رواية اسيرة كبير الأحفاد الفصل الأول بقلم هاجر سلامه
َ
كانت شمس الصعيد تميل نحو المغيب، لتلقي بظلالها الدافئة الكئيبة على جدران قصر "الحاج عبد الرحيم".
الحزن لم يبرح الدار بعد؛ فرائحة الفراق ما زالت عالقة بالزوايا بعد مرور أيام قليلة على وفاة زوجة ابنه "صالح".
في المندرة الواسعة، حيث تفوح رائحة القهوة السادة، انطلقت الشرارة الأولى لمعركة ستغير مصير العائلة بأكملها."أنا قولت كلمتي وخلاص عاد! همّام لـ لِيال، وكتب الكتاب أول ما تخلص أربعين أمها، والحديث ماسامعش فيه مراجعة واصل!"
الجماميع في المندرة لجمت، ومفيش غير صوت ضحكة مكتومة طلعت من رسمية العانس وهي بتعدل شالها وتبص لصالح أبو ليال بشماتة:"أهو ده الحِكم الصح يا بوي.. البت لساتها واصلة من بلاد برة بلبس ماسخ ومقصف، والخلج برة عمالة تتوشوش على لحم عيلتنا، وهمّام هو اللي هيربيها ويدلها على الأصول."
صالح وقف وطوله اتهز من الحزن على مراته اللي ما..تت من يومين ومن القهر على بنته، وزعق وصوته مخنوق بالدموع:"جرى إيه يا رسمية؟! بنتي أشرف من الشرف وشطارتها وعلامها هما اللي سفروها! وأنت يا حاج.. البت لساتها بتبكي على أمها، تقوم تكسر بخاطرها وتجوزها غصب لعيل عمها؟!"
الحاج عبد الرحيم ضرب الأرض بعصايته الأبنوس ضربة دوت في الحيطان، وعينه طلعت شرار:"إكتم يا صالح! أنا خابر مصلحة العيلة زين، والبت دي لو فضلت بدماغها الناشفة دي هتجيب رقبتنا الأرض، وأنا أهم ما عليا سمعتي وشرفي في البلد.. قولت همّام يعني همّام!"
همّام كان قاعد على الكنبة العربي، عروق رقبة بارزة وعينه اسودت من الغل.
هو لساته بينزف من جوة بعد ما شذى بنت خالته سابته واتخطبت لغيره، وعزة نفسه وصعايدته قايدة نار.
وقف بطوله الفارع، وبص لجده وعقله هيطير:"كيف ده يا جدي؟! لِيال كيف أختي الصغار، وكمان واه.. أنت خابر زين إني مش طايق الحريم عاد، والبت دي عاشت برة ودماغها ألعن من الحجر، مش هتنفعني ولا هصونها بالشكل ده! جواز الغصب ده مش هيجيب واصل فايدة!"
العم منصور فرك ايديه بخبث ومال على الحاج عبد الرحيم:"شايف يا بوي؟ همّام خايف منيها ومستكبر على بت عمه، بس البت دي لو ممسكهاش راجل شديد كيف همّام، بكرا تلم هدومها وترجع لبلاد الترك وتفضحنا وسط المراكز."
الجد بصلهم كلهم بنظرة خلت الكل يتكتم، وبص لهمّام بالذات وقال بقسوة:"كلمتي سيف على رقبتك يا ولد عامر الجوازة دي هتم، واللي هيقف عاد قصادي ملوش عيش في الدار دي ولا هيرث مليم واحد من طين عبد الرحيم!"
همّام اتنفس بسرعة، وقفل قبضته جامد لحد ما عضم ايده ابيض، وبص للأرض وقال بنبرة تقطر قساوة:"ماشي يا جدي.. طالما ده أمرك، هعلمها كيف تكون بنت صعيد وتنسى أيام تركيا والتربية المايعة، بس متلومنيش عاد على اللي هعمله فيها!"
انفض المجلس الثقيل، وظلت جدران المندرة تشهد على مصير فتاة لم تستيقظ بعد من صدمة رحيل والدتها
وفي الممر المؤدي إلى الحريم، كانت "صفاء" وابنتها "فهيمة" الواقفة بدموع حارقة، تستمعان لكل كلمة تملّك الغل من قلب الفتاة التي رفضت كل خطّابها من أجل ابن عمها همّام
نظرت لأمها وقالت بهسيس أفعى:"شوفتي يا مّاي؟ هياخدوها منه؟ البت المايعة دي هتاخد همّام مني؟ أنا مش هسكت واصل، والله ما هخليها تتهنى بيه واصل!"
ردت الأم بخبث وغل موروث:"اصبري يا بتي.. الجوازة دي هتبقى جحيم عليها، والجد مش طايق عمايلها، وإحنا هنولع النار أكتر لحد ما يرميها برة القصر وترجعلك أنتِ."
وفي الطابق العلوي، كانت "لِيال" تجلس بثوبها الأسود، تعانق ركبتيها وتبكي بحرقة في غرفتها المظلمة. كانت تتأمل شهادتها الجامعية في الهندسة، وتتذكر شوارع إسطنبول وأحلامها التي تبخرت في لحظة
لم تكن تدري أن هناك قيداً غليظاً يُصنع لها في الأسفل، قيدٌ سيربط مصيرها بهمام؛ الرجل الصعيدي الشرس الذي يرى فيها مجرد تمرد يجب كبحه، بينما ترى فيه هي السجن الذي حاربت طوال حياتها للهروب منه
دلفت عمتها "رسمية" إلى الغرفة دون استئذان، وعلى وجهها ابتسامة نصر صفراء كشفت عن نواياها الخبيثة
نظرت إلى ملابس ليال المعلقة، وتلك الفساتين التي اعتبرتها العائلة خروجاً عن العادات، ثم تقدمت بضع خطوات وقالت بنبرة حادة تخلو من أي رحمة أو مواساة:"بقولك إيه يا بت صالح، كفاياكي عاد نواح وبكا، البكا مش هيرجع اللي مات، والحي أبقى من الميت. جدي الحاج عبد الرحيم جاب الناهية تحت في المندرة، وكتب كتابك على همّام ولد عمك الكبير أول ما الأربعين تعدي. واه.. وشك اتقلب ليه إكده؟ ده أنتِ تطولي همّام سيد رجالة البندر والصعيد؟!"
انتفضت ليال من مكانها كمن مستها صعقة كهربائية، وتراجعت خطوتين إلى الخلف، وعيناها المتسعتان بذهول وجنون تحدقان في عمتها تلاشت غيوم الدموع وحل محلها غضب عارم لم تستطع كبته، فصرخت بصوت متحشرج:"جواز إيه؟! أنتوا اتجننتوا خلاص؟! أمي لسه ميتة بقالها يومين، وجايين تفكروا في الجواز والبيت؟ وبعدين أنا مش هتحوز همّام ولا هتحوز أي حد هنا! أنا رجعت عشان أمي وبس، ومش هقعد في البلد دي يوم واحد زيادة بعد ما حاجتي تخلص! أنا مهندسة، وعندي حياتي ومستقبلي بره، مش هسيب كل ده عشان أتجوز واحد جاهل ومعقد شايف الستات مجرد جاري!"
في تلك اللحظة بالذات، كان همّام يمر بالممر العلوي متوجهاً إلى غرفته والشرر يتطاير من عينيه، فاستوقفه صوت ليال المرتفع وهي تصرخ وتصفه بالجهل والتعقيد
تجمدت خطواته، وتحولت ملامحه الشرسة إلى قناع من الغضب الجحيمي. دفع باب الغرفة بقوة هائلة ارتطمت بالجدار، ودخل بخطوات واسعة مرعبة جعلت عمتها رسمية تتراجع للخلف بابتسامة خبيثة راضية عما سيحدث.وقف همّام بطوله الفارع وعرض منكبيه أمام ليال، ونزل بنظراته الحادة كالسيف ليخترق عينيها، ثم أمسك بذراعها بقبضة حديدية عصرت عظامها، وضغط عليها بقسوة وهو يزأر بصوت رجولي منخفض لكنه كان كفيلاً باهتزاز جدران الغرفة:"مين ده اللي جاهل ومعقد يا بت صالح؟! الزمي حدودك زين واعرفي بتتكلمي مع مين! أنا همّام ولد عامر، اللي رجالة الصعيد كلها بتعمل لحسابه ألف حساب، وتيجي حتة بت مايعة زيك نزلت من بلاد برة بلبس عريان تقولي عليا الكلام ده؟! اسمعي زين وعي الكلام اللي هقولهولك.. أنا مش طايق جِنتك، ولا كنت حلم بيكِ واصل، وضمك لبيتي ده أمر جدي عشان يستر المياعة اللي جيباها معاكِ من بلاد الترك، وعشان مصلحة اسم العيلة اللي هتدوسيه بدماغك الناشفة!"
حاولت ليال جاهدة نزع ذراعها من بين أصابعه القوية، لكنها كانت كالمقيدة بالأصفاد لم تستسلم، بل رفعت رأسها بتحدٍّ وعناد أذهله، وقالت بصوت يرتجف من القهر والغل:"سيب إيدي! إنت فاكر نفسك مين عشان تتحكم فيا؟! أنا بكرهك.. بكرهك وبكره طريقتكم المتخلفة دي! أنا مش هكون ليك، ولا هتقدر تكسرني يا همّام! أنا بحب واحد تاني.. بحب زميلي اللي كان معايا في الكلية في تركيا، وهو ده الراجل اللي بجد، مش إنت ولا تفكيرك ده!"
نزل تصريحها كالصاعقة التي أشعلت نيران الصعيد في عروق همام. الكلمة كانت طعنة لكبريائه الصعيدي، رجل في قصر والده وجده يُقال له إن امرأته المستقبيلة تحب رجلاً آخر! اشتدت قبضته على ذراعها حتى كادت تصرخ ألما، واقترب وجهه من وجهها حتى شعرت بأنفاسه الحارقة، وقال بنبرة تقطر دماً وقسوة:
بتحبي مين يا بت؟! الحديث ده لو طلع من بوقك واصل برة الأوضة دي، هقبرك مكاّنك وهيكون دمك حلال! أنتو عشتوا برة ونسيتوا الأصول والشرف، بس أنا هنا همّام، والكلمة دي هتدفنيها في قلبك ومتطلعش تاني واصل! الجوازة دي هتم، وهتكوني في بيتي، وهربيكِ من أول وجديد لحد ما تعرفي كيف تنطقي اسمي بأدب!"
دفعها بقوة لتسقط على فراشها، ثم التفت وخرج من الغرفة ضارباً الباب خلفه بعنف، تاركاً إياها في حالة من الانهيار التام
بكت ليال بحرقة، ليست ندمأ، بل قهراً وعجزاً أمام هذا المارد الذي يريد سلبها حريتها
مرت الأيام ثقيلة كالجبال على قصر عبد الرحيم، وانتهت أيام العزاء والـأربعين وسط أجواء مشحونة بالترقب والخبايا
كانت "فهيمة" وأمها "صفاء" لا تتركان فرصة إلا وتدسّان السم للحاج عبد الرحيم عن ملابس ليال وطريقتها، بينما كان "منصور" والعم الآخر يغذيان غضب الجد لضمان إتمام الزيجة كنوع من كسر شوكة أخيهم "صالح" وابنته المتمردة.في الليلة التي سبقت موعد عقد القران، حسمت ليال أمرها
لم تكن لتستسلم لهذا المصير المظلم رتبت حقيبة صغيرة بملابسها الأساسية، وجمعت أوراقها الرسمية وجواز سفرها التركي والمصري، وانتظرت حتى هدأ القصر تماماً وغرق الجميع في النوم عند منتصف الليل
تسللت ليال بخطوات قطة حذرة عبر السلالم الخلفية للقصر، ونبضات قلبها تكاد تسمع من فرط الرعب. كانت الأضواء خافتة، والهواء البارد يلف جسدها
نجحت في الوصول إلى الباب الجانبي المؤدي إلى الحديقة الكبيرة، وفتحت القفل ببطء شديد دون إحداث أي صوت غادرت عتبة المبنى وشعرت لأول مرة منذ أسابيع بنسمة من الحرية، وبدأت تسرع في خطواتها نحو البوابة الخارجية للقصر مستغلة غياب الحارس الذي اعتاد النوم في هذا الوقت
لكن أحلامها تبددت عند عتبة البوابة الحديدية الضخمة فجأة، انبعث ضوء كشاف قوي من الظلام ليسلط مباشرة على وجهها، مما جعلها تغمض عينيها بذهول ومن خلف الضوء، ظهر ظل فارع مهيب يعرفه قلبها المرتجف جيداً كان همّام، يقف واضعاً يديه في جيبي جلبابه الصعيدي الفاخر، وعيناه تلمعان في الظلام كعيني فهد يتربص بفريسته لم يكن نائماً؛ بل كان يتوقع كل خطوة من خطواتها المتمردة
تقدم نحوها ببطء، والخطوات الثقيلة لمركوبه تصيبها بالرعب، حتى وقف أمامها تماماً
امتدت يده ليمسك بحقيبتها الصغيرة وينتزعها من يدها بقوة، ثم ألقاها على الأرض وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيد الموت:"على فين يا بشمهندسة؟ فاكرة نفسك واقبة في شوارع إسطنبول وهتطلعي في نص الليل والخلج نايمة؟ أنا قولتلك أنا همّام، ومفيش كتكوت يخرج من الدار دي من غير علمي!"
تراجعت ليال خطوة إلى الوراء وصاحت بهلع وغضب:"سيبني في حالي! إنت بتراقبني؟ أنا مش عايزة الجوازة دي، مش عايزة أعيش معاكم! سيبني أمشي وقول لجدي إني هربت، ارتاح مني ومن مشاكلي!"
التقط همّام الحقيبة بيده، وأمسك بذراعها الأخرى بعنف وجرها خلفه نحو مدخل القصر وهو يقول بقسوة وعناد صعيدي لا يلين:"أرتاح منكِ؟ ده بعدك عاد! الهروب ده عار مش هيلحق اسمي ولا اسم أبوكِ، وبكرا كتب كتابك عليا ورجلك فوق رقبتك! والحديث اللي قولتيه عن الواد بتاع تركيا، هحاسبك عليه حساب عسير جوة بيتي وقفل أوضتي.. يلاه قدامي!"
سحبها بقوة وعنف إلى داخل القصر، وأغلق الباب خلفهما، لتبدأ فصول جديدة من معركة العناد والكسر، في ليلة أعلنت رسمياً أن ليال أصبحت أسيرة في مملكة همّام الرواية لا زالت في بدايتها، والحرب الباردة أوشكت أن تشتعل.
