رواية نوح التربي الفصل الأول 1 بقلم محمود الأمين

 


رواية نوح التربي الفصل الأول بقلم محمود الأمين 


الفقر مش عيب، بس في ناس مقتنعة إنه عيب، واللي مقتنع ده هتلاقيه بيعمل أي حاجة عشان بس يداري عليه، ولو سألت واحد منهم هيقولك الجوع كافر، ولو قربت منه هتلاقيه بيشتغل عادي بس هو مش راضي بحاله، وهتلاقيه دايمًا مش عاجباه عيشته وبيفكر إزاي ممكن يغير حياته للأحسن حتى لو كان التغيير ده على حساب أذى الناس.
...
خلص نوح دفن الجثة ورجع على البيت، بس المرة دي كان عارف إنه هيرجع مش هيلاقيها، مش هتقوله كسبت كام النهارده وخسرت كام؟
خلاص، المكسب كله ليه، كان بيفكر هيعمل إيه بكل الفلوس اللي معاه دي، يسيب شغلانة التربي ويبعد عن المكان خالص، ولا يكمل ويكسب أكتر؟
دخل نوح البيت ورمى جسمه على السرير وراح في سابع نومه، لكن فجأة صحي على صوت هو عارفه كويس، ده صوت مراته وكانت بتقوله:
_ بقى كده يا نوح، تنام من غير ما نقسم؟
فتح نوح عينيه وهو مش مصدق نفسه، ولما بص على شكلها صرخ من البشاعة، وشها كان مليان نمل بيأكل في كل حتة في جسمها، حاول يتحرك بس جسمه كان لازق في السرير، وفي اللحظة دي سمع نوح صوت جاي من بره، كان آخر صوت متوقع إنه يسمعه.. كان صوت
...
#نوح_التربي

#الجزء_الأول

النهارده هو أول يوم ليا في المستشفى، في الحقيقة إني مبسوط، شغل جديد وشغف جديد، والطب النفسي بالنسبالي مش مجرد شغلانة، دي حاجة أنا بحبها من زمان وحبيت دراستها، والنهارده بقيت الدكتور يوسف منصور دكتور الأمراض النفسية، فوقت من سرحاني وكلامي مع نفسي على صوت مريض بيزعق بصوت عالي، خرجت من المكتب في اتجاه الصوت، لكن لقيت الصوت كان خارج من غرفة العزل.
وهناك لقيت الدكتور إبراهيم، وده صديق ليا في المستشفى، فسألته:
_ هو المريض اللي جوه ده بيزعق ليه؟
= هو كده على طول، دي حاجة طبيعية.
..
وقبل ما أرد عليه سمعت المريض اللي جوه بينادي على واحدة اسمها نوسة وبيقولها:
: ما تسيبيني في حالي بقى يا نوسة، هو انتي هتفضلي ورايا ورايا في كل حتة؟
..
بصيت للدكتور وسألته:
_ هو المريض اللي جوه ده بيكلم مين؟.. ومين نوسة دي؟
= لا مش بيكلم حد، ما فيش حد معاه جوه، ونوسة دي تبقى مراته.
_ طيب هي متعودة تزوره يعني؟
= تزور مين؟.. نوسة مراته دي ميتة أصلًا، وهو بيحلف إنه بيشوفها.
_ عنده هلاوس يعني؟
= مش بالظبط، بس لو عندك فضول تعرف حكاية نوح أنا هبعتلك حد في المكتب يحكيلك، ارجع بس انت على مكتبك وعشر دقايق وهتلاقي عمك نعيم جاي يحكيلك كل حاجة.
_ مين نعيم؟
= ده اللي ماسك الكافتيريا هنا، وبسم الله ما شاء الله تحس إنك بتتعامل مع السجل المدني، عارف كل واحد هنا في المستشفى وأكيد هيكون سمع عنك.
_ طيب ابعتهولي يحكيلي حكاية نوح.
...
رجعت على مكتبي، وبعد ربع ساعة بالظبط خبط باب المكتب ودخل منه نعيم، كان راجل كبير في السن ملامحه مريحة ولابس نضارة نظر.
قرب مني ومد إيده عشان يسلم عليا، وبعد السلامات قعد الأستاذ نعيم قدامي وقال:
_ قبل ما أتكلم عاوزك تعرف إن الفضول قتل صاحبه، وأنا مش عايز الفضول يقتلك تجاه أي مريض في المستشفى، انت دكتور وكده كده هتعرف حكاية المريض، ولكن الموضوع محتاج صبر، بس أنا مش جاي عشان أقولك الكلام ده، أنا جاي عشان الدكتور إبراهيم طلب مني أحكيلك حكاية نوح التربي، نوح بقاله هنا سبع سنين، وأقدر أقولك إنه هيقضي بقية عمره هنا.
أصل اللي عمله ما كانش هين، ولا يعدي بالساهل.
الحكاية بدأت مع تربي زيه زي أي تربي في الدنيا، معاه حتة أوضة محندقة وعلى القد قصاد الترب، بس نوح ما كانش عايش لوحده، كان عايش مع مراته نوسة، أقدر أقولك إنها ست أعوذ بالله منها، ست قادرة ما حدش بيقدر عليها، حتى نوح كان بيخاف منها، وكل يوم كانت تقطمه بالكلام.
....
_ انت رجعت يا سبع البرومبة؟
= عاوزة إيه يا نوسة؟.. ما تسيبيني في حالي عاوز أنام شوية، تعبان.
_ تعبان من إيه؟... انت ليه محسسني إن انت بتهد الدنيا قبل ما بتيجي؟ وبعدين أنا عاوزة فلوس، إحنا لينا 3 أيام بناكل فول وأنا زهقت، عاوزين نغير.
= مش معايا فلوس يا نوسة.
_ تتصرف يا حبيبي زي ما أي راجل بيتصرف، أمال انت متجوزني ليه بلا خيبة؟ طالما مش هتعرف تصرف عليا، ما كنتش جيت خدتني من بيت أهلي.
= يا ديني على الاسطوانة بتاعت كل يوم، أنا هسيبلك البيت وأخرج عشان أنا جايب آخري.
....
خرج نوح من البيت وهو مخنوق وقرفان من كلام نوسة اللي بقت منغصة عليه عيشته، لكن وهو ماشي وسط الترب لمح حد واقف بكشاف من بعيد، وسأل نفسه هو مين اللي واقف هناك ده؟
قرب نوح بالراحة عشان ما حدش يحس بيه ويهرب، ولما وصل لقى واحد كان مثبت كشاف في الأرض وبيحفر.
الراجل أول ما شاف نوح اتكلم وقال:
_ طبعًا انت فاكرني هقوم أجري مش كده؟
= انت مين يا جدع انت؟ وإيه اللي انت بتعمله ده؟ انت مش عارف إن الأموات ليها حرمة؟
_ انت ما تعرفش أنا مين، بس أنا عارفك كويس يا نوح، عارف الأموات ليها حرمة، بس أنا هاخد اللي أنا عاوزه سواء انت وافقت أو رفضت.
= طيب ما أنا ممكن أبلغ عنك؟
_ تبلغ عني وتخسر كل الخير اللي جايلك يا نوح؟
= خير إيه ده اللي هيجيلي من ورا نبش المقابر؟
_ أنا مش نباش، أنا جيت هنا عشانك يا نوح.. عاوزك في شغلانة، لو وافقت هتتفتحلك طاقة القدر، الفلوس هتكون معاك زي الرز، ولو رفضت هتفضل في الفقر طول عمرك.
= وإيه الشغلانة اللي انت عاوزني فيها؟
_ افتح القبر ده يا نوح وأنا هقولك تعمل إيه بالظبط.
= حاضر.
....
فتح نوح القبر وهو حاسس إنه متخدر، وخرج الراجل ده من جيبه حاجة قماش وطلب من نوح إنه يحط القماشة دي في بوق جثة.
وطبعًا نوح كان عارف إن القماشة دي عمل، فأتكلم وقال:
_ لا إحنا ما اتفقناش على كده.
= وإيه اللي إحنا اتفقنا عليه أصلًا يا نوح؟ وبعدين أنا جاي لتربي أطلب منه خدمة قصاد فلوس كتير، تفتكر الخدمة دي هتكون إيه؟ هيكتبلي علاج مثلًا؟
= بس..
_ نوح نفذ اللي قلتلك عليه، وبعدين هتضيع على نفسك 20 ألف جنيه عشان التردد ده؟
...
أول ما نوح سمع المبلغ كان هيتجنن، واتكلم وقال:
= هات القماشة.
وفعلًا، حط القماشة في بوق الجثة، وخرج بعدها والراجل إداله الفلوس، نوح مكانش مصدق نفسه، هو فعلًا ماسك المبلغ ده في إيده، الراجل قاله إنه هيرجعله تاني وإن دي مش هتكون آخر شغلانة.
رجع نوح على البيت وما عرفش مراته حاجة، وهي كانت نامت، رمى جسمه على السرير هو كمان وراح في سابع نومه.. وتاني يوم لقى تليفونه بيرن برقم غريب، ولما فتح اكتشف إنه هو نفس الراجل اللي قابله امبارح.. طلب من نوح إنهم لازم يتقابلوا بعيد عن المقابر.
وفعلًا نوح ما كدبش خبر، راح للراجل في العنوان اللي حدده عشان يكتشف نوح إن الراجل ده ما إلا دجال، وده باين من شكل البيت اللي دخله، واتكلم الراجل مع نوح وقال:
_ أظن إنك عرفت دلوقتي يا نوح انت بتتعامل مع مين؟ حتى لو ما تعرفش اسمي، خليني أقولك إن إحنا هنشتغل مع بعض كتير، وهتكسب فلوس كتير بس تنفذ اللي بقولك عليه من غير اعتراض، فاهم؟
= فاهم.
...
وبعد كلام كتير ما بينهم، رجع نوح البيت، ولقي نوسة مستنياه، وكان باين عليها العصبية، كانت ماسكة في إيدها الفلوس اللي سابها نوح بغبائه في الدولاب، واتكلمت وقالت:
_ إيه الفلوس دي كلها يا راجل، جبتهم منين؟
= انتي بتفتشي ورايا يا نوسة؟
_ أنا مفتشتش وراك، بس ربنا أراد إنه يكشفك قدامي، بقى معاك كل الفلوس دي وحارمني من العيشة يا راجل، حرام عليك.
= دي فلوس شغلانة اشتغلتها امبارح.
_ شغلانة! انت فاكرني عبيطة ولا مضروبة على قفايا؟ شغلانة إيه يا أخويا اللي في الترب وتكسب كل الفلوس دي؟ ولو كلامك صح يبقى أكيد شغلانة شمال.
= انتي عاوزة إيه يا نوسة؟
_ طالما اتعصبت كده يبقى أنا كلامي مظبوط، وأنا مش هقولك حرام وحلال عشان الحرام اللي بجد العيشة اللي إحنا عايشنها، لكن هقولك الفلوس دي هتتقسم ما بينا، وإلا...
= وإلا إيه؟ هتبلغي عني؟
_ والله وقتها مش عارفة هتصرف إزاي؟.. اسمع الكلام وقسم الفلوس ما بينا، وأنا مستعدة كمان أساعدك في الشغلانة.
...
سكت نوح، بس مش عشان هو عاجز عن الرد، سكت عشان شاف ورا نوسة على السرير حاجة كانت مفزعة بالنسباله، جه يتكلم لسانه اتعقد، حتى حركته اتشلت، وخصوصًا لما الجثة اللي على السرير قامت، قعدت وكانت بتشد القماشة اللي على وشها وبتصرخ، لكن...


تعليقات