رواية جثة حنان الفصل الأول بقلم محمود الأمين
أنا المقدم رفعت مختار، رئيس مباحث، كنت قاعد في مكتبي بخلص شوية شغل ورايا. وفي الوقت ده وصل بلاغ من راجل في أوائل الأربعينات من عمره، إن بنته حنان متغيبة عن البيت بقالها خمس ساعات، وإنها بتشتغل في شركة، والمفروض إن ساعات العمل الرسمية خلصت. ولما كلم صاحبتها اللي اسمها ياسمين، قالت إنها خرجت معاهم من الشغل، وقالت إنها مروحة. وفي الوضع القانوني، المفروض الراجل هيستنى 24 ساعة لحد ما يقدر يعمل محضر، ولكن شكل الراجل وخوفه على بنته خلاني عملتله المحضر في نفس الوقت.
وبدأت أتكلم معاه:
_ قولي يا أستاذ توفيق، بنت حضرتك عندها كام سنة؟ وهل كان في مشاكل ما بينها وما بين حد؟
= عندها 26 سنة، وعلاقتها بالكل كانت كويسة. دي حتى لسه مخطوبة من شهرين بس، وخطيبها اسمه عماد. وأنا كلمته وسألته عليها، وقال إنه آخر مرة كلمها بعد الشغل على طول.
_ طيب، وخطيبها ده فين؟! معقول مجاش معاك يعمل بلاغ التغيب؟
= لا، هو كان هيجي معايا لو كان موجود، بس للأسف هو حاليًا في إسكندرية بسبب شغل متأخر معاه، والمفروض إنه هيرجع النهارده العصر، وأكيد هيجي لحضرتك لما يرجع.
_ طيب يا أستاذ توفيق، إحنا هنحتاج صورة لبنتك، عشان نعرف نوصلها بشكل أسرع، وإن شاء الله تكون بخير وتطمن عليها.
...
مشي الأستاذ توفيق من عندي، ولكن بعد 24 ساعة بيوصل بلاغ عن جثة مرمية في طريق مهجور. اللي قدم البلاغ كان واحد ماسك استراحة على الطريق، والطريق ده كان طريق مصر إسكندرية الصحراوي.
الإشارة وصلت عندنا لأن الجثة فيها نفس الأوصاف اللي كانت موجودة في المحضر اللي عمله الأستاذ توفيق على تغيب بنته؛ بنت في العشرينات من عمرها، وكانت لابسة نفس اللبس اللي ذكره الأستاذ توفيق.
اتحركنا على هناك أنا والرائد عبد الرحمن سليم، ومعانا قوة من رجال الشرطة. ولما وصلنا هناك لقينا جثة لبنت في منتصف العشرينات، وكانت هي فعلًا بنت الأستاذ توفيق، حنان... هي البنت اللي في الصورة اللي معايا.
كان في جرح كبير في راس البنت، ده غير الكدمات اللي موجودة في الوش، واللي واضح إن القاتل، قبل ما يخلص عليها، كان بيضربها. ولكن لفت نظري إن الأستاذ توفيق قال في البلاغ إن خطيبها في إسكندرية، وإن الجثة موجودة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي... ودي مجرد دردشة داخلية ما بيني وما بين نفسي، ومش معنى كده إن خطيبها هو اللي قتلها.
في الوقت ده قربت من الشخص اللي بلغ، وعرفت إن اسمه موسى، وقولتله:
_ إنت اللي شوفت الجثة، مش كده؟
= أيوه يا باشا، أنا شغال في الاستراحة هنا، ولا مؤاخذة يعني كنت عايز أعمل زي الناس، بس الحمام كان مشغول، فقولت أروح ورا الاستراحة، وكده كده الدنيا صحرا. بس في الوقت ده لمحتها، كنت فاكر إنها مغمى عليها، ولكن لما قربت منها عرفت إنها مقتولة، وعشان كده بلغت.
_ طيب، بما إنك شغال في الاستراحة، مشوفتش صاحبة الجثة دي قبل ما تتقتل؟ أو شوفت حد معاها؟
= الشهادة لله لا، أنا أول مرة أشوفها كانت دلوقتي، ومعرفش مين اللي عمل فيها كده.
...
في الوقت ده وصل وكيل النيابة منصور عبد العظيم، ومعاه فريق من الطب الشرعي والمعمل الجنائي. وطبعًا كان واضح إن ده مش مسرح الجريمة.
بدأ دكتور الطب الشرعي في فحص الجثة، ورجالة المعمل الجنائي في فحص المكان حوالين الجثة.
وفي الوقت ده لاحظ واحد من رجالة المعمل الجنائي إن في إزاز مكسور جنب الجثة، وده اللي خلى وكيل النيابة يقرب ويتفحصه، واتكلم وقال:
_ تقريبًا كده ده إزاز نظارة اتكسر هنا. ممكن المجني عليها كانت بتقاوم القاتل وكسرت نضارته، وجايز تكون وقعت منه وهو بيرمي الجثة.
= وممكن يكون يا فندم الإزاز ده مش تبع الجريمة أساسًا، وكان موجود من البداية.
_ كل شيء وارد، وأكيد كل حاجة هتبان مع التحريات والتحقيقات.
...
وبعدها اتكلم دكتور الطب الشرعي وقال:
_ من الفحص المبدئي، البنت ماتت نتيجة لكسر مضاعف في الجمجمة، نتيجة الضرب على الرأس بآلة حادة، ده بجانب الكدمات والجروح اللي موجودة في الوش والإيدين، واللي بتبين إن الجاني ضربها في البداية قبل ما يخلص عليها.
ده كل اللي ظاهر في الفحص المبدئي، وأكيد هوفي حضراتكم بتقرير بعد انتهاء التشريح.
= تمام يا دكتور، في الانتظار.
...
وبعدها تمت الإجراءات العادية من نقل الجثة للمشرحة، وجمع الأحراز اللي كانت موجودة في مكان تواجد الجثة.
وبعدها طبعًا اتواصلنا مع الأستاذ توفيق، اللي جه وشاف بنته في المشرحة، وكان هيموت وهو شايف بنته قدام عينيه جثة جوه تلاجة. انهار، وفضل يعيط، وكنا بنحاول نهديه.
وفي نفس الوقت، الرائد عبد الرحمن سليم كان بدأ التحريات عن المجني عليها عشان نعرف كل حاجة عنها، وكنت منتظر رجوع خطيبها، اللي اسمه عماد، عشان نحقق معاه، جايز يكون يعرف حاجة ويفيدنا في التحقيق.
وبعد 24 ساعة ظهرت التحريات، واتكلم الرائد عبد الرحمن سليم وقال:
_ حنان توفيق عبد الدايم عندها 26 سنة، وكانت بتشتغل في شركة أدوية، مخطوبة حاليًا لشاب اسمه عماد، عنده 30 سنة، وبيشتغل مهندس معماري.
حنان عايشة مع والدها، ووالدتها اتوفت من زمان، وهي وحيدة أبوها.
هي كانت مش بتاعة مشاكل، ولكن المشتبه فيهم، واللي ممكن يكونوا ورا الجريمة اللي حصلت، وده على حسب التحريات، هما اتنين.
الأول اسمه حسام، وده كان خطيب حنان الأول، وكان بيحبها حب مرضي، لدرجة إنهم لما فسخوا الخطوبة حاول ينتحر، وأهله عرضوه على دكتور نفسي، ولكن التحريات بتقول إنه تحسن ورجع يمارس حياته عادي.
الشخص التاني هو ابن عمها منعم، واللي كان بيحبها وعاوز يتجوزها. ابن عمها ده متشدد، وعنده أفكار صعبة، وليه مشتبه فيه؛ عشان قبل ما حنان تتخطب لعماد وصلها قبل كده بعربيته لحد باب البيت، ومنعم ساعتها شافها وهي نازلة من العربية، وحرفيًا كان هيمد إيده عليها في الشارع. ولما هي اتخطبت لعماد هددها وقال: يا إما تكوني ليا، يا إما مش هسيبك تكوني لحد تاني.
وعلى فكرة يا باشا، قبل ما أقفل ملف التحريات، لازم تعرف إن والد حنان نفسه، الأستاذ توفيق، برضه كان راجل متشدد أوي، وميفرقش حاجة عن ابن عمها.
...
كنت خلاص هبعت ملف التحريات للنيابة، ولكن في الوقت ده اتصل بيا وكيل النيابة منصور عبد العظيم، واتكلم وقال:
_ خلصت التحريات يا رفعت باشا؟
= آه يا باشا، خلاص التحريات خلصت. هو حضرتك متصل تسأل عليها، ولا في سبب تاني؟!
_ في الحقيقة أنا قدامي تقرير الطب الشرعي، ومش عارف حضرتك هتستقبل الصدمة دي إزاي؟! بس هل التحريات أثبتت إن حنان كانت في علاقة شرعية مع حد، أو متجوزة يعني قبل كده؟
= لا، حنان كانت مخطوبة في الأول والموضوع متمش، وبعدها اتخطبت لعماد. بس حضرتك بتقول كده ليه؟!
_ تقرير الطب الشرعي بيقول إن حنان مش بنت بنوت، ودي الحاجة اللي أظن الجريمة اتبنت عليها.
= يا نهار أسود... ده لو أبوها عرف الموضوع ده، هيطّب ساكت. طيب يا باشا، أنا هبعتلك ملف التحريات عشان نبدأ التحقيق مع المشتبه فيهم.
...
كان المفروض، وعلى حسب كلام والد المجني عليها، إن خطيبها عماد رجع، ولكن لحد دلوقتي مظهرش. فكلمت وكيل النيابة تاني عشان يعمله استدعاء، وفات ميعاد الاستدعاء وعماد مظهرش، وده اللي خلى وكيل النيابة يطلع إذن ضبط وإحضار لعماد عشان نعرف سبب تغيبه إيه؟!
وصلت قدام العمارة، وقابلت البواب، وسألته عن الأستاذ عماد، وأكد البواب إنه رجع من إسكندرية فعلًا، وإنه ساكن في الدور الرابع.
طلعنا على السلم عشان الأسانسير كان عطلان، وخبطنا على الباب، ولكن محدش فتح. مش عارف ليه حسيت إن الجو مريب شوية، وده اللي خلاني أطلب من واحد من رجالتي إنه يفتح الباب من غير ما يكسره، وعمل كده فعلًا.
وأول ما دخلنا اتصدمت لما لقيت آلة حادة عليها دم ناشف على الأرض، ومن الواضح إن ده سلاح الجريمة المستخدم في قتل حنان توفيق.
حطيت إيدي على سلاحي، ومشيت ناحية أوضة النوم اللي كانت مقفولة، وفتحتها... ووقتها لقيت...
