رواية قلوب لا تعرف الحب الفصل الثاني 2 بقلم ملكة الروايات


 رواية قلوب لا تعرف الحب الفصل الثاني 

​تلاشت النبرة الدافئة في هواء الغرفة البارد، ليحلّ محلها صمتٌ أعمق وأشذّ أثراً. كانت تلك الأنفاس الثقيلة المتقطعة هي الصوت الوحيد الذي يشهد على المعركة الطاحنة المشتعلة داخل جسد سليم؛ معركة بين مفعول السموم المهدئة التي تسري في دمه، وبين شعورٍ نادِرٍ بالأمان أخذ يتسلل إلى قلبه لأول مرة منذ سنوات.
​لم ينطق بكلمة واحدة.. فشفتيه المتيبستان كانتا أعجز من أن تخرجا حشرجة صوته.
​استقرت عينا "سليم" الواسعتان في عيني "رغد". تخلت تلك العينان عن قسوتهما ونظرتهما الحادة التي استقبل بها الجميع في البداية، ولأول مرة، استكانت الحدواد المظلمة فيهما لتكشف عن رجاءٍ طفوليٍّ كسير.
​تحركت حدقتاه ببطء شديد، ينتقل بنظره المنهك بين وجه "رغد" القريب، وبين يدها الدافئة القابعة فوق جبهته الباردة. كان ثقل الأدوية يُسدِل جفنيه رغماً عنه، لكنه كان يصارع بكل ما بقي فيه من قوة ليُبقي عينيه مفتوحتين.. كأنه يخشى إذا أغمضهما أن يختفي هذا الشعور الغريب بالسكينة، ويستيقظ مجدداً في جحيمه المعتاد.
​لم ينطق بلسانه، بل تكلمت عيناه بلغة أبلغ من ألف حديث؛ كانت عيناه ترمشان ببطء شديد، ترسلان شفراتٍ متلاحقة من الاستغاثة.. نظرة هادئة تستريح لمرآها، تعقبها اتساعة خاطفة يملؤها الذعر والتوجس وهو يلمح ظلال الحديقة خلف زجاج الغرفة، وكأنه ينبهها من خطرٍ لا تراه، أو يرجوها بألا تتركه للظلام المتربص به.
​انقبض قلب رغد بقوة، وسرت قشعريرة دافئة في جسدها. لم تشعر بالخوف هذه المرة، بل شعرت برباط خفيّ يربطها بهذه الروح المعذبة. انحنت قليلاً نحو الفراش، وهمست بصوت خفيض للغاية كأنه نسيم الليل:
 "اطمن.. أنا هنا.. محدش هيئذيك."
​مع كل كلمة همست بها، كانت جفون سليم تسترخي قليلاً، وتبدو حركة عينيه أكثر هدوءاً واستسلاماً. أغمض عينيه لبضع ثوانٍ طويلة، ينعم بتلك اللمسة التي أزاحت أثقال الخوف عن كاهله، ثم فتحهما ببطء ليمنحها نظرة أخيرة.. نظرة عميقة مليئة بالامتنان الصامت، قبل أن تسحبه عقاقير "نجوى" القاسية مجدداً إلى قاع النوم العميق.
​ارتخى جسده تماماً على الفراش، واستعادت أنفاسه انتظامها الثقيل. سحبت رغد يدها ببطء شديد كي لا تزعج نومه، وقفت تتأمل ملامحه الهادئة التي زال عنها التشنج، وثبتت في عقلك علامة استفهام كبيرة حول طبيعة هذا المرض وهذه "العقاقير".
​في هذه الأثناء، وعلى الجانب الآخر من الممر المظلم..
كانت "رنيا" تتسلل بخطوات حذرة نحو المكتب الرئيسي القريب من السلم الداخلي، بعد أن سمعت أصوات ضحكات خافثة تأتي من الداخل. اختبأت خلف أحد الأعمدة الرخامية الضخمة، وأمالت رأسها لتسترق السمع عبر الفتحة الصغيرة للباب الموارب.
​كان "عامر" يجلس خلف المكتب الضخم، يسكب لنفسه ولأمه "شاهيناز" كؤوساً، بينما وقفت الدكتورة "نجوى" تطالع بعض التحاليل والتقارير الطبية.
​قالت شاهيناز بنبرة شامتة:
 "يعني نطمن يا نجوى؟ الجرعة الجديدة اللي كتبتيها هتضمن إن سليم يفضل غايب عن الوعي وميعرفش حتى يعبر عن نفسه؟"
​ابتسمت نجوى ببرود، وردت وهي تطوي الملفات:
 "الجرعة دي بتشتغل على الجملة العصبيّة مباشرة.. بتخليه حاسس باللي حواليه نوعاً ما، بس مش قادر يتحكم في أي عضلة ولا يرفع إيده، والأهم إنها بتمنع لسانه إنه ينطق كلمة واحدة. صالح بيه فاكر إن دي صدمة نفسية متطورة، والمستندات الطبية اللي بجهزها بتثبت إن حالة سليم بتتدهور طبيعياً.. يعني لو اتجوز، السيطرة عليه وعلى أملاكه هتفضل في إيدينا بنسبة مية في المية."
​ضحك عامر بملء فيه، وقال وهو يرفع كأسه:
 "عفاريت! صالح فاكر إنه بيحميه لما يجيب له بنات الحارة، وهو بيدهوله على طبق من دهب.. خلي رنيا أو رغد يتجوزوه، هيبقوا مجرد واجهة غبية لينا، وبكلمتين وشوية فلوس هنمشيهم زي العرايس الماريونيت."
​حبست رنيا أنفاسها خلف العمود، واتسعت عيناها بذهول خالطه مزيج مرعب من الخوف والفرصة! لم تكن تهتم كثيراً بمأساة سليم، بقدر ما أدركت الحقيقة الكاملة: سليم ليس مجنوناً أو عاجزاً بفعل الصدمة.. بل يتم تسميمه بالبطيء!
​ابتسمت رنيا بذكاء حاد، وهمست لنفسها وهي تتراجع للخلف قبل أن يشعر بها أحد:
 "بقى اللعبة كده؟ الدوا هو السر.. ممتاز أوي يا دكتورة نجوى، الفلوس دي كلها مش هتخرج بره إيدي!"
​عادت رغد إلى الجناح الخاص بهما بخطوات واهنة، وجلست على طرف الفراش تحاول استيعاب ما حدث في الغرفة. لم تكن تعلم أن أختها "رنيا" قد عادت فوراً خلفها، ودخلت إلى الغرفة وهي تغلق الباب ببطء.
​التفتت رغد إلى أختها وسألتها بقلق:
"كنتي فين يا رنيا؟"
​ردت رنيا بابتسامة غامضة، ونظرت إلى أختها ببرود:
 "كنت باخد جولة في القصر.. القصر اللي هيبقى بتاعي قريب أوي يا رغد. أنتِ بقى كنتِ فين؟ ووشك أصفر كده ليه؟"
​ترددت رغد، لكنها حركت رأسها بنفي وهي تذكر نظرة عينين سليم الصارخة بالاستغاثة:
 "كنت عند سليم.. سليم مش مريض زي ما بيقولوا يا رنيا. سليم محتاج مساعدة.. عينيه بتتكلم، عينيه بتقول إن في حاجة غلط بيتعرض لها!"
​سخرت رنيا وقاطعتها بحزم:
 "عينيه؟! أنتِ هتنفخي في قراطيس؟ الولد جثة هامدة ومابيتحركش! انسي الهبل ده وركزي، اللعبة أكبر منا بكتير.. وبكرة لما صالح بيه يسأل شكون فينا اللي هتتجوزه، أنا اللي هتقدم."
​نظر إليها رغد بدهشة:
 "تتجوزيه؟ أنتِ مابتحبيهوش ولا حتى صعبان عليكي!"
​ردت رنيا بصلابة وقسوة وهي تنظر للمرآة الفاخرة:
 "الحب ده للفقرا اللي زينا يا رغد.. أنا نازلة القصر ده عشان أغير حياتي، وسليم بالنسبة لي هو البوابة للعز ده كله. خليكي أنتِ مع الشفقة وحزن العيون، وسيبلي أنا الفلوس والتخطيط."
​انتهت الليلة الثقيلة، واستقرت العتمة على القصر الكئيب..
بين "سليم" القابع في غرفته الظلماء، يستعيد جزءاً من إرادته المحتبسة بفضل شعلة أمان صغيرة أوقدتها نظرة "رغد".. وبين مؤامرة تُحاك في الخفاء لتجريد هذا البيت من كل ما تبقى فيه من رحمة.

​مع تباشير الصباح الأولى، انسابت أضواء الشمس الشاحبة عبر الستائر المخملية للقصر، لتكشف عن ملامح يومٍ جديدٍ حافل بالدسائس.
​خرجت "رنيا" من جناحها بحجة استكشاف الحديقة الخلفية، لكن قدميها كانتا تقودانها بمرونة وذكاء نحو البهو الرئيسي. لم يكن سليم المقعد، الغائب عن الوعي بفضل مهدئات الدكتورة نجوى، هو غايتها النهائية؛ فما فائدة زوجٍ كالجثة بينما إدارة الشركات وأموال العائلة تقع كلياً تحت سيطرة شقيقه الأكبر؟
​أثناء مرورها بجانب المكتب الداخلي، انفتح الباب فجأة ليخرج منه "عامر". كان يرتدي بدلته الأنيقة ويعدل ساعة يده الثمينة بنظرات ملؤها الخيلاء.
​توقفت رنيا في مكانها، وتعمدت أن ترسم على وجهها نظرة مرتبكة وممزوجة بإعجاب خفي. التفت إليها عامر، وتفحصها بنظرة حادة جافة، طافحة بالاستعلاء:
 "أنتِ بتعملي إيه هنا؟ مش قولت ليكم إمبارح إن الدور ده مش للمستجدين اللي زيكم؟"
​خطت رنيا خطوة واحدة للعدول عن موقفها، لكنها لم تتراجع، بل رفعت رأسها بثقة مفاجئة ابتسمت لها شفتاها بذكاء، وقالت بنبرة هادئة ورزينة:
 "أنا مكنتش بتجول يا عامر بيه.. أنا كنت مستنية الوقت المناسب عشان أكلمك أنت بالذات."
​عقد عامر حاجبيه باستغراب، وسخر قائلاً:
 "تكلميني أنا؟ وبصفتك إيه إن شاء الله؟ جاية تترجيني عشان أوافق على جوازتك من أخويا العاجز؟"
​اقتربت منه رنيا بضع خطوات، وانخفض صوتها بنبرة ذات مغزى جعلت علامات الفضول ترتسم على وجهه:
 "بالعكس تماماً.. أنا جاية أقولك إن لعبة الجواز من سليم دي مش هتدخل عليا، ولا تهمني من الأساس. أنا سمعت كلامك أنت والدكتورة نجوى إمبارح بالليل.. وعارفة كويس أوي إن سليم مش مريض صدمة نفسية، وأنتم اللي بتدوه الدوا اللي مشلّ حركته ولسانه."
​اتسعت عينا عامر بجنون، وانقبضت ملامحه بغضب عارم. أسرع بإمساك ذراعها بضغط شديد وجذبها إلى داخل المكتب متفاهماً، وأغلق الباب بقوة وهو يهمس بشر:
 "أنتِ بتتجسسي عليا يا بت أنتِ؟! أنتِ فاكرة إنك بال كلمتين دول تقدر تخوفيني أو تهدديني؟ أنا أرميكي بره القصر ده في ثانية!"
​لم تفزع رنيا، بل نظرت إلى يده الممسكة بذراعها ببرود أذهله، وقالت وهي تنفض يده عنها ببطء:
 "ترميني بره؟ وتخاطر إن الكلام ده يوصل لصالح بيه؟ أنت عارف كويس إن أبوك لو عرف إنك بتسمم سليم بالبطيء، مش بس هيطردك.. ده هيكتب كل ثروته وشركاته باسم سليم وبس، ويحرمك أنت وأمك من اي مليم تخدوه
​تجمّد عامر في مكانه، وأدرك في لحظة أن الفتاة البسيطة التي ظنها مجرد "شحاتة" من الحارة تحوز من الخبث والذكاء ما يجعلا كارت خطير في هذه اللعبة.
​تابعَت رنيا بثقة، وهي تطوف بعينيها في أرجاء المكتب الفاخر:
 "سليم مجرد جثة هامدة.. حتى لو اتجوزته، العز والفلوس والإدارة كلها تحت إيدك أنت. فليه أربط نفسي بكرسي متحرك، لما ممكن أكون مع الراجل اللي بيمشي القصر والشركات بكلمة منه؟"
​ابتسم عامر ابتسامة صفراء، وتفحصها بنظرة جديدة يملؤها الإعجاب بشرها وذكائها:
 "يعني أفهم من كده إنك غيرتي خطتك؟"
​ردت رنيا بابتسامة متغطرسة:
— "أنا مغيرتش خطتي.. أنا حطيتها في مكانها الصح. سليم ده ينفع أختي 'رغد'.. هي هبيلة وعاطفية وبتصدق دموع الشفقة، هتقعد جنبه تمسح على رأسه وتخدمه وهي ساكتة. أما أنا.. فمكاني جنبك أنت يا عامر. أنا هساعدك تجبر صالح بيه إنه يقتنع بجواز رغد وسليم، وفي نفس الوقت، هكون عينك وجاسوستك جوه الجناح بتاعهم.. في مقابل إنك تقربني منك وتديني المكانة اللي أستحقها."
​انطلقت ضحكة خافضة من حنجرة عامر، واقترب منها وهو يفرك ذقنه بتفكير:
— "طلعتي مش سهلة أبداً يا رنيا.. وعجباني دماغك الشيطانية دي. موافق.. رغد تتجوز سليم وتدفن نفسها معاه في الضلمة، وأنتِ تلعبي في ملعبي."
​في هذه الأثناء، وفي الدور العلوي..
كانت "رغد" تجلس بجانب والدتها "سعاد" التي كانت تبكي بحرقة خوفاً على مستقبل ابنتيها في هذا القصر المليء بالأحقاد.
​همست رغد وهي تطمئن أمها وربتت على يدها:
— "يا ماما بلاش بكا.. ربنا مش بيسيب حد. القصر ده فيه قسوة كبيرة، بس فيه كمان روح بتتعذب ومحدش حاسس بيها غير ربنا."
​في تلك اللحظة، دخل صالح بيه إلى الجناح، وعلى وجهه إرهاق السنين، ورافقه عامر ورنيا التي كانت ترسم وجه الطيبه والوداعة.
​تنحنح صالح وقال بصوت متعب:
 "يا سعاد.. لازم نأخد قرار. أنا شايف إن الوقت مش في صالحنا، ولازم واحدة من البنات توافق تتجوز سليم عشان تبدأ تشرف على رعايته بنفسها."
​قبل أن تتحدث سعاد، تقدمت رنيا بثبات وقالت بصوت مصطنع الحنان:
 "صالح بيه.. أنا ورغد اتكلمنا، ورغد هي الأنسب للمهمة دي. رغد قلبها طيب وصبورة جداً، وهي الوحيدة اللي حست بسليم إمبارح وتفاعلت معاه.. أنا هدعمها في كل حاجة، بس هي اللي تقدر تحسسه بالأمان."
​نظر عامر إلى والده وأكّد كلام رنيا بنبرة خبيثة:
 "رنيا معها حق يا بابا.. رغد هادية ومناسبة جداً لظروف سليم الحالية، ومفيش داعي نضغط على حد."
​تأمل صالح رغد بنظرة رجاء خائفة، وسألها بصوت يرتجف:
 "إيه رأيك يا رغد يا بنتي؟ هتساعديني أنقذ ابني؟"
​تذكرت رغد فوراً تلك اللحظة في الظلام.. نظرة عينيه الناعسة المليئة بالضعف والانكسار، وتلك التنهيدة التي خرجت منه عندما لمست جبهته، والشعور الغريب بالمسؤولية والأمان الذي سرى بينهما.
​رفعت رغد رأسها، ونظرت إلى صالح بصلابة ينبعث منها النور، وقالت بهدوء:
 "أنا موافقة يا عمي صالح.. أنا هكون جنبه، وهراعيه بعيني."
​ابتسم صالح بأمل جديد، بينما تبادل عامر ورنيا نظرات الانتصار الخبيثة. لم يكونا يعلمان أن دخضول "رغد" إلى حياة سليم لن يكون مجرد استسلام.. بل بداية الثورة التي ستقتلع شياطين القصر من جذورها!
تري ماذا ستفعل رغد امام هذا الشر كله 
هل ستنجح ام سيظل سليم تحت رحمه هؤلاء الشياطين 


تعليقات