رواية ما استردة القلب الفصل الثامن عشر بقلم ريهام ناجي
وقفت مكاني...
كأن الأرض اتسحبت من تحت رجلي،
قلبي بدأ يخبط بعنف، ونفسي اتقطع، آخر شخص كنت مستعدة أشوفه...
كان سليم.
وقف قدامي على بعد خطوات، من غير ما يقرب، ومن غير ما يحاول يبتسم...
وكأن وجوده لوحده كان كفاية يرجعني لنقطة الصفر.
اتراجعت خطوة للخلف من غير وعي،
بينما هو قال بهدوء:
_أنا مش جاي أضايقك يا رُهام...
بس كنت محتاج أطمن عليكي.
ضحكت ضحكة قصيرة... باهتة،
مليانة مرارة.
_تطمن؟
خرجت الكلمة مني كأنها بتوجعني.
_بعد كل اللي عملته... جاي تطمن؟
فضل واقف مكانه، من غير ما يحاول يقرب.
_أنا عارف إنك هتكرهيني... وده حقك.
رفعت إيدي بسرعة، وقاطعته.
_لا... متتكلمش، أنا مش لسه هكرهك،
أنا كرهتك من زمان يا سليم، من وقت ما سلبتني حقي فاكر؟
حسيت إن نفسي بيضيق كل ما بشوف وشه.
_صوتك لوحده بيخليني أفتكر كل حاجة،
كل حاجة وحشة عملتها في حقنا.
نزل عينيه للأرض للحظة، وبعدين رجع بصلي.
_أنا متابع أخبارك من بعيد...
ولما عرفت إنك خرجتي النهاردة...
قاطعته بعصبية.
_إيه؟
كنت ماشي ورايا؟
سكت... وكأنه عارف إن أي إجابة هيقولها هتزود غضبي.
_كنت خايف عليكي... بس.
اتسعت عيني بعدم تصديق.
_خايف عليا؟
هزيت راسي وأنا باخد خطوة لورا.
_أنت آخر واحد في الدنيا
من حقه يقول الكلمة دي.
خد نفس طويل، وقال بصوت منخفض:
_عارف
بس مهما كرهتيني...
مقدرتش أسيبك تنزلي لوحدك بالحالة دي.
حسيت بالغضب بيغلي جوايا،
فانفجرت فيه:
_أنت السبب في الحالة دي أصلًا!
وفي كل مرة أنا حسيت بها باقهرة كنت أنت السبب يا سليم، من أول قهرتي بموت بابا وظهورك على حقيقتك، وأخد كل حاجة كانت حقنا، واللي عملته فيا ولحد اللحظة دي، أنا بكرهك يا سليم فوق ما تتخيل.
لأول مرة... لقيته سكت،
سكتة طويلة...
كأنه ملقاش ولا كلمة يهرب بيها من الحقيقة،
همس أخيرًا:
_عارف...
وعشان كده وجودي قدامك دلوقتي أصعب عليا مما تتخيلي.
بصيتله بجمود، وقولت:
_بالنسبالي... وجودك مش صعب... وجودك مؤذي.
لفيت عشان أمشي...
لكنه نادى باسمي مرة تانية.
_رُهام... دقيقة واحدة بس.
وقفت... من غير ما ألف.
_أيه، عايز أيه تاني؟
خرج صوتي بارد... خالي من أي إحساس،
قال بعد تردد:
_أنا عارف إن مفيش كلام هيغير اللي حصل...
بس كنت محتاج أشوفك بعيني
وأعرف إنك بخير.
ضحكت بسخرية.
_وده هيفرق معاك؟
_أيوة،
يفرق معايا جدًا.
لفيت له، والغضب كان باين في عيني.
_بعد ما دمرت حياتي؟
أنت وحش وحرامي يا سليم.
_أنا غلطت...
قاطعته بعنف.
_لا... متقلش غلطت،
الغلط بيكون مرة، إنما اللي أنت عملته كان سنة ونص كاملة
كل يوم كنت بتأذيني بإرادتك.
سكت... وسابني أطلع كل اللي جوايا.
_كنت بتشوفني برجع البيت مكسورة...
وكنت مبسوط.
هز راسه بالنفي بسرعة.
_عمري ما فرحت بدموعك.
بصيتله باحتقار.
_بس كنت السبب فيها.
سكت.
_أيوة... كنت السبب.
أخدت نفس عميق، قولت بجمود:
_يبقى خلاص، مفيش بينا كلام تاني.
استدرت أمشي...
لكنه قال بصوت مكسور:
_أنا بحبك يا رُهام، وعايزك.
وقفت لحظة... من غير ما ألف،
وبعدين قولت بهدوء أقسى من الصراخ:
_اللي بيحب... عمره ما يهدم الإنسان اللي بيحبه،
وبالنسبة لعايزني...
قولتلك قبل كدا وهقولك تاني نجوم السما أقربلك يا سليم.
وساعتها... سبته واقف مكانه،
ومشيت من غير ما أبص ورايا.
كنت سامعة صوت خطواتي... سريعة،
متلخبطة، وكأني بهرب من كابوس بيطاردني.
أما هو... ففضل واقف مكانه،
متحركش، ولا نادى عليا تاني.
فضل يتابعني بعينه... لحد ما اختفيت من آخر الشارع.
ـــــــــــــــ
زفر سليم نفس طويل، ومرر إيده في شعره بعصبية،
وهمس لنفسه:
_مهما كرهتيني...
أنا مستحيل أسيبك يا رُهام.
رفع عينه للمكان اللي كانت رُهام ماشية فيه،
وكمل بصوت واطي:
_هستنى...
حتى لو فضلتي تكرهيني العمر كله.
ـــــــــــــــــ
على الناحية التانية...
كنت ماشية بسرعة من غير ما أبص ورايا مرة واحدة،
كلامه كان لسه بيرن في ودني...
"أنا بحبك."
ضغطت على أسناني بقهر،
وهمست لنفسي:
_ده مش حب... ده مرض،
حبك برص يا بعيد.
سرعت خطواتي أكتر... وكأن كل متر ببعده عنه، بيرجعلي جزء صغير من الأمان اللي سرقه مني،
لكني كنت عارفة... ومتأكدة
إن دي مش آخر مرة هشوفه فيها،
وهيفضل يلاحقني فين ما أروح، وأنا هسيبه يعمل اللي عايزه، بس بعينه مستحيل أخليه يوصل للي هو عاوزه.
_________
رجعت البيت... لكن عقلي مكنش معايا،
رميت مفاتيحي على الترابيزة، وفكيت أول زرارين في القميص،
وقعدت على الكنبة وأنا بزفر بضيق.
المكالمة اللي بيني وبين رُهام كانت قصيرة... قصيرة جدًا،
لكن رغم كده... كانت كفاية تخليني أعرف قد إيه هي تعبانة.
غمضت عيني، وسندت راسي لورا،
نفسي أكون جنبها... بس في نفس الوقت، كنت عارف إن أي ضغط مني عليها ممكن يخليها تقفل على نفسها أكتر، عشان كده... كل اللي قدرت أعمله، إني أقولها تنزل تتمشى شوية.
طلعت موبايلي من جيبي، وبصيت على آخر مكالمة بينا،
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
_الحمد لله... على الأقل سمعت صوتها.
رميت الموبايل جنبي، لكن بعد ثواني قليلة مسكته تاني،
دخلت على رقمها...
وقفت صباعي فوق زر الاتصال،
فضلت باصص للاسم ثواني،
وبعدين... قفلت الشاشة،
وقولت لنفسي:
_لا... أنا وعدتها إني مضغطش عليها،
لو احتاجتني... هكون أول واحد تكلمني.
اتنهدت، وقمت وقفت في بلكونة أوضتي،
الدنيا برة كانت هادية...
لكن قلبي... مكنش هادي أبدًا،
من ساعة ما خرجت تتمشى... وأنا مش قادر أبطل أفكر فيها.
يا ترى رجعت؟
ولا لسه ماشية لوحدها؟
همست لنفسي من غير ما أحس:
_يا ربّ... احفظهالي.
فضلت واقف أبص للشارع...
وأنا بفكر في اللي عملته يا ترى هو صح ولا غلط؟
مكنتش عايز أتدخل في حياتها... لكن بعد اللي سليم عمله،
مقدرتش أسيبها لوحدها.
عشان كده... من غير ما تعرف، خليت واحد من رجال الأمن اللي بثق فيهم يفضل متابعها من بعيد عن طريق خالد.
مش يضايقها... ولا يقرب منها،
بس لو حصل أي حاجة... يبقى في حد يقدر يتدخل قبل ما يفوت الأوان.
رن الموبايل فجأة،
بصيت للشاشة... خالد،
رديت بسرعة.
_أيوة يا خالد.
وصلني صوته متوتر شوية.
_يونس... الراجل كلمني حالًا.
اعتدلت في وقفتي.
_خير؟
سكت ثانية...
_سليم قابل رُهام.
قبضت على الموبايل بقوة.
_إيه، دا امتى إن شاء الله؟
_اطمن... هو كان متابع من بعيد،
وقال إن سليم وقف كلمها كام دقيقة،
وهي بعدين سابته ومشيت.
سكت لحظة،
وأنا بحاول أسيطر على الغضب اللي بدأ يغلي جوايا.
_لمسها؟
_لا.
_قرب منها؟
_لا... كانت واقفة على مسافة،
وبعدها مشيت.
غمضت عيني، وزفرت نفس طويل،
الحمد لله...
لكن مجرد إنه وقف قدامها... كان كفاية يولع النار اللي كنت بداريها،
قولت بهدوء حاولت أتمسك بيه:
_خليه يفضل متابعها لحد ما توصل البيت...
وبعدها بلغني باللي حصل.
_تمام.
قفلت المكالمة،
فضلت باصص للموبايل ثواني طويلة...
وبعدين همست لنفسي:
_أنا سايبك تاخدي وقتك يا رُهام...
لكن لو سليم فكر يقرب منك تاني،
قسمًا بالله... مش هسكتله المرة دي.
ــــــــــــــــ
مر شهر...
شهر كامل،
مكنش كفاية يداوي كل اللي اتكسر جوايا... بس كان كفاية يخليني أتعلم أعيش مع الوجع من غير ما يقتلني كل يوم.
بقيت أخرج من أوضتي أكتر... أقعد مع ماما وسارة لما تيجي تزورنا وأوقات أنزل أتمشى عشر دقايق قبل المغرب، زي ما يونس قالي يومها.
مكنتش بقيت كويسة...
لكن على الأقل، مبقتش محبوسة بين أربع حيطان.
رجعت أمسك القلم تاني... في الأول كنت بكتب سطر، وأقطعه،
وبعدين سطرين... لحد ما بقيت أرجع لرواياتي شوية شوية.
يمكن الكلمات مكانتش بنفس قوتها...
لكنها كانت بترجع معايا، وده كان كفاية.
أما الشركة...
فكل ما أفكر فيها، قلبي يتقبض،
كنت كل مرة أقول:
"بكرة..."
وبكرة ييجي... وأأجل تاني،
يونس...
مكنش بطل يطمن عليا،
لكن زي ما وعدني... مضغطش عليا ولو مرة واحدة،
كل كام يوم رسالة قصيرة...
"صباح الخير."
"أتمنى يومك يكون أهدى."
"خدي بالك من نفسك."
ولا مرة سألني:
"هترجعي إمتى؟"
ولا مرة حسسني إني مقصرة،
وده... كان السبب الوحيد اللي خلاني كل ما أشوف اسمه،
أبتسم من غير ما أحس.
وفي صباح يوم جديد...
وأنا قاعدة مع ماما بشرب القهوة...
رن جرس البيت
بصيت لماما باستغراب.
_مين جاي بدري كده؟
هزت كتفها وهي بتشرب من فنجانها.
_قومي شوفي يا بنتي.
قومت بهدوء، وعدلت الطرحة اللي على راسي وأنا ماشية ناحية الباب،
فتحت من غير ما أسأل مين...
وأول ما الباب اتفتح...
اتجمدت مكاني.
_يونس!
خرج اسمه مني تلقائي،
وأنا ببصله بعدم استيعاب.
كان واقف قدام الباب، لابس قميص أبيض وبنطلون أسود،
وفي إيده علبة شوكولاتة بسيطة،
وبوكيه ورد أحمر... يخبل!
ابتسم أول ما شافني.
_صباح الخير.
فضلت باصة له ثواني...
_أنت... بتعمل أيه هنا؟
ابتسم بهدوء،
وكأنه كان متوقع رد فعلي.
_آسف إني جيت من غير ما أبلغك...
بس كان لازم أشوفك.
لسه مستوعبتش إنه واقف
قدام بيتنا فعلًا.
_أنت... عرفت العنوان إزاي؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
_كان عندي من زمان...
في ملف الموظفين.
هزيت راسي باستغراب، ولسه هسأله حاجة تانية...
سمعت صوت ماما من جوه.
_مين يا رُهام؟
لفيت ناحيتها بسرعة.
_ده... أستاذ يونس يا ماما.
خرجت ماما من الصالة،
وهي بتبص ليونس باستغراب.
ابتسم يونس باحترام،
ومد إيده بالعلبة.
_السلام عليكم يا طنط.
ردت السلام بابتسامة مهذبة،
لكنها كانت لسه بتحاول تفهم مين الشخص ده.
_وعليكم السلام يا ابني...
بصتلي باستفسار،
اتكلمت بسرعة.
_ده... يونس،
صاحب الشركة اللي كنت شغالة فيها.
هزت ماما راسها بفهم، ورحبت بيه.
_أهلًا وسهلًا... اتفضل يا ابني.
_شكرًا لحضرتك.
دخل يونس بهدوء، بعد ما اداني بوكيه الورد، وأنا لسه واقفة عند الباب،
مش مستوعبة إنه عندنا في البيت.
قفلت الباب، ومشيت وراه بخطوات بطيئة،
وأنا كل شوية أبصله باستغراب،
وأبص للبوكيه اللي في إيدي.
قعد في الصالة،
بينما ماما قالت بابتسامة لطيفة:
_اتفضل يا ابني،
أنا هعملك حاجة تشربها،
تحب تشرب أيه؟
وقف بسرعة باحترام.
_متتعبيش نفسك يا طنط.
ابتسمت.
_ولا تعب ولا حاجة.
_لو ممكن قهوة لو سمحتي.
دخلت ماما المطبخ،
وأول ما اختفت...
لفيتله بسرعة، ووطيت صوتي.
_يونس...
رفع عينه ليا.
_إيه اللي جابك هنا؟
بصلي بهدوء،
وكأنه كان محضر للكلام ده من زمان.
_جيت عشان أتكلم معاكي...
سكت لحظة...
_وأتكلم مع والدتك.
استغربت كلامه،
وأنا مش فاهمة عايز يتكلم مع ماما في أيه!
اتعدل في قعدته وأنا ملاحظة توتره، وحساه قاعد مش على بعضه،
فدا خلاني استغرب أكتر وأسأله:
_مالك يا يونس...
أنت كويس.
_أه... أه أنا كويس الحمدلله.
_أمال ليه حساك متوتر كدا؟!
رد عليا بسرعة ينفي:
_أنا... لا خالص مش متوتر ولا حاجة،
بيتهيألك.
استغربت تصرفاته وكلامه أكتر،
فاتكلم لما لاحظ علامات الاستغراب على وشي.
بص في عيوني،
وكأنه كان بيحاول يلاقي الشجاعة اللي محتاجها من أول ما دخل البيت.
أخد نفس طويل، وحرك إيده بتوتر،
لأول مرة أشوف يونس بالشكل ده،
الشخص اللي طول عمره كان ثابت وهادي... قاعد قدامي دلوقتي وكأنه خايف من حاجة.
فتح بقه أكتر من مرة، وكأنه بيحاول يرتب كلامه...
لكن في الآخر خرجت منه الجملة مرة واحدة:
_رُهام... تتجوزيني؟
للحظة... مسمعتش غير صدى كلماته في ودني،
فضلت باصة له من غير ما أتحرك...
ولا عرفت أنطق بحرف حتى.
يونس...
قاعد قدامي... في بيتنا،
وبيطلب إيدي من غير أي مقدمات.
كنت حاسة إن الزمن وقف، وإن عقلي بقى عاجز
يستوعب اللي سمعه،
حتى نَفسي... نسيت أخده من صدمتي!
