رواية لولا الغرام الفصل الثامن عشر 18 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل الثامن عشر 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 

يتحرك ساكنًا كآلةٍ بلا روح، كأنما أصابت روحه سكتةٌ مفاجئة شلّت كامل حواسه، لقد اقتلعت الصدمة كينونته من جذورها، فلم تترك له عيناً تبكي رحيلها، ولا حنجرةً تقوى على الأنين، لقد تجاوز الوجع وانتقل إلى مرحلة اللاوعي بالحِسِ، حيث تجمدت المشاعر في عروقه كقنوات ماءٍ تحجرت في جوف الصخر، ليصبح مغتربًا حتى عن دقات قلبه، 
تجمدت ملامحه في ذهولٍ، وبقي شاخصًا ببصره نحو الفراغ،كأنما ينظر إلى مشهد ذبحه من بعيد، دون أن يستوعب أن تلك الدماء هي دِماؤه، انطفأت مصابيح الوعي في داخله، فلا الحزن عاد يحرقه ولا الندم يؤلمه، وكأن غلافًا جليديًا بات يفصله عن هذا العالم،أصبح  يرى الحركة ولا يسمعها، يلمس الأشياء ولا يحسها. 

لم تكن لهُ حبيبةً فحسب، بل كان يسكنها كوطنٍ، أمضى عمره يغزل من خيوط الأمل أبهى الأقدار معها، ويبني في خياله الفسيح مدنًا من بلورٍ وياسمين، شيدَ فيها تفاصيل ضحكاتهما، وعطر أنفاسهما، ومستقبلاً رآه يقينًا لا شك فيه ، بعد أن صب في ذلك الخيال خلاصة روحه ونبضه،وفجأة، انقشعت الغشاوة عن الحقيقة العارية، تبين أن كل ذلك البناء الشاهق، وكل تلك الأمنيات والصلوات، لم تكن سوى استثمارٍ في السراب،فمع أول إعصارٍ، سحب البحر أساسات قصرهما الرملي، وابتلعته الأمواج في جوف اليم، مُحيت الحكاية من الوجود بجرة ماء، واختفى الأثر تمامًا كأنه لم يكن،وهو الآن يقف وحيدًا على الشاطئ، ينظر إلى الفراغ، مدركًا في أعماقه أنه لم يخسرها هي، بل خسر نفسه التي أودعها فيها، وتلاشى مع أول موجة مسحت آخر ذرة من أحلامه.
"رشيد عبدالرحمن المسيري"
بقلمي« روز أمين» 
_______*________

شعرت في تلك اللحظة كأن روحها تُسحب من جسدها ببطءٍ شديد، استجمعت بقايا قوتها، وضغطت على شفتيها المرتجفتين، ثم قالت بنبرة يقطرُ منها الإستسلام والألم:
-أنا موافقة . 
ثم تطلعت إلى والدها وتابعت وهي تلقي بآخر أوراقها الخاسرة في هذه المواجهة: 
-بس بشرط، توعدني إنك مش هتخليهم يأذوا رشيد. 

لم تهتز شعرة واحدة منه، بل جاء صوته جافًا، قاطعًا، وخاليًا من أي حنانٍ أبوي كان يكنه لها في الماضي، كأنه مديرًا يملي شروط تعاقدًا صارم:
-طول ما انتِ بعيدة عنه هو في أمان.

واسترسل مهددًا بنظراتٍ تقطرُ وعيدًا: 
-لكن لو الشيطان لعب في دماغك، ساعتها ما تبقيش تلومي غير روحك، لأن كل اللي هيحصل له مني،هتبقي إنتِ السبب فيه. 

أومأت برأسها عدة مرات متتالية، ثم استدارت ببطء وهي تجر خلفها ذيول خيبتها في استسلامٍ مرير، كان جسدها يتأرجح فوق درجات السلم كغصنٍ واهن عصف به الخريف، يتهاوى في صمت ويوشك على السقوط،تابعت راندا صعودها حتى تلاشت خطوتها، تنفست بارتياح، والتفتت إلى زوجها بابتسامة حارة مشوبة بالفخر بدهائه:
-برافو عليك يا منير، هي مكنتش هتيجي غير بالطريقة دي.

لكن الابتسامة لم تدم، إذ سرعان ما غامت عيناها بمرارة حانقة، وتابعت بنبرة يمتزج فيها القهر بالذهول:
-أنا مش قادرة أستوعب إن بنتي أنا، اللي ربيتها وكبرت وعاشت طول عمرها "برنسيس"، توصل بيها الجرأة والبجاحة إنها تفكر تتجوز من ورانا، ومن مين؟!

تأفف "منير" بضيق، شائحًا بوجهه بعيدًا، فقد أصبحت هذه السيرة برمتها تثير غثيانه،لذا قال بنبرة حادة وصارمة لا تقبل المراجعة:
-خلاص يا راندا، الموضوع ده إتقفل ومش عاوز أسمع سيرته في البيت ده تاني.

تحرك "رائد" ليقترب على والده، بينما ملامحه توحي برغبة عارمة في الانتقام :
-الولد ده لازم يختفي من الوجود يا باشا، طول ما هو حر ومعاه رقم تليفونها، هتفضل هي وخطوبتها من أدهم في خطر.

كالعادة تحدثت "راندا"مؤيدةً تفكير ولدها:
-رائد عنده حق يا منير، إحنا لازم نخلص منه في أسرع وقت، وإلا مفيش حد فينا هيرتاح ولا باله هيهدى.

أومأ "سامح" برأسه تأييدًا، لكن "منير"صاح بنبرة غاضبة أرعبت الجميع:
-إنتوا اتجننتوا؟! إنتوا فاكرينها سايبة؟
وتحدث بيقينٍ وعظة: 
-مفيش خوف من عقاب ربنا خالص؟!. 

ثم التفت إلى زوجته وتفرس في وجهها بملامح متجهمة، وراح يقول بصرامة:
-وإنتِ يا هانم، المفروض تخافي على أولادك وعلى مستقبلهم واسم العيلة أكتر من كده.

وتابع مستطردًا بإقناع:
- اللي إحنا عاوزينه خلاص حصل، وبنتك وافقت على العريس، كلها كام يوم و" رفيق" يرجع من شهر العسل هو وعروسته، وبعدها هنكتب الكتاب، وكل الصداع والمهزلة دي هتنتهي .

رغم أن غليان صدورهم كان واضحًا على وجوههم الغاضبة، ورغم إيمانهم المطلق بأن هذا الشاب يجب أن يُسحق ليكون عبرة لجرأته على تخطي أسوارهم العالية، إلا أن صرامة "منير" وسلطته المتجبرة عليهم،أجبراهم على غلق النقاش، فخضعوا صامتين.

خيم هدوء حذر على الغرفة، قطعته "راندا" بسؤالٍ حمل فضولاً قلقًا:
-إلا قولي يا منير، إنتَ على أي أساس حددت ميعاد كتب الكتاب بالسرعة دي؟ وإزاي هتفاتح العريس وأهله في موضوع حساس بالشكل ده؟

كان أكثر ما يميز منير، أنه يزن كل حرف بميزان رجل الأعمال الحذر الذي لا يترك خلفه ثغرة واحدة قبل أن ينطقه،لذا قال بنبرة هادئة، باردة:
-رفيق هو اللي هيفاتح العريس بما إنه صديقه.

اتجهت الأبصار نحوه، فتابع يشرح خطته بملامح جامدة:
-الولد على حد عامي بيحبها ومتمسك بيهل، انا هخلي رفيق يقول له إن نهلة بنت مزاجية، وإننا خايفين ترجع في كلامها بعد ما وافقت، فكتب الكتاب هيقفل الباب وهيخلي الموضوع جدي أكتر وبشكل رسمي، لحد ما تخلص سنتها الدراسية وبعدها يتجوزوا.

تبادل الجميع نظرات الإعجاب الحارة بعقل والدهم وتفكيره الداهية، لقد حيك خيوط القصة بإحكام، وصار التنفيذ جاهزًا لإغلاق تلك القصة التي أزعجتهم، إلى الأبد.
           _______*______

أغلقت "نهلة" باب غرفتها، ولم يكن ذلك مجرد إغلاقٍ لباب، بل كان الحد الفاصل بين عالمين، عالمٍ عاشت فيه بقلبها، وعالمٍ بالأسفل، قد سُحقت فيه كرامتها، ارتمت على الأرضية بمتصف الغرفة بجسدٍ متصلب، جعلتها الصدمة تشعر وكأنها تتأرجح على حافة الموت، لم تكن تبكي بنحيبٍ مسموع، بل كانت شهقاتها تخرج مكظومة، جافة، وموجعة، كأن صدرها يضيق بالهواء الذي يرفض أن يمدها بالحياة.

حضرت"مايا"رفيقة حزنها،جاورتها الجلوس أرضًا، راحت تترقب انهيارها بقلبٍ يعتصره العجز، سحبتها نحو حضنها ببطء، تاركةً دموعها تسيل صامتة، تمنت لو أن في استطاعتها أن تسحب عنها هذا الوجع كله، لكنها لم تجد سوى لومٍ هادئ خرج منها كهمسٍ عاتب يحاول ترميم كسرها:
-أنا قُلت لك وياما نصحتك يا نهلة، قولت لك انهم مستحيل يوافقوا.

وتابعت بأنينٍ صارخ لإجل صديقتها: 
-ياريتك صدقتيني، ياريتك سمعتي كلامي، مكنش زمان كل ده بيحصل .

التفتت إليها بعينين زائغتين، وبنبرة محطمة بفضل خيبتها، قالت من بين غصات حلقها:
-كنت فاكراهم بني آدمين يا مايا، كنت فاكرة إنهم ممكن يحسوا بيا، أو إن ليا غلاوة عند بابا تخليه يسمعني ويفهمني، يشوف وجعي ويحس بيه.

توقفت للحظة، والتفتت بوجهها نحو النافذة وباتت تتطلعُ بملامح مستسلمة خاوية،ثم تابعت بصوتٍ يصرخ ألمًا:
-طلع زيهم، مفيش أي فرق بينه وبينهم،نفس الجمود والجحود والأنانية. 

شعرت "مايا" بالخوف يتسلل إلى أعماقها وهي ترى مدى حزن الفتاة وصرخاتها المتألمة،فقالت وهي تربت على ظهرها بحنانٍ ورفق:
-اهدي عشان خاطري، جسمك بيرتعش وشفايفك بدأت تزرق، لو فضلتي على الوضع ده أكتر من كده قلبك ممكن يقف .

وتابعت لتهدأتها والتخفيف عنها:
- أنا هقوم أجهز لك الحمام بنفسي، هحط لك الزيوت والورود اللي بتحبيهم،أكيد الماية الدافية هتهدي لك أعصابك.

لم تجبها، بل ظلت تتطلع ببصرها نحو النافذة، بينما عيناها تصرخان من شدة الألم، وكأنها ترى مشهد نهايتها يُعرض أمامها.

ملأت الأخرى المغطس بالماء الدافئ، وعادت لتسند جسد شقيقة زوجها الذي صار واهنًا ومستسلمًا للضياع، تجردت من ثيابها بآلية، وهبطت في الماء، وما إن استلقت، حتى انفجرت دموعها بغزارة من جديد،ظلت تبكي بمرارة كمن لم تبكي من قبل، كانت تبكي بكل جوارحها، وتشهق بمرارة تشق الصدور،كلما انهمرت دموعها لتبحث عن الراحة، كان الوجع في قلبها يتسع ويزداد ضراوةً، وكأن الماء يذيب قشور الأمل الأخيرة، ليتركها عارية تمامًا أمام حقيقة أن حكايتها قد انتهت وانتهى الآمر.

   _______*________

قضى ليلته يتقلب على جمر الحيرة، يكاد عقله يطير من فرط القلق والحزن والغضب، كان يريد معرفة أخبارها بلهفة ، تشبث بهاتفه وتجرأ للمرة الأولى، وطلب رقمها المرة تلو الأخرى، لكنه في كل مرة يأتيه صوتًا آليًا يخبرهُ أن هذا الهاتف مغلقًا.

 تضاعف جنونه، وافترسه هلعًا شل أطرافه، مرّت تلك الليلة ثقيلة كالجبال عليه، وعلى نهلة التي كانت في الجانب الآخر تعيش جسدًا بلا روح، غائبة عن الوعي والحِس، انقضت أيام عدة، سافر خلالها أشرف وسط دموع المودعين، حاول رشيد بكل الطرق الممكنة الوصول إلى نهلة، لكن كل محاولاته بائت بالفشل، في النهاية، استسلم لواقعه المرير،وأدرك أنها تعاقب من أهلها بحبسها في المنزل كما المرةِ السابقة، خاصة بعدما انقطعت عن الحضور في الجامعة.

جاء يوم الخميس، اليوم المنتظر الذي سيخطو فيه العريس لأول مرة إلى منزلهم، حضر هو وعائلته محملين بالهدايا الثمينة، والورود النادرة، وأفخر أنواع الشوكولاتة.

في غرفتها، كانت تجلس أمام مرآتها كتمثال، ترتدي فستانها الرقيق بلون الروز، وبجوارها مايا، وخلفها خبيرة التجميل التي استدعتها راندا خصيصًا لتعتني بها وتجعلها تظهر في أبهى صورة.

دلفَت راندا إلى الغرفة، ورمقت ابنتها الجالسة على المقعد بنظرات فاحصة، وضعت خبيرة التجميل اللمسة الأخيرة على تنسيق شعر الفتاة، ثم تراجعت خطوة للوراء، نظرت راندا إليها بإعجاب وتفاخر لم تستطع إخفاءه، فقد كانت بارعة الجمال رغم الحزن العميق الذي يكسو ملامحها، بل إن حزنها منحها جمالاً طاغيًا في ذلك اليوم،زينة الوجه الهادئة، الثوب الرقيق، والشعر المنسق بعناية، كل شيء كان مثاليًا اكثر من المعتاد، ابتسمت راندا بتفاخر، ثم التفتت إلى مايا، وآمرتها مشيرةً بصرامة:
-انزلي رحبي بالضيوف يا مايا، وخليكِ جنب جوزك.

هزت رأسها بطاعة وقالت مستسلمة:
-حاضر يا طنط.

بمجرد خروج مايا، التفتت راندا إلى خبيرة التجميل وقالت بنبرة متعالية:
-ممكن تسيبينـا شوية لوحدنا؟

خرجت الفتاة، فالتفتت راندا نحو الفتاة، ووقفت أمامها بكبرياء جاف، وقالت بنبرة آلية باردة:
-يا ريت تبقي عاقلة النهاردة وتقابلي الناس بابتسامة لطيفة، وتتكلمي مع العريس بطريقة كويسة.

خطت نحوها خطوات بطيئة مرعبة، ثم همست بكلمات مسمومة وهي تلوح بأصبعها بوعيد:
-وما تنسيش إن مصير الولد ده لسه في إيدينا، يعني أي حاجة هتعمليها وتزعلنا منك، زي ما بابا قالك بالظبط، ما تبقيش تلومي إلا نفسك. 

كانت تستمع دون أي رد فعل، عيناها تتطلعان في الفراغ كأن الآخرى تخاطب جمادًا لا حياة فيه.

استمعت كلتاهما طُرقات خفيفة على الباب، ثم طل رفيق، ودون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى وجه شقيقته أو توجيه كلمة واحدة لها، التفت إلى والدته ونطق قائلاً باقتضاب:
-يلا يا ماما، الناس مستنية تحت.

أجابت راندا وهي تعدل من خصلات شعرها الأشقر بكبرياء:
-حاضر يا حبيبي، نازلين حالاً.

هبطت درجات السلم بخطوات بكيئة، كأنها تُساق إلى ذبحها، ما إن أطلت على الحضور حتى خيم الانبهار على العريس وعائلته، فقد خطفت القلوب برقتها الطاغية وجمالها الآسر الذي لم يفلح الحزن في طمسه.

انتقلا معًا إلى ركن منعزل في حجرة الاستقبال، ليمنحهما بعض الخصوصية للحديث والتعارف بعيدًا عن صخب الأهل.

 تنحنح أدهم، ثم قال بنبرة رجولية جذابة وعيناه تلتمعان ببريق خاص:
-أنا مبسوط جداً إنك وافقتي نقعد مع بعض ونتعرف.

صمت للحظة يتأمل ملامحها بإعجاب شديد لم يستطع مداراته، ثم تابع بابتسامةٍ جذابة:
-انتِ ماتعرفيش انتِ عملتي فيا إيه بموافقتك دي،إنتِ حققتي لي أمنية كبيرة أوي يا نهلة.

كانت عابسة الوجه، تائهة بنظراتها في الفراغ، كأنها في عالم آخر،وبلحظة، استشعرت نظرات أمها المسلطة عليها من بعيد كتحذير صامت، استجمعت شتات نفسها بصعوبة، وتنحنحت ثم التفتت إليه قائلة بهدوء أشبه بالهمس الفاقد للحِس: 
-ميرسي لذوقك.

اتسعت ابتسامته، واقترب بقامته قليلاً وهو ينظر في عينيها بانبهار واضح،وتمتم:
-هو أنا ممكن أعترف لك بحاجة؟

 لم تكن تستمع لكلماته، ولم تكن ترى سوى ضباب يغلف المكان، كانت فاقدة للحس والشعور، لكنها مجبرة على مجاراته في الحديث حتى لا يتأذى حبيبها، نظرت إليه باستغراب وتساؤل، فتابع وهو يغرق في سحر عينيها:
-أنا لما شوفتك في الفرح، حسيت إني أعرفك من زمان، وإن دي مش أول مرة أشوفك فيها حتى عيونك،حسيت إني أعرفهم وشوفتهم قبل كده.

ابتسم باستسلام أمام صمتها، ثم سألها وعيونه تشع جاذبية:
-شكلك مش مصدقة كلامي؟

تنهدت وكأن حملاً ثقيلاً يجثو فوق صدرها، لتجيبه باقتضاب:
-لا، خالص.

كان أدهم حقًا شخصية رائعة، شابًا رزينًا، عاقلاً، ووسيمًا يملك من الجاذبية ما يجعل أي فتاة تقع في غرامة بسهولة. 

وربما لو لم تكن نهلة متيمة بحب رشيد لحد النخاع، لكان من السهل أن يطرق قلبها، كانت شخصيته تختلف تمامًا عن إخوتها الذين ربتهم راندا ليكونوا مجرد "روبوتات" تتحرك بالأوامر والآلية، بقلوب تكاد تنعدم فيها المشاعر.

لاحظ أدهم شرودها، فسألها بنبرة حانية:
-أنتِ في حاجة مضايقاكي؟

نظرت إليه وخرق همسها الصمت:
-ليه بتقول كده؟

رد بحيرة وصدق:
-إحساس، حاسس زي ما تكوني مجبرة تقعدي معايا.

تسلل الهلع إلى أوصالها، فلو تخلى عن الارتباط بها الآن، سينفذ والدها انتقامه البشع من حبيبها،لذا أجابته بلهفة وارتباك حاولت إخفاءه بشتى الكرق: 
-لا خالص، أنا بس مستغربة ومخطوفة شوية من الخطوة.

تنفس الصعداء وابتسم لها برقة،وراح يهمس بصوتٍ يقطرُ منه الوعد بالأمان:
-أنا مش عاوزك تخافي مني ولا ترتبكي من أي حاجة، أنا شخصية سلسة وسهل التعامل معايا، وصدقيني، هعمل المستحيل علشان تكوني سعيدة معايا.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة باهتة، فتهلل وجهه وظهرت السعادة جليةً في عينيه وهو يقول:
-عرفتي إن كتب كتابنا هيبقى بعد أسبوع؟

شعرت وكأن قلبها قد انقسم إلى نصفين، لم تكن تتخيل قط حتى في أشد كوابيسها، أن يرتبط اسمها باسم رجل غير رشيد، ورغم التمزق الذي اعتصر أحشاءها، هزت رأسها إيجابًا في صمت.

تهللت أساريره وقال بنبرة ممتنة:
-ماتتصوريش أنا مبسوط قد إيه إننا هنتعرف على طباع بعض وإحنا مكتوب كتابنا،ده هيدينا حرية في إننا نقرب من بعض بسرعة .

تنهدت وأومأت برأسها لتتابع ذلك التعارف الإجباري، تم الاتفاق بين العائلتين على تفاصيل حفل عقد القران، وغمرت السعادة قلوب جميع من بالمكان،الكل بات سعيدًا، عدا ذات القلب الممزقِ.

ما إن انصرف الضيوف، حتى صعدت إلى غرفتها بخطوات منهكة، أغلقت الباب بالمفتاح، وانفجرت في بكاء مرير،كانت تدفع ثمن حبها، فمنير لا يزال يقاطعها ويرفض الحديث معها كنوع من العقاب، وكذلك إخوتها الذين نظروا إليها بالجفاء ذاته،بل وصلت نظراتهم إليها حد الاحتقار، بعدما شعروا بالإهانة من تلك "الجريمة المحرمة" التي كادت أن ترتكبها في حقهم وحق نفسها وحق اسم العائلة.

         _______*_______

في الصباح التالي، داخل أسوار كلية الحقوق بجامعة القاهرة، خطى بساقيه عبر البوابة وعيناه تلتهمان الوجوه، لم يكن يبحث ببصره، بل كان يبحث بقلبه عمن تهدأ صرخات نبضاته الثائرة.

 لمحت عيناه "سها"، الصديقة المقربة لحبيبة الروح، اندفع نحوها بخطواتٍ متخبطة، التقط أنفاسه بصعوبة وهو يسألها بلهفة حارقة:
-طمنيني على نهلة يا سها، لسه برضه معرفتيش عنها حاجة؟

بلعت ريقها بصعوبة، وازدحمت عيناها بالحيرة والخجل، باتت عاجزة عن النظر في عينيه العاشقتين،ثم تنهدت وقالت بنبرة متهدجة:
-أنا كلمت مرات أخوها امبارح، وزي ما توقعنا، باباها واخد منها التليفون، ومانعها من النزول للجامعة.

اعتصر الألم قلبه، وشعر بمرارة العجز تملأ حلقه. تلاقت ملامحه المنكسرة مع نظراتها الحائرة وهو يسألهع بقلة حيلة:
-طب أعمل إيه يا سها؟ أروح أتكلم مع باباها؟ أروح أقوله إن أنا السبب في كل ده،وانها ملهاش أي ذنب في اللي حصل؟

انتفضت برعبٍ أصاب جسدها برجفة حادة، كأنما لمست سلكًا كهربائيًا عاريًا، وصاحت بهمسٍ هلع:
-اوعى، أوعى تعمل كده. 

ثم خفضت رأسها بيأس وقالت بكلمات نزلت عليه كالطعنات:
:اللي لازم تعمله فعلاً، هو إنك تنساها يا رشيد. 

نظر إليها باستغراب وصدمة، فتابعت وعيناها تترقرقان بالدموع، وجعًا عليه وعلى صديقة عمرها:
-نهلة كتب كتابها الأسبوع الجاي، على المستشار زميل أخوها اللي كان متقدم لها.

هبطت الكلمات على صدره كصخرة هوت من جبل شاهق، فشطرت قلبه نصفين، في تلك اللحظة بالذات، أحس بروح الهزيمة والفقد تسري في جسده، وشعر كأن روحه تفارق جسده من فرط الوجع والتمزق. 

تمتم بشفاه مرتجفة وعينين ساخصتين لا تصدقان:
-انتِ بتقولي إيه يا سها؟! مستحيل، مستحيل نهلة توافق على كده

ردت بصوت مختنق بفضل الدموع، ينزف حزنًا على حال رفيقتها:
-نهلة مبقاش عندها أوبشن الاختيار يا رشيد.

ثم اقتربت منه خطوة، وتابعت بنبرة حانية وموجوعة، تحمل تحذيرًا أخيرًا وهي تحدق في عمق عينيه المكسورتين:
-انساها وبص لمستقبلك يا رشيد، ونصيحة مني، ابعد عنها خالص، أنت مش قد عيلتها، الناس دي مرحموش بنتهم، تخيل بقى ممكن يعملوا إيه في الغريب؟!

في تلك اللحظة التي كان العالم فيها ينهار فوق رأسه، أقبلت عليهما "مايسة"، كانت تتحرك بخطوات متثاقلة، ملامحها تنطق بحزن كاسر، وخزي وندم لم تفلح في مواراتهما.

 اقتربت وعيناها تترقرقان بالدموع، وراحت تسأل بنبرة مرتعشة:
-حد عرف حاجة عن نهلة؟

التفتت إليها سها، واشتعلت عيناها بنيران الحقد والغضب، وبلحظة تلاشت كل ذرة رقة في صوتها وهي تصيح بنبرة تحمل انفجار بركانًا: 
-ولسه ليكِ عين تسألي؟! انتي جايبة منين الجرأة دي كلها إنك تيجي بكل بجاحة تقفي قدامنا وتسألي عنها بعد اللي عملتيه؟!
وتابعت متعجبة:
- وازاي قادرة تبصي في عيوننا بعد خيانتك لأعز صاحبة ليكِ؟!

انفجرت بالبكاء، وراحت تدافع عن نفسها بدموع يحرقها الألم، وهي تصيح بصوت مخنوق:
-أنا مش خاينة يا سها، والله ما خاينة. 

ثم التفتت بوجهها نحو رشيد، وتابعت بنبرة تتوسل الصفح:
-أنا كنت خايفة عليك من أهلها، الناس دي مكنتش هترحمك لو كنت اتجوزتها غصب عنهم.
وتابعت بأعين يملؤها الصدق:
- أنا عملت كده عشان أحميك. 

لم يمنحها كلمة واحدة بالرد، ولم يحاول حتى معاتبتها، بل رماها بنظرة اشمئزاز قاسية، رمقها فيها من أعلاها إلى أسفلها، ثم استدار عنها بجفاء، ومضى بخطوات آلية متجهاً نحو البوابة.

خرج من أسوار الجامعة وهو لا يشعر بوطأة الأرض تحت قدميه، كأنما فُصلت حواسه عن الواقع تمامًا، لقد غادره الوعي، وانطفأت روحه، ليصبح مجرد شبح إنسان يتحرك بلا غاية، يحمل في صدره قلبًا ميتًا، خاليًا من مظاهر الحياة .

    ________*________

توالت الأيام ومرت ثقيلة، حتى أطل يوم عقد القران متسارعاً كأنه يركض نحو حتفها نحو المجهول، أُقيم الحفل في حديقة قصر "منير الخولي"، واقتصر الحضور على عائلتي العروسين والمقربين منهم فقط.

كانت نهلة تتحرك بين الحشود أشبه بجثة متحركة، نُزعت منها الروح وبقي الهيكل، في المقابل، كان أدهم يعيش في عالم موازٍ تمامًا، غمرت قلبه سعادة عارمة لو وُزعت على أهل الأرض جميعًا لكفتهم وفاضت.

صدح صوت المأذون بكلماته الشهيرة معلنًا إتمام الإجراءات:
- "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير"

كانت نهلة ترمق أدهم ووالدها وهما يوقعان على دفتر الزواج بنظرات باهتة، لم تكن ترى عقد قران، بل كانت ترى وثيقة وفاتها التي خُتمت بالدم، دماء روحها التي ذُبحت قربانًا وفداءً لمن ملك القلب والوجدان.

ما إن انتهى المأذون، حتى نهض أدهم ممسكًا بكف نهلة، يحثها برفق على الوقوف معه، وبدون مقدمات، طبع قبلة حانية على وجنتها وجذبها إلى صدره في عناق طويل ودافيء، دفن رأسه بين حنايا عنقها، وأغلق عينيه محتضنًا إياها بقوة تترجم فيض مشاعره. 

كان شعوره غريبًا، كأنها الحبيبة التي تمناها لسنواتٍ وسنوات، واليوم يجمع بينهما الحلال تحت راية الحب.

أما هي، ورغم حالة اللاشعور والموت البطيء التي تسكنها، فقد سرى في أوصالها نفورٍ فظيع، تمنت لو تملك القوة لتدفعه عنها بعيدًا، وتصرخ في وجوه الجميع، تمنت لو تركت هذا المكان وركضت نحو رشيد، لترتمي في أحضانه وتحتمي به من غدر البشر والزمان. 

لكنها تذكرت أنها لو فعلت ذلك، ستكتب شهادة وفاته بيديها، لقد اختارت موتها هي ليحيا هو، وعليها أن تمضي في خيارها القاسي حتى النهاية.

أيقظها من صراعها النفسي المرير صوت أدهم، وهو يهمس قرب أذنها بنبرة تقطر حنانًا :
-مبروك يا حبيبتي.

تراجع قليلاً، ثم ضم وجهها بين كفيه، وحدق في عينيها بعشق جارف يكاد يقفز من ملامحه، وهمس:
-نورتي دنيتي يا نانا.

أجبرت شفتيها على رسم ابتسامةٍ باهتة فاقدة للحياة، واكتفت بهز رأسها دون كلام، اقترب منهما منير، وضع يديه على كتفيها، ونظر في عينيها بنظرة محملة بالاعتذار والأسى وهو يقول:
-مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.

نظرت إليه بكل ما تحمله روحهما من وجع وخزي، ثم تراجعت بجسدها إلى الخلف ببطء، متملصة من لمسته بهدوء، نزل هذا الجفاء بغصة في نفس منير وأوجع قلبه عليها، فهو يعلم يقينًا أنه آلمها، وضغط عليها بقسوة، وربما يكون قد كسر كبرياءها، لكنه أقنع نفسه بأن كل هذا من أجل مستقبلها ولحمايتها.

 كان يرى أن ما أقدمت عليه سابقًا خطيئة كبرى، لقد كسرته وقللت من هيبته حين فكرت في الزواج سرًا دون علمه، وأحرجته أمام زوجته وأولاده، مؤكدةً لهم صحة نظريتهم بأن دلاله لها كان في غير محله.

انهالت تبريكات المهنئين عليهما من الجميع، فيما تماسكت نهلة إلى أقصى حد، وحبست دموعها خلف جفونها بقوة، مستسلمة لكل هذا العذاب، لأجل أن تنقذ روح حبيبها.

          _______*_______

في الوقت عينه، وعلى ضفاف نهر النيل، وقف يتطلعُ ببصره نحو المياه، لم تكن عيناه تذرفان الدموع فحسب، بل كان قلبه ينزف بمرارة أحدثت في صدره وجعًا أشبه بسكرات الموت وخروج الروح.

بجواره، كان يقف صديق عمره الوفي، الذي تقاسم معه مرارة الأيام وحلوها، "سامر توفيق"، فقد كان يطوق كتفيه بذراعه في محاولة حانية لاحتوائه، بينما سبقت دموعه دموع صديقه المكلوم.

قال بنبرة متألمة في محاولة لانتشاله من غيابات الحزن:
-كفاية يا رشيد، اللي بتعمله في نفسك ده مش هيرجعها لك تاني.

اللتفت إليه وقد غلبه البكاء والشهقات المختنقة، وتمتم بكسرة وذل:
-صعبان عليا نفسي أوي يا سامر.

ثم تابع بكلمات كأنها خناجر تمزق صدره وتضغط بقوةٍ فوق جراحه:
-أول مرة أحس إني قليل أوي كده.

رفع كتفيه للأعلى وتابع بمرارة ودموعه تسبق حروفه:
- أنا طلعت ولا حاجة، مجرد نكرة ملوش أي وجود.

هتف الآخر بسرعة مؤازرًا لصديقه: 
-ماتقولش على نفسك كده يا حبيبي، أنت راجل قد الدنيا يا رشيد،كفاية جدعنتك وأصلك الطيب.

ثم أردف محاولاً التخفيف عنه:
-الغلط فيهم هما وفي طباعهم، مش فينا إحنا.

جفف دموعه المنهمرة بكف يده، ثم تنهد بوجع يكتم أنفاسه وهو يقول:
-بلاش نضحك على بعض يا سامر، العيب مش فيهم.

ثم تابع بلوم قاسٍ يحمل فيه نفسه كل الذنب:
-أنا اللي غلطت لما نسيت نفسي وبصيت لفوق، أنا اللي هنت نفسي بإيدي ووصلتها للنهاية دي. 

حاول سامر أن يهدئ من روع ثورته فقال:
-أنت حبيت يا رشيد معملتش جريمة، وبعدين أنت مكنتش تعرف مستواها الحقيقي في الأول.

وتابع موضحًا:
- أنت وهي حبيتوا بعض من غير ما تعرفوا أي حاجة عن ظروفكم، كل واحد فيكم لقى اللي بيدور عليه في التاني .

انفجرت دموع رشيد من جديد، ولم يتمكن من كبت صرخة دوت خرجت من أعماق روحه:
-ماتحاولش تديني مبررات لجريمتي في حق نفسي يا سامر، الغلط من البداية كان من عندي، مشيت ورا مشاعري زي الأهبل، وبرغم ذكائي وحكمتي في وزن الأمور اللي الكل بيشهدلي بيهم. 

وراح يزيد اللوم على حاله:
- جنبت عقلي ومشيت زي الأعمى ورا قلبي الملعون، وفي الآخر أخدت إيه غير الإهانة وشعور مميت بالاحتقار، عمري في حياتي ما هقدر أتخطاه. 

ثم تلاحقت أنفاسه واسترسل وعينيه تشتعل قهرًا وغضبًا:
-واهي في الآخر سابتني وراحت اتجوزت واحد من مستواها. 

اندفع سامر وراح يدافع عن تلك الغائبة مستنكرًا:
-بلاش تظلمها يا رشيد، أكيد اللي حصل ده حصل غصب عنها ومكنش بإيدها حاجة تعملها.

صاح بنبرة يمتزج فيها الإنكار بالخذلان، والدموع تحرق وجنتيه:
-أنت مصدق اللي بتقوله ده يا سامر؟! هو فيه بنت في الزمن ده أهلها بيغصبوها؟! 

وتابع مؤكدًا بمرارة الخذلان: 
-هي اللي استسلمت، وما قاومتش كفاية عشان خاطر حبنا. 
       _______*_______

بعد يومين، وفي ساحة الكلية المكتظة بحركة طلاب الهندسة، كان يقف متكئًا بجسده في ركنٍ منزوٍ، وبجواره صديقاه محمود وسامر. فجأة، تحرك "يحيى" نحو المنتصف، ووقف يصيح بصوت جهوري لافت للانتباه:
-عرفتوا اللي حصل يا شباب؟!

انتبهت الوجوه والتفتت الأنظار إليه، بما في ذلك رشيد وصديقاه، ليتابع حديثه وهو يوجه نظرة مصطنعة الأسى نحو رشيد، تخفي خلفها غرضًا خبيثًا:
-مش نهلة الخولي انكتب كتابها من يومين؟!

وبلحظة تحولت أعين الطلاب جميعًا نحو رشيد، فالكل كان على علم بقصة الحب الكبيرة التي جمعتهما، وكيف كانت نهلة تأتي إلى الكلية خصيصًا كل يوم لتنعم برؤيته. 

عاتبه أحد الطلاب ببراءة قائلاً:
-معقولة يا رشيد؟ تكتب كتابك من غير ما تعزمنا ولا حتى تعرفنا؟!

أطلق يحيى ضحكة ساخرة هستيرية، مرجعًا رأسه إلى الوراء، متلذذًا بوجع قلب رشيد،الذي اغتاظ من هذا الحقير الذي صمم أن يدوس على جرحه النازف. 

استغرب الجميع من ضحكاته، فكف عنها فجأة، وتنقل بنظراته الخبيثة بينهم قبل أن يستقر بصره على رشيد، وقال بغل وحقد قفزا من عينيه:
-ومين اللي قال لكم إن رشيد هو العريس؟!

وتابع بتقليلٍ من شأن رشيد:
- يا حبيبي دي بنت منير الخولي، هي آه ممكن تتسلى بقصة حب مع واحد من عامة الشعب، وتعيش لها يومين تنبسط فيهم.

ثم ركز نظراته السامة في عيني رشيد المصدومتين، وتابع قاصدًا طعن كبريائه:
-لكن يوم ما تتجوز، تتجوز واحد من نفس طبقتها، راجل بجد، ابن ناس وعيلة. 

كانت الكلمات تهبط ك السكاكين، تقطع في كبرياء رشيد وتنهش كرامته، تملك منه الغضب وبلغ منتهاه، لكنه اعتصر قبضتيه وقاوم ثورته بكبرياء جريح. 

لم يكتفي يحيى بذلك، بل أكمل بتسفيه واستهزاء:
-نهلة اتجوزت وكيل نيابة قد الدنيا. 

شهق الطلاب باستغراب، وتحولت جميع النظرات صوب رشيد، لكنها هذه المرة كانت نظرات تقطر بالشفقة، ليتابع يحيى تشفيه قائلاً:
:عيلته من أكبر عائلات مصر وأغناهم، جوازة وأهل يشرفوا بجد. 

ثم التفت إلى رشيد مباشرة، ورمقه بابتسامة صفراء: 
-هارد لك يا صديقي، وابقى سلم لي على الحالمية المفرطة. 

انهى جملته وانفجر يضحك باستهزاءٍ حرق الأخضر واليابس داخل رشيد، وجعل الدماء تغلي في عروقه، اهتزت أوصاله، وكاد يندفع نحوه ليبرحه ضربًا، إلا أن يد محمود القوية قبضت على معصمه في الوقت المناسب، وهمس له بنبرة صارمة تملؤها الحكمة:
-اعقل يا رشيد، أوعى توصله للي هو عاوزه. 

ثبت عينيه في عيني صديقه ثم تابع بقوة:
-هو أصلاً عامل كل الفيلم ده علشان تروح تضربه في قلب الجامعة، فيجري يشتكيك للعميد، وتتسحب منك رئاسة الاتحاد وتتجازى.

وتابع قارءًا المشهد بدهاء: 
-وكل ده هيأثر على تقديرك ومستقبلك. 

اقترب سامر محتضنًا كتف صديقه ليشد من أزره، وأيد كلام محمود قائلاً:
-محمود بيتكلم صح، وهو ده بالظبط اللي عاوزه يحيى، بلاش تدي له الفرصة.

تجرع مرارة المشهد واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم،ثم استدار برفقة زملائه الأوفياء وتحركوا متجهين صوب مبنى المدرجات لحضور المحاضرة، تاركين خلفهم ذلك الحقود لتشتعل بداخله نيران الخيبة، فلم تكتمل فرحته بالشماتة.

 نعم، لقد نجح في إهانة رشيد أمام الجميع، لكنه كان يتمنى لو فقد صوابه وتصرف بهمجية ليفضحه أمام الطلاب والعميد ويضمن عقابه، لكن أصدقاء رشيد الأوفياء كانوا بمثابة السد المنيع الذي حطم خطته، زفر بقوة، وتحرك خلفهم ليلحق بمحاضرته، ويجر أذيال خيبة أمل جديدة.

            _______*_______

في الصباح التالي، كانت نهلة ترتدي ملابسها استعدادًا للذهاب إلى الجامعة، بعدما قرر والدها أخيرًا فك الحصار عنها والسماح لها بالخروج، تحت وضعها تحت المراقبة الصارمة، هبطت درجات السلم بخطوات آلية، فاعترضت طريقها راندا التي بادرتها بنبرة تحذيرية حاسمة:
-مش عاوزة أعيد كلامي تاني يا نهلة، تخلي بالك من نفسك كويس أوي، وماتنسيش إنك بقيتي حرم سيادة المستشار "أدهم فواز"، يعني تحترمي الاسم اللي أنتي شيلاه.

ثم اقتربت منها خطوة وأردفت بتهديد مبطن:
-و يا ريت ماتنسيش تهديد بابا، لو أخليتي باتفاقك في أي وقت، بابا هو كمان هينفذ تهديده فوراً.

نظرت إليها بعينين خاويتين تشبهان عيني امرأة تخطت السبعين من عمرها، وقالت ببرود جاف:
-ما تقلقيش، حتى لو أنا مش محترمة زي ما أنتِ شايفاني، فهو راجل ومتربي.

هزت رأسها بامتغاض وتمتمت:
-أنا قولت أنبهك مش أكتر.

خطت خطوتين لتغادر، لكن راندا قبضت على ذراعها بقوة وأجبرتها على الالتفات نحوها، ثم قالت بنبرة هادئة يشوبها بعض الحنان:
-هتفضلي حاطة سور ما بينا لحد إمتى يا نانا؟ مش كفاية عِند لحد كده؟!

سحبت ذراعها برفق لكن بحسم، وقالت وهي تحدق في عيني أمها:
-السور ده أنتوا اللي بنيتوه بإيديكم، بعد ما أثبتوا لي بالمعاملة إن الشغالين ليهم قيمة عني في البيت ده.

ثم أضافت بمغزى وقسوة:
-ثم ده مش عِند حضرتك، ده الأسلوب اللي هنكمل بيه حياتنا بعد كده، وياريت تتعودي عليه.

أنهت كلماتها واندفعت نحو الخارج كطوفان لا يقف في طريقه شيء، تنهدت راندا بأسى ونظرت في أثرها، ثم تمتمت بحزن:
-بكرة تعرفي قيمتك ومقدار حبك في قلوبنا يا بنتي، ربنا يهديكِ يا نانا.

استقلت نهلة سيارتها وانطلقت إلى الجامعة، حضرت المحاضرة الأولى بذهن شارد، وما إن انتهت حتى دلفت إلى دورة المياه، أخرجت من حقيبة صغيرة ملابس كانت سها قد أحضرتها لها مسبقًا،ثوباً فضفاض، وفوقه نقابًا، غيرت ثيابها وارتدت النقاب لتخفي هويتها تمامًا، ثم تسللت خارج أسوار الجامعة لتستقل سيارة سها، لتيقنها أن إخوتها قد يضعون سيارتها تحت المراقبة. 

كانت سها قد هاتفت رشيد قبل ساعة على هاتف كافيتريا الجامعة،وطلبت منه أن يلتقيا ضروريًا في حديقة عامة نائية نسبيًا، في البداية استغرب طلبها المفاجئ، لكنه وافق وذهب على الفور بعدما أخبرته أنها تقع في مأزق كبير وتحتاج إلى وقوفه بجانبها.

وصل إلى الحديقة المنعزلة، ووقف يتلفت حوله مترقبًا وصولعا، وفجأة، رأى امرأة منتقبة تتقدم نحوه بخطوات واسعة، حتى وقفت أمامه مباشرةً،تلاقت الأعين، شعر قلبها برجفة زلزلت أركانها، انهمرت دموعها خلف ذلك القماش الأسود، وبصوتٍ متهدج،يحمل الكثير من الحب والشوق، اخترق مسامعه وهي تقول: 
-إزيك يا رشيد

تجمد جسده بالكامل، وسرى تيارًا كهربائي في عروقه، حدق في كلتا العينين الباكيتين بذهولٍ، وفي تلك اللحظة، رفعت يدها المرتعشة لتزيح النقاب عن وجهها، اتسعت عيناه بصدمة تامة، ونطق بشفاه يرتجف منها الحروف:
-نهلة؟!

قالت بصوت يتقطع من فرط الألم، وعينين تصرخان بوحشة الوجع:
-أيوا،أنا نهلة يا رشيد.

تجمدت ملامحه تمامًا، وبلحظة تحولت نظرته المشتاقة المستكينة إلى حادة غاضبة وقاسية، تراجع خطوة للخلف وهو يقول بنبرة جافة تقطر حقدًا: 
-مبروك يامدام.

شهقت بنحيب مكتوم، وهوت بعينيها نحو الأرض عاجزة عن الصمود أمام نظراته الجالدة، سألها بقوة وحدة زلزلتا كيانها:
-خير؟! يا ترى جايباني ليه المرة دي كمان؟ ولا مكفاكيش إهانتي المرة اللي فاتت؟!

وتابع متهكمًا بنبرة تقطرُ غضبًا:
-جايبة لي جوزك المرة دي علشان يكمل على اللي باقي من كرامتي؟!

انفجرت بالبكاء، ورفعت عينيها المستعطفتين نحوه قائلة بقلب ممزق:
-أرجوك ارحمني واديني فرصة أتكلم، أنا جاية أشوفك لآخر مرة، وأفهمك اللي حصل.

وتابعت بايضاح:
- مش هقدر أكمل حياتي وأعيش، وأنت فاهم اللي حصل غلط. 

هتف بحدة وبصوت جهوري مكتوم، راح ينهرها:
-الغلط هو الموقف اللي سيادتك حطانا فيه ده، 

وتابع جالدًا: 
-مجيك هنا غلط، إنك تكذبي عليا وتجبيني بالغش غلط، وقوفنا مع بعض بالشكل ده غلط، حتى كلامنا ده غلط، كل حاجة كانت بينا خلاص انتهت .

ثم توقف عن الكلام، وغصة مريرة توقفت في حلقه، تنهد وتابع بحروف خرجت بصعوبة بالغة من بين شفتيه المرتجفتين:
-انتِ خلاص، بقيتي ست متجوزة وعلى ذمة راجل، ولازم تحترميه في غيابه قبل وجوده. 

لم تحتمل كلماته القاسية، فصرخت بدموع حارقة وألم تفجر من أعماقها:
-كفاية بقى حرام عليكم، أنتوا شايفيني إزاي؟! كل واحد فيكم عمال يجلد فيا وقاعد يديني نصايح وخطب في اللي يصح واللي مايصحش. 

ثم رمقته بنظرات يملأها العتاب، وتابعت بانكسارٍ ووجع ظهر بعينيها:
-للدرجة دي شايفني رخيصة ومعدومة من الأخلاق؟!، واحدة بلا ضمير وممكن تخون جوزها؟!

صاح فيها بحدة وصوت حاسم، محاولاً إغلاق باب مشاعره التي تكاد تفتك به:
-جاية ليه يا نهلة؟!، اخلصي وقولي اللي عندك، خلي كل واخد مننا يروح في طريقه. 

قالت له والدموع تسيل بغزارة فوق وجنتيها بنحيب مرير:
-جاية أقول لك إني اشتريتك بالغالي، أنا رديت الموت على نفسي علشان أنت تعيش يا رشيد. 

تطلع إليها بنظرات تائهة وهو لا يفهم مغزى كلماتها، فتابعت مفسرة بقلب ينزف دمًا:
-بابا وإخواتي هددوني بيك، خيروني بين إني أوافق أتجوز أدهم، وبين إنهم يلفقوا لك تهمة سياسية تتحاكم فيها محاكمة عسكرية. 

تمتم بسخرية مريرة، حاول أن يستعين بها على صدمته:
-وأنتِ من غبائك صدقتيهم؟!
وتابع متسائلاً:
- ليه، هي الدنيا سايبة للدرجة دي؟ البلد فيها قانون يا أستاذة يا بتاعة القانون. 

ردت بنبرة واثقة: 
-وعلشان أنا بتاعة قانون، بقول لك إن هما القانون. 

أخذت نفسًا عميقًا لتستطيع الاستمرار، وبالفعل تابعت: 
-أنتَ ماتعرفش حاجة يا رشيد، ومهما شطحت بخيالك،لا يمكن تقدر تستوعب مدى شرهم وأذاهم،اللي ممكن يطول أي حد يمس كرامتهم، أو يقرب من حاجة تخصهم.

ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل أخرس لسانه لأنه أدرك في أعماقه أنها على حق، وأن نفوذ عائلتها لا يعرف الرحمة.

راحت تتأمل تفاصيل وجهه بنظرات طويلة وعميقة، كأنما تطبع ملامحه في حنايا ذاكرتها لتعينها على أيامها القادمة.

 قالت بشفاه مرتعشة ونبرة أقرب إلى الوداع الأخير:
-دي آخر مرة هتشوفني فيها، وقبل ما أمشي عاوزة أقولك، إني عمري ما حبيت ولا اتمنيت في الدنيا دي غيرك.

انفجرت بالبكاء مجددًا، وهزت كتفيها بضعفٍ وانكسار وهي تتابع:
-ومش عارفة إذا كنت هقدر أنساك وأحب جوزي وأبدأ معاه حياة جديدة، ولا هفضل دافنة نفسي في قصة حبنا اللي مكملتش.

تزلزلت الأرض تحت قدميه، واهتز كيانه بالكامل متأثرًا بحديثها الذي نزل على قلبه كالصاعقة، بينما استجمعت هي بقايا قوتها، وقالت بصدقٍ قفز من بين نظراتها:
-أنا ما ضحكتش بيك، أنا قدمت نفسي قربان علشانك
وتابعت بدموعٍ وصوتٍ مزق نياط قلبه: 
-فديتك بروحي يا رشيد.

جففت دموعها،وتمتمت بنبراتٍ شقت صدرها لتخرج:
-خلي بالك من نفسك، انجح واشتغل، وحقق كل الأحلام اللي حلمناها مع بعض.

شهقت بقوة ألمت روحه، ثم مالت برأسها قليلاً، وتطلعت إليه بنظرة استعطافٍ أخيرة،لتهمس بصوت يصرخ مترحيًا: 
-بس أوعى تنساني، خليك فاكر إن فيه واحدة اسمها نهلة، رمت نفسها في النار علشان تفديك. 

أنزلت نقابها على وجهها لتخفي انكسارها، ثم استدارت ومضت بخطوات متثاقلة، كأن سيقانها تتمرد عليها وترفض الحراك، كان قلبها يصرخ ملتاعًا وهي تخط بيديها كلمة النهاية، وتُسدل الستار على قصة حب طالما أملت أن تكمل فصولها حتى الرمق الأخير، لكن القدر كان له رأي آخر.

ظل محملقًا ببصره نحو طيفها الراحل حتى اختفت تمامًا عن ناظريه، كان واقفًا في مكانه كالمشلول، وكأن الزمان قد توقف، وتشوحت الدنيا من حوله بالسواد حدادًا على قصة حب ذُبحت في مهدها. 

________
وإلى هنا، تنتهي قصة بطلتنا التي اخترت لها اسم "نهلة".

فمنذ ذلك اليوم، لم يلتقِ بها رشيد نهائيًا، ولم ترى عيناه طيفها مجددًا، لم يصل إليه أية أخبارًا عنها رغم أنه كان يستطيع الوصول بسهولة، لكنه أغلق بيديه جميع الأبواب المشتركة بينهما، وهي أيضًا، طوت صفحة الماضي خلف ظهرها، ولم تحاول يومًا أن تهاتفه أو تبحث عن أثره.

لقد راعت الله في زوجها، وأثبتت للجميع أنها على خلق،احترمت الوعد الذي قطعته لوالدها لتفتدي به حبيبها، وقبل الجميع، احترمت الرجل الذي تحمل اسمه ، كم كان مؤلمًا كل ما عانيتهِ يا عزيزتي. 

أتمنى من أعماق قلبي، أينما كنتي الآن، أن تكوني بخير، أتمنى أن يكون الله قد كتب لكِ السعادة الحقيقية والسكينة في كنف زوجكِ، وأن يكون الزمان قد نجح في مداواة جراحكِ، لينسيكِ ما تجرعتهِ في الماضي من ظلمٍ، وويلاتٍ، وأوجاع. 

لكِ مني، ومن كل العيون التي بكت وهي تقرأ قصتكِ، خالص التحية، وأسمى الاحترام، وأصدق الدعوات النابعة من القلوب، إن كنتي لا تزالين حيةً ترزقين،.أما إن كانت روحكِ قد فاضت إلى بارئها، فرحمة الله ورضوانه على روحكِ الطاهرة النقيّة، وجعل الجنة مستقراً لقلبكِ الذي لم يعرف سوى النقاء.


تعليقات