا.
في تلك اللحظة اقترب عامر منه حتى أصبحا بعيدين عن مسامع الآخرين.
قال بصوت خفيض: إنت اللي عملت كده؟

استدار صبري إليه بحدة : إنت اتجننت؟
انت بتقول ايه ؟؟
نظر إليه عامر ببرود مستفز : عادي بسالك 

زمجر صبري وهو يقترب منّه هامساً بغضب مكبوت : انا ضرب النار على عمي؟
إنت شايفني إيه؟

رد عامر بلا مبالاة، وعيناه لا تفارقانه:إنت 
محدش يقدر يتوقع بتفكر في إيه ولا ممكن تعمل ايه ؟؟

ظل الاثنان يتبادلان النظرات...
قبل أن يُفتح باب غرفة العمليات.
خرج الطبيب وهو ينزع الكمامة عن وجهه.
فهب الجميع واقفين.
تقدم هارون أولًا هاتفاً بقلق : خير يا دكتور طمني ابويا حالته ايه ؟؟

نظر الطبيب إلى الوجوه المتحفزة حوله، ثم قال بجدية: الحمد لله... قدرنا نوقف النزيف ونستخرج الرصاصة.

انطلقت زفرة ارتياح من الجميع...
لكن الطبيب أكمل سريعًا: بس الحالة لسه حرجة جدًا والحج هاشم هيتنقل العناية المركزة.
وأول تمنيه وأربعين ساعة هما اللي هيحددوا إذا كان هيعدي المرحلة الحرجة ولا لأ.

ساد الصمت وكأن الكلمات سقطت فوق الرؤوس كالصاعقة.

رفعت حور يدها إلى فمها وتراجعت خطوة. لم تعد تسمع شيئًا بدأ كل شيء يدور حولها.
همست بصوت باهت: بابا...
ثم انطفأ كل شيء مال جسدها فجأة إلى الخلف.
لكن سلطان كان أسرع.
التقطها قبل أن تسقط على الأرض، وحملها بين ذراعيه وهو يهتف بصوت دوّى في الممر: دكتوره ....حد يجيب دكتوره حالًا!

ركضت إحدى الممرضات نحوه.
بينما اقتربت نرجس منه  وهي ترتجف، تنظر إلى ابنتها الشاحبة.
وضعت يدها فوق رأسها وهي تتمتم بخوف: يا مرك با نرجس ، يا رب استر...
سترك يارب لا تكون البت حبله يا حبه عيني......

تجمد صبري مكانه كأن الكلمة اخترقت صدره : حامل؟
ارتفع بصره إلى حور الساكنة بين ذراعي سلطان.
وشعر لأول مرة أن قلبه يُسحق تحت قدميه.
قبض يده بقوة حتى ابيضّت مفاصله.
ورأى سلطان يندفع بها إلى إحدى غرف الكشف.
فتح الباب بقدمه ودخل بها.

تحرك صبري خلفه دون وعي لكن الباب اغلق في وجهه وبقيت حور في الداخل مع سلطان ووالدتها .....

سال سلطان الطبيبه بقلق : طمنيني يا دكتوره الله بخاليكي....

اجابته الطبيبه بعمليه وهي تتابع الكشف علي حور : ضغطها واطي ، واضح انها اتعرضت لضغط عصبي جامد علشان كده اغمي عليها ...
انا هعلق لها محلول يرفع لها الضغط وهعمل لها شويه تحاليل نطمن علبها اكتر ..

سالت والدتها الطبيبة: طب المحلول ده مش غلط عليها يا بتي يمكن تكون حبله ولا حاجه ...
الطبيبة بعمليه : اطمني يا حاجه ده مغذي مفيهوش ضرر حتي لو كانت حامل وانا زي ما قلت هنعمل تحاليل علشان نطمن عليها .
الف سلامه عليها.

خرجت الطبيبه ومن خلفها نرجس التي ذهبت لتري زوجها في الرعايه .

اقترب صبري من الغرفه ينوي الدخول لكن قبل أن يعبر الباب...
خرج سلطان وأغلق الباب خلفه وقف أمامه مباشرة.
كتفاه العريضان سدا مدخل الغرفة بالكامل.

نظر إليه صبري بحدة وقال بصلف : وسّع...
عاوز ادخل اطمن علي بنت عمي ...

طحن سلطان ضروسه وقال بصوت منخفض، لكنه كان يحمل من الهيبة ما أجبر صبري علي الصمت وهو يجذبه من تلابيبه بغضب حتي ان جسد صبري ارتفع من عاي الارض بفعل قوه جذب سلطان له :  تدخل فين يا روح امك ....
تدخل عند مراتي ....
هتف صبري بحقد: بنت عمي وعاوز اطمن عليها ...
سلطان بغضب اعمي وغيره مجنونه : وأنا جوزها ...
ثم قرب وجهه منه، وأضاف وهو يثبت عينيه في عينيه: ولا اخر مره بقولك ومالكش دعوة بيها انا مراعي الظرف اللي احنا فيه لكن ماتختبرش صبري اكتر من كده ...

وفي اللحظة نفسها...
تقدم هارون حتى وقف بينهم بعدما استمع لما حدث ، نظر إلى صبري نظرة قاسية فهو لا ينسّي رغبه صبري في الزواج من حور وقال بحسم : صبري ....سلطان عنده حق.
أختي مع جوزها واحنا كلنا موجودين.
روح يا صبري مالكش مكان هنا دلوقتي، اما ابويا يفوق ابقي تعالي اطمن عليه ...

عندها فقط...
أدرك صبري أنه أصبح وحده في مواجهة صعبه مع خصمين ليسوا بهينين ، وأن أي خطوة متهورة الآن لن تخسره حور فقط... بل ستكشف ما يحاول إخفاءه منذ سنوات.

فاكتفى بنظرة مشتعلة إلى سلطان...
بينما رد له سلطان النظرة نفسها، لكن بثقة اكبر ثم نطره من يده ، فهتف صبري وهو يعدل ملابسه : ماشي يا واد عمي .
ثم تحرك مغادراً وهو يتوعد لهم ....
...............

دخل سلطان الغرفة التي ترقد فيها حور بخطوات هادئة، ثم أغلق الباب خلفه برفق، حتى لا يوقظها.

ساد المكان صمتٌ لا يقطعه إلا صوت جهاز قياس النبض... وقطرات المحلول التي تهبط ببطء داخل الوريد الصغير الممتد إلى كفها.

رفع بصره إليها...
كانت مستلقية فوق الفراش، شاحبة الوجه، وقد تناثرت خصلات شعرها حول الوسادة، بينما بدت ملامحها ساكنة كطفلة أنهكها البكاء حتى غلبها النوم.

تقدم نحوها ببطء...
ثم سحب المقعد المجاور للفراش وجلس.

ظل ينظر إليها طويلًا...
دون أن يتكلم لأول مرة منذ سنوات...
يشعر بكل هذا العجز.
لكن رؤية تلك الإبرة المغروسة في يدها الصغيرة...
أوجعته أكثر من أي رصاصة التي اصابته من قبل ....

مد يده بحذر...
وأحاط كفها بكفه الكبير، وكأنه يخشى أن يوقظها.
ثم مرر إبهامه برفق فوق أصابعها الباردة.
وابتسم ابتسامة باهتة.
همس بصوت خفيض: أول مرة أشوفك ساكتة بالشكل ده وتحرميني من صوت ضحكتك ....

خرجت منه ضحكة صغيرة لكنها انطفأت سريعًا.
تنهد، ثم أطرق رأسه للحظات قبل أن يعيد النظر إليها.: رعبتي قلبي عليكي 
لما وقعتي بين إيديا...
أوعي تعملي فيا كده تاني ...

صمت قليلًا ثم رفع كفها إلى شفتيه وطبع قبلة طويلة فوق ظاهرها.
النهارده كنت ناوي أقولك كل حاجة...
وأخلص من الحمل اللي فوق صدري.
كنت ناوي أبص في عينك وأقولك الحقيقة كلها.

ابتلع غصته بصعوبة.
نظر إلى وجهها طويلًا.
ثم قال بصوتٍ انكسر رغم محاولته الثبات:
نفسي لما تفتحي عنيكي وتبصي بنفس النظره اللي دايماً بشوفها في عنيكي اللي سحرتني من اول يوم شوفتهم فيها ، بنفس الحب ، بنفس الثقة.
بس خايف لما تعرفي الحقيقة...نظرتك ليا تتغير ....
انزلقت أنامله تمسح خصلة شعر انزلقت علي جبينها ثم مال قليلًا حتى أصبحت شفاهه قريبة من رأسها.
وطبع قبلة هادئة طويلة على جبينها.
وأغمض عينيه لحظة هامساً : أوعدك...
مهما حصل مش هسيب إيدك.
ولو الدنيا كلها وقفت بيني وبينك...
هفضل متمسك بيكي لآخر نفس.

ظل ممسكًا بكفها ورأسه مستنده عليها، علي طرف الفراش.
بينما كانت هي غارقة في نومها...
لا تعلم أن الرجل الجالس بجوارها...
يعيش أصعب ليلة في عمره.

طبع قبله مطوله علي يدها المغروسة بها ابره السيروم وهمس بضعف: بحبك يا حور ، بحبك ومش عاوز حاجه من الدنيا دي غيرك حتي لو هتخلي عن الدنيا كلها ، بس انتي تفضلي جنبي وجوه حضني ...
بحبك يا حور ...
....................


تعليقات