رواية حين يجبر العشق الفصل التاسع عشر
تسللت أولى خيوط الصباح عبر ستائر الغرفة البيضاء، فانعكست فوق الجدران بهدوءٍ يناقض تمامًا العاصفة التي كانت تعصف داخل القلوب.
لم يعد يُسمع سوى صوت جهاز قياس النبض... وقطرات المحلول التي تهبط ببطء داخل الوريد.
تحركت أهداب حور قليلًا..ثم فتحت عينيها بتثاقل.
تاه بصرها للحظات في سقف الغرفة، قبل أن تعود إليها ذاكرة الليلة الماضية دفعةً واحدة.
انتفض قلبها، وحاولت أن تعتدل، لكنها شعرت بثقلٍ يحيط بكفها....
أنزلت بصرها ،فوجدت يدها الصغيرة حبيسة داخل كف سلطان الكييرة...
كان يجلس على المقعد الملاصق للفراش، وقد انحنى بجسده حتى استند رأسه فوق ذراعه على حافة السرير، بينما لم يترك يدها طوال الليل بدا مرهقًا بصورة لم ترها عليه من قبل.
تأملته طويلًا...
ولأول مرة شعرت أن هذا الرجل، الذي يهابه الجميع، يبدو ضعيفًا... فقط عندما يتعلق الأمر بها.
ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم رفعت يدها الحرة برفق، وأزاحت خصلة شعرٍ سقطت فوق جبينه.
وما إن لامست أناملها وجهه...حتى فتح عينيه فجأة.
اعتدل في جلسته بسرعة، ثم نظر إليها بلهفةٍ لم يحاول إخفاءها هاتفاً اسمها بلوعه: حور...!
ابتسمت بهدوء ولمع بريق الزبرجد في مقلتيها فاضاءت بنورها عمته روحه ...
زفر أنفاسه وكأن صخرةً كانت جاثمة فوق صدره ثم سقطت، وهمس وهو يمرر يده على شعرها بحنان:حمد الله علي سلامتك يا حبيبتي، وقعتي قلبي ...
ابتسمت له ابتسامة ضعيفة، لكن سرعان ما اختفت وهي تسأله بقلق:ــ بابا... عامل إيه؟
صمت سلطان لحظة، ثم شد على يدها مطمئنًا.: الحمد لله لسه في العناية المركزة. والدكتور قال حالته مستقرة، بس محتاج يفضل تحت الملاحظة كام يوم.
تنهدت بارتياح، لكن دموعها سبقتها: عاوزه اشوفه....
ابتسم ابتسامة هادئة : هتشوفيه بس من غير دموع علشان خاطري ، دموعك غاليه اوي.... ثم مد يده يمسح دموعها باطراف انامله ..
اومأت له ومازالت الدموع عالقه باهدابها وفي تلك اللحظة ،طُرق الباب طرقًا خفيفًا.ثم دخلت نرجس والدتها يتبعها هارون....
ما إن وقعت عينا الأم على ابنتها مستيقظة. حتى أسرعت إليها، واحتضنتها بقوة : حمد لله على سلامتك يا ضنايا...
ارتمت حور بين ذراعيها، وهي تبكي : بابا هيقوم منها صح يا ماما؟
ربتت نرجس على ظهرها، تحاول أن تبدو قوية رغم احمرار عينيها.: بإذن الله هيقوم منها أبوكي راجل قوي، وربنا كبير.
اقترب هارون هو الآخر، وانحنى يقبّل رأس شقيقته: عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت له رغم دموعها:الحمد الله بقيت أحسن طمني، بابا فاق ولا لسه ؟؟
هز رأسه بالنفي : لسه بس الدكتور قال دي مسألة وقت.
صمتت لحظة، ثم رفعت رأسها نحو سلطان.
كانت نظرتها تحمل رجاءً صامتًا: سلطان...
رفع عينيه إليها مبتسماً ، فقالت برجاء وصوتها خرج مكسوراً : عاوزة أشوفه.
تنهد سلطان ببطء.كان يعلم أن الطبيب لن يسمح لها بالدخول لكن كان يعلم أيضًا أنها لن تهدأ قبل أن تطمئن بعينيها.
اقترب منها، ثم مد يده إليها وهو يبتسم ابتسامة صغيرة: يلا هوديكي تشوفيه من بره مش هينفع تدخلي علشان الزياره ممنوعه...
أضاء وجهها رغم الحزن وضعت يدها داخل كفه، فساعدها على النهوض بحذر.
كانت ما تزال ضعيفة، فتأرجح جسدها قليلًا التقطها قبل أن تسقط، وأحاط خصرها بذراعه بحمايةٍ غريزية: علي مهلك ..همس بها وهو يسندها يضمها لجسده بقوه وحمايه ثم خرجا معًا من الغرفة.
────────
توقف سلطان أمام الزجاج العريض المطل على غرفة العناية المركزة وأشار إليها بهدوء.
رفعت حور بصرها ورأته...
كان هاشم ممددًا فوق الفراش، تحيط به الأجهزة من كل جانب، وأنابيب المحاليل متصلة بجسده، بينما يغطي الشاش كتفه وصدره.
شهقت شهقة مكتومة ورفعت كفها تلامس الزجاج، وكأنها تريد أن تصل إليه.
سال الدمع فوق وجنتيها بصمت همست بصوتٍ مرتجف:أول مرة أشوفك ضعيف كده يا بابا...
أغمضت عينيها وهي تتمتم بالدعاء.
بينما وقف سلطان خلفها مباشرة.لم يتكلم...
اكتفى بأن يضع يده فوق كتفها برفق.وكأن وجوده وحده يقول لها:أنا هنا... ولن أتركك وحدك.
بعد دقائق...همس بصوتٍ خافت لكنه حاسم: يلا كفايه كده تعالي علشان ترتاحي .
أومات برأسها ثم ترنح جسدها بضعف فلم يفكر سلطان مرتين انحني بجسده ورفعها بين يديه بحنان وحمايه غير عابئ بشهقتها الخجولة ولا نظرات من حولهم .....
────────
وعلى الجانب الآخر من الممر...كان صبري يجلس فوق أحد المقاعد الحديدية.
لم تكن عيناه تنظران إلى باب العناية...
بل كان يتابع المشهد كله في صمت.يرى كيف تستند حور راسها إلى صدر سلطان...
وكيف يضمها هو إليه بحمايه...
انقبض فكّه بقوة حتى برزت عروقه. واشتعلت عيناه بحقدٍ أسود.
ثم همس لنفسه بصوتٍ خفيض لا يسمعه أحد:استندي عليه براحتك يا حور .....أصل قريب أوي هييجي اليوم اللي مش هتلاقي غير حضني هو اللي يضمك...
وظل يراقبهما من بعيد بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة غامضة...
كانت تخفي وراءها شيئًا أخطر بكثير مما يتخيله الجميع.
___________
وضعها سلطان برفق فوق الفراش ، ثم ساعدها على الجلوس ، انحنى يعدل الوسادة خلف ظهرها، ثم سحب الغطاء عليها، نظر إليها متأكدًا من أنها أصبحت أكثر راحة، قبل أن يبتسم ابتسامة هادئة.: ارتاحي وأنا راجع حالًا.
أومأت له بصمت خجل ..
وما إن خرج من الغرفة...حتى لمح ياسين يقف في آخر الممر، يترقب خروجه.
اقترب منه سلطان بخطوات ثابتة، ثم سأله بصوتٍ خفيض:خير يا ياسين... في جديد ؟؟؟
اقترب ياسين قليلًا حتى لا يسمعه أحد، ثم قال : الحمد لله وصلنا للعربية اللي قطعت عليهم الطريق واللي هارون ادانا اوصافها .
توحشت ملامح سلطان وسأله بترقب: فين؟
اجابه ياسين بدقه : لقيناها ناحية شرق الجبل... كانت مستخبية وسط الزراعات.
سأله سلطان بتدقيق :واللي كانوا فيها؟
أجاب ياسين بسرعة: كانوا اتنين... أول ما رجالنا حاصروا المكان، واحد منهم ضرب نار علينا واستغل الزحمة وهرب... أما التاني قدرنا نمسكه.
ساد صمت قصير... ثم ارتسمت على وجه سلطان ابتسامة رضا خفيفة.: برافو عليك يا ياسين.
ثم تابع وقد تحولت ملامحه إلى الصرامة: خلوه في المخزن... محدش يقرب له غير لما أوصل.
أومأ ياسين بطاعة، لكن سلطان لم ينتهِ بعد.
فقال بنبرة هادئة، إلا أنها حملت وعيدًا واضحًا: واللي هرب... عاوزه قبل الليل لو مستخبي تحت الارض تلاقوه ....ولازم تعرف مين اللي وراه باي تمن ....
خفض ياسين رأسه باحترام.: حاضر يا شيخ سلطان.
ثم استدار وغادر مسرعًا لينفذ أوامره.
ظل سلطان واقفًا للحظة ينظر أمامه بشرود وقد وصل لاول طرف الخيط ......
────────
عاد الي غرفه حور ، فتح الباب بهدوء...
فوجد الممرضة تقف بجوار الفراش، وقد وضعت صينية الطعام فوق الطاولة الصغيرة.
ابتسمت وهي تقول بلطف: يلا يا مدام حور لازم تاكلي، علشان تعرفي تقفي على رجلك.
هزت حور رأسها برفض.: مش قادرة... خديه لو سمحتي.
ابتسمت الممرضة محاولة إقناعها : مش هينفع لازم تاكلي المحاليل لوحدها مش كفاية....
أغمضت حور عينيها بإرهاق: مش قادره والله ماليش نفس.
وقبل أن تتكلم الممرضة مرة أخرى...
جاءها صوت سلطان من خلفها.: سيبي الأكل... واتفضلي إنتِ.
التفتت إليه، ثم أومأت باحترام.: حاضر يا فندم.
خرجت الممرضة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
ثم اقترب سلطان من الطاولة، ثم سحبها أمام الفراش.رفع الغطاء عن الطعام، قبل أن يلتفت إليها.: هتاكلي وانا اللي هاكلك بايدي ومش عاوز عند .....
تنهدت حور وهي تشيح بوجهها.: ــ والله يا سلطان... مش قادرة.
جلس على طرف الفراش ثم قام بوضع الجبن علي الخبز : مفيش الكلام ده ، دي فرصتي علشان اخلص منك اللي كنتي بتعمليه فيا لما انصابت ولا نسيتي؟
رفعت حور عينيها إليه فوجدته ينظر إليها تسليه !!!
مد يده اليها بقطعه الخبز وتابع بحزم : افتحي بؤك ...
ابتسمت رغمًا عنها وعادت اليها روحها المشاكسه : لا
رفع حاجبه بخطوره ، ثم قرب وجهه منها ونظر داخل عينيها بعشق فضحته نظراته وتابع هامساً : يرضيكي ترفضي ايدي ...
يرضيكي يقولوا ان شيخ العامرية مراته بتعصي كلامه ...
خرجت منها ضحكة خافته وتابعت وهي تنظر داخل عينيه التي تطالعها بدفء: لا طبعاً ما يرضنيش ، بس فعلاً مش قادره ماليش نفس ....
تابع بهمس وهو يمرر طرف ابهامه علي شفتيها برقه جعلت قلبها بخفق بعنف داخل صدرها: علشان خاطري لو ليا خاطر عندك لقمتين بس يا حبيبي
ظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة
ثم تنهدت باستسلام، وفتحت فمها ببطء.
ابتسم سلطان ابتسامة صغيرة، وأطعمها أول لقمة ظل يراقبها بعشق حتى ابتلعتها.
وكأن تلك اللقمة الصغيرة...
كانت بالنسبة إليه انتصارًا يفوق أي انتصار آخر.
ابتسم سلطان في رضاٍ خفي وهو يراها تبتلع اللقمة الأولى.
ثم التقط أخرى ومدها إليها.
ترددت لحظة...
لكنها فتحت فمها في هدوء.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يناولها كوب العصير : اشربي.
ارتشفت منه قليلًا، ثم أعادته إليه وهي تزفر أنفاسًا متعبة.
مد يده مره اخري بالطعام فهزت أسها نفياً بسرعة : لا... كفاية يا سلطان.
أطرقت برأسها، ثم همست بصوتٍ منكسر:
الأكل واقف في زوري...
كل ما أغمض عيني... أشوف بابا وهو نايم وسط الأجهزة.
شعر وكأن أحدًا قبض على قلبه.
وضع الطعام جانباً ثم أمسك يدها برفق.: بصيلي.
رفعت عينيها إليه بصعوبة.
قال وهو يمسح بإبهامه ظاهر كفها:تعرفي إيه أكتر حاجة هتزعل الحاج هاشم لما يفوق؟
هزت رأسها بالنفي.
فتابع سلطان بحنو: نه يشوف بنته اللي طول عمره شايفها جبل... مهدودة بالشكل ده.
ابتلعت غصتها وقالت بدموع : بس أنا تعبانة يا سلطان...
خرج صوتها ضعيفًا مكسوراً كصوت طفلة ضائعه فقدت امانها ....
ابتسم لها بحنان وتابع بعشق : سلامه قلبك من التعب ....
صمت لحظة مبتسماً ثم أردف:وانا معاكي وجانبك ولو تعب الدنيا كله اتقسم علينا... هنشيله سوا.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه.
مد يده بالطعام مره اخري ، وقال بمشاكسةٍ خفيفة يحاول أن ينتشلها من حزنها: بصراحة... أنا بدأت أشك.
رمشت باستغراب : تشك في إيه؟
اجابها بحزن مصطنع : انك مصممه تعصي اوامري ...
نظرت إليه ولم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور.
ابتسم هو الآخر فور أن رآي ابتسامتها :
هي دي الابتسامة اللي كنت مستنيها اوعي تحرميني منها .....
تنهدت باستسلام وتابعت وهي تقضم قضمه صغيره: إنت مش ناوي تسيبني في حالي، صح؟
هز رأسه بثقة وتابع بذات مغذي : مستحيل اسيبك ولو علي موتي ....
هتفت مسرعه بعشق ملهوف فضحته نظراتها ونبره صوتها : بعد الشر عنك ، بلاش تقول كده تاني علشان خاطري يا سلطان ..
سلطان بعيون تلمع بفرحه : يبقي تاكلي علشان خاطري .
ضحكت بخفوت وهي تقول بعفويه : امرك يا شيخ سلطان....
تعلقت يد سلطان في الهواء ونظراته تسلطت علي شفتيها ومن دون مقدمات اكتسح شفتيها بقبله مجنونه ابتلع فيها شفتيها ....
كانت طعم قبلته هذه المره مختلفه لانه لاول مره يقبلها بعدما اعترف بعشقه لها الذي تمكن من كل خلاياه .....
تخشب جسد حور من قبلته المباغتة وحاولت دفعه لكنه كلما دفعته كان يقترب منها اكثر واكثر حتي فصل قبلته اخيراً ولكنه لم يبتعد بل ظل قريباً منها لحد مكنه من تنفس انفاسها وهمس بخفوت وهو يمرر ابهامه علي شفتيها الحمراء : قلت لك كل مره هتقولي لي كده هبوسك ...
هتفت حور بخجل : خلاص هبطل اقولها لك تاني....
رفع سلطان نظراته الي عينيها ياثرها داخل عينيه: اوعك تعملي كده ، انتي مش عارفه انا بحس بايه لما بتقوليها لي ، بيبقي نفسي اخبيكي جوه مني ...
خاليكي علي طول تقوليها لي يا حور ، ما تحرمنيش من الاحساس ده ..
مرر يده علي وجنتها المحمره خجلاً وتابع بوقاحه : ونفسي انفرد بيكي واعرف اعبر لك بطريقه عمليه الكلمه دي بتعمل فيا ايه....
اندفعت الدماء الحاره الي وجنتيها ودفعته في صدره بيدين مرتجفتين : سلطان انت ايه اللي حصل لك احنا في المستشفى حد يدخل علينا يقول علينا ايه مش كفايه شيلتني باره قدام الناس....
ابتسم سلطان وتابع بصدق : انا ما يفرقش معايا الناس ، انتي الاهم عندي....
ساد بينهما صمت قصير..لم يكن صمتًا ثقيلًا...
بل صمت شخصين أنهكتهما ليلة طويلة ورغم ذلك بدا شيء قوي يربط بين قلبيهما .
وفجأة...
رفعت حور رأسها إليه.
كانت تتأمله وكأن فكرةً ما عادت إليها فجأة.: سلطان...
اجابها بحنان : نعم.
ترددت لحظة، ثم قالت: إمبارح قبل ما هارون يتصل إنت كنت هتقول لي حاجة.
تجمدت ملامحه وبقي ينظر إليها دون أن يجيب.
أكملت وهي تراقب عينيه التي انطفا بريقها وحل محلها الجمود : كنت بتقول ان في موضوع مهم لازم اعرفه
امتدت لحظات الصمت بينهما...
حتى إنها بدأت تسمع صوت أنفاسه.
ولأول مرة رأت في عينيه شيئًا لم تستطع تفسيره.
لم يكن خوفًا...ولا ترددًا فقط...
بل كان وجعًا.
خفض سلطان بصره قليلًا...
ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يعيد النظر إليها.
وحاول أن يرسم ابتسامة هادئة فوق شفتيه.: ايوه فاكر ....
ظلت تنظر إليه بصمت.
فأكمل بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية: بس مش وقته دلوقتي.
عقدت حاجبيها بقلق من تبدل ملامحه : ليه؟
اقترب منها قليلًا، ثم أمسك يدها بين كفيه وتابع : لأن كل اللي يهمني دلوقتي انك تبقي كويسه و إن والدك يقوم بالسلامة.
ولما نرجع بيتنا ونطمن عليه نبقى نتكلم براحتنا.
لم ترد ، فقط اكتفت بالنظر داخل عينيه طويلًا كانت تشعرأنه لم يقل الحقيقة كاملة.
أما سلطان فكان يشعر أن كل كلمة أخفاها اليوم...ستعود يومًا لتطالبه بثمنها.
طُرق الباب طرقًا سريعاً ،اعتدل سلطان في جلسته ورد بصوت قوي : ادخل ..
فتح الباب، فظهر هارون.
كانت ملامحه متعبة، لكنها بدت أكثر تماسكًا من الليلة الماضية.
نظر إلى سلطان قائلًا بهدوء: سلطان... ممكن دقيقة؟
التفت سلطان إلى حور ابتسم لها ابتسامة مطمئنة : ارتاحي ، شويه وراجع لك ....
هزت رأسها بطاعة ،
وقف، ثم انحني وقبل جبينها بحنان : لو احتجتي أي حاجة، نادي الممرضة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة فرحه باهتمامه بها : حاضر.
ثم غادر الغرفة، وأغلق الباب برفق خلفه.
⸻
في ممر المشفي ....
تقدم هارون نحو سلطان بخطوات بطيئة.
سأله سلطان بصوت منخفض :،خير؟
زفر هارون أنفاسه، ثم قال:لسه خارج من عند الدكتور... الحالة زي ما هي، ولسه مستنيين أول ما أبويا يفوق حتي في ظابط من المديريه جه واخد اقوالي ولسه ماشي
ربت سلطان على كتفه وتابع : اطمن ،رجالتي وصلوا لواحد من اللي ضرب عليكم نار ومسكوه ومعاه العربيه كمان ...
لمعت عين هارون بيريق شرس وتابع : يلزموني يا سلطان ، انا اللي هاخد بتار ابويا وتاري منهم واحد واحد ....
سلطان بحزم : ده امر مفروغ منه ، نطمن علي ابوك الاول وبعدها يحلها الحلال ....
وفي الطرف الآخر من الممر...
كان صبري يراقب المشهد بعينين ثابتتين.
وقبل أن يقترب منهم...
لمح الممرضة التي كانت عند حور تخرج من الغرفة.
تقدم نحوها بخطوات هادئة.
استوقفتها نبرته المهذبة: لو سمحتي يا ابله ....
التفتت إليه وردت بتهذيب : افندم ...
أشار ناحية غرفه حور : بنت عمي عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت ابتسامة مهنية : الحمد لله بقت أحسن.
سألها باهتمام بدا صادقًا: اومال اغمي عليها ليه ؟؟
اجابته بعمليه : ضغطها كان واطي جدًا... مع الصدمة والتوتر العصبي حصلها هبوط شديد.
ظل ينظر إليها لحظة، ثم سأل بخبث : طب الحمد الله احنا خوفنا لتكون حامل والزعل وحش علشانها ...
هزت رأسها نفياً : لا مفيش حمل ، هي كويسه والحمد الله .
تنفس بسعاده بالغه ، ثم أخرج بعض الأوراق النقدية ذات الفئات العاليه ومدها إليها.: تسلمي يا ابله ربنا يخاليكي.
تراجعت بخجل : لا يا فندم شكراً
ابتسم ابتسامة هادئة.: والله ما يحصل ده الشاي بتاعك ...
ترددت لحظة...ثم قبلتها على استحياء.
قال وهو يبتعد: خلي بالك منها.
أومأت برأسها، ثم انصرفت.
أما هو...فاتجه بخطوات ثابتة نحو سلطان وهارون.
نظر إليه سلطان بضيق واضح لم يحاول إخفاءه.
لكن صبري تجاهل نظرته، وقال مخاطبًا هارون: خير... في جديد؟
هز هارون رأسه.: لا... لسه زي ما هو.
تنهد صبري بحزن : ربنا يقومه بالسلامة.
نظرإلى سلطان، ثم عاد لهارون وقال بنبرة بدت عادية:وصلتوا لحاجة عن اللي عمل كده؟
ثبت سلطان عينيه عليه لثواني واجاب قبل هارون ببرود : لسه.
ساد الصمت بينهم ثوانٍ قليلة فقط.
وفجأة...غرقت الممرات في ظلامٍ دامس.
انقطعت الكهرباء بالكامل.
تعالت أصوات المرضى والممرضات.
وسرت همهمة القلق في المكان.
قطب سلطان حاجبيه، واستدار تلقائيًا ناحية غرفة حور.
وفي اللحظة نفسها...دوّى صوت إطلاق نار من الجهة الأخرى للمستشفى.
طلقات سريعه ومتلاحقه اثارت حاله من الفزع والخوف ثم تعالت الصرخات.
انتفض الجميع.
التفت سلطان إلى أحد رجاله الواقفين بالقرب منهم، وقال بحزم:ــ عينك من أوضة حور هانم... ماتتحركش من قدام الباب مهما حصل.
أومأ الرجل فورًا.: حاضر يا شيخ سلطان
ثم اندفع سلطان مع هارون وبقية الرجال مشهرين اسلحتهم نحو مصدر الصوت ...
لم تستغرق الفوضى سوى دقائق ...
لكنها بدت وكأنها عمر كامل.
كان صدى الطلقات يتردد في أرجاء المستشفى، والناس يركضون في كل اتجاه، بينما تعالت أصوات الاستغاثة.
وفجأة...توقف إطلاق النار.
وساد صمت ثقيل بعدها ....
وفي تلك اللحظة...شعر سلطان بشيءٍ انقبض بعنف داخل صدره.
همس باسمها بقلق : حور...
ثم استدار فجأة.....وركض.....
ركض بكل ما يملك من قوة.
وخلفه هارون...ثم صبري ....
وصل إلى الممر المؤدي لغرفتها.
فتباطأت خطواته للحظة...
كأن قلبه رفض أن يرى ما أمامه.
كان الحارس ملقى على الأرض ساكنًا.
وبقعة دمٍ تمتد أسفل جسده.
تجمدت ملامح سلطان ثم اندفع إليه.
تجاوزه ودفع باب الغرفة بعنف.
اصطدم الباب بالحائط بدوي صاخب
رفع بصره...وسكن العالم كله من حوله ..
الفراش خالي...
المحلول يتدلى من الحامل يتأرجح ببطء.
والغرفة فارغة.
في اللحظة نفسها...عاد التيار الكهربائي.
فأغرقت الأضواء المكان.
لكنها لم تبدد الظلام الذي اجتاح قلبه.
وقف مكانه...لا يتحرك ولا يتنفس.
كأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
وصل هارون أولًا.
توقف عند الباب، ثم نظر إلى الداخل باستغراب والخوف بنعش قلبه : حور ..
حور مش موجوده .،سلطان...!
لم يجبه.
نظر إليه في قلق أكبر.
استدار سلطان إليه ببطء كان وجهه شاحبًا على غير العادة.
وعيناه تحملان صدمةً لم يعرفها أحد فيه من قبل.
خرج صوته مبحوحًا يكاد لا يُسمع: حور...
بلع ريقه بصعوبة ثم قال الكلمة التي مزقت الجميع: حور... حور اتخطفت !!!!
تجمد هارون في مكانه.
أما صبري...فاتسعت عيناه وهو ينظر إلى الغرفة ثم إلى الحارس الملقى أمام الباب.
هتف بذهول:إزاي؟!
إزاي تتخطف وإحنا واقفين هنا؟!
مين اللي يقدر يعمل كده؟
لكن سلطان لم يكن يسمع أحدًا.
أخرج هاتفه بيدٍ مرتجفة، واتصل فورًا بياسين ....
ما إن جاءه الرد، حتى صاح بصوتٍ دوّى في الممر كله: ياسين .....حور اتخطفت!
اسمعني كويس اقلب البلد كلها!
كل رجالتنا تتحرك ، محدش ينام ولا يغمض له جفن الا لما ترجع عاوز حور قدامي... مهما كان التمن!
أغلق الهاتف بعنف.
ثم اندفع خارج الغرفة، وعيناه تقدحان نارًا.
لحق به هارون وهو يقول بحزم: أنا جاي معاك.
ومن خلفهما، تحرك صبري بخطوات سريعة، وملامحه متجهمة.
أما سلطان...فلم يلتفت إلى أحد.
كان هناك شيء واحد فقط يملأ رأسه...
أن يجد حور... قبل أن يسبقهم الوقت
وصل ياسين يركض، وقد بدا من ملامحه أنه تلقى الخبر في طريقه.
توقف أمام سلطان، وأنفاسه تتلاحق : اطمن رجالتنا كلها اتحركت اتوزعوا علي كل مداخل ومخارج البلد والكل بيدور عليها.
ظل سلطان صامتًا لثوانٍ.
كانت عيناه مثبتتين على الأرض، لكن عقله كان يجري أسرع من الجميع.
ثم رفع رأسه فجأة.
عاد وجه شيخ العامرية بكل صلابته، رغم النار التي كانت تشتعل خلف عينيه.
قال بصوت حاسم : كل واحد مننا يروح في اتجاه
التفت إلى ياسين: خاليك معايا علي اتصال طول الوقت وشوف الكلب اللي مرمي في المخزن اكيد له يد. في اللي حصل .
أومأ ياسين فورًا : حاضر ما تقلاقش ...
ثم نظر إلى هارون وأنا هتحرك ناحية الجبل.
هز هارون رأسه معترضًا : انا جاي معاك مش هاسيبك لوحدك ..
ثبت سلطان عينيه علبه : هارون خاليك هنا علشان والدتك مش لازم تحس بحاجه ...
قاطعه الأخير بإصرار: امي رجعت البيت وفي حراسه كبيره علي البيت من امبارح وبعدين حور دي اختي مش اي حد ...
ساد الصمت لحظة ثم أومأ سلطان موافقًا.
وفي تلك اللحظة...تقدم صبري خطوة.
كانت ملامحه متجهمة، وصوته خرج مشدودًا:وأنا هدور في الناحية التانية ناحيه الزراعات...
نظر إليه سلطان نظرة طويلة....
ثم قال ببرود:المهم نلاقيها.
واستدار دون أن ينتظر ردًا آخر.
وانطلق الجميع كلٌ في طريق.
وكان الطريق يبتلعهم واحدًا تلو الآخر.
────────
في مكانٍ بعيد...
بعيدًا عن أضواء المستشفى...
وبعيدًا عن المدينة كلها...
بدأت حور تستعيد وعيها تدريجيًا.
كان رأسها يؤلمها بعنف.وحين فتحت عينيها...
لم ترَ سوى ظلامٍ يتخلله ضوءٌ باهت يتسلل من نافذة صغيرة في سياره لم تتعرف عليها في البدايه ...
حاولت الحركة فاكتشفت أن يديها مقيدتان.
اتسعت عيناها برعب.
وأطلقت صوتًا مكتومًا، بعدما شعرت بما يمنعها من الكلام فقد كان فمها مغطي بلاصقة قويه .
بدأت تتلوى بعنف، تحاول أن تفلت نفسها، بينما كانت دموعها تنساب فوق وجنتيها دون توقف.
لم تكن تعرف أين هي...ولا كيف وصلت إلى هنا.
كل ما تعرفه...أن سلطان كان معها منذ دقائق وأنه وعدها أنه لن يتركها .،،
ثم انقطعت الكهرباء وبعدها لا تعرف ماذا حدث؟؟؟؟
أغمضت عينيها بقوة، وهمست داخلها وهي تقاوم خوفها:يا رب... يا رب نجيني....
بعد وقتٍ بدا لها وكأنه دهراً توقف كل شيء.
وتوقفت حركه السياره ...
سمعت أصوات خطوات تقترب منها ثم فُتح صندوق السياره التي تبين انها سياره اسعاف .....
تقدم منها رجلان لم تستطع أن تميز ملامحهما بسبب اللثام الموضوع علي وجوههم ..
اقترب أحدهما منها حاولت الابتعاد عنه، وهي تطلق همهمات غاضبة، وتضربه بقدميها بكل ما بقي لديها من قوة ، برغم وهن جسدها الا انها قاومتهم بشراسة ، ولكنهم تغلبوا عليها وانزلوها من السيارة....
قادوها نحو بيت كبير اشبه بسرايا صغيره، فتحوا الباب وادخلوها ثم ساروا بها نحو الدرج المؤدي الي الطابق الثاني وسط مقاومتها ...
ادخلوها غرفه ملكيه كبيره وواسعه ذات فرش كلاسيكي مترف ، اجلسوها علي الفراش، ثم شرعوا في فك قيد يديها .....
ثم أُزيل اللاصق الذي يمنعها من الكلام.
وما ان تحرر يديها حتي قامت بضربهم بيديها وخدشهم باظافرها وهم يقاوموها
حتى صاحت بأعلى صوتها:إنتوا مين؟!
أنا فين؟! خاطفني ليه؟!
لم يجيبوها، الرجلين بقيا صامتين.
اقتربت من أحدهما، ودفعته بكل قوتها: انطق ، عاوزين مني ايه؟؟
تراجع خطوة حتي تمكن منها ثم دفعها بكل قوته للخلف فسقطت ارضاً ، واسرعوا بخطواتهم وخرجوا من الغرفه واغلقوها خلفهم....
نهضت واندفعت نحو الباب تطرق عليه بقوه : افتحوا الباب ....افتحوا....
ــ سلطان هيوصلكم ومش هيسيب واحد فيكم عايش ....
لم يجبها سوي الصمت ....
وقفت حور تحدق في الباب لثوانٍي ثم هرعت إلى النافذة.
دفعت مصراعيها بقوة لكنها توقفت فجأة بيأس ، فقد كانت القضبان الحديدية تغطيها بالكامل.
قبضت عليهما بكلتا يديها، وأخذت تهزهما بكل ما أوتيت من قوة.: افتحوا!
حد سامعني ....إلحقوني!
ارتد صوتها داخل الغرفة الواسعة...
دون أن يجيبها أحد.
تراجعت ببطء ثم استندت إلى الحائط.
كانت أنفاسها تتسارع...
وقلبها يرتجف بين الخوف والرجاء.
مسحت دموعها وهمست بيقين رغم كل شيء:سلطان إنت وعدتني إنك مش هتسيب إيدي مهما حصل وأنا واثقة إنك هتوصل لي.
__________
في دار العامرية...
كان الليل قد ازداد سكونًا، إلا أن ذلك السكون لم يدم طويلًا.
اهتز هاتف عامر فوق المنضدة، فالتقطه سريعًا.
وما إن استمع إلى الكلمات القادمة من الطرف الآخر...
حتى تبدلت ملامحه تمامًا اتسعت عيناه، ثم قال بصدمة: إيه؟!... إزاي ده حصل؟
استمع لثوانٍ أخرى، ثم أجاب بحزم: حاضر... أنا جاي حالًا.
أغلق الهاتف، والتقط مفاتيح سيارته، واندفع خارج غرفته بخطوات سريعة.
في صالة الدار...
كانت هانم تجلس فوق الأريكة تحتسي قهوتها، وإلى جوارها ماجدة، بينما جلست سارة في الطرف المقابل شاردة الذهن.
رفعت هانم رأسها ما إن رأت عامر يعبر الصالة مسرعًا.
قطبت جبينها وسألته باستغراب: مالك يا ولدي؟ مستعجل كده ليه؟
توقف عامر لحظة، ثم قال وهو يواصل طريقه:سلطان لسه مكلمني...
انتفضت هانم في جلستها بقلق : ماله اخوك ، حصل له ايه؟؟
أجابها سريعًا:حور اتخطفت من المستشفى.
ساد الصمت...
حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.
أكمل عامر وهو يتجه نحو الباب:سلطان وهارون وصبري بيدوروا عليها، وقالبين البلد كلها... وأنا رايح ألحقهم.
وقبل أن ينتظر ردًا خرج مسرعًا من الدار.
وبقيت الكلمات تتردد داخل الصالة.
تبادلت ماجدة وسارة نظرات مذهولة.
أما هانم...
فظلت صامتة للحظات، وكأنها لم تستوعب الخبر
لكن فجأة ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة.ثم قالت بجبروتٍ أثار قشعريرة من حولها: يارب ما ترجع خلينا نخلص منها بقى.
شهقت ماجدة وهي تنظر إليها بعدم تصديق.
أما سارة فانعقد حاجباها في دهشة.
لم يكن ما قالته هانم هو ما أدهشها فقط...
بل كلمة عامر التي لم تغب عن ذهنها.
همست لنفسها في حيرة: صبري!!!
ثم رفعت بصرها إلى هانم وسألتها بقلق:
بس... إزاي حور تتخطف؟
ومين أصلًا له مصلحة يعمل كده؟
اشاحت هانم بيدها في لا مبالاة، وقالت بقسوة: تتخطف ولا تغور في ستين داهية.
المهم تريحنا منها جوازه الشوم والندامه ما شوفناش من وراها خير ابداً ..
ثم التفتت إلى سارة، ونظرت إليها نظرة ذات مغزى وقالت بنبرة منخفضة، لكنها حاسمة:
دي فرصة وجت لحد عندك.
اتسعت عينا سارة بعدم فهم : فرصة؟
ابتسمت هانم ابتسامة خالية من الرحمة. : ادعي إنها ما ترجعش اسمعي مني يا سارة الفرص مبتجيش مرتين. لو البت دي ما رجعتش ، سلطان مش هيلاقي غيرك قدامه انتي وابنه وغضب عنه هيكمل حياته معاكي ، يبقي لازم تستغلي الفرصه دي لصالحك وزي ما قلت لك ادعي انها ما ترجعش تاني ....
تجمدت سارة في مكانها وحدقت في هانم طويلًا...
ولأول مرة تري خطوره وقسوه هانم التي أشعرتها بالرعب من القادم .....
___________
كان الليل قد ازداد قسوة...
والساعات تمر بطيئة كأنها تتعمد تعذيب الرجال الذين يجوبون الطرقات بحثًا عن أثرٍ واحد يقودهم إليها.
ضرب سلطان علي مقود السياره بعنف وهدر بغضب واختناق : يعني ايه مفيش خبر عنها لحد دلوقتي ، انشقت الارض وبلعتها ....
هتف هارون محاولا تهدئته رغم رعبه علي شقيقته : اهدي يا سلطان وان شاء الله هنلاقيها ......
كبس مكابح السياره بعنف فأصدرت صريراً عالياً فتح الباب وترجل منها واخد بلتقط انفاسه بصعوبه وصدره يعلو ويهبط بعنف يشعر بثقل شديد فوق صدره .....
وقف إلى جوار سيارته في إحدى الطرق الصحراوية، وعيناه تمسحان الظلام الممتد أمامه.
كان وجهه جامدًا لكن من يعرفه جيدًا، يدرك أن ذلك الجمود لم يكن إلا غطاءً لغضبٍ لو انفجر لأحرق كل شيء.
وقف هارون جواره بصمت وحاله لا بختلف كثير عنه ، يقتله العجز ويكبله الخوف....
قطع صمت المكان رنين هاتف سلطان.
أخرجه بسرعة، وما إن رأى اسم ياسين على الشاشة حتى أجاب فورًا بلهفه :أيوه يا ياسين في جديد؟؟
جاءه صوت ياسين متوترًا، لكنه يحمل شيئًا من الانتصار:يا شيخ سلطان... الراجل اللي مسكناه اتكلم.
اشتعلت عينا سلطان واعتدل في وقفته وهو يسأله بلهفه : قالك إيه؟
أجابه ياسين بجمود : اعترف بكل حاجة وعرفنا مين اللي وراه.
انعقد فك سلطان بقوة، وانقبضت أصابعه حول الهاتف حتى كادت تتحطم بين يديه.
هتف بحدة: هو مين ؟؟
ساد صمت قصير...
قبل أن يقول ياسين بغموض: اللي وراه برضه هو اللي خطف حور هانم
صدقني... الموضوع أكبر مما كنا متخيلين..
تجمد سلطان في مكانه وشعر أن قلبه توقف عن النبض خرج صوته مبحوحًا:عرفت مكانها فين؟
قال ياسين بسرعة:الرجل قال علي مكان هو شاكك فيه بنسبه كبيره وانا اتحركت ورايح للمكان اللي قال عليه .
اشتدت قبضه سلطان علي الهاتف حتي كادت ان تحطمه وقد ومضت عينيه ببريق مخيف شرس : فين المكان ده ؟
اجابه ياسين بحزم : في الطرف الجنوبي للبلد علي الحدود ، انا حددت مكانه وهبعت لك اللوكيشن...
لم ينتظر سلطان أكثر أغلق الهاتف بعنف.
ثم التفت إلى هارون، وعيناه تشتعلان ببريق مخيف وقال بصوت خرج حاسمًا كحد السيف: لقيناها.
لم يسأل هارون عن شيء كل ما فعله أنه اندفع خلف سلطان نحو السيارة.
وفي لحظات...
انطلقت السيارة تشق ظلام الصحراء بكل ما تملك من سرعة مخلفه خلفها سحابه قويه من الغبار منذراً بقدوم عاصفه ستقلع كل من يقف امامها ....
───────
في السرايا .....
كانت حور تقف أمام النافذة.
كلتا يديها تقبضان على القضبان الحديدية بقوة.
وعيناها معلقتان بالظلام الممتد خارج البيت.
لم تكن ترى شيئًا سوى طريقٍ صحراوي خالي وكان تلك السرايا مثل نبته زرع شيطاني خرجت وحدها وسط الصحراء القاحله حولها ...
لكنها رغم ذلك كانت تؤمن أن سلطان لن يتوقف عن البحث عنها.
همست لنفسها، وابتسامة ضعيفة مرت فوق شفتيها رغم دموعها: هتيجي يا سلطان ...
أنا عارفة إنك هتيجي.
سكتت لحظة...ثم أغمضت عينيها.
ــ لأنك وعدتني...
وفي اللحظة نفسها...
صدر صوت مفتاحٍ يدور داخل القفل.
انتفض جسدها.واستدارت بسرعة نحو الباب.
انفتح الباب ببطء...
وتسلل ضوء الممر إلى داخل الغرفة.
ظهر رجلٌ عند العتبة.
لم تستطع أن ترى ملامحه بوضوح في البداية.
لكن...
ما إن تقدم خطوة إلى الداخل...
حتى اتسعت عيناها في ذهول.
وخرجت الكلمة من بين شفتيها، وهي تحدق به غير مصدقة: إنت...؟!
.........................
