رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن عشر 18 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن عشر 

في تلك اللحظة، شعر عاصم وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه، وكأن كل ما كان يظنه حقيقة طوال السنوات الماضية بدأ ينهار أمام عينيه.

لم تكن الأرض التي انسحبت من تحته مجرد بلاط مكتبه الرخامي، بل كانت أرض اليقين الزائف والكبرياء العاصف التي وقف عليها بغرور طوال الأسبوعين الماضيين، وهو يظن نفسه رجلًا حكيمًا يثأر لكرامته ويحمي هيبته أمام الجميع.

لقد تهاوت تلك الأرض فجأة، ليتكشف له الفراغ المرعب الذي ألقى بنفسه فيه نتيجة تسرعه.

أما الحقيقة التي ظنها ثابتة كالجبال، فلم تكن نية لينا ولا ولاءها...

بل كانت حقيقته هو.

حقيقة الرجل الذي ظن أن ذكاءه وحنكته قادران على حمايته من الخداع، ليكتشف الآن أنه كان أسهل مما تخيل أن يُقاد إلى الفخ.

ظل يحدق في الرسالة، عاجزًا عن استيعاب كلماتها، قبل أن تعود عيناه إلى سطرها الأول:

«يا لكَ من مغفّلٍ يا عاصم!

يمدحون ذكاءك، ويحسبونك رجلًا لا تخدعه الحيل... لكنك في الحقيقة لستَ إلا أحمقَ سهل الانقياد.»

تسارعت أنفاسه بعنف، وكل سطر كان ينتزع قطعة أخرى من كبريائه.

تابع القراءة:

«كنتُ أعلم أن غرورك وكبرياءك سيجعلانك فريسة سهلة، لذلك لم أحتج إلا إلى بعض الأكاذيب... وبعض الأدلة المزيفة.

أسبوعان فقط!

أسبوعان كانا كافيين لأجعلك تشك في المرأة التي أحببتها، وتصدق أن الخيانة أسهل تفسير لكل شيء.

أنا لم أهزمك... أنت من هزم نفسه.

أنا فقط وضعت أمامك الكذبة، وأنت كنت أحمق بما يكفي لتعتبرها حقيقة.»

تجمدت أصابعه حول الهاتف.

أسبوعان...

مجرد أسبوعين كانا كافيين ليمحو كل شيء.

كل الثقة.

كل العِشرة.

كل السنوات التي جمعته بلينا.

لقد صدّق ورقًا أكثر مما صدّق المرأة التي أحبها، المرأة التي وقفت إلى جواره، وتحدت جدها وعائلتها، واختارت أن تكون شريكته وسنده.

لم يتوقف ليسأل.

لم يبحث عن الحقيقة.

لم يمنحها حتى فرصة واحدة للدفاع عن نفسها.

رفع عينيه عن الشاشة للحظة، وكأن الفكرة وحدها كانت كفيلة بسحقه.

ثم تابع القراءة:

«ولعلك تتساءل الآن...

لماذا أرسلتُ هذه الرسالة إلى هاتف لينا، ولم أرسلها إلى هاتفك؟

لأنني أردتك أن تقرأها من هاتف المرأة التي ظلمتها.

أردتك أن تمسك هاتفها بيدك، وتقرأ الحقيقة من المكان الذي تركتَ فيه أنت آخر دليل على براءتها.

لأنني لم أجبر يدك على ضربها، ولم أجبرك على طردها.

أنت فعلت كل ذلك بنفسك.

اذهب الآن وابحث عن روحك التي أضعتها في لحظة غضب...

ولا تقلق، حين تعتقد أن أسوأ ما حدث قد انتهى، ستكتشف أن ما فعلته بك حتى الآن...

لم يكن سوى البداية.»

أفلت الهاتف من يده المرتجفة ليصطدم بالمكتب الرخامي، محدثًا صدىً ثقيلًا تردد في أرجاء الغرفة.

ظل واقفًا للحظات، لا يتحرك، ولا يكاد يتنفس.

ثم التفت حوله ببطء، وكأن المكان كله يذكره بها.

خرج صوته هامسًا:

ـ إنتِ... بجد؟!

اختنق صوته، ثم قال بصعوبة:

ـ إنتِ بريئة... وأنا اللي دمرتك بإيدي؟!

تراجع خطوة إلى الخلف، وقبض على حافة المكتب بقوة.

وفجأة، انفجر كل ما بداخله.

أطلق صرخة مدوية، ثم استدار نحو أرجاء المكتب، وبدأ يحطم كل ما تقع عليه يده.

امتدت يده إلى التحف والقطع الكريستالية، فقذفها بعنف، واحدة تلو الأخرى، حتى تحطمت على الأرض والجدران، وتناثرت شظاياها في أرجاء المكان.

ثم دفع ما فوق المكتب بيده دفعة واحدة، فسقطت الأوراق والمجلدات والأشياء المتناثرة على الأرض.

لم يكن يحاول تدمير المكتب...

كان يحاول التخلص من العجز الذي ينهشه من الداخل.

كان يلهث بعنف، وصدره يعلو ويهبط بسرعة.

إحدى الشظايا جرحت كف يده، وسال الدم بين أصابعه.

نظر إليها للحظة، ثم رفع رأسه وصرخ:

ـ أنا غبييييي!

ارتد صدى صرخته في أرجاء المكتب.

ثم ضرب صدره بقبضته الجريحة:

ـ أنا دمرت بيتي بإيدي!

وبعدها خمد كل شيء فجأة.

تراخت ساقاه، وسقط جاثيًا على الأرض وسط الفوضى.

ظل للحظات يحدق أمامه، قبل أن تقع عيناه على هاتف لينا.

مد يده إليه، والتقطه بحذر، ثم ضمه إلى صدره.

انهمرت دموعه دون مقاومة.

عادت إليه صورتها في الحفلة...

دموعها.

صوتها وهي تستنجد به.

وهو يطردها من حياته دون أن يمنحها فرصة واحدة.

خرج صوته باكيًا:

ـ دي ضحت بكل الدنيا عشاني...

شهق، ثم تابع بصعوبة:

ـ وأنا... أول ما جاتلي الفرصة... بعتها وطردتها من حياتي!

سكت للحظات، ثم خرج صوته متهدجًا:

ـ يا رب...

ظل جاثيًا وسط الحطام، والهاتف بين يديه، والدم يسيل من كفه.

لم يعد هناك ما يستطيع إخفاءه عن نفسه.

لقد فهم أخيرًا أن عدوه لم يحتج إلى مواجهته.

كل ما فعله أنه وضع الكذبة أمامه...

وتركه يحرق جنته بيديه.

***

وفي الوقت نفسه...

كانت نجاة هانم وسيلا ومراد في غرفهم بالطابق الأعلى ، وقد استيقظوا على صوت تحطم عنيف من الاسفل أعقبه صراخ عاصم.

انتفضوا من أماكنهم وهبطوا مسرعين إلى الأسفل.

تبادلوا نظرات قلقة، ثم أسرعوا نحو مكتبه.

كلما اقتربوا، ازدادت أصوات أنفاس عاصم المضطربة وضوحًا.

فتح مراد الباب.

وتجمد الثلاثة في أماكنهم.

لم يكن المشهد بحاجة إلى تفسير.

الفوضى تملأ المكتب، والتحف المحطمة متناثرة حوله، بينما كان عاصم جاثيًا على الأرض، ووجهه غارقًا في الدموع، وكفه تنزف.

لم يلتفت إليهم.

ظل يحدق أمامه، وكأنه لم يشعر أصلًا بدخولهم.

اقتربت نجاة منه بخطوات مرتجفة:

ـ عاصم... مالك يا ابني؟!

لم يجب.

ظل صامتًا لثوانٍ، ثم خرج صوته مكسورًا:

ـ طلقتها...

تبادلت سيلا ومراد نظرة صادمة.

رفع عاصم عينيه إليهم، وكأن الكلمات تنتزع من داخله:

ـ وطردتها...

ثم انخفض رأسه، وانكسر صوته تمامًا:

ـ وهي بريئة.

ساد الصمت.

لم يسأله أحد ماذا حدث.

كانت حالته وحدها كافية لتخبرهم أن شيئًا خطيرًا قد انكسر بداخله.

***

منزل سعاد وإبراهيم...

كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهرًا، حين استيقظت لينا على صوت طرقات خفيفة متتالية على باب الغرفة.

فتحت عينيها ببطء، وظلت للحظات تحدق في السقف بشرود، قبل أن يفتح الباب برفق، وتطل منه سعاد بابتسامتها الحنونة المعتادة، قائلة:

ـ يلا يا قمر اصحي.. إحنا بقينا الظهر! اصحي خدي دش وفوقي كده على ما أحضر الفطار ونفطر سوا. هجيبلك حاجة مريحة تلبسيها من هدوم البت إيمان.

هزت لينا رأسها ببطء بالموافقة، وحاولت رسم ابتسامة صغيرة مجاملةً لاهتمامها.

استدارت سعاد لتخرج، لكن خطوتها تيبست فجأة، وعيناها وقعتا على الكومودينو بجوار السرير.

كان طبق المكرونة والبانيه الذي وضعته لها بالأمس ما يزال في مكانه كما هو، لم تمسسه يد.

اتسعت عينا سعاد، وضربت يدها على صدرها بشهقة عفوية:

ـ إيه ده! إنتِ متعشيتيش؟!

نظرت لينا إلى الطبق بإحراج، وأشاحت بعينيها في صمت.

لتبادرها سعاد بنبرة تعجب وهي تشير إلى الطبق:

ـ بقى في حد عاقل يسيب طبق مكرونة وبانيه وينام؟! ده أنا وعمك إبراهيم خلصنا على حلة المكرونة والبانيه اللي جوه!

ضحكت لينا بخفة، وخرجت منها ابتسامة حقيقية رغم حزنها.

راقبتها سعاد بابتسامة واسعة، وكأنها حققت انتصارًا صغيرًا، ثم قالت:

ـ أهو كده! أهو الوش ده اللي عايزة أشوفه... مش الوش اللي عامل زي وش اللي ضيّع فردة شبشب في البحر!

ضحكت لينا مرة أخرى، بينما هزت سعاد رأسها برضا:

ـ خلاص، انسي بقى طبق امبارح ده. أنا هعملك فطار جديد.

ثم خرجت وهي تتمتم:

ـ مكرونة وبانيه ويتسابوا عشان النوم... والله الناس بقت غريبة!

بعد قليل...

خرجت لينا من الغرفة، وسارت بخطوات مترددة نحو الصالة.

كانت سعاد قد رصّت على الطاولة فطورًا حافلًا من الفول، والبيض المقلي، وطبقًا من الطعمية الساخنة المقرمشة والجبن بالطماطم.

التفتت سعاد وقالت بترحيب حار:

ـ تعالي يا حبيبتي اقعدي.. يلا سمّي الله.

ومدت يدها بقرص طعمية ساخن يفوح منه السمسم ووضعته أمامها:

ـ كلي وهي سخنة كده..

جلست لينا بالخجل والامتنان نفسهما:

ـ تسلم إيدك يا طنط.. بس ده كتير قوي، تعبتي نفسك.

قطعت سعاد نصف رغيف ساخن، وغمست في طبق الفول وقربته منها مشجعة:

ـ تعب إيه يا خايبة؟ كلي بس.

أخذت لينا اللقمة بتردد، وما إن تذوقتها حتى خانتها دموعها ونزلت على وجنتيها في صمت وهي تنكس رأسها.

لم تعاتبها سعاد ولم تسألها. سحبت منديلًا وربتت على يدها بحنان، ثم قالت بابتسامة دافئة:

ـ طب والله ما هسيبك تعيطي لوحدك.. كلي بس، وأنا هعيط معاكي بعد ما نخلص الطعمية عشان متبردش.
بعدما انتهتا من تناول الطعام، وقفت لينا بسرعة محاولةً التغلب على خجلها، وبدأت في جمع الأطباق الفارغة لتساعد سعاد.

التفتت إليها سعاد بابتسامة راضية وقالت:

- سيبيهم يا بنتي، أنا هشيلهم.. إنتِ لسه تعبانة.

أصرت لينا بنبرة هادئة وهي تحمل الصينية:

- لا والله يا طنط، سيبيني أساعدك.. عشان خاطري.

هزت سعاد رأسها باستسلام دافئ:

- ماشي يا ستي، تسلم إيدك.. ادخلي بيهم المطبخ على ما أعمل لنا كوبايتين شاي في الخمسينة يظبطوا الدماغ، ونقعد ندردش شوية.

بعد دقائق، عادت سعاد إلى الصالة وهي تحمل صينية صغيرة عليها كوبان من الشاي الساخن، يتصاعد منهما البخار برائحة النعناع.

وضعت الصينية على الطاولة، وجلست في المقعد المقابل للينا، ثم نظرت إليها للحظات قبل أن تقول بنبرة هادئة:

- قولي لي بقى يا حبيبتي... من إمبارح لما جيتي وإنتِ غايبة عن الدنيا.. إنتِ لسه مفتكرتيش حاجة؟ حتى اسمك؟

نظرت لينا إلى كوب الشاي، واشتبكت أصابعها بتوتر حوله.

ابتلعت غصتها، ثم هزت رأسها ببطء، وقالت بصوت خافت:

- لأ.. مش فاكرة أي حاجة خالص يا طنط.

ظلت سعاد تنظر إليها لثوانٍ، وكأنها تحاول فهم ما وراء تلك الإجابة، قبل أن تلين ملامحها.

مدت يدها وربتت على يد لينا بحنان، وقالت:

- ولا يهمك يا حبيبتي.. متضغطيش على نفسك. بكرة كل حاجة ترجع لمكانها. اشربي الشاي وريحي بالك، وإحنا مش مستعجلين على حاجة.

ابتسمت لينا ابتسامة صغيرة ممتنة، بينما رفعت سعاد كوبها وارتشفت منه بهدوء، دون أن تزيد عليها سؤالًا واحدًا.

فى فيلا الرشيد..
ظل عاصم جاثيًا وسط الحطام، والهاتف بين يديه، والدم يسيل من كفه دون أن يشعر به.

إيدك!

لم يجبها عاصم.

كان ما يزال غارقًا في صدمته، وعيناه مثبتتان على هاتف لينا، وكأنه لم يسمعها من الأساس.

أسرع مراد إلى حقيبة الإسعافات الأولية، وأخرج منها المطهر والضمادات، ثم جلس أمام عاصم وأمسك يده بحذر.

ـ استنى يا عاصم... لازم أنضف الجرح.

لم يعترض عاصم، ولم يتحرك.

ظل ساكنًا تمامًا، وكأن جسده موجود في المكان، بينما عقله ما يزال عالقًا في اللحظة التي اكتشف فيها الحقيقة.

بدأ مراد بتنظيف كفه وتطهير الجرح، بينما ظلت نجاة واقفة بجواره، تمسح دموعها وهي تنظر إلى ابنها بعجز.

انتهى مراد من تضميد يده، ورفع عينيه إليه بقلق:

ـ كده الجرح اتطهر واتغطى.

لم يرد عاصم.

ظل صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم رفع رأسه ببطء.

وفجأة، وكأن شيئًا أيقظه من غيبوبته، مسح دموعه بعنف ونهض.

قال بصوت متهدج:

ـ لازم ألاقيها.

ثم اتجه نحو الباب دون أن يضيف كلمة أخرى.

لم يعد يستطيع البقاء هنا.

كان عليه أن يجدها.

الآن.

اتجه إلى مكتبه بسرعة، وفتح أحد الأدراج، وأخرج منه النسخة الاحتياطية من مفتاح سيارته.

كان المفتاح الأساسي مع سائقه مسعد، لكنه احتفظ بالنسخة الأخرى في مكتبه.

قبض على المفتاح في يده، ثم اندفع خارج الغرفة.

ـ عاصم!

ركض مراد خلفه.

ـ يا عاصم! استنى!

لم يلتفت إليه.

ـ رايح فين؟!

واصل عاصم سيره دون أن يجيبه.

وصل إلى السيارة، فتح الباب، واستقل مقعد القيادة.

وصل مراد إليه وهو يلهث:

ـ طب استنى! هغير هدومي وآجي معاك!

لم يرد عاصم.

أدار المحرك وانطلق بالسيارة فورًا.

ظل مراد واقفًا للحظة، ثم التفت إلى مسعد الذي كان قد وصل إلى مدخل الفيلا.

قال بسرعة:

ـ مسعد! خد عربية من الجراج والحق عاصم.

ـ حاضر يا مراد بيه.

ـ ومتسيبوش لوحده.

أومأ مسعد، ثم أسرع نحو الجراج.

كانت نجاة قد وصلت إلى مدخل الفيلا، وعيناها غارقتان في الدموع.

قالت بصوت مرتجف:

ـ الحقه يا مراد...

أمسك مراد يدها برفق، وقال مطمئنًا:

ـ حاضر يا أمي... متخافيش، هحصله.

ثم أسرع إلى الطابق العلوي ليغير ملابسه.

وبعد لحظات، خرجت سيارة مسعد من الجراج وانطلقت خلف عاصم.

أما عاصم، فكان قد ابتعد بالفعل، يقود بلا توقف، وعقله لا يفكر إلا في شيء واحد:

أن يجدها.

ومهما طال الطريق...

لن يتوقف قبل أن يصل إليها.
توقفت سيارة عاصم أمام البناية التي تسكن بها سارة.

ترجل منها بسرعة، واتجه نحو مدخل البناية دون أن يلتفت خلفه.

وصل مسعد بسيارته بعد لحظات، وترجل منها مسرعًا ليلحق به.

وفي الوقت نفسه، كان مراد قد انتهى من تغيير ملابسه، فأخرج هاتفه واتصل بمسعد.

ـ ألو يا مسعد، وصلتوا فين؟

ـ إحنا عند البناية اللي ساكنة فيها سارة.

ـ وعاصم فين؟

ـ طلع على فوق يا مراد بيه، وأنا وراه.

ـ خليك معاه ومتسيبوش.

ـ حاضر.

أغلق مراد الهاتف، ثم أسرع إلى الأعلى .

صعد عاصم في المصعد، وهو يستمع إلى دقات قلبه المتسارعة، حتى وقف أمام الباب وضغط على الجرس عدة مرات متتالية بلهفة وقلق.

فتحت سارة الباب، وما إن رأت عاصم أمامها حتى اتسعت عيناها بدهشة وجمدت مكانها.

كانت ملامحه مبعثرة، وعيناه حمراوين من أثر الدموع المحبوسة، يلهث وكأنه قطع أميالًا ركضًا.

نظرت إليه بصدمة، وهي تحاول استيعاب وجوده المفاجئ أمامها بهذا الشكل المنهار، ونطقت بصوت متلعثم:

ـ دكتور عاصم؟!

لم ينتظر عاصم أن يستمع لدهشتها، بل قال بسرعة ودون مقدمات، وعيناه تتجاوزانها إلى الداخل:

ـ عايز أكلم لينا.

نظرت إليه سارة بذهول، وعقدت حاجبيها باستغراب شديد، وقالت:

ـ لينا؟! هي مش معاك؟ دي مكلماني ومجهزة لك كل حاجة امبارح عشان تفاجئك وتفرحك في عيد ميلادك! في إيه يا دكتور؟

نزلت كلماتها عليه كالصاعقة.

شعر بندم يمزق أحشاءه، وغيظ شديد من نفسه.

تذكر الحطام في الفيلا، وتذكر كيف قابل حبها وتخطيطها ليسعده بتهوره وغبائه.

تضاعف ألمه، واشتعلت النيران في صدره، وهو يدرك كم كان قاسيًا معها، وأيقن من ملامح سارة المصدومة أنها حقًا لا تعرف مكانها.

حاول كبت انفعاله وغصته، وقال بنبرة مكسورة، وهو يتراجع خطوة إلى الخلف:

ـ لو اتصلت بيكي... كلميني.

واستدار فورًا ليغادر، لكن سارة استوقفته بسرعة وقلق:

ـ دكتور عاصم! في إيه؟ فهمني... لينا مالها وليه بتدور عليها بالشكل ده؟!

لكنه لم يرد عليها.

استمر في طريقه بخطوات سريعة متجهًا نحو المصعد، تاركًا إياها في حيرتها وخوفها المتصاعد.
خرج عاصم من البناية كالمغيب، يجرّ أذيال خيبته، وقد تضاعف ندمه بعد كلمات سارة.

ركب سيارته وانطلق بها مجددًا، ولم يكن في ذهنه سوى احتمال واحد...

ربما لجأت إلى جدها.

ضغط على دواسة الوقود أكثر، وانطلق نحو الزمالك، وعيناه مثبتتان على الطريق، بينما كانت صورة لينا لا تفارق ذهنه.

بعد دقائق، ظهرت أمامه البوابة الحديدية الضخمة لفيلا الجد.

انحرف عاصم بسيارته نحو الشارع الهادئ المشجر، ثم ضغط على الفرامل بقوة أمام البوابة.

ترجل من السيارة بسرعة، واتجه مباشرة نحو البوابة، وضغط على الجرس عدة مرات متتالية.

بعد لحظات، ظهر أحد أفراد الأمن خلف البوابة، ونظر إليه باستغراب:

ـ خير يا فندم؟

قال عاصم بسرعة:

ـ افتح البوابة.

تردد الحارس وقال:

ـ حضرتك مين؟

أجابه عاصم دون تردد:

ـ عاصم الرشيدي.

ظل الحارس ينظر إليه للحظات، ثم استدار ونادى رئيس الحرس.

اقترب رئيس الحرس من البوابة، وما إن وقعت عيناه على عاصم حتى عرفه فورًا.

ـ دكتور عاصم؟

ـ أيوه... افتح البوابة.

تغيرت ملامح رئيس الحرس، وقال بحرج:

ـ مقدرش يا دكتور.

عقد عاصم حاجبيه:

ـ يعني إيه مقدرتش؟

ـ الباشا مدي أوامر صريحة ومشددة... ممنوع دخول حضرتك الفيلا.

اقترب عاصم من البوابة أكثر:

ـ أنا لازم أدخل.

هز رئيس الحرس رأسه بسرعة:

ـ والله مقدرش يا دكتور.

ـ افتح البوابة.

ـ لو فتحتها من غير إذن الباشا، أنا اللي هتحاسب... وممكن أخسر شغلي.

قال عاصم بانفعال:

ـ وأنا هتحمل مسؤولية دخولي. افتح بس.

قال رئيس الحرس برجاء:

ـ يا دكتور، متحطنيش في الموقف ده. الباشا مدي أوامر واضحة، ولو عرف إني سمحتلك تدخل، مش هيعديهالي... أنا ممكن أتطرد من شغلي.

ظل عاصم يحدق فيه للحظات، ثم قال بصوت متهدج، لكنه حاسم:

ـ أنا لازم أدخل... لازم أشوفها.

ـ مقدرش يا دكتور، سامحني.

عندها انفلتت أعصاب عاصم تمامًا.

اندفع نحو البوابة، وبدأ يضرب عليها بقبضتيه بعنف، وصاح بأعلى صوته:

ـ لينااااا! لينا اطلعيلي! أنا عارف إنك جوه!

واصل ضرب البوابة بجنون:

ـ مش همشي من هنا غير لما أكلمك! يا ليناااا!

***

في الداخل، كان أفراد عائلة لينا مجتمعين حول مائدة الإفطار، يتناولون طعامهم في هدوء، حين دوّى فجأة صوت الضربات العنيفة والصراخ القادم من جهة البوابة الخارجية.

توقفت الأحاديث، ورفع الجميع رؤوسهم في الوقت نفسه، بينما نظر بعضهم إلى بعض باستغراب.

قال ممدوح وهو يلتفت نحو أحد الخدم:

ـ شوف إيه الدوشة اللي بره دي.

ـ حاضر.

أسرع الخادم إلى الخارج، بينما ظل الجميع حول المائدة في حالة ترقب.

وبعد لحظات، عاد الخادم مسرعًا، وقال:

ـ الدكتور عاصم بره.

ساد الصمت للحظة.

وفجأة، ترك الجميع الطعام، ونهضوا من أماكنهم.

ضرب الجد كفه على الطاولة بغضب، وقال:

ـ إيه اللي جايبه هنا تاني؟!

أمسكت الجدة بيده سريعًا، وقالت:

ـ اهدى يا بهاء... خلينا نشوف في إيه. ومتنساش حفيدتنا عنده.

ظل الجد صامتًا للحظات، ثم قالت الجدة:

ـ روح يا ممدوح شوفه.

أومأ ممدوح برأسه:

ـ حاضر يا تيتا.

ثم أسرع خارجًا باتجاه البوابة.

وما إن وصل إليها ورأى عاصم حتى توقف للحظة، وقد أصابه الذهول من حالته المزرية؛ ملابسه مبعثرة، وجهه شاحب، وعيناه حمراوان من أثر البكاء.

اقترب منه ممدوح وقال باستغراب:

ـ في إيه يا دكتور؟ جاي ليه؟

التفت إليه عاصم، وكأنه لم يرَ أمامه سواه:

ـ عايز لينا... أنا لازم أكلمها.

قال ممدوح بجدية:

ـ بس لينا مش هنا يا عاصم.

وكأن الكلمات لم تصل إليه، ظل عاصم يحدق في البوابة، ثم بدأ ينادي بأعلى صوته:

ـ ليناااا! لينا افتحيلي!

أمسك ممدوح بذراعه محاولًا إيقافه:

ـ عاصم، بقولك لينا مش هنا!

لكن عاصم انتزع ذراعه منه، وعاد يضرب على البوابة:

ـ ليناااا! أنا عارف إنك جوه! اطلعيلي!

اشتعل الغضب في عيني الجد من الداخل، وما إن سمع عاصم ينادي باسم حفيدته بهذا الشكل حتى دفع الباب الخارجي واتجه نحو البوابة.

وصل إليها، وقال بصوت صارم:

ـ سيبه يا ممدوح.

تراجع ممدوح خطوة، بينما وقف الجد أمام عاصم، وعيناه مليئتان بالغضب.

ـ عايز إيه يا ابن الرشيد؟!

رفع عاصم عينيه إليه، وقال بصوت مكسور:

ـ عايز مراتي.

حدق الجد فيه بحدة، ثم قال:

ـ مراتك عندك... إحنا مشفناهاش من تلات سنين!

تجمد عاصم في مكانه.

اتسعت عيناه، وخرج صوته متلعثمًا:

ـ م... مش هنا؟

اقترب خطوة، وقال بارتباك:

ـ أمال... أمال راحت فين؟

بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه، وارتجفت أنفاسه وهو يقول:

ـ أنا كنت فاكر إنها جت هنا... افتكرت إنها لجأت لك.

نظر إليه الجد بقلق:

ـ إنت بتقول إيه؟

ابتلع عاصم ريقه بصعوبة، وقال بصوت خافت:

ـ أنا... مش عارف هي راحت فين.

تدخل ممدوح بقلق:

ـ يعني إيه مش عارف؟ من إمتى الكلام ده؟

رفع عاصم عينيه إليه، وابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يقول:

ـ من... امبارح.

شهقت الجدة، ووضعت يدها على فمها، بينما اتسعت عينا ياسمين في صدمة:

ـ اختفت؟!

همّت الجدة بالكلام، لكن الجد رفع يده بحزم، وقال:

ـ استني.

ثم ثبت عينيه على عاصم، يريد أن يفهم منه ما حدث أولًا.

وعلى الجانب الآخر من الساحة، وبعيدًا عن مسمع الجد خوفًا من بطشه وغضبه، تنحت فريدة ووالدتها جانبًا.

نظرت فريدة إلى والدتها بضيق واشمئزاز، بينما راحت تتابع الفوضى التي قلبت هدوء الصباح رأسًا على عقب، ثم همست بنبرة حانقة:

ـ وبعدين بقى في القرف ده؟! مش كنا خلصنا منها ومن مشاكلها؟! راجعة تقلب لنا البيت تاني ليه؟!

لوت والدتها فمها بضيق، وقالت وهي تراقب المشهد من بعيد:

ـ ما صدقنا البيت هدي... أهو رجعنا تاني لنفس الدوشة.

ثم تبادلتا نظرة تحمل قدرًا واضحًا من الضيق والشماتة، قبل أن تعودا لمتابعة ما يحدث من بعيد.

عاد ممدوح يسأل عاصم بجدية:

ـ من إمتى الكلام ده؟

خفض عاصم رأسه، وقال بصوت متهدج:

ـ من امبارح.

انفجر الجد غضبًا:

ـ من امبارح؟!

ثم صاح فيه:

ـ وإنت سايب مراتك من امبارح ومش عارف هي فين؟! وجاي تدور عليها عندي دلوقتي؟!

خفض عاصم رأسه، عاجزًا عن الرد.

استدار الجد فورًا نحو ممدوح، وقال بحسم:

ـ ممدوح! اخرج دور عليها حالًا، وخد رجالة معاك.

ـ حاضر يا جدي.

ـ متسيبش مكان إلا لما تدور فيه، ومترجعش غير وهي معاك.

ـ حاضر.

ثم قال الجد بصرامة:

ـ ولازم الليلة تكون في القصر.

أومأ ممدوح:

ـ حاضر يا جدي.

عاد الجد بنظره إلى عاصم، وقال بحدة شديدة:

ـ أما ابن الرشيد... حسابه معايا بعدين.

ثم أضاف بحسم:

ـ بس الأول نلاقيها.

أومأ ممدوح بسرعة، ثم استدار لينفذ أوامر جده، بينما بدأ رجال الأمن يتحركون استعدادًا للبحث.

ظل عاصم واقفًا في مكانه، شاردًا، وكأن قدميه لم تعودا تحملانه.

وفجأة، توقفت سيارة أمام البوابة، وترجل منها مراد مسرعًا.

اتجه مباشرة نحو عاصم، وأمسك بذراعه:

ـ عاصم... يلا معايا.

لم يرد عاصم، وظل واقفًا في مكانه وعيناه معلقتان بالبوابة.

شد مراد على ذراعه أكثر:

ـ عاصم، يلا.

التفت إليه عاصم أخيرًا، وقال بصوت متهدج:

ـ مش عارف هي فين يا مراد...

نظر إليه مراد للحظات، ثم قال بحزم وطمأنينة:

ـ هنلاقيها إن شاء الله... متخافش، لينا لازم تكون بخير.

أمسكه من ذراعه وساعده على التحرك نحو السيارة.

وقبل أن يركب عاصم، التفت للحظة نحو الجد.

كانت نظراتهما متقابلة...

غضب الجد في مواجهة خوف عاصم.

أومأ عاصم له بصمت، ثم ركب سيارة مراد.

أغلق مراد الباب، واستدار نحو مقعد القيادة، بينما تحركت سيارة مسعد خلفهما.

انطلقت السيارات بعيدًا عن الفيلا...

رحلة لم يكن أيٌّ منهم يعرف إلى أين ستقودهم...


تعليقات