رواية ما استردة القلب الفصل التاسع عشر بقلم ريهام ناجي
ساد الصمت...
صمتٌ تقيل، حتى صوت أنفاسي بقى مسموع بالنسبة ليا.
فضلت أبص ليونس، يمكن أكون فهمت غلط...
يمكن الكلمة اللي سمعتها مكانتش "تتجوزيني".
لكنه كان لسه باصصلي بنفس النظرة... هادية،
وصادقة، ومستني إجابتي من غير ما يستعجلني.
رمشت كذا مرة، كأني فوقت من الصدمة، وبصيت ليونس تاني،
وهمست بعدم تصديق:
_أنت... قولت إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، رغم التوتر اللي باين عليه،
وقال بهدوء:
_سمعتي اللي قولته يا رُهام.
بلعت ريقي بصعوبة، ولسه هتكلم..
خرجت ماما من المطبخ وهي شايلة صينية القهوة، وحطتها قدام يونس بابتسامة هادية.
_اتفضل يا ابني.
ابتسم يونس باحترام.
_تسلم إيد حضرتك.
قعدت ماما على الكرسي المقابل لينا، وبصت مرة ليا... ومرة ليونس،
وكأنها حست إن في كلام لسه متقالش.
بينما فضلت أنا باصة له، ولسه آثار الصدمة مرسومة على وشي.
لحظت ماما تغيري المفاجأ، عقدت بين حواجبها وهي بتبصلي باستغراب.
_مالك يا رُهام؟ هو في أيه؟
انتبهت لصوتها، وحاولت أتماسك بسرعة.
_لا... مفيش يا ماما.
لكن صوتي كان مهزوز، وفضحني أكتر،
بصت ماما ليونس، ولاحظت توتره هو كمان، فقالت بابتسامة خفيفة:
_واضح إن في موضوع مهم جاي مخصوص عشانه يا ابني.
أخد يونس نفس عميق،
وحط فنجان القهوة قدامه من غير ما يشرب منه.
_حضرتك عندك حق.
ساد الصمت تاني...
ثواني قليلة، لكنها عدت عليا كأنها عمر،
اعتدل يونس في قعدته، وبص لماما بكل احترام.
_أنا عارف إن زيارتي من غير ميعاد ممكن تكون غريبة شوية،
ويمكن حضرتك استغربتي وجودي هنا...
ابتسمت ماما ابتسامة بسيطة.
_أكيد استغربت، بس اتفضل يا ابني،
قول اللي عندك.
هز راسه بإحترام، وبعدين قال بثبات:
_أنا اسمي يونس... يونس العزازي،
مدير الشركة اللي رُهام شغالة فيها.
وبصلي وكمل:
_واللي إن شاء الله هترجعلها قريب.
وبعدين اتحمحم وقال:
_أنا... جيت النهاردة علشان أطلب إيد بنت حضرتك.
اتسعت عينا ماما في ذهول، والتفتت ناحيتي بسرعة.
أما أنا...
ففضلت قاعدة مكاني، ولسه عقلي رافض يصدق إن اللي بيحصل ده حقيقي.
يونس كمل بهدوء:
_أنا مقدر إن الوقت يمكن يكون مفاجئ، وإن رُهام مرت بظروف صعبة جدًا...
وعشان كده أنا مش مستني رد دلوقتي.
اتنهد وكمل:
_كل اللي طالبه... إن حضرتك تسمحيلي آجي البيت بشكل رسمي، وأتقدم لها، ولو لا قدر الله رُهام رفضت... أو حضرتك رفضتي،
هحترم قراركم كامل، ومش هضغط عليها بأي شكل.
رجعت ماما تبصلي، وكانت نظراتها مليانة أسئلة أكتر من الكلمات...
أما أنا...
فكان لساني عاجز حتى عن نطق حرف واحد.
فضلت ماما باصة ليا ثواني، مستنية أي رد مني... أو أي كلمة،
لكن لما ملقتش مني غير الصمت، رجعت تبص ليونس، وقالت بهدوء:
_بص يا ابني... كلامك يُحترم، وطريقتك محترمة، وربنا يكرمك.
سكتت لحظة،
وبعدين كملت بابتسامة خفيفة:
_بس أنت أكيد عارف إن طلب زي ده مينفعش يترد عليه في نفس اللحظة.
هز يونس راسه بإحترام.
_وعشان كده قولت لحضرتك إني مش مستني رد دلوقتي.
اتنهدت ماما، وقالت وهي بتتأمله:
_اسمحلي أسألك كام سؤال الأول يا ابني.
_اتفضلي طبعًا.
_أنت عندك كام سنة؟
_تلاتين سنة.
_وأهلك فين؟
_والدي ووالدتي موجودين الحمدلله، ربنا يديهم الصحة،
وعندي أخت متجوزة، وكلهم يعرفوا إني جاي النهاردة.
بص ناحيتي لحظة، ورجع بعيونه لماما تاني وكمل:
_ولكني جيت النهاردة لوحدي بشكل مبدأي،
وربنا يقدم اللي فيه الخير إن شاء الله.
هزت ماما راسها بهدوء.
_ربنا يباركلك فيهم.
_اللهم آمين.
سكتت لحظة، وبعدين سألته:
_وأنت... من إمتى واخد القرار ده؟
ابتسم يونس ابتسامة هادية، وبص ناحيتي للحظة،
قبل ما يرجع بعينه لماما.
_من فترة... لكن استنيت،
استنيت لحد ما رُهام تخرج من اللي هي فيه شوية،
ولحد ما أحس إنها تقدر تسمعني... حتى لو في الآخر كان ردها بالرفض.
حسيت قلبي دق بقوة،
أول مرة أعرف...
إنه كان شايل الكلام ده كله جواه، وساكت.
رفعت عيني ليه...
ولقيته باصصلي بنفس الهدوء، من غير أي ضغط... ولا انتظار لإجابة.
كأنه كل اللي كان نفسه يعمله...
إنه يقول اللي في قلبه، ويسيب القرار ليا بالكامل.
ـــــــــــــــ
بعد دقائق...
وصل يونس لباب الشقة، وقف قدامه لحظة، وبص ناحيتي،
وابتسم ابتسامة هادية، وقال باحترام:
_أنا آسف لو سببتلكم أي إحراج بزيارتي... واستأذن أنا.
ردت ماما بابتسامة لطيفة:
_ولا يهمك يا ابني...
ربنا يقدم اللي فيه الخير.
هز راسه بإحترام، وبصلي للحظة،
مكنش مستني مني رد... ولا حتى كلمة،
اكتفى بابتسامة صغيرة، وقال بهدوء:
_سلام عليكم.
ردينا أنا وماما في نفس الوقت:
_وعليكم السلام.
خرج من الشقة، وقفلت ماما الباب وراه بهدوء،
أول ما صوت الباب اتقفل...
لفت ناحيتي ببطء.
فضلت باصة للأرض، ولسه بوكيه الورد بين إيديا
، وكأني ناسية إني ماسكاه من الأساس.
ساد بينا صمت طويل...
لحد ما قطعه صوت ماما، وهي بتقعد جنبي على الكنبة.
_تعالي اقعدي يا رُهام.
قعدت جنبها من غير ما أتكلم،
بصت للورد اللي في إيدي، وبعدين بصتلي، وقالت بهدوء:
_دلوقتي بقى... تحكيلي كل حاجة.
رفعت عيني ليها بتوتر.
_كل حاجة إيه يا ماما؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
_من أول ما عرفتيه...
لحد ما جه يطلب إيدك النهاردة.
بلعت ريقي بصعوبة...
كنت عارفة إن اللحظة دي لازم تيجي، من وقت ما يونس قال هو جاي ليه،
لكن مكنتش عارفة أبدأ منين...
ولا أقول إيه الأول.
أخدت نفس طويل، وحاولت أرتب أفكاري.
_بصراحة... أنا نفسي مش عارفة أبدأ منين.
ربتت ماما على إيدي برفق.
_ابدئي من الأول خالص...
من أول مرة شوفتيه.
سكت ثواني، وبعدين بدأت أتكلم.
_يونس بجانب إنه مديري في الشركة... بس أول ما عرفته... عرفته وهو صاحب محمد جوز سارة، وبعدها محمد هو اللي طابلي الشغل عنده في شركته.
بصتلها وكملت بهدوء:
_ بس عارفة يا ماما؟
من أول يوم اشتغلت فيه، عمره ما حسسني إنه المدير،
كان محترم مع الكل، وبيتعامل مع الناس كلها بنفس الطريقة.
هزت ماما راسها وهي بتسمعني.
_وبعدين؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة،
وأنا بفتكر أول يوم اشتغلت فيه.
_بعدين بدأت أشتغل معاه بشكل مباشر... وكان كل مرة يشجعني، ويثق في شغلي، ويديني فرصة أثبت نفسي،
ولا مرة رفع صوته عليا... ولا مرة قلل مني،
بالعكس... كان دايمًا أول واحد يدافع عني لو حد غلط في حقي.
فضلت ماما ساكتة، وسيباني أكمل.
_ولما عرف باللي عمله سليم فينا..
وقف صوتي عند الكلمة،
وحسيت بغصة في حلقي،
مدت ماما إيدها تمسك إيدي.
_براحتك يا حبيبتي.
هزيت راسي، وكملت بصوت أهدى.
_بعد اللي حصل... كان بيسأل عليا كل يوم،
بس عمره ما ضغط عليا أرجع الشغل، ولا حسسني إني مقصرة،
حتى لما كنت بقفل في وشه الكلام... كان بيسيبني آخد راحتي.
افتكرت مسدجاته القصيرة...
"صباح الخير."
"أتمنى يومك يكون أهدى."
"خدي بالك من نفسك."
ابتسمت من غير ما أحس.
_كان كل كام يوم يبعت يطمن عليا... بس عمره ما سألني هترجعي إمتى،
ولا حاول يجبرني على أي حاجة.
لاحظت ماما الابتسامة اللي ظهرت على وشي،
فبصتلي بابتسامة خفيفة هي كمان.
_واضح إنه كان بيعمل كل ده من قلبه.
نزلت عيني للأرض.
_أيوه...
سكتنا لحظة،
وبعدين رفعت ماما حاجبها، وقالت بنبرة هادية:
_بس يا رُهام...
رفعت عيني ليها.
_كل ده فهمته...
إنما أنتِ؟
إيه إحساسك ناحيته؟
السؤال خرج بسيط...
لكن أول ما سمعته، حسيت إنه أصعب سؤال اتسألته من وقت طويل.
لأن الحقيقة...
إني لأول مرة أقف قدام نفسي، وأسألها السؤال ده.
سكت...
فضلت أبص قدامي ثواني طويلة، وكأن ماما سألتني سؤال عمري ما فكرت أجاوب عليه قبل كده،
ااتنهدت بهدوء، وهمست:
_مش عارفة يا ماما...
سكت شوية،
وبعدين كملت وأنا بدور على الكلمات.
_كل اللي أعرفه... إني مرتاحة معاه.
رفعت عيني لماما، وابتسمت ابتسامة باهتة.
_لما بيكلمني... بحس إني هادية، ولما كان بيطمن عليا...
كنت بستنى مسدجاته من غير ما أعترف لنفسي.
اتنهدت، وضميت بوكيه الورد لحضني من غير ما أحس.
_بس أنا خايفة...
عقدت ماما بين حواجبها برفق.
_خايفة من إيه ياحبيبتي؟
خرجت مني الإجابة بسرعة...
كأنها كانت محبوسة جوايا من زمان.
_خايفة أثق في حد تاني...
ويطلع نسخة من سليم.
سكتت ماما لحظة، وبعدين مسحت على شعري بحنان.
_حبيبتي... مش كل الناس زي بعض.
هزيت راسي وأنا ببص للأرض.
_عارفة... وعقلي مقتنع بكده.
رفعت إيدي وحطيتها على صدري.
_بس قلبي لسه خايف.
ابتسمت ماما بحنان، وقالت بهدوء:
_وده طبيعي بعد اللي مريتي بيه.
رفعت عيني ليها.
_أنا حتى لما طلب إيدي...
أول حاجة جت في دماغي إني مش جاهزة.
سألتني بهدوء:
_مش جاهزة للجواز... ولا مش جاهزة ليونس؟
مش جاهزة إنك تحبيه؟
سكت...
السؤال كان أصعب من اللي قبله،
فضلت أفكر ثواني، وبعدين همست بصراحة:
_يمكن... مش جاهزة لنفسي أصلًا.
ابتسمت ماما ابتسامة دافية،
وربتت على إيدي.
_يبقى متستعجليش.
رفعت عيني ليها.
_ولا ترفضي لمجرد إنك خايفة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
_خدي وقتك، وصلي استخارة، وفكري بقلب هادي...
لأن القرار ده هيبني عمر كامل.
نزلت بصري لبوكيه الورد اللي بين إيديا،
ولمست إحدى ورداته بأطراف صوابعي.
لأول مرة من شهور...
حسيت إن المستقبل واقف قدامي من جديد...
لكن المرة دي...
كان مستني مني أنا اللي أختار.
ـــــــــــــــ
كنت نازل بخطوات بطيئة على سلالم العمارة...
ولأول مرة من سنين... أخس إني متوتر بالشكل ده.
ساعتها ابتسمت لنفسي ابتسامة خفيفة وأنا بيهز راسي.
_واضح إني كنت داخل مقابلة أصعب من أي صفقة عمل.
خرجت من العمارة، وقفت جنب العربية، وسندت ضهري عليها، وزفرت نفس طويل كنت حابسه من ساعة ما دخلت البيت.
رفعت وشي للسما...
_الحمد لله،
على الأقل... قولت اللي في قلبي.
ركبت العربية...
وقفلت الباب بهدوء، وسندت راسي على الكرسي، وزفرت نفس طويل...
كأن حمل كبير كان فوق صدري... ونزل.
غمضت عيني للحظات، وافتكرت ملامح رُهام وهي واقفة قدامي...
صدمة عيونها، ارتباكها
وسكوتها،
ابتسمت من غير ما أحس.
_كانت مصدومة أوي...
همستها لنفسي، وأنا بهز راسي بخفة.
مكنتش مستني إنها توافق...
ولا حتى ترد،
أنا أصلًا كنت رايح النهاردة علشان أقول اللي في قلبي... وبس،
وأسيب القرار كله ليها.
فتحت عيني، وبصيت للشارع من خلال الزجاج،
يا ترى هتفكر في كلامي؟
ولا هترفض من غير ما تديني فرصة؟
غمضت عيني مرة تانية...
وساعتها افتكرت آخر سؤال سألتني بيه قبل ما مامتها تدخل.
"أنت... بتعمل إيه هنا؟"
ابتسمت بخفة.
_جاي آخد خطوة كان نفسي أخدها من زمان.
طلعت موبايلي من جيبي، وبصيت على الشاشة شوية،
قبل ما أرن على رقم محفوظ عندي.
_أيوة يا يونس؟
ابتسمت أول ما سمعت صوته...
محمد.
_خلصت.
اتعدل محمد في قعدته بسرعة.
_ها؟
سكت لحظة... وبعدين قولت بهدوء:
_طلبت إيدها.
ساد الصمت ثواني...
وفجأة انفجر محمد بالضحك.
_أخيرًا يا راجل!
ابتسمت، وهزيت راسي.
_متضحكش... عمري ما اتوترت كده في حياتي.
رد محمد وهو لسه بيضحك:
_أنت؟ يونس العزازي؟ اتوتر؟
نفخت بخفة.
_أيوة... واتوترت جدًا كمان.
سكت لحظة، وبعدين قولت بصوت أهدى:
_بس والدتها ست محترمة جدًا... وكلامها ريحني.
_ورُهام؟
رفعت عيني للطريق قدامي...
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
_مردتش.
سكت محمد شوية، قبل ما يقول:
_زعلت؟
هزيت راسي بالنفي، رغم إن محمد مش شايفني.
_لأ...
اتنهدت بهدوء.
_كنت عارف إنها مش هتقدر ترد دلوقتي.
وبصيت قدامي بشرود.
_هي محتاجة وقت... وأنا مستعد أستناه كله.
وهمست لنفسي:
_المهم... إني أخيرًا قولت لها اللي كان في قلبي.
ــــــــــــــــ
في نفس الوقت...
وقف أحد رجال سليم على الناحية المقابلة للعمارة،
وهو ساند على عربيته، وعينه متثبتة على المدخل.
من أكتر من ساعة...
شاف عربية فاخرة وقفت قدام البيت،
وشاف شاب نزل منها، في إيده بوكيه ورد وعلبة شوكولاتة.
راقبه وهو داخل العمارة...
واستنى.
عدى الوقت ببطء...
لحد ما شافه نازل تاني،
كان ماشي بهدوء...
وعلى وشه ابتسامة صغيرة، ملامح واحد خارج مرتاح.
قطب الراجل جبينه، وطلع موبايله بسرعة، وضغط على رقم محفوظ،
مستناش كتير.
_أيوة؟
قال بإحترام:
_باشا... الراجل اللي قولت لحضرتك نراقبه،
كان عند الآنسة رُهام.
ساد صمت قصير،
وبعدين جاله صوت سليم،
هادي بشكل مخيف:
_مين؟
_يونس العزازي.
اتغيرت نبرة سليم.
_عمل إيه؟
بص الراجل ناحية العمارة،
وهو بيحاول يفتكر كل تفصيلة.
_دخل ومعاه بوكيه ورد... وعلبة شوكولاتة،
وقعد فوق فترة،
ولما نزل... كان شكله مبسوط أوي.
صمت...
صمت طويل،
قبل ما يقطع سليم المكالمة بجملة واحدة،
خرجت بصوت بارد:
_خليك مراقب البيت...
ولو جه البيت تاني...
أنا لازم أعرف في لحظتها فاهم.
انتهت المكالمة،
أما سليم...
فنزل الموبايل من على ودنه ببطء،
وعينيه امتلأت بغضب مكتوم.
شد على الموبايل بين إيده،
وهمس لنفسه بصوت منخفض:
_واضح إنك بدأت تلعب يا ابن العزازي...
بس اخترت الملعب الغلط،
واقسم إنك هتندم على اليوم اللي فكرت فيه تقرب من رُهام.
