رواية قلوب لا تعرف الحب الفصل الاول
انفتحت أبواب الصمت في ذلك البيت المتواضع القابع في قلب الحارة، حينما جلس "صالح" والهمّ يكسو ملامحه الوقورة رغم علامات الثراء الفاحش البادية على ثيابه وهيبته. نظر إلى رفيقة الدرب القديمة "سعاد" بنبرة رجاء حارقة، كمن يمسك بطوق النجاة الأخير:
"لو سمحتي يا سعاد.. طوعيني في طلبي ومتردنيش خايب، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي. أنا عاوزه بناتك، رنيا ورغد،
يجوا يعيشوا معانا في القصر."
تنهد بعمق، وكأن جبلًا من الحزن جاثم على صدره المثقل بالهموم، ثم تابع وعيناه تلمعان بدموع حبيسة:
"أنا عاوز أجوز واحدة منهم لابني سليم.. أنتِ عارفة، من يوم ما توفت أمه في الحادثة وشافها بعينيه وهو مش بينطق ولا بيمشي.. بقاله خمس سنين على الحال ده يا سعاد. لفيت بيه على أكبر دكاترة وكشفت عليه كتير ومافيش فايدة. أنا عاوزه يرجع يحب الحياة، وعندي أمل إن واحدة من بناتك بطيبتها تقدر تخرجه من السجن اللي قافل على نفسه فيه وتعتني بيه."
امتزجت الصدمة بالشفقة في عيون سعاد، صمتت لثوانٍ تتأمل تضحية هذا الأب وانكساره أمام مرض ابنه، قبل أن تقر بقلب أم يعتصره القلق والوجل:
"مش عارفة أقولك إيه يا صالح.. الصدمة شديدة عليا، بس عشان خاطر سليم، وعشان غلاوتك وعشرة زمان، أنا هعمل اللي أنت عاوزه.. والأمر لله."
شقت السيارة الفارهة شوارع الحارة الضيقة، مخلّفة وراءها نظرات الجيران الفضولية. في المقاعد الخلفية الوثيرة، كانت "رنيا" و"رغد" يتبادلان نظرات حائرة ومندهشة. تلتف كل منهما بأثوابها البسيطة التي تفوح منها رائحة الفقر الشريف.
كان الصمت سيد الموقف، لكن عقولهما كانت تعج بالأسئلة: لماذا يذهبون معه؟ وما سر هذا الرجل الثري الذي ظهر فجأة
ليغير مسار حياتهم الهادئة؟
توقفت السيارة أخيراً أمام بوابات حديدية ضخمة انفتحت تلقائياً، وكأنها تبتلع الفتاتين إلى عَالَم لم تحلما بلمسه قط. ترجلت "رنيا" وهي تكتم انبهارها بصعوبة، تحاول أن تسير بكبرياء مصطنع وتعدل من ثوبها، بينما كانت "رغد" تحكم إغلاق عباءتها البسيطة حول جسدها، تتلفت يميناً ويساراً وكأنها تسير في حقل ألغام، يشوبها خوف فطري من هذا
الاتساع الموحش.
دخل الجميع إلى بهو القصر الواسع، حيث الرخام اللامع والثريات الكريستالية المعلقة التي تخطف الأبصار، لكن المكان، رغم فخامته الأسطورية، كان يفتقر إلى الروح؛ يسوده صمت ثقيل غريب.
التفت صالح إليهم، وحاول رسم ابتسامة مرحبة على وجهه المتعب ليطمئن قلوبهم:
"نورتوا بيتكم الجديد يا بناتي.. القصر كله تحت أمركم."
وقبل أن تجيب سعاد بشكر واهن، قطع الصمت صوت خطوات هادئة ورزينة منتظمة. كانت امرأة في أواخر الأربعينيات ترتدي ملابس رسمية داكنة شديدة الأناقة، تقترب بنظرات حادة تفحصت الفتاتين من أعلى إلى أسفل بنوع من التعالي غير المخفي.
"صالح بيه.. غرف الضيوف جاهزة تماماً، والكل في انتظار توجيهاتك."
تنحنح صالح قائلاً بجدية:
"دي الدكتورة نجوى، المشرفة على حالة سليم الطبية ومتابعة علاجه هنا في البيت.. ودول يا نجوى، سعاد وأولادها، هيكونوا معانا في القصر من النهارده."
أومأت نجوى برأسها دون مبالاة، ثم التفتت إلى صالح بنبرة عملية جافة:
"سليم بيه في غرفته بالدور الأرضي المطلة على الحديقة.. بقاله ساعتين باصص للشباك، ورفض تماماً ياخد الوجبة بتاعته أو يتجاوب مع الممرض."
لمعت الدموع مجدداً في عيني صالح، ونظر إلى سعاد ثم إلى رنيا ورغد. تحرك بخطوات مثقلة بالهموم نحو ممر طويل ينتهي بباب خشب عريض، وأشار إليهم بيده:
"تعالوا معايا.. لازم تشوفوه على الطبيعة."
سارت الأقدام على السجاد الفاخر الذي يكتم الصوت، مما زاد من هيبة وجلال الموقف. دفع صالح الباب ببطء وهدوء شديدين.
كانت الغرفة واسعة، يغلب عليها اللون الرمادي والأسود، توحي بالانعزال. وفي زاوية الغرفة، أمام نافذة زجاجية ضخمة تكشف عن الحديقة الخلفية، كان يجلس "سليم".
شاب في أواخر العشرينيات، يمتلك ملامح حادة ووسامة شديدة رجولية، لكنها مطفأة بحزن ذابل عميق. كان يجلس على كرسي متحرك متطور، وظهره شبه منحني، وعيناه شاخصتان نحو الفراغ في الحديقة، كأنه جسد بلا روح؛ لا يرمش، ولا يبدي أي رد فعل لصوت الباب الذي فُتح أو الأقدام التي دخلت.
اقترب صالح منه، وانحنى ليقبل رأسه بحنان أبوي يقطع القلوب:
"سليم.. يا حبيبي.. أنا جيت، ومعايا ضيوف غاليين أوي على قلبي."
لم يتحرك سليم أنملة، ولم يعر والده أي انتباه.
وقفت الفتاتان عند الباب. "رنيا" اتسعت عيناها بذهول، واختلط في قلبها الإعجاب بوسامته الصارخة والصدمة من عجز قيد حركته، وهَمست في سرها: "كل الفلوس دي.. والشاب ده ضايع كده؟"
أما "رغد"، فقد انقبض قلبها بشدة؛ لم ترَ فيه ثرياً عاجزاً، بل رأت روحاً تتألم خلف ذلك القناع الصامد. خطت خطوة غير محسوبة للأمام دون أن تشعر، وكأن مغناطيساً خفياً يشدها نحو هذا الحزن الصامت.
في تلك اللحظة بالذات، ولسبب غير مفهوم، تحركت ملامح سليم الجمدة. أدار رأسه ببطء شديد، وكأن حركة عنقه تكلفه جهداً خارقاً.
التقت عيناه السوداوان القاسيتان بعيني "رغد" الواقفتين عند أطراف السجادة. لم ينطق، ولم يتحرك، لكن نظرته كانت حادة كالسيف، مليئة بالرفض، والغضب، والعتاب.. وكأنه يصرخ في وجه دخيل اقتحم خلوته المقدسة.
ارتبكت رغد وتراجعت خطوة للخلف ودقات قلبها تتسارع بعنف، بينما ابتسم صالح بلهفة وأمل لم يزورا وجهه منذ سنوات، ملتفتاً إلى سعاد وهو يهمس بفرحة عارمة:
"شُفتي يا سعاد؟ التفت.. سليم حس بيهم! بقاله سنين مابيتلفتش لحد دخل عليه!"
وعند تلك اللحظة التي حبست أنفاس الجميع، قطع الصمت المفاجئ صوت رنين مجوهرات ذهبية متداخلة، يسبق خطوت متغطرسة للغاية. التفتت الأعناق نحو الباب لتظهر امرأة في منتصف الأربعينيات، تتفجر ملامحها بالخُيلاء ومساحيق التجميل الصارخة، يتبعها شاب ثلاثيني يحمل ملامح تشبه ملامح "صالح" لكن بنسخة باردة وعينين يملؤهما الجشع.
كانت هذه "شاهيناز"، زوجة أبيه، وبرفقتها "عامر"، ابنها والابن الأكبر لصالح.
دلفا إلى الغرفة دون استئذان، ونظرت شاهيناز إلى سعاد وبناتها بنظرة اشمئزاز مبطنة بالسخرية، وقالت بصوت رخيم مصطنع:
"أهلاً، أهلاً.. القصر نور يا صالح بيه. هما دول بقى الشغالين الجداد اللي قولت هتعينهم عشان يخدموا سليم؟ بس شكلهم متبهدل أوي، ياترى بيفهموا في التمريض ونظافة القصور؟"
انقبض قلب سعاد وشعرت بالإهانة، بينما اشتعلت عينا "رنيا" بغضب مكتوم وهي تنظر إلى ملابس شاهيناز الفاخرة، في حين بقيت "رغد" مطأطأة الرأس تحاول التماس القوة من الأرض.
صكّ صالح على أسنانه بغضب، وهتف بنبرة حازمة هزت أركان الغرفة:
"الزمي حدودك يا شاهيناز! دي الست سعاد، عشرة عمري وأختي اللي لم تلدها أمي.. ودول بناتها، رنيا ورغد. مش شغالين.. دول أصحاب البيت من النهارده، وواحدة من البنات هتبقى شريكة حياة سليم وزوجته المستقلبية!"
وقعت الكلمات كالصاعقة في أرجاء الغرفة. اتسعت عينا عامر بجنون، وخطا خطوة واسعة نحو والده هاتفاً باحتجاج صارخ:
"تتجوز مين يا بابا؟! سليم؟! سليم اللي مابينطقش ولا بيتحرك تجوزه واحدة من الشارع؟ عشان بكره الصبح لما يجرى له حاجة، تاخد نصيبه في الورث والشركات على الجاهز؟ أنت بتضيع شقانا وتعبنا عشان أوهام!"
"اخرس يا عامر!"
صرخ صالح بنبرة حاسمة التمعت معها عيناه بتهديد مرعب:
"فلوسي وفلوس أخوك أنا اللي عملتها، وأنا أدرى بمصلحته. محدش ليه كلمة في البيت ده طول ما أنا عايش.. اتفضلوا اخرجوا بره، وسيبوا الضيوف يرتاحوا."
رمق عامر الفتاتين بنظرة حقد وتوعد، وهمس بغل وهو يلتفت للمغادرة:
"الموضوع ده مش هيعدي بالسهولة دي يا بابا.. القصر ده مش مكان للشحاتين."
خرجت شاهيناز تتهادى بغطرسة خلف ابنها، وهي ترمي سعاد بابتسامة صفراء تخبئ وراءها مؤامرة قادمة.
وسط هذا الصراع المشتعل، كان هناك جسد واحد لم تحركه العاصفة؛ "سليم". لكن لو نظر أحدٌ بدقة إلى عينيه الشاخِصتين مجدداً نحو النافذة، لوجد بريقاً خفياً من الألم والسخرية، وكأنه كان يسمع كل كلمة، ويبكي في صمته على عائلة... قلوبها لا تعرف الحب
نظر صالح الي سعاد والدموع تملا عينيه عرفتي انا اتجوزت سعاد علي شهنده ليه!!؟؟
نظرت سعاد إلى "صالح" بعينين تملؤهما الشفقة وتفهم أسباب تلك الخيبة الكبيرة التي تحاصره، فالمال والجاه لم يمنحاه سوى بيت مليء بالعقارب. أومأت برأسها في صمت يواسي قلبه الكسير، بينما أكمل صالح بنبرة خافته تحبس الدموع:
"ياسمين الله يرحمها كانت الروح اللي بتطفي نار الجشع في البيت ده.. لما ماتت، أخدت معاها النور، وسابت سليم بين مخالب شاهيناز وابنها. عشان كده يا سعاد، أنا مش بطلب منك تجوزي بنتك لواحد عاجز، أنا بطلب منك تنقذي ابني من قسوة القلوب دي، وتنقذي باقي عمري من الضياع."
تراجع صالح بخطوات مثقلة، مستأذناً لإيصالهم إلى جناحهم الخاص كي يرتاحوا من عناء السفر وصدمة الاستقبال.
غادر الجميع الغرفة، واستقر بهم المقام في جناح واسع بالدور العلوي، تحفّه الفخامة من كل جانب. لكن الجدران المغطاة بالحرير لم تستطع إخفاء برودة المكان.
ما إن أُغلق الباب عليهن، حتى انفجرت "رنيا" بغضب مكتوم، وهي تطوف برأسها في أرجاء الغرف الفسيحة، تتفحص الأثاث الأسطوري ببريق طمع لم تستطع إخفاءه، هتافاً بصوت خفيض:
"شغالات وشحاتين؟! بقى الست دي وابنها المغرور يقولوا علينا كده؟ والله ما هسيب الحق ده يضيع! أنتِ شفتي القصر عامل ازاي يا ماما؟ شفتي العز؟ الشاب ده حتى لو مابيمشيش ولا بيكلم، فلوسه تعيشنا ملوك العمر كله!"
التفتت إليها "رغد" بنظرة عتاب شديدة، وجلست على أطراف الفراش تنفض الخوف عن قلبها، وقالت بصوت يرتجف هدوءاً:
"فلوس إيه وعز إيه يا رنيا؟! أنتِ ماشفتيش نظرة عينيه؟ سليم ده مش عايش أساساً.. ده ميت ومظلوم في وسطهم. الناس دول هياكلونا أكل، وشاهيناز وابنها مش هيسيبوا واحدة فينا تنعم بدقيقة واحدة هنا."
قاطعتها رنيا بحدة وقسوة:
"لو أنتِ خايفة، أرجعي الحارة يا رغد! أنا مش هضيع الفرصة دي من إيدي.. سليم ده هيبقى جوزي، والفلوس دي كلها هتبقى تحت رجلينا!"
في هذه الأثناء، وفي الأسفل داخل أحد المكاتب المغلقة، كانت شاهيناز تجوب الغرفة جيئة وذهاباً بخطوات غاضبة، بينما جلس عامر يدخن سيجاره بنشاط عصبي.
دق الباب بدقات منتظمة، ودخلت الدكتورة "نجوى" وعلى وجهها ابتسامة باردة متهكمة.
قالت شاهيناز وهي تجز على أسنانها:
"شفتي الجنون اللي وصل له صالح يا نجوى؟ عاوز يجوز الولد لمجذوبة من الحارة عشان تورثنا!"
جلس عامر بثقة، ونظر إلى نجوى قائلاً:
"المهم عندي دلوقتي.. سليم حالته عاملة إيه؟ البنتين دول ممكن يغيروا حاجة؟"
عدلت نجوى نظارتها الطبية بثقة وشفاه متيبسة:
"اطمن يا عامر بيه. سليم مشكلته مش جسدية بس، ده صدمة نفسية عميقة قفلت على عقله.. الدوا اللي بياخده بانتظام بيبقيه دايماً في حالة خمول وغياب عن الوعي كامل، وده تحت سيطرتي تماماً. وجود البنات دول مش هيغير حاجة في خطتنا، بل بالعكس.. ده هيدين صالح بيه قدام الناس لما يكتشفوا إنه بيتجوز ابنه المريض غصب عنه."
ابتسمت شاهيناز بشر متشفٍّ:
"برافو يا نجوى.. عينك عليهم، وخصوصاً الست سعاد وبناتها. عاوزة كل حركة وكل كلمة يقولوهاتوصلني أول بأول."
أما في الأسفل، وفي الغرفة المظلمة..
كان الهدوء يخيم على المكان، سوى من صوت أنفاس سليم الهادئة. الممرض الخاص كان قد غادر الغرفة بعد أن وضع كؤوس الماء والعلاج على الطاولة المجاورة.
تحركت النافذة بفعل هواء الليل اللطيف، وفي غفلة من الجميع.. انسحبت "رغد" من جناحها دون أن تشعر أمها أو أختها، شادّة عباءتها البسيطة حولها، ودفعتها قدمان مسيرتان بالشفقة نحو غرفة سليم.
فتحت الباب ببطء شديد وبدون صوت، ودلخلت إلى الداخل.
كان ينام على الفراش، ملامحه الوسيمة يبدو عليها الإرهاق الشديد تحت أضواء الحديقة الخافتة. اقتربت منه بخطوات وجلة حتى وقفت بجانب فراشه.
تأملت وجهه الهادئ، وبارتياح فطري انحنت قليلاً، ومدت يدها الصغيرة المترددة لتزيح خصلة شعر أسود تدلت على جبهته.
وفي اللحظة التي لامست فيها أطراف أصابعها دافئ جبهته..
انفتحت عينا "سليم" فجأة!
