رواية نبضات الصخر الفصل التاسع عشر 19 بقلم هاجر سلامه

 

 


 

رواية نبضات الصخر الفصل التاسع عشر بقلم هاجر سلامه



  وضع معاذ كفيه الدافئين الكبيرين فوق بطنها الكبيرة جداً البارزة، وشعرا معاً بركلات مزدوجة وواضحة من التوأم البطلين في أحشائها.

  انحنى معاذ وقبل عنقها برقة وتحدث بالعذبة التي تذيب روحها وعقلها: "غداً يا نايا.. ستفتح أبواب غرفة العمليات. غداً سأنتهي من معركة الخوف، وسأحمل بين يدي ثمرة عشقنا الصادق.. ولد يحمل قوتي ورجولتي لحمايتكِ، وبنت تحمل سحركِ وجمال عيونكِ الخضراء لتضيء دنيانا .أحبكِ يا أم معجزاتي الجميلة."

  التفتت نايا في أحضانه، ونظرت في عينيه المليئتين بالحب الصافي وقالت بصوت دافئ ناعم: "وأنا بعشقك يا معاذ.. ومستعدة أدخل العمليات غداً وأنا مطمنة ورافعة راسي، لأن عندي زوج ودرع زيك واقف ورايا وبيحميني من الهوا الطاير ربنا يخليك ليا ولأولادنا يا حبيبي."

  انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة الوعد الأبدي بالبقاء والوفاء وضمها إلى صدره بقوة حتى غطت في نوم عميق وآمن 

  خيم هدوء الليل الساحر على أركان المستشفى الخاص، وكانت هذه الليلة هي الليلة الأخيرة التي تفصل نايا ومعاذ عن تحقيق المعجزة الكبرى ودخول غرفة العمليات الحاسمة بعد صدمة الفرحة الكبرى بمعرفة أنهما ينتظران توأماً (ولد وبنت)، تبدلت الأجواء تماماً لتصبح مزيجاً مشحوناً بلهفة الانتظار، والفرحة الطاغية، وقليل من الخوف الطبيعي الذي يراود قلب أي أم تقترب من لحظة الولادة 

 كان معاذ يعيش في تلك الساعات حالة من الاستنفار العاطفي؛ فلم تبتعد عيناه عن نايا لثانية واحدة، وكان يحاول بكل قوته ورجولته أن يبث في روحها الطمأنينة والسلام .

 في زاوية الطابق الفخم بالمستشفى، كانت الحراسة المشددة التي يقودها سليم تؤمن المكان بالكامل كحصن منيع . 

 وبتوجيهات مباشرة من معاذ وبدعم كامل من شاكر بيه، تحول الجناح الطبي المكون من غرفتين ملحقتين بغرفة نايا الرئيسية إلى خلية نحل كان مصممو الديكور يرتبون غرف استقبال التوأم؛ فامتزجت الألوان برقة لتجمع بين اللون الأزرق السماوي المخصص للأمير المنتظر، واللون الوردي النبوئي المخصص للأميرة الصغير. 

 ملأت البالونات الملونة الأسقف، ورُتبت الأسرة الخشبية البيضاء المطرزة بالحرير الفاخر، وفاحت في ممرات الطابق رائحة زهور الياسمين والورود الطبيعية المبهجة التي أنعشت قلب نايا وجعلتها تبتسم بسعادة بالغة.

 في منتصف الليل، استلقت نايا على سريرها الطبي، وكانت بطنها الكبيرة جداً تتحرك بركلات مزدوجة وعنيفة من التوأم البطلين

  كان وجهها يميل إلى الشحوب الخفيف بفعل التوتر الطبيعي، وعيناها الخضراوان معلقتين بمعاذ الذي كان يجلس على مقعد جانبي أمام مكتب صغير في الغرفة، ممسكاً بقلم وورقة فخمة ويكتب بتركيز شديد وعلامات الحب والصدق ترتسم على وجهه الوسيم.التفتت نايا إليه، وقالت بصوت ناعم وخافت يملأه الدلال والتوتر: "معاذ.. حبيبي، أنت بتكتب إيه بقالك ساعة ومركز أوي كدة؟ سيب القلم وتعال قعم جمبي هنا، الوجع الخفيف والتوتر مخليني خايفة أوي من بكرة."

 وضع معاذ القلم ببطء، واعتدل في وقفته بخطواته الواثقة التي تعكس هيبته وحبه الجارف . 

 توجه نحو السرير وجلس بجانبها مباشرة، وأخذ كفيها الباردتين وقبلهما بحنان مفرط ثم وضعهما فوق صدره ليستمعا لنبضات قلبه المتسارعة : "أنا بكتب لك عهد عمري يا نايا.. بكتب كلام نفسي تفضلوا فاكرينه أنتِ وأولادنا طول العمر. متخافيش يا قلب معاذ.. بكرة ده هيبقى أحلى يوم في حياتنا، بكرة المعركة هتنتهي وهتبقي أحلى أم لتوأم في الدنيا أنا جمبك وروحي محاوطاكِ."

 سحبت نايا يدها برفق، وأشارت إلى الورقة المطوية وقالت بابتسامة رقيقة : "طب قولي كاتب إيه في الرسالة دي؟ أنا فضولية أوي وعايزة أعرف دلوقتي حالا."

 ابتسم معاذ وعيناه تشعان حباً، وأخرج الرسالة وقبلها، ثم وضعها في جيب فستانها الأبيض المنزلي وقال بخبث محبب: "لأ.. الرسالة دي مش هتقريها دلوقتي خالص يا ملكتي. الرسالة دي هتقريها بكرة الصبح وأنتِ داخلة غرفة العمليات عشان تفضل كلماتي جوة قلبك وتطمنك وتعرفي قيمتك عندي إيه.. اجهزي دلوقتي عشان تاخدي الحقنة الأخيرة وترتاحي تماماً."

 أومأت نايا برأسها واستسلمت لطلبه، وقام معاذ بمساعدة الممرضة بإعطائها الحقنة الطبية الأخيرة المهدئة والمنشطة لجدار الرحم لتثبيته حتى الصباح 

 بعد خروج الممرضة، أطفأ معاذ الأنوار الرئيسية وترك إضاءة خافتة زرقاء تملأ الغرفة هدوءاً ورومانسية ساحرة . 

 جلس على حافة السرير وضم نايا إلى صدره العريض، وأسندت رأسها على كتفه وراحت تتنفس بأمان كامل افتقدته طوال شهور الفراق الماضية امتدت يد معاذ برفق لتمسح على بطنها الكبيرة المزدوجة، وتحدث بصوت دافئ ومنخفض كالموسيقى العذبة : "عارفة يا نايا.. أنا بكرة مش بس هستقبل ولادي، أنا هستقبل حياتي الجديدة معاكي. زمان لما عرضتي عليا الجواز لست شهور، كنت فاكرك بنت مغرورة وطماعة بس النهاردة أنا بكتشف إني كنت أعمى، وبكتشف إن ربنا رزقني بأعظم ملكة صمدت وحاربت المرض عشان تحمي بيتنا وعيلتنا أنا فخور بيكي فوق ما تتخيلي يا حبيبتي."

 انهمرت دموع الفرح والصداقة الصافية من عيني نايا، وتشبثت بقميصه بقوة وقالت بصوت متهدج: "وأنا لولا وجودك يا معاذ ولولا رجولتك وشهامتك اللي حمتني في كل لحظة، مكنتش هكون واقفة على رجليا النهاردة أنت المعجزة اللي ربنا بعتها ليا عشان يشفيني ويشفي رحمي المريض.. أنا بعشقك يا أبو أولادي."

 انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة ومفعمة بالشوق والوعد الأبدي بالوفاء والدعم، قبلة مسحت كل توتر داخلها وجعلت جسدها يسترخي تماماً في أحضانه الدافئة حتى غطت في نوم عميق وآمن 

 في الصباح الباكر، بدأت خيوط الشمس الذهبية تشرق وتعلن عن بدء اليوم المنتظر واليوم الأكبر في الرواية.

  استيقظت نايا لتجد الغرفة مليئة بالحركة؛ الممرضات يجهزنها لارتداء ملابس العمليات المعقمة، ووالدها شاكر بيه يقف بجانب السرير وعيناه تدمعان بفرحة جارفة ويقبل رأسها وقال : "جاهزة يا قلب أبوكي؟ بكرة الحفيد والوريث والأميرة الصغيرة هينوروا دنيتنا ورفعتي راسي ربنا يقومك بالسلامة يا نور عيني."

 ابتسمت نايا بثقة ورفعت رأسها بقوة وكبرياء استعادته تماماً بفضل حب معاذ . 

 تقدم معاذ بخطواته الثابتة، وكان يرتدي الزي الطبي المعقم لمرافقتها حتى باب غرفة العمليات.

  انحنى وسحب الرسالة المطوية من جيب فستانها القديم وقدمها لها قائلاً بابتسامة تشع عشقاً : "دلوقتي جه وقت قراية الرسالة يا ملكتي.. اقريها وأنتِ داخلة عشان تفتكري دايماً إن معاذ بيموت فيكي."

 فتحت نايا الورقة بطلب وشغف كبير، وبدأت تقرأ الكلمات المكتوبة بالفصحى الشاعرية الرائعة والخط العربي الأنيق:"إلى ملكتي الوحيدة وأم معجزاتي الباذخة، نايا.. أكتب لكِ هذه الكلمات وروحي معلقة بين أنفاسكِ. غداً ستدخلين غرفة العمليات لتهبين لي وللدنيا قطعتين من روحكِ النبيلة اعلمي يا حبيبتي أنكِ لستِ مجرد زوجة، بل أنتِ الوطن، والأمان، والدرع الذي أعيش لأجله. لستِ وحدكِ في الداخل، قلبي ينبض مع دقات قلبكِ، وروحي تحرسكِ وتحرس طفلينا البطلين اخرجي إليّ سالمة ورافعة رأسكِ، لتجدي معاذ ينتظركِ ساجداً ليعلن للعالم كله أنكِ الفائزة الوحيدة بقلبي وعمري.. أحبكِ للأبد يا أميري الجميلة."

 انهمرت دموع الفرحة العارمة والثقة المطلقة من عيني نايا، وطوت الرسالة وضمتها إلى صدرها بقوة شديدة. 

 نظرت إلى معاذ بعيون تشع بالثبات والعشق وقالت بصوت قوي هز أركان المكان: "أنا جاهزة يا معاذ.. وجاهزة أدخل وأجيب أولادنا وأنا رافعة راسي ومطمنة، لأن عندي راجل ودرع زيك مستنيني برة يلا بينا."

 تحركت النقالة الطبية ببطء نحو الممر الطويل ومعاذ يمسك يدها بقوة ويقبلها حتى وصلا إلى الباب الزجاجي الكبير لغرفة العمليات الحاسم ، لتغلق الأبواب وتضاء اللوحة الحمراء، معلنة بدء الحلقة العشرين الحاسمة والتاريخية التي ستشهد صرخة الحياة الأولى وولادة التوأم المعجزة 

 (الولد والبنت) ونزولهما للدنيا بسلام 


تعليقات