رواية لولا الغرام الفصل التاسع عشر 19 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل التاسع عشر 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 


«خلع عن كاهله تلك العباءة الثقيلة التي نسجتها خيوط الماضي المرير، والتفت إلى الوراء ليلقي نظرة الوداع الأخيرة على خيباتٍ طالما نهشت روحه، 
وخذلانًا أدمى قلبه واستنزف ما تبقى من صبره، 
لم يكن رمي الماضي وراء ظهره جحوداً، بل كان إعلاناً بالاكتفاء، فحسبُه حزنٌ على أبوابٍ أُغلقت في وجهه، وكفى هرقاً للدموع على علاقاتٍ تهاوت كقصرٍ من رمال.
كان عليه أن يتعلم من الانكسار كيف يشتد، ومن الخذلان كيف يختار بعناية ما يناسبه، أدار وجهه شطر الشمس، ونظر إلى الأفق البعيد بعينين يملؤهما الشغف، وقلب ينبض بالرضا والتفاؤل، موقناً أن الغد ليس مجرد يوم آخر، بل صفحةٌ ناصعة البياض، هو وحده من يملك حق كتابة أسطرها.»

"رشيد عبدالرحمن المسيري"
بقلمي «روز أمين»
________*________ 

مرّ عامًا كامل على الأحداث الآخيرة، عامٌ انقضى بحلوه ومرّه، تبدلت فيه مصائر واستجدت فيه أمورًا، طوى رشيد صفحاته القديمة، وصب جل تركيزه على مشروع تخرجه، ليجني ثمار سهره وتعبه بشهادة جامعية تُوجت بتقدير "امتياز مع مرتبة الشرف".

بالكاد انتهى من أثار وتعب رحلة التخرج، حتى وجد نفسه يرتدي البدلة العسكرية برفقة أصدقائه، ليمضوا معاً فترة الخدمة الإلزامية. 

في تلك الأثناء، كانت دليلة وصلت إلى الصف الثاني الثانوي، كان النظام التعليمي حينها يدمج العامين الأخرين معاً في تحديد المصير،مما صعب عليها الأمر وجعلها تدخل في دوامة من الجدية والتوتر المستمر.

أما أشرف، فقد سلك طريقاً مغايراً تماماً، إذ حزم حقائبه وسافر إلى المملكة العربية السعودية، هناك، التمع نجمه كمحاسب يتمتع بالذكاء والإخلاص في شركة كبرى، وحظي براتب فاق كل توقعاته، لم تقف طموحاته وتوفيق الله له عند هذا الحد، فصاحب الشركة، الذي لمس أمانته وإخلاصه الشديد في العمل، زكاه عند شقيقه، فطلب منه الأخير إدارته لحسابات مزارع دواجن ضخمة يمتلكها، مقدماً له راتباً خيالياً. 

وخلال عامًا واحدًا فقط، تضخم رصيد أشرف البنكي بشكل مذهل، لدرجة أنه كان يقف أحياناً مذهولاً أمام الأرقام، غير مصدق أن يتقاضى شخص كل هذه الأموال في شهرٍ واحد.

انتهى من دوامه اليومي، وغادر مقر الشركة والرضا يغمر وجهه، استقل سيارته الحديثة وانطلق بها وسط شوارع المدينة حتى توقف أمام متجر راقٍ للصاغة، ترجل من السيارة، ودفع الباب الزجاجي لتداعب وجهه برودة المكيف الممتزجة برائحة الفخامة. 

ألقى السلام على الصائغ وراح يقلب عينيه بين القطع الذهبية المتلألئة المعروضة في الواجهة الزجاجية، لاحظ الصائغ حيرته ونظراته الشاغفة، فبادر بلهجته المميزة:
- تبي شيء معين يا خوي؟

التفت إليه أشرف، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة حملت الكثير من الحماس:
-عاوز خاتم وحلق لطفلة عمرها خمس شهور. 

 وتابع بقلبٍ يرفرفُ كالطير الحر: 
-وعاوز سلسلة رقيقة لبنوتة عندها سبعتاشر سنة، عاوز الدلاية بتاعتها تكون على شكل حرف D.

أومأ الصائغ برأسه متفهماً، وقال بابتسامة بشوشة:
-أبشر، بجيب لك شيء مرة حلو. 

اختفى الصائغ خلف المنصة لثوانٍ، ثم عاد حاملاً علبة قطيفة حمراء، فتحها ليظهر منها طوق ذهبي رقيق ، تتوسطه دلاية متقنة الصنع تحمل الحرف المطلوب بجاذبية تأسر العين، لمعت عينا أشرف باللهفة الممتزجة بالسعادة، وشعر بأن القطعة صُنعت خصيصاً لأميرته.

سدد ثمنها وثمن القطعتين الأخريين، ثم غادر المتجر حاملاً علبتها كمن يمسك بين يديه كنزاً ثميناً، استقر في مقعد سيارته، ووضع العلبة بعناية صوب أعينه، أدار المحرك وانطلق، وضغط على زر الموسيقى لتنساب أغنية رومانسية ملأت أرجاء السيارة.

« مكتوب على قلبى هواك، مكتوب يا حبيبى أدوب والعمر يضيع وياك، ولا عنك بقدر أتوب، مكتوب يا حبيبى تاخدنى، مكتوب بهواك توعدنى، مكتوب أجى أقرب منك، ألاقيك أنت بتبعدنى، وحدك من بين الناس، خلتنى أعيش إحساس، وأنا قبلك عيشت حياتى، بطوى الأيام وخلاص، غيرت الدنيا فى عينى» 

 التمعت عيناه ببريق عشق جارف وزاد جنون الاشتياق وهو يردد كلمات الغنوة، بينما تُداعت صورتها في مخيلته، راح يتخيل كيف تبدلت ملامحها؟ وكيف غدت أكثر جمالاً ونضجاً في هذا العام الذي ابتعد فيه عنها؟ أطلق تنهيدة حارة وثقيلة من أعماق قلبه، تنهيدة اختصرت مسافات الغربة، وأعلنت بوضوح أن قلبه ما زال أسيراً هناك، عند تلك الساحرة الصغيرة، صاحبة حرف الـ "D".

          ________*________

داخل منزل "عبد الرحمن المسيري"، كانت الحركة لا تهدأ في المطبخ، وقفت "سامية" على قدمٍ وساق، تتنقل بهمة ونشاط، منكبة على إعداد مائدة عامرة بأصناف شتى من الطعام، احتفاءًا بأصدقاء ابنها الذي عاد من معسكره في إجازة منذ يومين فقط.

تحرك قفل الباب الخارجي بالمفتاح لتدلف منه "بسمة"، حيث كانت عائدة من جامعتها، كانت تخطو أولى سنواتها في دراسة "رياض الأطفال".

 دلفت إلى ردهة المنزل، ونادت بصوت عالٍ يفيض بالحماس والبهجة:
-ماما، يا ماما، إنتِ فين يا ماما؟

أطلّت الأم من باب المطبخ، ووجهت إليها نبرة حادة لتكبح جماح حماسها الزائد:
-يا بنتي وطي حِسك، أخوكِ نايم جوه. 

تتبعت بسمة والدتها وأسرعت نحو المطبخ، ودخلت وهي تسألها بدهشة:
-هو رشيد لسه نايم لحد دلوقتي؟!

ردت سامية وهي تعود لتقطيع خضار السلطة وعيناها على السكين: 
-مش في إجازة وبيريح جسمه؟ سيبيه يرتاح من شقى الجيش وتدريباته اللي تهد الحيل.

جالت عيناها بين القدور الضخمة والصواني المتراصة في كل زاوية، فقالت بمرح مشوب باستنكار مفتعل:
-الله الله يا ست ماما، إيه الأكل ده كله،ده.غدا ولا وليمة ده؟!

ثم تابعت وهي تغمز بعينها:
-طبعاً، ما هو البشمهندس حبيب القلب إجازة، وطول ما هو إجازة، الأكل الحلو كله يتعمل له. 

ثم اقتربت من الموقد تفتش في الأواني باستغراب شديد، وتابعت وهي ترفع الأغطية الواحد تلو الآخر:
-إنتِ عاملة إيه في الحلل دي كلها يا سمسمة؟! إيه ده كله، إنتِ لميتي المحاشي اللي في السوق كلها ولا إيه؟!

تركت الأم ما بيدها وتحركت سريعاً نحو الموقد لتتفقد نضج الطعام، وقالت بنبرة عاتبة:
-إنتِ ناسية إن أصحاب رشيد جايين على الغدا النهاردة؟

ضربت الفتاة بكفها على مقدمة رأسها بحرج وقد اتسعت عيناها وهي تقول:
-يا خبر، ده أنا نسيت الموضوع ده خالص. 

التفتت إليها سامية وحثتها باستعجال:
-طب يلا روحي غيري هدومك بسرعة، والبسي حاجة حشمة وطرحة على راسك، وتعالي ساعديني علشان زمانهم على وصول.

بعد قليل، كانت تقف بجوار والدتها في المطبخ، أغلقت صمام الموقد بحركة سريعة وقالت:
-وادي محشي الفلفل والبتنجان هو كمان استوى وبقى تمام،كده ما فاضلش غير الكوسة.

التفتت إليها والدتها وقالت بنبرة حذرة لسيدة خبيرة:
-اقفلي على الكوسة هي كمان زمانها استوت، دي ما بتأخدش وقت في السوى خالص.

نفذت الأمر على الفور وهي تجيب:
-قفلت عليها خلاص يا ست الكل.

تنحنحت سامية وهي تمسح يديها بـفوطة المطبخ، ثم التفتت لابنتها قائلة:
-ادخلي بقى صحي اخوكِ عشان يلحق يصلي الظهر قبل ما أصحابه ييجوا.

توقفت مكانهما، وجالت بعينيها في أرجاء المنزل المستقر في هدوء، ثم سألت بعفوية:
-هو بابا في أوضته؟

زفرت بقلة صبر وضيق مصطنع من تشتت ابنتها، وقالت:
- اللي واخد عقلك، إنتِ ناسية إن أبوكِ وكريم سافروا البلد الصبح عشان يعزوا في حما بنت عمتك، وهيباتوا هناك؟

ضربت بسمة مقدمة رأسها بكفها للمرة الثانية، وقالت بضحكة خجولة:
-يا خبر، أنا بقيت بنسى كتير أوي اليومين دول

ثم تحركت نحو غرفة شقيقها، وطرقت الباب بخفة قبل أن تدلف إلى الداخل، كان مستلقياً على فراشه، نائماً على بطنه ودافناً وجهه بالكامل في الوسادة، غارقاً في نوم عميق هرباً من إرهاق الأيام الماضية.

اقتربت منه وبدأت تناديه بنبرة مرحة:
-رشيد، رشيد، يلا اصحى.

لم يبدِ أي رد فعل، فدنت منه أكثر وسحبت الغطاء من فوق جسده بقوة وهي تتابع:
-يلا يا كسلان، قوم

تململ في فراشه، وفتح عينيه ببطء شديد يقاوم النعاس، ثم تمطع فوق السرير ماداً ذراعيه بكسل، وأطلق تنهيدة ثقيلة قبل أن يقول بصوت متحشرج غلبه النوم:
-صباح الخير.

ردت عليه بتهكم ممتزجًا بالمرح:
صباح إيه بس يا هندسة، ده العصر قرب يأذن، يلا بسرعة قوم صلي الظهر وخد لك شاور عشان أصحابك على وصول. 

ثم تابعت بثرثرتها المعتادة: 
-أما ماما عاملة لكم شوية أكل إنما إيه، لمت لك جميع أنواع المحاشي اللي في السوق، وصينية رقاق باللحمة المفرومة، وفراخ ولحمة.

وتابعت بصوتٍ يغلب عليه الحماس: 
-الست مكلفة نفسها وفرتكت مصروف الشهر كله، وعملت لك بيه وليمة على شرفك يا هندسة. 

تحرك ببطء، وسحب جسده لأعلى سانداً ظهره إلى خلفية السرير الخشبية، ثم فرك وجهه بكلتا يديه بإرهاق بدا واضحاً على ملامحه.

 كانت تراقبه بدقة، وتتابع بروده غير المعتاد الذي كاد أن يصيبها بالجنون، لتهتف بحدة وضيق:
-أنت مابتردش عليا ليه؟!

أجابها باقتضاب شديد ونبرة جافة لم تعهدها منه قبل،لكنها أصبحت ملازمة له منذ ذلك اليوم المشؤوم:
-اطلعي برة واقفلي الباب وراكي عشان أغير هدومي.

سألته بدهشة:
-مش هتستحمى الاول؟

قال باختصار حازم:
-استحميت قبل ما أنام، اطلعي يلا.

نظرت إليه باستنكار وضيق، فلم تتقبل بعد هذه الشخصية الجديدة والجافة التي أصبح عليها شقيقها مؤخراً، وراحت تعاتبة مستنكرةً بحدة:
-على فكرة بقى، أنت بقيت رخم أوي، شخصية الراجل الغامض بسلامته دي مش لايقة عليك خالص. 

وتابعت بنبرة تمني صادقة لعودة شخصية شقيقها المألوفة لها: 
-ارجع تاني زي ما كنت يا رشيد.

نظر إليها بجمود تام وهدوء غريب، ثم قال برتابة:
-خلصتي كلامك؟

ضيقت عينيها بعدم فهم وإحباط من صدوده، فأشار لها بيده نحو الباب ببرود.

 زفرت بحدة وهي تتحرك مغادرة، ثم تمتمت بغيظ:
-سخيف. 

خرجت وأغلقت الباب خلفها بعنف طفيف، بينما ترجل هو من فوق الفراش، نزع قميصه القطني  ملقياً إياه جانباً، ثم توجه نحو خزانته الصغيرة ليتناول ملابس مريحة، وبدأ يرتديها في هدوءٍ . 

           ______*______

عاد أشرف إلى شقته التي خصصتها له الشركة، مسكنٌ وثير مجهز بكل سبل الراحة والرفاهية التي تليق بمكانته الجديدة، وضع بعض الأكياس التي تحوي عشاءًا فاخراً ابتاعه من أحد المطاعم الراقية فوق الطاولة، ثم خلع سترة بدلته الفخمة وألقاها بعناية على حافة أحد المقاعد.

تحركت يداه بنوع من اللهفة نحو كيس الهدايا، وأخرج منه علبة القطيفة الحمراء الخاصة بدليلة، فتحها وجلس يتأمل السلسلة الذهبية بسعادة غامرة، وراحت مخيلته ترسم تفاصيل عنق حبيبته وكيف ستتزين بتلك القطعة الرقيقة، سرت رعشة دافئة في أوصال قلبه، فتنحنح ببطء، وأعاد العلبة إلى الطاولة متنهداً. 

بدأ يشمر كمّي قميصه وهو يتجه نحو الحمام، حيث تجرد من ملابسه واستسلم لتدفق المياه الباردة التي غسلت عنه أرق العمل وإرهاق اليوم، خرج بعد ذلك ليتناول غداه في هدوء، قبل أن يلتقط هاتفه المحمول ويبدأ في طلب رقم الهاتف الأرضي لمنزل شقيقه.

في تلك الأثناء، وتحديداً في بيت "علي"، كان الأخير يجلس على الأرض مفترشاً إياها براحة، ويضم بين يديه بحنو طفلته الصغيرة التي أتمت شهرها الخامس، كان قد اختار لها اسم "دليلة" تيمنًا بجمال أخلاق بنت خاله وهدوئها، ومتمنياً في أعماقه أن تحظى بجمالها وأدبها.

كان يداعب الصغيرة ويهدهدها قائلاً بنبرة تفيض بالأبوة: 
-وحشتي بابي يا دودو، كدة طول اليوم مانشوفش بعض انا وانتِ يا قلبي؟

كانت الصغيرة تقفز بين يديه بسعادة وتلاغيه بضحكاتها البريئة، فتابع دلاله لها قائلاً:
-إيه رأيك بدل ما بنوديكي كل يوم الصبح لتيتا نعمة، آخدك معايا الشغل؟

اتسعت ابتسامة الطفلة، فاستطرد علي وهو يداعب وجنتيها:
-مش قادر يا دودو أبعد عنك طول الوقت ده،بتوحشيني يا بنبوناية انتِ. 

أخذت تقفز وتناغيه بحروفها الصغيرة المتقطعة، وقالت بابتسامة تشرح الصدر:
-دادا، دادا. 

انحنى يقبل وجنتها بلهفة وشغف قائلاً:
-يا قلب دادا، ونور عيون دادا من جوة.

 واستمر يمطر وجهها الصغير بالقبلات السريعة الحانية،قطع خلوتهما رنين الهاتف الأرضي الصاخب، رفع صوته منادياً زوجته التي كانت قد وصلت معه للتو من العمل، ودخلت المطبخ على عجالة لإعداد وجبة الغداء:
-داليا، تعالي شوفي التليفون بيرن.

تأففت بقلة حيلة وهي تخفض شعلة الموقد تحت القدور، ثم ألقت بمنشفة المطبخ جانباً وتحركت نحو الصالة وهي تقول بتذمرٍ:
-ما ترد تشوف مين يا علي؟ ما أنت عارف إن ماما ماعرفتش تعمل أكل النهاردة بسبب انشغالها مع دليلة، وإني بطبخ ومش فاضية. 

أجابها وهو متمسك بطفلته ولا يريد مفارقتها:
-معلش يا حبيبتي، البنت بتلعب ومبسوطة ومش حابب أفصلها.

زفرت بابتسامة خفيفة، ثم رفعت سماعة الهاتف وقالت:
-ألو، مين معايا؟
أتاها صوت أشرف من الطرف الآخر، نابضاً بالحماس والاشتياق:
-إزيك يا داليا؟ عاملين إيه وأخباركوا إيه؟

ردت بحماس وفرحة عارمة طغت على نبرة صوتها:
-أشرف!، إزيك أنت؟ عامل إيه طمني عليك؟

ما إن طرق اسم شقيقه على مسامعه، حتى انتفض من مكانه، وحمل طفلته وجرى سريعاً نحو الهاتف. رمقته بنظرة استغراب وراحت تلومه بقولها:
-يعني فصلت البنت وقطعت عليها وصلت اللعب يا حبيبي؟

ضحك بعفوية وقال يحاول استرضاءها:
-قلبك أبيض بقى يا دُولي. 

هزت رأسها بتعجب وابتسامة خفيفة ترتسم على ثغرها، ثم ناولته سماعة الهاتف واستدارت عائدة إلى مطبخها لتكمل إعداد الطعام، في حين رفع السماعة وقال بحماس بالغ:
-أشرف باشا ؟

رد عليه بنبرة تفيض وداً واشتياق: 
-حبيبي يا علي، عامل إيه طمني عليك؟

أجابه ممتنًا: 
-أنا تمام والحمد لله، طمني عليك أنت؟

قال بجدية: 
-بخير يا حبيبي، بنوتك عاملة إيه؟

امتعضت ملامحه تمثيلاً وقال باستنكار مرح:
-إيه بنوتك اللي طالع لي فيها دي كمان؟ اسمها دليلة يا ابني

رد مستنكراً بهمس حمل غيرة خفية:
-بطلوا تلزيق بقى أنت وبنتك، قال دليلة قال.

وقال بذات مغزى:
- هي دليلة واحدة مفيش غيرها. 

تعالت ضحكات علي وهو يسترجع في مخيلته كيف كان أشرف معترضاً بشدة على تسمية الصغيرة بهذا الاسم وقت ولادتها، متحججاً حينها بأن عليهم اختيار اسم جديد يواكب الموضة، لكن الحقيقة هي أن أشرف كان يغار على اسم حبيبته، ولا يريد لأحد أن يشاركه فيه.

تابع كلماته بسرعة ليغير مجرى الحديث قبل أن تغلبه مشاعره وتفضحه:
-بقول لك إيه قبل الكلام ما يسرقنا، محمد ابن عمتك نازل مصر الأسبوع ده، وأنا بعت للبنوتة معاه حلق وخاتم، هديتها من عمها.

وقبل أن يسترسل في حديثه، قاطعه علي بنبرة لائمة:
-يا ابني ما أنت حولت لها مبلغ كبير وقت ولادتها، كفاية كده يا حبيبي. 

أجابه بحب صادق غلف نبراته:
-وماله؟ دي حبيبة عمها ولازم تتدلل وتتدلع.

رد علي بامتنان:
-ربنا يخليك ليها يا عمو، وتعيش وتجيب يا سيدي.

شعر أشرف بنوع من الحرج، وتحمحم ليتغلب على ارتباكه، ثم تابع بصوت خافت:
-أنا بعت معاها هدية كمان، سلسلة لدليلة بمناسبة عيد ميلادها.

ظن علي للوهلة الأولى أنه ما زال يتحدث عن طفلته الرضيعة، فقال بدهشة:
-هو فين لسه عيد ميلادها يا أشرف؟ دي بالعافية كملت خمس شهور، وبعدين يا ابني ما أنت باعت لها خاتم وحلق اهو، ليه المصاريف دي كلها بس يا حبيبي؟

سرى تيار من الإحراج الشديد في أوصال أشرف، وتحمحم مجدداً ببطء ليجمع شتات نفسه، ثم قال موضحاً بنبرة حاول جاهدًا لتخرج جادة:
-أنا بتكلم عن دليلة صادق يا علي، بنت خالك.

صمت علي لثوانٍ، ودارت في عقله الأفكار قبل أن يتذكر فجأة أن خاله اتصل به بالأمس،و دعاه هو وداليا على حفل ذكرى ميلاد ابنته الذي يوافق الأسبوع المقبل. 

هتف علي وقد استوعب الأمر:
-آه، ده فعلاً عيد ميلاد دليلة الأسبوع الجاي. 

ثم تابع بنبرة يملؤها الاستغراب والشك:
-بس أنت عرفت منين؟

تحمحم أشرف مجدداً وقال محاولاً الهروب من المأزق:
-هو يعني سر حربي يا علي؟ ما أنا عارفه من زمان، وياما خالك عملهولها زمان في البلد.

تضاعفت ريبة علي، وشعر أن وراءه سرًا، فكيف لشقيقه المستغرق في مسؤولياته وضغوط عمله الذي يلتهم معظم ساعات يومه في الغربة أن يتذكر تفصيلاً كهذا، بل ويشتري لها سلسلة ذهبية ثمينة؟ 

سأله علي بنبرة متعجبة:
-أيوا بس مش غريبة شوية إنك تفتكره في وسط مسؤولياتك دي كلها؟ دا أنت بتشتغل معظم اليوم يا أشرف، لا، وجايب لها سلسلة دهب كمان. 

ساد الصمت من طرف أشرف، ولم يجد كلمات يسعف بها نفسه، فتابع علي بذهول حقيقي وقد بدأت الخيوط تتشابك في عقله:
-وَلَا، أنت إيه حكايتك بالظبط؟

استمر صمت أشرف الثقيل، مما أكد ظنون شقيقه، فهتف بنبرة حملت صدمة ممتزجة بالفرحة:
-أوعى تكون.

صمت لبرهة يلتقط أنفاسه ثم تابع: 
-أنت بتحب دليلة يا أشرف؟!

أخذ نفساً عميقاً، زفر فيه كل سنوات الكتمان والشوق، وقرر ألا يداري أكثر، فقال بيقين وعاطفة جارفة تجلت بين نبراته:
-آه يا علي بحبها، ومن زمان أوي كمان.

انفجر الآخر ضاحكاً من فرط المفاجأة وقال بمداعبة:
-يخرب عقلك، زمان إيه يا ابني؟ بتحبها من أيام ما كانت في اللفة ولا إيه؟!

شعر بغصة مرة تسللت إلى نبرات صوته من سخرية شقيقه العفوية، فقال بنبرة حازمة حملت عتاباً رزيناً:
-علي، أنا مبحبش أسلوبك ده في الكلام وأنت عارفني.

تدارك الموقف سريعاً، وشعر أنه تسرع في مزاحه، فقال محاولاً إصلاح ما أفسده بلهفة :
-يا ابني ما أقصدش، ما تبقاش حمقي أوي كده. 

ساد الصمت لثوانٍ من طرف أشرف، فابتسم علي ورغب في تخفيف حدة التوتر وإضفاء جو من الألفة، فسأله بنبرة طغى عليها المرح:
-بتحبها أوي يعني يا أشرف. 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة عذبة دافئة تلاشت معها حدته، وقال بشوقٍ جارف:
-أوي يا علي، ادعي لي بس تكون من نصيبي.

تأثر بصدق مشاعر شقيقه، وقال بابتسامة حانية:
-إن شاء الله هتكون لك، وهتبقى أحلى نصيب كمان. 

برغم طمأنة شقيقه لكن ملامحه تملكتها الحيرة فجأة، وقال بصوت خفيض شابه الريبة:
-تفتكر لو طلبتها من خالك هيوافق؟

عقد حاجبيه دهشةً، ثم سأله مستغرباً:
-وإيه اللي هيخليه ما يوافقش؟!

أخرج تنهيدة طويلة ومحملة بالهموم، ثم نطق بما يؤرقه:
-دليلة عاوزة تدخل كلية الطب يا علي، تفتكر لو فعلاً دخلت وبقت دكتورة قد الدنيا، هترضى بيا هي أو خالك؟

اندهش علي من طريقة تفكير شقيقه وجلد الذات الذي يمارسه، فرد عليه بجدية وحزم:
-وحتى لو بقت دكتورة، إيه اللي يمنع جوازكم؟ أنت محاسب قد الدنيا، وشغال في شركة من أكبر شركات الخليج كله.

وتابع مسترسلاً بايضاح: 
-ده غير شغلك في المزارع واللي بيدخل لك منه، ده أنت الله أكبر ياحبيبي، في سنة واحدة ربنا كرمك وعملت اللي ماقدرش يعمله ناس مسافرة بقالها عشر سنين. 

لم يجد في كلمات شقيقه العزاء الذي يبحث عنه، بل شعر بإحباط يثقل صدره، فقال بأسى:
-وهي الفلوس كل حاجة يا علي؟ وبعدين انتَ ليه محسسني إننا من غير السفر وفلوسه مكناش نسوى؟

وتابع يوضح مقصده: 
-دي أرض أبوك لوحدها في البلد لو اتباعت تجيب لنا ملايين. 
هز رأسه محاولاً تصحيح الفهم، وقال مفسراً:
-انا ما أقصدش فلوس وماديات يا ابني خالص، بس أنت كشخص وبمركزك ده بقيت فرصة يتمناها أي أب لبنته.

صمت أشرف لبرهة، ثم قال بنبرة حالمة تقطر عشقاً خالصاً:
-أنا مش عاوز أبقى مجرد فرصة، أنا عاوزها هي اللي تشوفني وتتمناني زي ما أنا بتمناها يا علي.

تأثر الآخر بعمق الكلمات، ورد بنبرة واثقة ومطمئنة لبث روح التفاؤل لدي شقيقه:
-إن شاء الله هيحصل، اصبر بس لحد ما تخلص الثانوية العامة، وأنا وأبوك هنفاتح خالك في الموضوع ونطلبها لك.

سرت في أوصاله بادرة أمل جديدة أنارت عتمة مخاوفه، وقال بارتياح:
- طب أنا هقفل دلوقتي عشان تعبان شوية وعاوز أنام، ومتنساش تأخد الهدية من محمد وتديها لها في عيد ميلادها .

أنهى المكالمة وأعاد سماعة الهاتف إلى موضعها، جلس على مقعده الوثير، وراحت عيناه تتأملان السلسلة الذهبية المتلألئة من جديد بنظرات حالمة، وعيون تقفز منها شرارات العشق والاشتياق، منتظراً ذلك اليوم الذي يجمع بين قلبه وصاحبة الحرف .

         _______*_______

العودة إلى منزل "رشيد"، كان قد فرغ للتو من وضوئه وصلاته، وقف أمام مرآته ممسكاً بالمشط، وراحت يده تتحرك بآلية لتسريح شعره الكثيف، فجأة، تيبست يده وتسمرت نظراته، وجلس يتأمل انعكاس صورته وكأنه يرى ملامحه للمرة الأولى في حياته.

دار في عقله تساؤل مرير: من ذلك الواقف أمامي، لقد بدا له الشخص القابع في المرآة غريباً تماماً عنه، عيونٍ حادة جرداء كأرض صحراوية قاحلة لا أول لها ولا آخر، وملامح وجه صلبة جامدة، وشفتان خاصمهما الضحك وباتت الابتسامة غائبة عنهما منذ زمن. 

لم يكن هذا مجرد وهم، فكل من حوله لاحظ هذا التحول الجذري، وكأن روحه القديمة قد ماتت لتُخلق مكانها شخصية أخرى، شخصية جادة وصارمة، تعمل بكل ما أوتيت من قوة وجهد لتطوي صفحات الماضي، وتبني مستقبلاً جديداً تتلاشى فيه كل السلبيات والخيبات السابقة.

أطلق تنهيدة ثقيلة زفر بها بعضاً من ضيق صدره، ثم أشاح بوجهه عن المرآة وخرج متجهاً إلى المطبخ، نظر إلى والدته وقال بنبرة هادئة:
-صباح الخير يا ماما.

التفتت إليه وعيناها تفيضان بالشوق والحب، وردت بصوتٍ تقفز من بين نبراته الحنان:
-صباح الخير يا حبيبي.

 ثم تابعت وهي تغرف بعض المخلل من وعاء زجاجي كبير: 
-الأكل كله جاهز، مافاضلش غير إن أصحابك ييجوا، وأغرف لكم على طول.

هز رأسه بهدوء، تعالى رنين جرس الباب الخارجي، لتهتف السيدة بحماسٍ:
-دول أكيد أصحابك، روح افتح لهم يلا وأنا هبدأ أغرف الأكل.

أومأ لها برأسه وانسحب بهدوء ليتجه نحو الباب، ما إن فتحه حتى وجد أمامه "سامر" و"محمود" و"عمر"، رفاق دربه الذين رافقوه منذ أيام الثانوية وما زالوا على عهدهم متمسكين بصداقتهم.

اندفع سامر إلى الداخل وهو يستنشق الهواء بقوة، ماداً أنفه للأمام وصاح بافتخار موجهاً لأصدقائه:
-مش قلت لكم دي ريحة المحشي بتاع طنط سامية.
واسترسل مؤكدًا:
-أنا لا يمكن أتوه عنها أبداً. 

رد عليه محمود باستنكار مفتعل وهو يدعمه للدخول:
-خلاص يا عم سامر ادخل بقى، كفاية فضايح. 

تنحى رشيد جانباً، مشيرًا لهم بيده ببرود طفيف ليدخلوا الصالة، في حين تابع محمود الشكوى منه لرشيد قائلاً بغيظ:
-فضحنا من أول ما دخلنا الشارع الله يكسفه، داير يشمشم ولا الكلب البوليسي ويقول طنط سامية عاملة لنا محشي. 

ظهرت ابتسامة باهتة وخفيفة فوق ثغر رشيد، وحاول مجاراتهم فقال بصوت هادئ:
-هي فعلاً عاملة لكم محشي.
قفز سامر في مكانه بفرحة انتصار عارمة، وصاح بهما بسخرية:
-عشان تبقوا تصدقوني لما أقول لكم على حاجة يا غجر، ده أنا شميته من أول ما نزلنا من الميكروباص على ناصية الحارة. 

كانت سامية تستمع إلى صخبهم ومزاحهم من داخل المطبخ، فخرجت إليهم ووجهها البشوش يفيض بابتسامة دافئة، وقالت بترحيب حار:
-طب إيه رأيك إن أنا عاملة المحشي ده مخصوص عشانك يا سامر. 

أسرع نحوها وعلامات السعادة تكسو ملامحه، فأمسك يدها وقبلها بحنو، ثم طبع قبلة تقديرًا على رأسها قائلاً بامتنان:
-ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبداً يا ست الكل، وتعيشي وتفضلي تمتعيني وتدلعيني بالمحشي بتاعك طول العمر يارب. 

تعالت ضحكاتها، في حين تقدم محمود معترضاً بنبرة مرحة وهو يتجه نحوها ليلقي السلام:
-أفهم من كلامك إنك مش عاملة حسابي ولا وجودي مرحب بيه يا سمسم؟

ربتت على كتفه بحنان وقالت هي تضحك:
-وأنا أقدر أنساك برضه؟ ده أنت الوحيد اللي بتدلعني من بين العيال دول.

وتابعت بدلالٍ له:
- عشان كده عملت لك طاجن البامية اللي بتحبه من إيدي. 

هنا استدار "عمر" متظاهراً بالضيق، وتحرك خطوتين نحو الباب الخارجي وكأنه يهمّ بالمغادرة، وقال باعتراض لطيف:
-أنا شايف إن رجل الكنبة اللي هناك دي ليها وجود ولازمة عني يا جماعة، أنا بقول ألف وأرجع لأمي من تاني، وأرضى بالمسقعة وخلاص. 

ردت عليه سامية بمداعبة:
-أنت حر، وإحنا بقى نشوف حد من الجيران ندي له حبة الملوخية الخضرا وورك الفرخة اللي كنت عملاهم لك. 

شهق بذهول مصطنع امتزج بفرحة عارمة، وصاح عاتباً:
-ملوخية وفراخ محمرة؟! إيوا بس الأكلة كده ناقصها أهم حاجتين يا طنط.

قاطعته بسرعة وثقة وهي تبتسم:
-طبق البتنجان المخلل وشوية الرز بالشعرية.

اقترب منها بانبهار وطبع قبلة على رأسها، لتتابع هي موضحة:
-مع إني عاملة محشي كتير بس مانسيتكش، وعملت لك حبة رز في حلة صغيرة مخصوص علشانك يا عمر.

جالت عيناها بحنية بالغة بين الثلاثة الذين أحاطوا بها كأنهم أبناؤها، وتابعت بنبرة تفيض بالأمومة:
-أنا مقدرش أنسى كل واحد فيكم بيحب إيه، ربنا يعلم غلاوتكم عندي.

ثم التفتت بنظرة كساها بعض الحزن والوجع نحو ابنها الذي تركهم وانزوى وحيداً فوق الأريكة بفتور مريب، واستطردت بصوت خفيض: 
-ده أنتوا غلاوتكم من غلاوة رشيد بالظبط.

عاد سامر يقبل رأسها مجدداً ليخفف عنها ذلك التأثر وقال بصوت صادق:
-وربنا عالم إنتِ كمان غلاوتك عاملة إزاي في قلوبنا يا طنط.

خرجت "بسمة" من المطبخ ووقفت عند أعتابه، ووجهت إليهم تحية دافئة تليق بصلتهم القديمة:
-حمد الله على سلامتكم يا شباب. 

ثم تابعت بمزاحٍ:
-كفارة. 

أجابها سامر مستنكراً مزاحها:
-كفارة ؟! ليه شايفانا خارجين من اللومان؟

ثم أشار بيده نحو المطبخ آمراً بمزاحٍ ومرح:
-ادخلي اغرفي المحشي قبل ما يبرد يلا، واعملي لك همة شوية، ده أنا جاي لكم من غير فطار.

تعالت ضحكات الجميع  وتحرك الشباب معاً ليجلسوا برفقة رشيد، محاولين إذابة ذلك الجليد الذي غلف ملامحه منذ وصولهم.

انتهت سامية وبسمة من إعداد المائدة ورص أصناف الطعام الشهية فوق الطاولة، ليتكامل المشهد برائحة المحشي النفاذة وطاجن البامية "المسبكة".

جلس الشباب يلتهمون الطعام بنهم، بينما انزوت الأم وابنتها وتناولتا غدائهما داخل المطبخ.

التهم سامر إصبع من المحشي دفعة واحدة، ومضغه بتلذذٍ قبل أن يتنهد قائلاً:
-امتى بقى فترة الجيش دي تخلص يا شباب؟ الواحد معدته نشفت من العدس والفول والرز المعجن. 

رمقه رشيد بنظرة استنكار حادة، وقال بنبرة جادة:
-هو ده اللي فارق معاك يا سامر؟ الأكل؟!

زفر سامر بقلة صبر ورد بجدية:
-والله كل حاجة فارقة معايا يا رشيد، التعب والبعد عن البيت وكل حاجة.

التقط محمود قطعة من اللحم، وقال وهو يمضغها بهدوء:
-والله يا شباب انتوا مكبرين الموضوع، الجيش ده مصنع الرجال، وفخر لأي بني آدم وطني انه ينضم ليه.

أيده عمر برأسه وهو يبتلع طعامه وقال:
-عندك حق يا محمود، ده كفاية القوة وشكل الجسم اللي الواحد اكتسبهم من التدريبات اللياقة هناك.

علق رشيد بجدية صارمة، والصراع الداخلي يبرز في نبرته:
-ما اختلفناش يا جماعة، بس كمان ماتنكروش إنها فترة موقفة حياتنا.

وتابع باعتراض بدا واضحاً في عينيه:
-كان زمانا في السنة دي اشتغلنا وأخدنا خبرة نقدر من خلالها نتقيم، ونسافر لأي دولة خليجية نأمن فيها مستقبلنا.

كان عمر يشعر بوجع رشيد الدفين، ويفهم مرارة الماضي التي تجرعها صديقه، تلك المرارة التي جعلته اليوم مندفعاً يريد سباق الأيام والقفز نحو الغد ليصنع مستقبلاً أفضل، ويثبت لنفسه وللعالم أنه شخصًا ناجح وذو قيمة.

لذا ربت على يده بحنو، ونظر في عينيه بإشارة ذات مغزى وقال بيقين:
-كله هيحصل بالصبر والسعي يا رشيد، اصبر، وبكرة بمشيئة الله هنحقق كل أحلامنا.

هدأت ثورته الداخلية قليلاً، وهز رأسه وقال بيقين ممتزج بالرجاء:
-إن شاء الله.

تابع تناول طعامه على عجالة، ثم نظر إلى ساعة يده وقال وهو يحثهم:
-كلوا بسرعة عشان العصر قرب يأذن، عاوزين نصليه في الجامع، ونطلع نشرب القهوة فوق السطوح ونلعب دور شطرنج.

توقف سامر عن المضغ، وأمسك بإصبع محشي ولوح به في الهواء بملامح حادة مستنكرة ومضحكة في آن واحد،وهو يقول:
-وايه المطلوب مننا، نقوم يعني ونسيب الأكل ولا أنت إيه نظامك ؟!

انفجر الكل ضاحكين، بينما علق محمود :
-الراجل كتر خيره عاوزك تأخد ثواب الجماعة يا عم سامر.

غمز سامر بعينه وهو يغمس لقمة في طبق الملوخية وقال بمزاحٍ:
-يا سيدي إن الله غفور رحيم،بقول لكم ما فطرتش يا عالم. 

تجددت ضحكات الشباب واستمروا في تناول طعامهم وسط أجواء ملأتها الألفة والمحبة، وما إن ارتفع أذان العصر، حتى نهضوا جميعاً، وتوضأوا بنشاط ثم خرجوا، لتأدية الصلاة جماعة في المسجد القريب.

بعد الصلاة، صعدوا إلى سطوح المنزل حاملين فناجين القهوة الساخنة، كانت الجلسة ساحرة وسط أعواد زرع اللبلاب المتفرعة التي تتدلى أوراقها لتصنع ظلاً مريحاً وهواءًا نقيًا، رصوا رقعة الشطرنج، وبدأوا يخططون لنقلات قطعهم،  بينما كان عقل كل منهم يحمل طموحاً يوازي عنان السماء.

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 

مرّ الأسبوع سريعاً ، ليحل اليوم الموعود، يوم ذكرى ميلاد "دليلة"، حيث تتم اليوم عامها السابع عشر وتخطو نحو عتبات الأنوثة، لم يبخل "صادق" على وحيدته، فقد أقام لها حفلاً مبهجًا جمع فيه أفراد العائلة والمقربين كافة.

 وجهت "منى" الدعوة لوالدتها وشقيقتها وزوجها، وأخيها وزوجته، بينما لم تنس دليلة أن تدعو صديقتها "ندى"، تلك الفتاة التي أصبحت بمثابة شقيقة لها، لدرجة جعلت صادق ومنى يحتضناها كابنة ثالثة لهما.

الكل لبى الدعوة وحضر، إلا بهاء وزوجته، لم يحضرا للأن، امتلأت حديقة المنزل بالبهجة ، حيث كان صادق قد جهز طاولات أنيقة ورص فوقها ما لذ وطاب من شتى أصناف الطعام والحلويات، جلس المدعوون يتناولون الطعام في أجواء أسرية دافئة، بينما وقفت دليلة وهي تحمل الصغيرة "دليلة"، تلاعبها بحنو وتهدهدها، وكانت الرضيعة تقفز بين يديها والبهجة ترتسم على وجهها الصغير.

اقتربت من والدها الجالس يتناول طعامه، وقالت بابتسامة فخورة:
-بص يا بابا جميلة إزاي؟

التفتت "فاطمة" وتحدثت بسعادة بالغة غمرت نبرتها:
-ما هي لازم تطلع جميلة.

 ثم تابعت وهي تنظر لابنة شقيقها بحب جم:
-مش متسمية على اسم قمر العيلة؟

ردت "عايدة" كعادتها بروح الدعابة والمزاح:
-طبعاً لازم تقولي كدة بقلب جامد، ما كلنا عارفين إن دليلة واخدة كل ملامحك، يعني من الآخر كدة بتمدحي في نفسك يا حبيبتي. 

تعالت ضحكات الجالسين على الطاولة، فنظرت فاطمة إلى زوجها عزام وقالت وهي تدعوه لمناصرتها:
-شايف عايدة وكلامها يا حاج عزام؟

رفع كتفيه وقال يتهرب من تلك المعركة النسائية:
-خرجوني من بينكم يا فاطمة، في الآخر أنتوا إخوات في بعض، والداخل بينكم خارج. 

تدخل صادق متحدثاً بأدبٍ ووقار يليق بكبير العائلة"عزام":
-طب ما أنت أخونا وكبيرنا اللي اتربينا وهو في وسطينا يا حاج.

رد عزام بامتنان وأصالة:
-تسلم وتعيش يا أصيل. 

تحدث محمد بدران مؤكدًا على حديث شقيقه: 
-صادق معاه حق يا حاج، احنا فتحنا عنينا لقيناك كبيرنا بعد ابونا الله يرحمه. 

تأثر الحميع ونطقت رقية بحنينٍ:
- الله يرحمه ويحسن إليه. 

نهضت ندى من مقعدها واقتربت من دليلة وفتحت ذراعيها وهي تقول: 
-إديها لي أشيلها شوية يا دليلة.

رفضت بدلال وهي تضم الصغيرة إلى صدرها:
-استني لما أشبع منها شوية يا ندى.

أشار صادق لندى بيده إلى المقعد وهو يقول: 
-اقعدي كملي أكلك يا بنتي، ولما تخلصي ابقي شيليها براحتك.

أجابته الفتاة باحترام وتوقير: 
-شبعت والله يا أونكل.

اعترضت منى على الفور وهي تنظر لطبقها:
-شبعتي إيه يا بنتي؟ أنتِ مأكلتيش أي حاجة، طبقك زي ما هو. 

ردت الفتاة بلُطفٍ: 
-والله شبعت يا طنط الحمد لله.

علّقت "أماني" بنبرة حملت انتقاداً لجيل الشباب:
-بنات اليومين دول ماشيين ورا الرجيم والعود الفرنساوي، عشان كدة مابياكلوش خالص.

ابتسمت ندى وقالت مدافعة عن جيلها: 
-خالص يا طنط، إحنا بناكل والله، بس إحنا عشان داخلين على امتحانات وتحديد مصير، فتلاقينا متوترين شوية وشهيتنا مقفولة. 

ما إن طرقت الكلمات مسامع دليلة حتى أطلقت تنهيدة حارة، وسرى التوتر في أوصالها حين تذكرت أن امتحانات الصف الثاني الثانوي باتت على الأبواب، لاحظ صادق قلق ابنته، فقال بيقين ودعاء صادق:
-إن شاء الله ربنا هيكرمكم، وتجيبوا مجموع طب أنتوا الاتنين.

على الجانب الآخر من الطاولة، مال "علي" برأسه نحو زوجته "داليا" الجالسة بجواره، وهمس في أذنها بصوت منخفض:"شايفة؟ البنتين بيتخانقوا على مين يشيل دليلة، يا سلام لو كانوا جنبنا في المنصورة، مش كانوا ريحونا والجو خلي لنا شوية؟

التفتت إليه ورمقته بابتسامة رقيقة امتزجت ببعض الآرق، وقالت بهمس مماثل:
-آه والله يا علي، أنا قربت أنسى حياتنا الخاصة من كتر السحلة في الشغل بالنهار، والسهر طول الليل مع البنت.
ثم همست وقالت بابتسامة: 
-شوفت دليلة كبرت واحلوت ازاي، ده أشرف لو شافها هيتجنن المسكين. 
راح يحثها على الصمت وهو يقول: 
-اوعي تجيبي سيرة لحد عن اللي سمعتيه يا داليا، لأشرف يزعل مننا. 

-اكيد مش هتكلم واروح اقول سر ما يخصنيش يا حبيبي. 

التفتت "وفاء" نحو الحاجة "رقية"، ورمقتها بنظرة بشوشة دافئة قائلة بهدوء:
-طمنيني عليكِ وعلى صحتك يا حاجة رقية؟

ردت رقية بنبرة هادئة حملت وقارًا:
-الحمد لله يا ست أم بهاء، نحمد ربنا على كل حال. 

ثم استطردت تتساءل: 
-أمال اسم النبي حارسه وصاينه، ابنك ومراته مجوش ليه لحد دلوقتي؟

أجابتها بهدوءٍ وتماسك استدعته باعجوبة:
-جايين في الطريق يا حبيبتي، مسافة السكة ان شاءالله.

مالت عايدة برأسها نحو فاطمة، وهمست بنبرة حملت بعض التهكم:
-سعادة البيه والهانم مراته شكلهم متكبرين يقعدوا معانا على سفرة واحدة. 

ردت فاطمة برزانتها المعهودة محاولة تهدئة الأمور:
-الله أعلم بظروف الناس يا عايدة، يمكن عنده شغل ضروري هو اللي منعه. 

لوت فمها باعتراض صامت، ثم عادت لتكمل طعامها، على جانب آخر من المائدة، التفتت "سوزان"نحو والدة زوجها، وقالت بنبرة مغلفة بكبرياء واضح:
-إزي صحة حضرتك يا طنط؟

نظرت إليها بطرف عينها ولوت فمها في استنكارٍ واضح، ثم علقت بجفاء:
-تهمك أوي صحة حضرتي يا دكتورة؟ ده أنتِ مابصيتيش في وشي من ساعة ما دخلتي ولا كأني هوا قدامك. 

تداركت "أماني" الموقف سريعاً خوفاً من اشتعال الوسط ككل مرة، فأمسكت بيد والدتها وقالت بنبرة ضاحكة تحاول تلطيف الأجواء:
-الحمد لله يا سوزي، ماما بخير وفي أحسن حال.

 ثم مالت على أذن والدتها وهمست برجاء: 
-الله يخليكِ يا ماما اهدي، مش عاوزين نقلب اليوم ونبوظ عيد الميلاد للبنت، عشان خاطر صادق.

ردت رقية مدافعة عن نفسها باستياءٍ:
-ما أنا ساكتة أهو يا بنتي، هو أنا اتكلمت ولا فتحت بقي؟!

أما "رغدة" فكانت تجلس جوار زوجها "كمال"، تطلعت إلى صحنه بحنان وهي تقول:
-أحط لك مكرونة ولا رقاق يا كمال؟

أجابها بهدوء وابتسامة راضية:
-الحمد لله يا حبيبتي، أنا شبعت. 

علقت باعتراضٍ لطيف: 
-بس أنت مأكلتش حاجة يا حبيبي. 

رد مبتسمًا: 
-أكلت يا رغدة، كلي أنتِ يا حبيبتي بالهنا والشفا.

قُطع الحديث بين الجميع بوصول "بهاء" وزوجته "إلهام" يرافقهما أبناؤهما،تنهدت السيدة وفاء،فقد كانت تخشى عدم حضوره وكسر شقيقته أمام عائلة زوجها، ألقى السلام بصوت جهوري فرد الجميع التحية.

 نهض صادق ومنى من مكانيهما على الفور لاستقبالهم بحفاوة، في حين كانت إلهام تجول بعينيها في المكان بنظرات تقطر كبرياءًا وغرور، ألقت التحية على الحضور وسلمت بطرف يدها وبترفع شديد، لم يفت هذا المشهد على السيدة وفاء التي مالت على رغدة وقالت بنبرة حانقة:
-شايفة بتسلم على الناس بطراطيف صوابعها إزاي!

حاولت رغدة تهدئتها، فقالت هامسة:
-اهدي يا ماما أرجوكِ، المهم إنها جت، أنا أصلاً كنت فاكراهم مش هييجوا وهيقلوا بقيمة "منى" قدام حماتها واخوات جوزها. 

عقبت وفاء على حديث ابنتها بمرارة:
-الله يسامحه اخوكِ على اللي عامله معانا. 

تحركت إلهام بخطوات متبخترة نحو حماتها، التي آثرت البقاء في مقعدها هي ورغدة دون أن تقوما لاستقبالها تعبيراً عن عدم الرضا. 

اضطرت إلهام للانحناء وطبعت قبلة جافة وسريعة على وجنة حماتها وتمتمت بترفعٍ:
-إزيك يا طنط؟

ردت باقتضاب شديد وجفاءٍ ظهر بصوتها:
-أهلاً.

اشتعل داخل إلهام وشعرت بإهانة بالغة من طريقة استقبال والدة زوجها الجافة لها،لكنها كظمت غيظها، ثم مالت لتقبل رغدة قائلة:
-إزيك يا رغدة؟

أجابتها رغدة برسمية:
-إزيك أنتِ يا إلهام.

انحنى بهاء على رأس والدته وقبلها قائلاً برسمية:
-إزيك يا ماما.

جاءه صوت والدته جافاً ومحملاً بالعتب الحاد، بعدما شاحت بوجهها عنه:
-ألف سلامة يا حبيبي.

شعر بالخجل والارتباك أمام الحاضرين، وقال بنبرة اعتذار لمراضاتها:
-أنا آسف يا ماما، أنا عارف إنك زعلانة مني عشان ماعرفتش أزورك ليا فترة، بس صدقيني كنت مشغول جداً.

ردت بحزن عميق نضح من عينيها:
-وإيه الجديد يا ابني؟ ما أنت طول عمرك مشغول.

وتابعت لانكسارٍ تجلى بنبراتها:
- ربنا يقويك يا حبيبي.

تأثر بكلمات والدته القاسية التي أصابت كبرياءه في مقتل أمام الجميع. 

تحركت منى سريعاً لإنقاذ الموقف وقالت وهي ترحب بهما:
-ثواني يا جماعة، هعمل لكم ترابيزة جنبنا حالاً .

قاطعها بهاء بنبرة متحفظة:
-مفيش داعي تتعبي نفسك يا منى،إحنا لسه واكلين في بيتنا قبل ما نيجي.

نظرت إليه رقية باستغراب ودهشة وقالت مستنكرة:
-وليه يا حبيبي تأكل في بيتك؟ ما أنت عارف إنك جاي عيد ميلاد وصادق عامل غدا؟!

التفتت إليها إلهام، ورفعت رأسها بكبرياء وغرور قائلة بلهجة يشوبها الغرور:
-أصلنا متبعين نظام غذائي صحي يا أنطي، الطباخ في البيت بيعمل لنا الأصناف اللي إحنا قايلين له عليها بالجرام، فما ينفعش ناكل برة البيت نهائي.

ساد الصمت بين الجميع، ولم يجد أحد تعقيباً يناسب هذا الرد المتعالي، فعاد الجميع يتناولون طعامهم على مضض، بينما استمرت نظرات العتب والصراعات الصامتة لتدور في الخفاء.

          _______*_______

مر الوقت سريعاً وحانت لحظة الاحتفال الفعلي، أحضروا الكعكة الكبيرة وزرعوا بداخلها بعض الشموع ،التف الجميع حول دليلة وبدأوا يغمرونها بالأغاني الخاصة بتلك المناسبة مع التصفيق، علت رددوا بأصوات تملأها البهجة والسرور.

 كانت الفتاة تكاد أن تحلق في السماء من شدة البهجة، وعيناها تلمعان بسعادة غامرة وسط هذه اللمة الأسرية التي تعشقها من كل قلبها.

وقفت صديقتها ندى بجوارها مباشرة، تشاركها اللحظة وتغني بـحماس الأغنية الشهيرة:
- "Happy Birthday دليلة". 

انحنت دليلة بملامح تكاد تطيرُ فرحًا، وأغمضت عينيها لثوانٍ تمنت فيهم أمنية غالية بأن يرزقها الله مجموعاً يؤهلها لدخول كلية الطب، ثم نفخت بقوة لتطفئ الشموع وسط تصفيق حار وهتافات الجميع.

بدأ الحضور يتوافدون عليها بالتناوب لتهنئتها وتقديم الهدايا، قدمت لها إلهام مجموعة من المكياج الفخم،لتتعجب دليلة من تلك الهدية التي لا تناسب سنها،تحت ضيق وفاء.  

تقدم منها "علي" والابتسامة تزين وجهه، ومد يده بهدية قائلاً:
-دي هديتي أنا وداليا يا دليلة، كل سنة وأنتِ طيبة.

ابتسمت برقة وقالت ممتنة:
-تسلم إيديكم، ميرسي بجد.

اقتربت داليا وملست على وجنتها بحنان بالغ قائلة:
-كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبتي، وعقبال مليون سنة.

مد علي يده داخل الكيس وأخرج علبةً أخرى، كانت علبة قطيفة حمراء فاخرة، قدمها إليها وهو يقول بنبرة حملت مغزى:
-ودي بقى هدية أشرف ليكِ.

ساد الصمت لثوانٍ، واستغربت دليلة بشدة، بل إن علامات الدهشة ارتسمت على وجوه معظم الحاضرين، نظرت دليلة تلقائياً نحو والدها تستأذنه بنظراتها، فأومأ لها صادق برأسه بهدوء مانحاً إياها الأذن بقبولها.

 أخذت العلبة، وهنا هتفت عايدة بفضولها المعتاد:
-افتحي الهدية يا دليلة خلينا نتفرج. 

شاركتها ابنتها "شاهندة" الحماس وقالت بنبرة مرحة:
-يلا يا دليلة افتحيها بسرعة، خلينا نتفرج على مجايب سي أشرف. 

رمقتها والدتها بنظرة حادة ألجمتها، فصمتت الفتاة على الفور، فتحت العلبة ببطء، وما إن رفعت الغطاء حتى اتسعت عيناها بذهول وفرحة عارمة تملكت قلبها، كانت سلسلة ذهبية رقيقة للغاية، تتوسطها دلاية متقنة الصنع على شكل حرف "D" مزخرف بعناية بفصوص لامعة من الذهب الأبيض.

هتفت بدهشة وإعجاب شديد وهي تتطلع إلى علي:
-واو، تحفة، حلوة أوي يا أبيه، تسلم إيدك.

ضحك علي وأجابها بغمزة من عينيه:
-تسلم إيد اللي جاب واختار ودفع يا ستي، أنا يا دوب استلمت الهدية وقدمتها. 

احمرت وجنتيها وخفضت رأسها بخجل، ثم قالت بصوت خفيض:
-تسلم إيده،بصراحة ذوقه حلو أوي.

التف الحضور حول السلسلة يتأملون رقتها وجمالها بذهول وإعجاب، كان الجميع سعيداً، إلا "منى"،فقد  انتابها شعورًا مفاجئ بالقلق والريبة، وأحست في أعماقها أن تلك الهدية الثمينة ليست مجرد مجاملة عابرة، بل هما تلميحًا صريح لخطوة قادمة، وهي الخطوة التي طالما تمنت ألا تأتي أبداً.

مالت رقية برأسها نحو فاطمة، وهمست في أذنها بيقين وخبرة متراكمة عبر السنين:
-أقطع ذراعي إن ما كان الواد ابنك حاطط عينه على بنت صادق. 

نظرت فاطمة إلى والدتها بذهول،وراحت تفكر، ليتولد في أحشائها شعورًا غريبًا ومربك، لم يكن شعوراً بالفرحة أو الفخر، بل كان مزيجاً من الخوف والقلق والتوجس مما يخبئه المستقبل،هي تعشق الفتاة ولا تتمنى لصغيرها زوجةً افضل منها،لكن بالوقت ذاته،تخشى من تعكير صفو علاقتها بشقيقها الحبيب إذا صار بينهما نسبًا وحدثت بعض المشاكل.

قطع انشغال الجميع وأحاديثهم رنين الهاتف الأرضي، تقدم "صادق" ورفع السماعة، ليأتيه صوت "أشرف"، تبادلا السلام الحار، وشكره صادق بامتنان على ذوقه وهديته الثمينة، ثم دارت السماعة بين أفراد العائلة بالكامل، إذ تسابق الجميع ليتحدثوا إليه بلهفة واشتياق، ولا سيما والدته "فاطمة" التي لم تكد تصدق سماع صوت فلذة كبدها.

قبل أن تنتهي المكالمة، طلب أشرف بنبرة هادئة ومتحفظة أن يتحدث إلى دليلة ليهنئها بنفسه بمناسبة عيد ميلادها، التفت صادق ونادى غالية فؤاده، قائلاً:
-تعالي يا دليلة كلمي ابن عمتك.

تقدمت بخطوات هادئة، وتسلمت منه السماعة، ثم رفعتها إلى أذنها وقالت بصوت يفيض رقة وعذوبة:
-ألو، إزيك يا أشرف؟

 كان جالسًا على أريكته الوثيرة براحة، ما إن طرق صوتها مسامعه حتى أغمض عينيه ببطء، وارتسمت على ملامحه علامات استمتاعٍ حقيقي، وكأنه ينصت إلى سيمفونية موسيقية عذبة ينتظرها منذ الكثير.

لم يتأثر عشقه بطول المسافات ولا الغربة، بل ازداد عمقاً وتأصلاً في وجدانه، أجابها بنبرة مغلفة بـحنان دافئ نابع من عشقه المتأصل داخله :
-إزيك أنتِ يا دليلة، كل سنة وأنتِ طيبة.

ردت عليه بسعادة غامرة بفضل تلك الأجواء من حولها: 
-وأنت طيب، ميرسي أوي يا أشرف على الهدية الجميلة دي.

قال بصوت هائمًا تملكه الفرح لسعادتها:
-أهم حاجة تكون عجبتك.

تابعت بحماس وعينين تلمعان بالبهجة:
-عجبتني طبعًا، دي رقيقة وحلوة أوي. 

تنهد بارتياحٍ وقال بنبرة حملت وعداً خفياً لم تفهمه برائتها بعد:
-مبروك عليكِ، وعقبال ما أجيب لك هديتك الكبيرة. 

ضحكت بعفوية وقالت بنقاءٍ:
-أكيد تقصد هدية نجاح الثانوية العامة. 

ابتسم على براءتها العذبة، وقال يداري مقصده الحقيقي:
-أكيد.

كان يشعر ومأنه طيرًا طليقًا في الهواء، لم تدم تلك اللحظة الحالمة طويلاً، إذ اقتربت "أماني" فجأة وانتزعت سماعة الهاتف من يد دليلة قائلة بعجلة:
-هاتي يا دليلة عشان أكلم أشرف عوزاه في موضوع ضروري.

ثم وضعت السماعة على أذنها وصاحت: 
-بقول لك إيه يا أشرف، أنا جاية الأسبوع الجاي إن شاء الله أنا وعمك مجدي عشان العمرة، أول ما نوصل هكلمك وأقول لك على عنوان الفندق اللي هننزل فيه.

وأكدت مسترسلة:
-إوعى تنسى تيجي لنا هناك، عشان أشوفك وأسلمك الحاجات اللي أمك بعتاها لك معايا.

حاول كظم ضيقه الشديد، وأجابها باقتضاب مجبراً:
-حاضر يا خالتي، توصلوا بالسلامة ان شاءالله.

أنهى المكالمة بعد كلمات قليلة، وألقى بهاتفه جانباً وهو يشعر بـغصة وضيق من مقاطعة خالته، فقد كان يتوق للامتداد في الحديث مع صغيرته لأطول وقت ممكن، ليرتوي من نبرات صوتها التي تعينه على أيام غربته الثقيلة.

ومع دقات ساعات الليل المتأخرة، أسدل الستار على حفل ذكرى الميلاد السعيد، ودع صادق ومنى ضيوفهما، وعاد كل فرد من العائلة إلى منزله، حاملين معهم ذكريات يوم مبهج.

       _______*_______

مرت الأيام متلاحقة بتفاصيلها، حتى وصلت أماني برفقة زوجها "مجدي" إلى الأراضي المقدسة بالمملكة العربية السعودية، التقى بهما أشرف بلهفة، وانطلقوا معاً لتأدية شعائر العمرة في رحاب بيت الله الحرام. وسط الزحام الطائف بالمصلين، انشغل مجدي بالحديث والسير مع أحد أصدقائه القدامى الذين التقاهم هناك، مبتعداً عنهما قليلاً.

استثمر أشرف وأماني هذه اللحظة، وتقدما حتى وقفا في رحاب حجر إسماعيل، تنحت أماني جانباً وصلت ركعتين بخشوع، بينما وقف أشرف خلفها مباشرة، حامياً إياها بظهره وجسده القوي ليمنع تدافع المارين أو اصطدام أحد بها وسط الزحام.

 ما إن فرغت أماني من صلاتها، حتى رفعت كفيها وتوجهت بالدعاء، ليتنحى هو بدوره ويبدأ صلاته،بالكاد وضع جبهته على الأرض ساجداً، حتى انفرط عقد صموده، انهار بين يدي خالقه، وبدأ يبكي بنحيب مريرٍ كالأطفال، انصبت دعواته كلها حول تلك التي سكنت روحه وباتت له كالهواء.

 ارتفع صوته المختنق بالعبرات وهو راكع يتضرع بيقين تام،وراح يقول:
-يارب تحفظ لي قلبها وما يملش لغيري، وتخليها تحبني وتوافق عليا، أنا بحبها ومش هقدر أعيش من غيرها

تعالى أنينه وهو يقول بصوتٍ يفتت الصخر ويقطع نياط القلوب: 
-والله يارب ما هقدر أعيش من غيرها.

استمعت أماني لنحيبه المباغت فتملكتها الدهشة، ونظرت إليه بذهول من هذا الانهيار الجارف، نزلت على ركبتيها بجواره تقترب منه، لتدخل كلماته الممتزجة بالدموع مسامعها بوضوح وهو يتابع تضرعه:
-يارب تزرع حبي في قلب دليلة، زي ما ابتليتني بداء عشقها اللي بقى بيجري في دمي، وصورتها اللي مبقتش تفارق خيالي لا ليل ولا نهار.

ثم شهق بقوة وتابع:
- تزرع حبي أنا كمان جواها، يارب تجعلها من نصيبي، يارب تخليها تحبني

استمر في بكائه ونحيبه، وصوته يعلو تدريجياً بكبرياء عاشق مكسور، بينما تجمدت أماني في مكانها من صدمة ما تسمعه، فلم تكن تتخيل قط أن ابن شقيقتها يحمل في أحشائه كل هذا الجنون العاطفي لابنة خاله. 

ظلت مستندة بجواره تراقبه بحنو حتى فرغ من صلاته، فمدت يدها برفق وطبطبت على ظهره المنحني، ثم نظرت في عينيه الحمراوين من أثر البكاء، وقالت بنبرة خفيضة غمرها التأثر:
-للدرحة دي بتحبها يا أشرف؟!

لم يستطع مواراة ضعفه أمامها، فهز رأسه إيجاباً وهو يجفف دموعه، وقال بنبرة رجاء تفيض بالانكسار:
-ادعي لي يا خالتي تكون من نصيبي، بالله عليكِ تدعي لي من قلبك.

رق قلبها لضعفه، جذبته نحو صدرها واحتضنته، ظلت تطبطب على كتفه بحنان أموي وهي تحاول تهدئته،وراحت تقول بصوتها الحنون:
-اهدى يا حبيبي ، إن شاء الله هتبقى من نصيبك وربنا هيجمعكم على خير.

استمر يجهش بالبكاء في أحضانها، ويقول بصوت مزق قلبها:
-أنا بحبها أوي يا خالتي، وخايف أتقدم لها وما توافقش بيا،أو خالي يرفض. 

شددت من ضمتها له، وقالت بـيقين وثقة لترفع من روحه المعنوية:
-إن شاء الله توافق يا حبيبي، ده أنت سيد الرجالة يا أشرف، وتتمناك ست البنات.

        _______*________

مرت الأيام كأنها دهرٌ من شدة القلق والانتظار، تنفست دليلة الصعداء بعد انتهاء امتحاناتها المصيرية، لكن الهدوء لم يدم، فقد أشرقت شمس اليوم الموعود، اليوم الذي يحمل في طياته النتيجة التي ستُشكل مسار حياتها القادم.

كان التوتر يملأ أرجاء المنزل، الجميع يجلس على أعصابه في انتظار النتيجة، استقرت "منى" والجدة "وفاء" و"رغدة" و"أحمد" في ردهة المنزل، توسطتهم "دليلة" التي كانت ملامحها شاحبة، بينما دقات قلبها تتسارع كطبول تقرع في صدرها.

 كان الجميع صامتًا، أعينهم معلقة بباب المنزل، ينتظرون عودة "صادق" الذي ذهب ليجلب النتيجة بنفسه، فجأة، دلف من الباب، لم تتمالك دليلة نفسها، فانتفضت من مقعدها وهرولت نحوه بخطواتٍ متعثرة، فركت كفيها ببعضيهما وعيناها تفيضان بدموعٍ حبيسة تنتظر من يطلق لها العنان، وراحت تسأله بنبرة متحشرجة يملأها الرعب والرجاء:
-جبت كام يا بابا؟


تعليقات