رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الثامن عشر 18 بقلم امل نصر


 رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الثامن عشر 

بعد انتهاء الندوة التي أقيمت على شرف أحد الشعراء الكبار، خرج نيازي بوجه عابس مع مجموعة الأصدقاء التي لا يتحرك من دونهم، ولكنه كان اليوم شديد الضيق بعد حضوره دون لينا التي لم تأتِ على غير عادتها، حتى تجلى ذلك على ملامح وجهه التي كانت معقدة بتجهم، وهو يعدو مسرعًا بخطواته حتى سبقهم وتفرق عنهم. 

لحق به أحد الأشخاص بعد أن خرج من المبنى الحكومي وهو يدعى الشاعر عيسى، وقد كان صديقاً منافساً لشعر نيازي ودائمًا ما تُثار الضغائن بينهما على أتفه الأسباب، فقال يشاكسه: "ايه يا صاحبي ، مقفل كدة و شايفك النهاردة ساكت ومبتتكلمش مع حد؟" 

رمقه الآخر بنظرة شاملة قبل أن يجيبه بامتعاض: "وإيه دخلك أنت يا عيسى بعبوس وجهي؟ أنا حضرت الندوة وشجعت فريقنا كالعادة، يعني مقصرتش في حاجة، إيه بقا اللي مضايقك؟

" تأمله عيسى بصمت بابتسامة غامضة تعتلي ثغره أثارت استفزاز نيازي، ليوقفه فجأة به: "يلعن ابو كدة، مالك يا أخينا أنت؟ أنا زهقت من تعليقاتك ونظراتك الغريبة دي من ساعة ما حضرنا الندوة بتاعة الشاعر الأهبل ده."

مط الرجل شفتيه يقول بنبرة ملتوية: "أنا واضح يا عم نيازي، ومقصدش أستفزك ولا أزعلك، بس بصراحة، مستغرب موقفك مع لينا..."

قاطعه بحدة قابضًا على قماش قميصه ليجذبه نحوه بعنف: "مالها لينا يا غبي؟ وإيه اللي يخلي لسانك ينطق اسمها من الأساس؟" 
نفض عيسى بكفيه ذراعي الآخر ليهدر بوجهه: "خف شوية يا بطل، أنا لا جبت سيرتها بسوء ولا قلت حاجة تضايقك عنها، ده أنا حتى مكملتش كلامي! أنا مستغرب فعلاً من عصبيتك الزيادة دي ناحيتها، ده أنا كنت فاكرك خلاص هتخطبها، بس باين فكرتي دي طلعت غلط."

قال الأخيرة بلؤم زاد من احتراق نيازي ليهتف سائلًا بخطر وعيناه برقت بشدة: "قصدك إيه بالكلام ده؟ بتلمح لإيه يا عيسى؟" 
بدا على وجه المذكور التسلي وهو يردف بتمهل ولهجة مستفزة: "متأخذنيش يا نيازي، بس بدأت ألاحظ إنها اتغيرت فجأة معاك، بل بالعكس، ده أنا شايفها بتميل لصاحبك التاني.. اللي أنت عرفتها عليه بسببك..." 
"مين ده اللي عرفتها عليه بسببي؟" قالها نيازي بمقاطعة حادة وهو يتقدم نحو المدعو عيسى والآخر يتراجع حتى

أجابه ببراءة: "ابن خالتك اللي اسمه سعيد يا نيازي، أنا شوفته كذا مرة في قعدات لوحده مع لينا، حتى امبارح شوفتهم سوا في حفلة دار الأوبرا...

" توقف يرى رد فعل نيازي، وقد أظلم وجهه وتسارعت الأنفاس الذي كان يصعد ويهبط بقوة، ليتابع: "أنت مكنتش معاهم في الأوبرا ولا حتى قالولك؟" 

أوقف يصدر صوتاً مستهجناً بفمه ثم تابع بخبث: "باين إنك فعلاً مكنتش معاهم في الحفلة، بصراحة شيء يزعل.. أنا بعتذرلك." 

عند الأخيرة فقد نيازي تحكمه المتبقي في أعصابه، وارتفعت قبضته لتحط على فك عيسى بقوة أسقطته أرضاً، وصرخ به: "دي عشان تتعلم الأدب، ومتحشرش مناخيرك في حياة الناس، اسفخس عليك وعلى تربيتك." 
بصق كلماته والتف عنه يتابع طريقه للذهاب، تتراقص أمامه شياطين الغضب.
.................................

قالت أريج وهي تهبط السلم الخشبي الصغير بتخوف خلف شقيقها نحو النزول في القبو بعد أن تمكنا من رفع الغطاء الحديدي الثقيل: "يا نهار ابيض يا أمجد، أنا حاسة إني داخلة قبر." 

زفر أمجد ليهتف متأففاً بنزق: "يوووه بقى، أنا زهقت منك ومن زنّك، لو خايفة اقفي يا حبيبتي، ريحي دماغي من وجع الراس وكتر الكلام ده، واستنيني فوق لحد ما أخلص." 

صاحت أريج رافضة: "مش هستنى فوق زي الهبلة، لازم أشوف كل حاجة بنفسي، أنا عارفاك كويس." قالت الأخيرة بمغزى فهمه ليهتف ساخراً: "وأنتي بقا الذكية اللي محدش يقدر يضحك عليها ولا ياخد منها حاجة."

هتفت توجه كشاف الهاتف على وجهه: "ماتتريقش عليا يا أمجد، أنا مش ناقصة خناق دلوقتي، كفاية الخوف اللي أنا حاسة بيه." 

غمغم بسخط قبل ان ينعقد لسانه مع توجيه أنوار كشاف الهاتف نحو محتويات القبو، والذي بدا وكأنه غرفة صالحة للعيش بها، مقاعد كلاسيكية مرتبة على الجانبية وطاولة صغيرة تصلح لحمل الأشياء وفوقها مطفأة سيجار. وهناك بعض الألواح الفنية المستندة على بعضها في جانب ما، لينتبه على المصابيح المعلقة في أعلى الحائط، وبها عدد من الشموع القديمة. ليتمتم أمجد بانبهار وهو يتجه نحوه

ويشعلها بقداحته: يا دين النبي! جدك الملعون ده أسس وجهز الحفرة دي عشان تبقى مكانه الأمان، لما يحب يختفي عن عيون الناس.

قالت وهي تندمج في النظر حولها:
- صح، عندك حق، أنا مبقتش أستبعد أي حاجة عن الراجل ده 
، ده كان ذكي لدرجة مرعبة، كفاية اللي عمله في أجيال العيلة اللي داخت وهي بتدور من غير فايدة، وبعد كل السنين دي نيجي إحنا نكتشف المكان السري ده.. يا ترى إيه ده؟ ده صندوق هدوم؟

قالت الأخيرة وهي تشير بيدها نحو الصندوق الخشبي الثقيل والموجود في ركن ما في القبو. سمع منها أمجد وفور أن وقعت عينيه نحو الجهة التي تقصدها، حتى وصل بسرعة البرق نحو المذكور يحاول بلهفة بقفله الصغير هاتفًا: 

يا نهار أسوح، دا شكله هو ده اللي بندور عليه. تداركت لتصبح بجواره في ظرف ثانية واحدة، لتشهد على رؤية محتوياته وقد انفتح على الفور وبكل سهولة، فظهرت بعض الملابس الرجالية القديمة وبعد الأشياء الخاصة كالقدحات الأصيلة ومشبك رابطة العنق وقنينتي عطر أصلي انتشرت الرائحة منهما لتعبئ المكان حولهما، صاحت بمرح: يا يخرب بيت كده يا أمجد، جدك الشيك ده ما بيفوتش حاجة، قسماً بالله لو كنت بنت في زمنه وقابلته كنت هحبه من غير ما يتعب نفسه ولا يحاول معايا. 

غمغم أمجد بكلمات غير مفهومة، وهو يبحث في الملابس حتى اخرج علبة كبيرة الحجم. رفعها أمام شقيقته التي كتمت شهقة بكفها على فمها لتطالع أمجد الذي توسعت عيناه بترقب، وكأنه يتسائل بعدم تصديق، عما قد يكون وهماً بعقله وحده، أومأت له أريج لُتخبره بحماس: افتحها يا أمجد، خلينا نشوف فيها إيه، افتحها. سمع منها لينفذ بأيدي مرتعشة، حتى اذا انكشف الغطاء ظهرت الجوهرة الضخمة تنير العتمة حولهما، وكأنها حجر كريم خرج من الجنة، ليُثير الفتن بروعته صرخت بفرح كاد ان يوقف قلبها: 

أيوة بقى! هو اللي أنا شايفاه ده حقيقي ولا بيتهيألي يا أمجد؟ أنا بعقلي ولا بحلم يا أمجد؟ صرخ الأخير بدوره يضحك بهيستريا وجنون: 

- لو إنتي بيتهيألك، فأنا عقلي طار خالص يا أختي،، إحنا لقينا الجوهرة، لقينا الجوهرة! 
........................

- انت جيبتني هنا ليه يا سعيد؟,
سألته لينا بعد أن اتصل بها لتأتي إلى لقاءه في المقهى الخاص بالمثقفين وجعلها تتخلف عن الندوة الشعرية مع أصدقائها، فقال يجيبها: "عايزك في موضوع مهم يا لينا." 

سألته باستفسار قاطبة: "هو إيه الموضوع المهم ده؟" 
تنهد بثقل لا يعرف من أين يبدأ، ف لو صدقها الحديث، يقسم أنها لن تصدقه لعدم المنطقية، وبنفس الوقت يريدها ان تعرف حقها، حتى يتسنى له التكفير عن ذنبه العظيم. تلعثم وتعرقت جبهته بتوتر اثار التسلية لدى لينا حتى جعلها تضحك مرددة: "ايه يا سعيد؟ هو السؤال صعب للدرجة دي؟ اوعى تصدمني وتقولي إنك عايز تتجوزني!"
تعقد حاجبيه يسألها بدهشة: "ليه بتقولي كده؟ هو باين عليكِ إني بلمّح فعلاً؟"
تبسمت باضطراب لتقول بحرج: "شكلك! شكلك المرتبك ده يا سعيد.. أنا مش قصدي طبعاً أتصرف بمكر زي بعض البنات، فإنت عارف إني بعتبرك زي أخويا الصغير ، بس بصراحة استغربتك النهاردة، استغربت إن لسانك اتعقد، رغم إنك كنت منطلق معايا في دار الأوبرا امبارح.. لما أبهرتني بكم المعلومات اللي قلتها عن الموسيقى العالمية وروادها في كل حتة في العالم

قال أدهم بتأثر: "أنا استمتعت جداً معاكي يا لينا، إنتِ رائعة وتستاهلي أمير يقدرك ويديكي اللي بتتمنيه، إنتِ جميلة من جوه ومن بره، نبيلة وراقية زي جدتك نازلي." قطبت تردد سائلة بدهشة شديدة: "مين؟ وإنت عرفت جدتي منين؟ أنا فاكرة إني حكيتلك قصتها، بس ما قلتلكش عن صفاتها."

ـ ومع ذلك انا اعرفها من قبل حتى ما تكلميني عنها.
. قالها بنبرة جادة أذهلتها، ف سألته باستخفاف واضعة قبضته أسفل فكها: 
ـ وعرفت ازاي بقى يا سي سعيد؟ قولي
." سؤالها المباغت له، جعله يشعر بأنه بين شقي رحى، كيف يجيبها أو يأتي حتى بذكر الخائن الجبان الذي تخلى عن محبوبته؟ وكيف لا يفعل وعذاب قلبه بما علمه حديثًا، لن ينتهي إلا بما يود فعله لها.
 "مالك يا سعيد، ليه السكوت ده يا بني؟ ولا تكون اندمجت في القصة اللي اتعلقت بيها لدرجة جعلتك حاسس إنك واحد من أبطالها أو مشارك فيها هي نفسها.." 
"هو كدة فعلا انا في القصة نفسها." قالها بمقاطعة ألجمتها ليردف سريعًا وهو يخرج لها الأسورة من جيب سترته ليضعها أمامها على الطاولة الصغيرة بينهما

ودي أكبر إثبات. سألته مندهشة: إيه ده؟
 ده يخص نازلي، الله يرحمها. 
نعم؟! 
تنهد يجيبها بألم: أكيد عارفة قصة الأسورة اللي كانت هدية أدهم الفيومي لنازلي يوم كتب كتابهم، ولا إنتي مش عارفة؟ 
شحب وجه لينا وهي تتنقل بنظرها بينه وبين الأسورة الموضوعة على الطاولة أمامها بعدم استيعاب، حتى خرج صوتها بصعوبة: أنا أعرف قصة الأسورة من حكايات العيلة، بس إنت جبتها منين؟ يا مصيبتي يا سعيد! هو إنت حرامي؟ 
أردفت سؤالها بجزع جعله ينكر سريعًا: أنا مش حرامي يا لينا، بس بجاوب على سؤالك بخصوص إني عارف حكاية العشاق والأسورة اللي نازلي رمتها في وش المدعو أدهم، لما اختار أبوه واتخلى عنها. سألته لينا بحدة معقبة: وإنت عرفت الكلام ده منين يا سعيد؟ 
لأني مش سعيد، أنا أدهم الفيومي. 
تمتم بها داخله وهو جامد الملامح متكتف الذراعين، ولكن جاءت إجابته بنبرة تبدو طبيعية بكذبة جديدة اختلقها: عرفت الكلام ده من وقت ما شفتك يا لينا، وكنت فاكر ملامح المرحومة نازلي من حكايات جدي، فهو كان صديق أدهم الفيومي، وسماعي للقصة منك كان مجرد تأكيد، بس أنا كنت عارف.

 ازداد تعقيد حاجبيها مع ازدياد اندهاشها والتفكير فيما يردف لتقول بعدم استيعاب: أنا مش فاهمة حاجة، إيه دخل جدك باللي حصل زمان؟ وليه جايب الأسورة دي لي أنا دلوقتي؟ 
رد أدهم ينتقي كلماته بحرص: قولتلك يا لينا، الكلام ده عرفته من جدي اللي توفي من كام سنة، عن عمر يقارب التسعين، هو اللي حكالي عن قصة أدهم الفيومي وعن الأسورة اللي كانت أمانة في إيديه، ووصاني أسلم الأمانة لأهلها. 

تناولت لينا الأسورة تقلب فيها وتتفحصها جيدًا صامتة، وقد بدا من ملامح وجهها التي ارتخت بعض الشيء تصديقها بقصة أدهم، وقالت بتشكك رغم ذلك: بس أنا لسه مش قادرة أستوعب إزاي أدهم الفيومي يسيب الأسورة دي مع صاحبه، رغم إنه ماسابش لعيلته غير الإفلاس والديون، بعد ما ضيع ثروته بعبطه وفساده. 
آلمته كلماتها رغم اقتناعه بصدق ما اردفت به، فهو بالفعل لم يجلب لكل المقربين منه سوى الخراب والإفساد، اجلى حلقه حتى يخرج صوته سليمًا،

في محاولة بائسة لإصلاح الصورة المشوهة: هو فعلاً كان فاسد، بس كان بيعشقها رغم غدره بيها، فما تستغربيش فعله. 

ضحكت ساخرة باستدراك لتقهقه بصوت مكتوم جعل أكتافها تهتز بعد أن تدلت رأسها على الطاولة لعدة لحظات وهي لا تستطيع التوقف، وأدهم يتابعها باندهاش، حتى فاض به وقال يخاطبها بخشونة: كفاية يا لينا، أنا بدأت أتحرج من النظرات اللي باصة علينا من رواد المقهى. 
رفعت رأسها إليه ببعض التماسك بعد أن سيطرت بصعوبة على الضحك، لتقول: اعذرني يا سعيد، بس حاسة إن الموضوع ده نكتة أو هزار، إن الأسورة بتاعت جدتي ترجعلي بعد ما ماتت بسنين، لحد ما أنا اللي أخدها يا حفيدتها؟!
 عادت للضحك تردد ساخرة:  أدهم الفيومي شاطر جداً في رد الحقوق. 
ردها كان كلسعات سياط حامية تضربه على قلبه من الداخل، لتكمل: وكمان يا ريت ما تزعلش مني، بس بصراحة أنا شاكة في موضوع جدك اللي ما إداش الأسورة بنفسه لجدتي أو لأي حد من عيلتها، واستنى لحد ما تيجي إنت وتديها لي بعد موته. 

عاد أدهم برأسه للخلف مصدومًا، فملاحظاتها البسيطة أثبتت عقم حجته أمام ذكائها الحاد رغم بساطتها، لذلك لم يجد أمامه بداً من قول الحقيقة وليحدث ما يحدث: طيب، أنا هجاوبك على كل الأسئلة اللي في راسك ومحيراكي بصدق، بس أرجو منك إنك ما تكذبيش وتستوعبي، فليس كل شيء حولنا يسير بمنطقية. الحياة مهما كانت جدية، فهي لا تخلو من الجنون.
أومأت رأسها بتفهم لترفع الأسورة أمام عينيها تطالعه بانبهار: طيب يا سعيد قولي سر الأسورة الروعة دي عشان أقبلها وأنا مرتاحة، أنا بآمن فيك كصديق، وكمان الأسورة عاجباني جداً، 
وهي لايقة عليكي جدا.
 قالها أدهم بابتسامة من قلبه وهو يرى الفرحة في نظرة عينها، حتى لو أنكرت، ليردد بحنين ذكره بجميلته القديمة:
اقسم بالله أن الاسورة دي ما هيبان جمالها الحقيقي غير لما تتلف على ايدك 
. تبسمت لينا تستجيب لطلبه وللرغبة الملحة بداخلها حول هذه الأسورة الرائعة، وفور أن وضعتها على معصمها، فوجئت بيد غليظة تنزعها عنها بعنف وصوت يهدر: هو أنا مش من حقي أشوف الهدية الجميلة دي كمان؟ أو على الأقل أعرف الراجل ده جابها منين

هتف بها نيازي؛ الأمر الذي فاجأ لينا، وجعل أدهم ينتفض عن مقعده وقد انتفخت أوداجه من الغضب. حدجه أدهم بنظرة خطرة، في حين تابع نيازي بتهكم صريح:
"أسورة بقلوب متدلية وبعض فصوص الألماظ بذوق رفيع يا مستر سعيد الدنجوان!"
تقبضت ملامح أدهم وهو يحاول بصعوبة منع نفسه من أذية هذا الأحمق. وجاء الرد العاصف من لينا وهي تخطف الأسورة من يد نيازي بقوة:
"احترم نفسك يا نيازي، وبطل همجيتك وكلامك السام ده.. أنا مش هسمحلك!"
اهتز نيازي في وقفته لا يصدق ما يرى أو يسمع، ولم يستوعب شراستها في الدفاع باستماتة عن هذا الشاب وتخطيها لسنوات الصداقة التي تجمعها به حتى قاربا على الارتباط. فهتف بها صارخاً بدفاعية:
"أنا همجي وكلامي سام؟ والواد المتلاعب ده، اللي تربية طين وفلاحين وبيلعب مع البهائم، ييجي لحد عندك يا حلم كل شباب المنطقة عشان يضحك عليكي بأسورة مزيفة؟ ده حتى أصغر منك يا لينا!"
صاحت لينا بوجهه معترضة بعد أن استفزها أمام رواد المقهى باندفاعه دون وجه حق، بالإضافة لفعله المقصود في احراج ابن خاله لمجرد أنه شاب ريفي، مع أن أفعاله معها تثبت عكس ذلك تماماً:
"وإنت مالك؟ سواء أصغر مني أو بيضحك عليا بأسورة مزيفة زي ما بتقول.. طب الأسورة مش مزيفة، دي حقيقية، وأنا هقبل بيها حتى لو كانت من صفيح!"
سمع نيازي كلماتها ففارت الدماء في رأسه، ليصرخ بعدم سيطرة على انفعاله:
"حقيقية ومش مزيفة؟! يبقى هو حرامي.. حرامي يا لينا! أنا هروح أقول لأهلي ولأمي عنك عشان يطردوك من بيتنا، دا غير أني هبلغ عنك البوليس كمان و..."
كان يوجه كلماته الأخيرة نحو أدهم الصامت الغامض، حتى قُطعت جملته وسقط على الأرض إثر لكمة قوية باغته بها أدهم على جانب فكه. نهض نيازي على الفور وهو يغمغم بالسباب الوقح، ثم هجم بفورة غضبه نحو أدهم الشرس، لتشتعل بينهما مشاجرة حامية.
..............................

بعد الصياح والتهليل في قلب القبو بابتهاج صارخ فرحاً بتحقق حلم السنين لأجيال متعاقبة في العائلة، كانت أريج ما زالت مستمرة في ضحكها الهيستيري وهي تقبّل الجوهرة الممسكة بها بحرص:
"أنا حاسة إني في فيلم (علي بابا) لما لقى الكنز في الجرار الممتلئة بالذهب واللؤلؤ والمرجان والياقوت!"
قالتها وهي تقهقه بصوت عالٍ، ليرد أمجد معقباً على قولها:
"إحنا في عصر الألماظ والألماس يا حمقاء.. الذهب ده بجلالة قدره ما يسواش حاجة جنبهم."
سألته أريج بلهفة والتمعت عيناها ببريق الحماس وهي تسبح في هذا العالم الوردي:
"ودي يا أمجد، تعرف نوعها إيه؟ إن كانت ألماظ حر ولا ماسة نادرة زي ما بيقولوا على صفحات النت والسوشيال ميديا؟"
تناولها أمجد يتفحصها بتمعن وتركيز قائلاً:
"والله ما أدري يا أريج، كل علاقتي بالمجوهرات كانت عبر الشاشات في التلفزيون أو الموبايل، لكن إني أمسكها بإيدي كده دي أول مرة تحصل معايا! ده غير إنها شديدة الروعة والأناقة.. جوهرة زي دي بيتعمل لها مزادات عالمية يا أختي، ورجال الأعمال والأثرياء بيتخانقوا عشان يوصلوا لها."
تمتمت أريج بحالمية واضعة كفها على موضع قلبها:
"يعني بتمنها هنبقى أغنياء ونشتري فيلا أو شقة على النيل وعربية آخر موديل، وأشتري أنا كل جديد من أغلى الماركات في العالم من الشنط والجزم ولبس الخروج والبيت.. اه يا قلبي، حاسة انه على وشك التوقف من فرط فرحته!"
رد أمجد وهو يعيد الجوهرة إلى داخل العلبة القطيفة:
"أيوه يا حبيبتي، بس قبل كل ده لازم نلاقي الحل الأمثل عشان نعرف نصرفها."
نزعها من التحليق في سماء الأحلام لتهبط بغتة على أرض الواقع وتناظره بعدم فهم، ليستطرد هو بجدية:
"أنا بتكلم عن بيعها يا أريج.. بيعها مش حاجة سهلة، ولازم تخطيط وترتيب كويس قبل ما نفكر نخرج بيها من هنا."
شهقت مستنكرة باعتراض وهي تراه يغلق الصندوق الخشبي الكبير على علبة الجوهرة والمحتويات الأخرى:
"بتقفل الصندوق ليه يا غبي؟"
صاح بها وهو يعيد كل شيء لوضعه السابق:
"افهمي يا أريج، الجوهرة دي حاجة خطيرة، ولازم قبل ما ناخدها نكون متأكدين من اسم المشتري والمكان اللي هتخرج ليه فوراً."
زفرت بإحباط قائلة:
"بس ده هيحصل إزاي وإمتى؟ أنا فرحت جداً يا أمجد، وتخيلت إني هخرج من القبو على بيت الأحلام والعربية الفارهة وهي مستنياني بره القصر!"
قهقه أمجد وهو يسحبها معه نحو السلم الخشبي للخروج، ثم أطفأ الشموع ليشعل ضوء هاتفه، ورد ممسكاً بكفها:
"أوعدك إن كل اللي بتتمنيه هيتحقق يا حبيبتي في أقرب وقت.. أنا مش هنام غير لما ألاقي البائع الثري اللي يقدر يشتريها بالمبلغ الخيالي اللي تستاهله، لكن لحد الوقت ده، الجوهرة هتفضل هنا في المكان الآمن ده تحت الأرض، بعيد عن العيون وعن أي حاجة."
خرجا من القبو، وأغلق أمجد الغطاء الحديدي ثم أحكم القفل، ووضع المفتاح في الفتحة الصغيرة أعلى الحائط والقريبة من السقف. استدركت أريج قائلة:
"أومال هنعمل إيه مع جدك؟"
تبسم لها بمكر وأجابها:
"هنعامله بكل احترام وتقدير.. ده ميعاد عودته قرب وأنا مش عايزه يروح غضبان مني يا حبيبتي."
رددت أريج خلفه ضاحكة وهي تسير معه للمغادرة:
"وأنا كمان، هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أنول رضاه.. حبيبي يا جدي."
قهقه أمجد بصوته العالي ليشاركها المرح، قبل أن يعبس وجهه فجأة مع رؤية كم المكالمات الفائتة التي كانت تصل على وضع الصامت. تناول الهاتف ليرد على إحداها بقلق:
"إيه يا أمي؟ ليه كل كمية الاتصالات دي؟.. نعم! خناقة ة؟.. بين سعيد ابن أخوكي ونيازي!"
........................
في غرفة المعيشة، وبعد أن انتهت المعركة، كان نيازي واقفاً بالقرب من سعيد (أدهم) المتجمد في مكانه، يحاول الأخير السيطرة على أعصابه وعدم الرد وهو يتلقى التوبيخ المذل من عزام.
كان عزام يصيح بصوته العالي بانفعال شديد، حتى بدأت زوجته تشعر أنه على وشك الإصابة بذبحة صدرية من فرط عصبيته ولهاثه:
"أنا زهقت وفاض بيا الكيل منكم ! لا كبير فيكم ولا صغير.. كلكم فشلة، كلكم بؤس، ومبيجيش من وراكم غير المصايب! يلعن أبو التربية دي، ويلعن كل دقيقة قضيتها جنبكم.. أنا بقرف منكم ومن أفعالكم!"
ربتت أحلام بكفها على صدره وتخاطبه بقلق:
"هدي أعصابك يا عزام، وحاسب على نفسك عشان صحتك.. الصريخ والغضب ده هيأذيك جامد."
ردد خلفها بصوت مُتعب:
"يا ريتني أموت يا أحلام وأستريح."
صاحت به زوجته مع ابنتيه أريج وبتول اللتين اقتربن منه يرتمين عليه لعناقه بخوف:
"بالله عليك ما تقولش كدة يا عزام!"
كانت هيئته هذه المرة أصعب من كل المرات السابقة، لدرجة جعلت أمجد يهتف غاضباً على شقيقه الأكبر ونيازي:
"دي أول مرة أشوف فيها أبويا بالحالة دي! عملتوا فيه إيه عشان يوصل لكده؟"
خرج صوت نيازي للرد على شقيقه الغاضب موجهًا خطابه بدفاعية:
"ما تسألونيش أنا عن حاجة، أنا مجرد رد فعل.. عارف إني غلطت لما اتحركت من غير تفكير واتخانقت، بس مين السبب في كل ده؟ هو السبب!"
قالها مشيراً بسبابته نحو سعيد الذي كان يقف صامتاً يعقد كفيه خلف ظهره، وتابع نيازي:
"اسألوه هو عن علاقته بـ لينا، البنت الوحيدة اللي حبيتها وكنت عايز أتجوزها.. من ساعة ما عرفتها عليه وهو بيحاول يوقعها في شباكه وبيهاديها بهدايا غالية عشان تبهرها.. اسألوه عن الأسورة اللي فيها فصوص ألماظ.. اسألوه جاب تمنها منين من ورا ظهرنا، ولا هو بيسرق؟"
هتف عزام بالسؤال مستنكراً:
"أسورة إيه؟"
احتدت أعين أمجد وقد ربط عقله فوراً بين هذه الأسورة وبين التي رآها صباحاً في قبضة جده وهو يخرج من القبو، حتى التقت أنظاره بأنظار شقيقته أريج التي صدمتها الفكرة ذاتها.
قال نيازي متشدقاً لوالده:
"أيوه يا أبويا، الواد اللي جيه لنا من الريف ده ما يعرفش حاجة عن عيشة المدن ولا عادات أهلها، بقى دلوقتي بيشاغل الستات، وبيسرق عشان خاطرهم..."
قاطعه سعيد هادراً بحدة:
"ما تقولش حرامي، واحترم نفسك يا نيازي.. أنا سكت مرة ومش هسكت التانية!"
تدخل عزام مهدئاً الوضع، وتوجه بسؤاله إلى سعيد:
"خلاص هو مش هيقولك حرامي تاني.. بس إحنا عايزين نعرف منك دلوقتي، جبت تمن الأسورة منين عشان تهادي صديقتك..."
صاح نيازي مقاطعاً بعصبية:
"ما تقولش صديقته يا أبويا!"
هتف والده بانفعال ليلجمه:
"سيبك من التفاصيل وخلينا دلوقتي نركز في السؤال المهم.. جبت منين تمن الأسورة دي يا سعيد؟"

تعليقات