رواية قرية دهموس الفصل الأول بقلم مصطفى محسن
أنا اسمى الدكتور عاطف الجبالى، عندى ٣٨ سنة، عايش فى القاهرة مع مراتى مريم، وعندى على وعلياء توأم، ودول أغلى حاجة فى حياتى. كل همى إنى أوفر لهم مستقبل يضمن لهم حياة كريمة. عشان كده أنا بشتغل ليل ونهار، الصبح فى المستشفى، وبالليل فى العيادة، لحد ما مريم قالتلى: "ليه بتعمل فى نفسك كده يا عاطف؟ إحنا مبقيناش بنلاقى وقت حتى نقعد مع بعض." قولتلها: "حقك عليا، أنا عارف إنى مقصر، بس غصب عنى. لازم أأمن مستقبل على وعلياء، وإنتى عارفة إن أهلنا ماسبولناش حاجة نعتمد عليها." مريم قالت: "الحمد لله، إحنا عايشين مستورين، وإن شاء الله لما يكبروا هيعرفوا يبنوا نفسهم بنفسهم." قولتلها: "شوية تعب منى دلوقتى يريحهم العمر كله." بصتلى وقالت: "طالما شايف ده صح، يبقى ربنا يوفقك."
-
تانى يوم، عاطف راح العيادة، ولما دخل لقى الممرضة سعاد منتظراه عشان تدخل المرضى. عاطف دخل مكتبه وقال: "دخلى أول حالة يا سعاد." ومن أول حالة لتانى حالة، لحد ما خلص الحالات كلهم. بص فى الساعة، لقاها قربت على ١١ بالليل، فنادى على سعاد وقالها: "روحى إنتى، عشان الوقت اتأخر والجو برد." قالتله: "وإنت مش هتروح يا دكتور؟" عاطف قالها: "لسه هكتب شوية أجهزة محتاجها للعيادة." سعاد قالتله: "تمام يا دكتور، عن إذنك." وخرجت. عاطف كان بيكتب مواصفات الأجهزة، ومع الوقت الساعة بقت واحدة بالليل. وفجأة سمع صوت خطوات جاية من الاستقبال. عاطف قام بسرعة ودخل الاستقبال، ملقاش حد، استغرب ورجع مكتبه، ومد إيده عشان يمسك القلم، لكن قبل ما يلمسه فجأة.
-
باب العيادة الخارجى خبط. عاطف اتفزع وقال: مين؟ جاله الرد: "أنا الدكتور محمد يوسف. عاطف فتح الباب وهو بيضحك وقاله: "وقعت قلبى يا محمد، افتكرت حرامى." محمد ضحك وقاله: "يعنى هو الحرامى هيخبط عليك؟ ضحكوا هما الاتنين، ودخلوا المكتب. عاطف قاله: إنت عرفت عنوان عيادتى إزاى؟ محمد قاله: "اللى بيسأل مبيتهوش. عاطف قاله: من يوم ما اتخرجنا وإحنا مبنشوفش بعض. كنت غايب فين الفترة دى كلها؟" محمد قاله: أنا فتحت عيادة فى القاهرة، بس الشغل كان قليل جدًا، لأنى وقتها كنت مبتدئ. فكرت أسيب القاهرة وأروح الصعيد عند عيلتى، وهناك روحت قرية اسمها دهموس." عاطف قاله: "دهموس؟ أول مرة أسمع عنها. محمد قاله: "دى فى أسيوط، قرية، بس كانت وش السعد عليا." عاطف قاله: "إزاى؟ محمد قاله: "بعد سنة واحدة بس من فتح العيادة، الفلوس بدأت تبقى معايا زى الرز. واشتريت عربية، وجبت شقة، وحياتى كلها اتغيرت." عاطف قاله: "إنت بتتكلم بجد؟ كل ده حصل فى سنة واحدة بس؟ محمد قاله: "أيوة، لأنى كنت الدكتور الوحيد فى القرية، وأهلها كلهم كانوا بيتعالجوا عندى، بس خلاص هقفل العيادة." عاطف قاله: "تقفلها ليه؟" محمد قاله: "جانى شغل فى أمريكا، ومسافر خلال كام يوم." عاطف قاله: "ربنا يوفقك إن شاء الله."
-
محمد لاحظ إن عاطف مش مبسوط قاله: "مالك يا عاطف؟ شكلك مش مبسوط." عاطف قاله: "مش هخبى عليك، حاسس إنى بضيع وقت على الفاضى. بقالى سنين بشتغل صبح وليل، ومع ذلك مش عارف أجمع فلوس." محمد قاله: "طيب، عندى فكرة ممكن تغير حياتك كلها. عاطف قاله: "ياريت تلحقنى بيها." محمد قاله: "إيه رأيك تاخد العيادة بتاعتى وهى جاهزة على الشغل، والاستراحة كاملة من كل حاجة، ومش هتحتاج تصرف عليها جنيه. وصدقنى، خلال وقت قصير هتقدر تحقق كل اللى نفسك فيه." عاطف قاله: "الفكرة مغرية، بس إزاى أسيب القاهرة وأسافر الصعيد؟ ده غير إن ممكن مريم مراتى ترفض." محمد قاله: "القرار فى إيدك، بس لازم تفكر بسرعة، لأن طيارتى بعد أسبوع." وطلع كارت من جيبه، وحطه على المكتب، وقاله: "ده رقمى، أول ما تاخد قرارك كلمنى." واستأذن وخرج. عاطف خد الكارت، وحطه فى جيبه، وقفل العيادة، ورجع البيت. أول ما دخل، لقى مريم لسه صاحية. عاطف قالها: "كويس إنك منمتيش، عاوز أكلمك فى موضوع." قعد جنبها، وحكالها عن مقابلة محمد، وعرضه إنه ياخد العيادة بتاعته فى الصعيد. والغريب إن مريم وافقت من غير تردد، وقالت: "يمكن دى تكون الفرصة اللى ربنا بعتها لينا. إنت فى المستشفى الصبح، وبالليل فى العيادة، وإحنا تقريبًا مبنشوفكش. متفكرش كتير، كلمه الصبح وقوله إنك موافق." عاطف قالها: "خلاص، نتوكل على الله."
-
تانى يوم، عاطف اتصل على محمد وقاله: "أنا فكرت، ولقيت العيادة دى فرصة حلوة، وصعب إنها تتكرر." محمد قاله: "قرار ممتاز. هاجيلك النهارده ومعايا العقود." وبالليل، الساعة ١٠، دخلت سعاد المكتب وقالت: "يا دكتور، فى واحد بره اسمه الدكتور محمد." عاطف خرج استقبله، ودخله المكتب. محمد فتح شنطته، وطلع العقود وقاله: "جبت العقود عشان منضيعش وقت. العيادة جاهزة بالكامل، يعنى أول ما توصل تقدر تبدأ شغل على طول." محمد مد إيده واداله العقود، عاطف مضى على العقود، واستلم المفاتيح. محمد قاله: "أنا مسافر بعد خمس أيام. لو عرفت أشوفك قبل السفر، هاجى أودعك." وبعدين سلم على عاطف وخرج.
-
عاطف رجع البيت. أول ما دخل لقى مريم قاعدة فى الصالة. عاطف قالها: "العيادة بقت بتاعتنا." مريم قالت: الحمد لله. عاطف قالها: "كتبنا العقود، وكل حاجة خلصت. مريم قالت: ربنا يجعلها بداية خير علينا. عاطف قالها: من دلوقتى جهزى الشنط، إحنا هنسافر بكرة الصبح. مريم قالت: بسرعة كده؟ عاطف قالها: إنتى متعرفيش أنا متحمس قد إيه. حاسس إن حياتنا كلها هتتغير. تانى يوم الصبح، كانت مريم مجهزة كل حاجة، خرجوا من البيت، وركبوا القطر فى اتجاه أسيوط. طول الطريق، عاطف كان بيقول لنفسه إن سنين التعب أخيرًا هتجيب نتيجتها. بعد ساعات، وصلوا محطة أسيوط، ونزلوا يسألوا على مواصلة تروح قرية دهموس. لقوا ميكروباص، ركبوا، وبعد شوية نزلهم عند الكوبرى. وكان فيه شاب قاعد. عاطف قاله: "فين عيادة الدكتور محمد يوسف؟" الشاب وصفله المكان، وبعد دقايق وصلوا العيادة. دخلوا، لقوا استراحة كبيرة، والعيادة نضيفة وجاهزة من كل حاجة. عاطف كان مبسوط أوى. غيروا هدومهم، ودخلوا يناموا. حوالى الساعة ٢ الفجر، عاطف قام من النوم على صوت ضحك، ولما بص جنبه شاف حاجة مرعبة.
-
