زوج الاربعة بفصول اربعة الفصل الاول
شمس يونيو الحارقة.. وضربة الشلاضيم!
لم يكن اسم "وسيم" مجرد صفة تُكتب في بطاقته الشخصية، بل كان مأساة حقيقية يمشي بها على قدمين! رجل في أوائل الأربعينيات، يملك من الهيبة والوسامة ما يجعله يبدو كأنه خرج للتو من إعلان عطور فرنسية، ولكنه يملك أيضاً عقلاً يقوده دائماً نحو الكوارث بخطى ثابتة ومبتسمة.
عاش وسيم في فيلا واسعة مقسمة بذكاء شديد إلى أربعة أجنحة مستقلة، لكل جناح مدخل خاص وديكور يختلف تماماً عن الآخر. كان يظن أنه بذلك بنى "مملكة السلام النفسي"، ولم يكن يعلم أنه يمتلك أربعة أقاليم مناخية متصارعة تحت سقف واحد!
في تمام الساعة الثامنة صباحاً، في قلب شهر يونيو، كانت درجات الحرارة خارج الفيلا تُسجل 40 درجة مئوية، أما داخل جناح الزوجة الأولى "حبيبة"، فكانت الحرارة قد تجاوزت مرحلة الغليان بكثير!
كان وسيم يقف أمام المرياة في جناحه، يضبط قبة قميصه الكتاني الأبيض، ويضع لمسات من عاطره المفضل، ثم ابتسم لنفسه بالمرآة وقال بنبرة واثقة:
"صباح الخير يا وسيم يا جميل.. يوم جديد، وطاقة إيجابية، وربنا يستر من الفصول الأربعة!"
خرج من غرفته بابتسامة عريضة تتسع لكل من يراها، وتوجه بخطوات واثقة نحو جناح "حبيبة".. "الصيف الحار".
حبيبة هي الزوجة الأولى، العاصفة التي لا تهدأ، والمرأة التي تملك حنجرة تتحدى مكبرات الصوت، ولكنها في نفس الوقت العمود الفقري للبيت. إذا غضبت حبيبة، احترق الأخضر واليابس، وإذا رضيت.. خبزت لك أطعم صينية بسبوسة قد تأكلها في حياتك!
دخل وسيم المطبخ وهو يصفر بلحن قديم، ليجد حبيبة تقف أمام البوتاجاز، تمسك في يدها ملعقة خشبية ضخمة، امام حلة كبيرة من "المحشي" بالرغم من حرارة الجو القاتلة!
تقرب منها وسيم بنعومة، وضغط على كتفها بخفة وهو يقول:
"صباح الفل والياسمين على أحلى صيف في حياتي.. القهوة مظبوطة يا بيبة؟"
التفتت إليه حبيبة بطبقات من الغضب تعلو وجهها، ونظرت إليه من أسفل نظارتها الطبية، ثم رفعت الملعقة الخشبية في وجهه كأنها حارس بوابة يهدده بالسيف!
"قهوة؟! أنت لك عين تطلب قهوة يا وسيم؟ بعد اللي عملته امبارح بالليل؟"
تراجع وسيم خطوتين للخلف، وعصر عينيه يحاول تذكر كارثة الأمس، وقال باضطراب:
"امبارح؟ عملت إيه امبارح يا حبيبتي؟ أنا رجعت البيت الساعة تسعة، وسلمت عليكِ، ودخلت نمت زي الأرنب الوديع!"
ضربت حبيبة الملعقة الخشبية على رخامة المطبخ بصوت أحدث رنيناً مرعباً:
"أرنب؟ بل ثعلب مَكّار يا وسيم! من الذي أخذ علبة الكنافة بالمكسرات التي أرسلتها لي أمي، وذهب بها إلى جناح 'نشوى' بحجة أنه يريد 'تذوق' حلاوتها هناك؟!"
بلع وسيم ريقه بصعوبة، وحاول ابتلاع الموقف بابتسامة بلهاء:
"يا حبيبتي، نشوى كانت تعبانة شوية، وعندها هبوط في السكر، وأنا قلت الكنافة هترفع معنوياتها.. أنتِ قلبك كبير يا بيبة ومش هتزعلي من حتة كنافة!"
قربت حبيبة وجهها منه، وقالت بصوت خفيض ونبرة مليئة بالتهديد:
"الكنافة كانت بالمكسرات يا وسيم.. بالمكسرات ونشوى دي كائن ربيعي بسكوتة، ما تستاهلش حتى حتة بسبوسة بايتة! أنت بتبدّي 'الربيع' عليا أنا؟ أنا اللي شلتك وأنت لسه بتقول يا هادي؟ أنا الصيف اللي بيحرق اللي يفكر ييجي على حقه!"
"يا بيبة يا حبيبتي هدّي اللعب، الجو حر أصلاً ومش ناقص شحنات حرارية!"
فجأة، وسع عينيه وهو يرى حبيبة تترك الملعقة، وتمسك "بالمغرفة" النحاسية العريضة!
"حر؟ أنت لسه شفت حر؟ النهار ده مفيش فطار في الجناح ده يا وسيم! روح افطر عند الخريف اللي قعدالك في الصالة بتندب حظها، أو اروح للشتاء اللي هتجمدك.. يالا بره مطبخي!"
خرج وسيم يركض من جناح حبيبة وهو يمسك صدره ويتنفس بسرعة، كأنه نجا من انفجار بركاني وشيك!
وقف في الصالة الموحدة، ينفض قميصه ويحاول استعادة هيبته، وقال لنفسه وهو يبتسم بقلة حيلة:
"بسيطة.. الصيف دايماً حار ومفاجئ، نروح بقى للهدوء.. نروح لـ 'صفاء'."
تسلل وسيم نحو جناح "صفاء".. "الخريف الجاف".
صفاء هي الزوجة الثانية، امرأة تعيش في دراما كلاسيكية لا تنتهي. ترى الحياة عبارة عن شريط سينمائي أبيض وأسود، وأي حركة من وسيم تعتبرها إشارة لقرب نهاية العالم وتساقط أوراق شجر حبهما!
فتح وسيم باب جناح صفاء بهدوء شديد، ليجد الستائر مغلقة جزئياً، وصوت موسيقى كلاسيكية حزينة ينبعث من المسجل. كانت صفاء تجلس على كرسي هزاز، ترتدي شالاً صوفياً برتقالياً (رغم أن الحرارة في الخارج 40!)، وتمسك بكوب شاي دافئ وتتطلع إلى النافذة بنظرات كسيرة!
اقترب وسيم بخطى خفيفة، وجلس على طرف الكرسي المجاور لها:
"صفصف.. صفاء قلبي، صباح الخير يا جميل."
التفتت إليه صفاء ببطء شديد، وكأن رقبتها تحركت بمحرك قديم، ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع الوهمية:
"جئت يا وسيم؟ جئت بعد أن تساقطت آخر أوراق أملي فيك؟"
تنهد وسيم بقلة صبر، ولكن حاكَم عواطفه بسرعة:
"خير يا صفاء؟ إيه اللي حصل ثاني؟ مين أزعج أوراق أملك؟"
رفعت صفاء يدها المرتجفة وهي تشير إلى باقة ورد جافة على الطاولة:
"رايت هذا الورد؟ كان نضراً بالأمس.. واليوم جف وتجعّد، تماماً مثل مشاعرك نحوي يا وسيم!"
"يا صفاء ده ورد أنا جايبهولك من أسبوعين! طبيعي يجف، هو مخلد؟!"
قامت صفاء من كرسيها ببطء درامي، وشَدت الشال حول كتفيها:
"أسبوعان بالنسبة لك.. ولكن بالنسبة لي دهر كامل من الجفاء! سمعتك وأنت تصارع حبيبة في المطبخ قبل قليل.. صوتكما كان يتردد في أرجاء الفيلا كعاصفة خريفية تعصف بقلبي الرقيق!"
"أنا كنت بتضرب بالمغرفة يا صفاء! فين المصارعة في كده؟ أنا كنت الضحية!"
سقطت دمعة حقيقية من عين صفاء هذه المرة، وقالت بنبرة شجية:
"أنت الضحية؟ بل أنا الضحية التي تتساقط سنوات عمرها بين صيف حبيبة الحارق، وربيع نشوى المدلل! اخرج يا وسيم.. اخرج واتركني ألملم ما تبقى من أوراق ذكرياتنا الباهتة!"
وقف وسيم مذهولاً، ينظر إليها وهي تعود للجلوس على الكرسي الهزاز وتغلق عينيها مع الموسيقى!
خرج من جناحها وهو يهز رأسه ويتمتم:
"يعني لا فطار عند الصيف، ولا عزاء عند الخريف.. القافلة تسير، والبطن تخوي!"
لم يتبقَ أمام وسيم إلا الملاذ القارس.. جناح "تهاني".. "الشتاء الجليدي"!
تهاني هي الزوجة الثالثة. امرأة عملية، صارمة، تتحدث بلغة الأرقام والقرارات السريعة. لا تصرخ كـ حبيبة، ولا تبكي كـ صفاء، بل تستخدم سلاح "الصمت والتجميد". إذا غضبت تهاني، ينخفض مؤشر الحرارة في الغرفة إلى ما تحت الصفر فوراً!
وقف وسيم أمام باب جناح تهاني، وعدّل شعره، وأخذ نفساً عميقاً ثم طرق الباب مرتين.
آتاه الصوت من الداخل، حاداً كالمشرط:
"ادخل يا وسيم."
فتح الباب، ولفحته موجة هواء بارد جداً! كانت تهاني قد ضبطت التكييف على درجة 16 المئوية، وتجلس خلف مكتبها الصغير تراجع بعض الفواتير الحسابية للبيت، وهي ترتدي سترة ثقيلة!
"صباح الخير يا تهاني.. إيه التلج ده يا شيخة؟ أنتِ فتحتي الثلاجة على الأوضة ولا إيه؟"
لم ترفع تهاني عينها عن الفواتير، وقالت بنبرة جافة:
"هذا التكييف مضبوط على درجة حرارة تعاملك معي بالأمس."
ابتلع وسيم ريقه وهو يشعر بالبرد يتدفق إلى عظامه:
"بالأمس؟ هو أنا لحقت أعمل حاجة عندك كمان؟"
وضعت تهاني القلم بجانب الورق، رفعت رأسها ونظرت إليه بنظرة حديدية جعلت وسيم يتمنى لو كان يرتدي معطفاً فروياً:
"تأخرت في الحضور إلى جناحي بالأمس لمدة 14 دقيقة و30 ثانية عن الموعد المحدد في الجدول الدوري لتوزيع الأيام."
"يا تهاني! الطريق كان زحمة وأنا راجع من الشركة، وبعدين 14 دقيقة مش قصة يعني!"
فتحت تهاني دفتر ملاحظات أسود:
"الـ 14 دقيقة في عالم الالتزام تعتبر خيانة للجدول. وبناءً عليه، تم تطبيق العقوبة رقم 4: قطع المحادثات الجانبية، وإلغاء وجبة الافطار المخصصة لك هذا الصباح، مع تجميد مستحقاتك من الابتسامات لمدة 48 ساعة."
شعر وسيم برعشة حقيقية تجتاح جسده، ليس فقط من هواء التكييف، بل من طريقة تهاني العسكرية!
"تجميد الابتسامات؟ يا تهاني اتقي الله، أنا جوزك وسيم!"
قامت تهاني ببرود، وأشارت إلى الباب:
"الحديث انتهى يا وسيم. يرجى إغلاق الباب خلفك لمنع تسرب الهواء البارد."
خرج وسيم يركض وهو يطقطق بأسنانه من شدة البرد والغيظ!
أخيراً.. الملاذ الأخير! "نشوى".. "الربيع المزهر"!
نشوى هي الزوجة الرابعة والأصغر سناً. فتاة مبهجة، تحب الألوان، والعطور، والديكورات الفاقعة، ولكن ربيعها مليء بـ "حساسية الجيب"! كل شيء عندها يتطلب مصاريف، وهدايا، وسفريات.
هرول وسيم إلى جناح نشوى وهو يتضور جوعاً ويرتجف برداً، وما إن فتح الباب حتى استقبلته رائحة العطور الزكية وألوان الأثاث الوردي والأصفر المبهج!
كانت نشوى تقفز في الصالة وهي ترتدي فستاناً مشجراً بالورود وتلتقط صوراً "سيلفي":
"وسيييييم! حبيبي الربيعي المشرق! أهلاً بك في جناحي وورداتي!"
ارتمى وسيم على الأريكة وهو يلهث:
"لحقيني يا نشوى.. الصيف حرقني، والخريف نكد عليا، والشتاء جمدني! أنتِ الأمل الوحيد المتبقي لي النهارده!"
جاءت نشوى وجلست بجانبه بابتسامة عريضة:
"سلامتك يا روحي! طبعاً أنا الربيع، أنا الأمل والبهجة! وعشان كده عملت لك مفاجأة ربيعية تجنن!"
تطلع إليها وسيم ببريق أمل في عينيه:
"عملتيلي فطار؟"
"لأ يا حبيبي! الفطار ده شيء تقليدي.. أنا صممت لك ديكور جديد للفيلا كلها باللون الوردي والأخضر الفستقي، وجبت لك كاتالوج لشركة شحن هتشحن لنا شتلات ورد توليب طبيعي من هولندا عشان نزرعها في الجنينة!"
تجمدت ملامح وسيم، وتبخرت فرحته في ثانية:
"توليب؟ من هولندا؟ يا نشوى أنا الشركة عندي بتمر بضائقة مالية الشكليات دي مش وقتها خالص!"
تحولت ابتسامة نشوى المشرقة في لحظة إلى عبوس شديد، وربعت يديها وقالت بضيق:
"ضائقة مالية؟ في موسم الربيع؟ أنت عاوز تدمر زهور أحلامي يا وسيم؟ يعني الكنافة بالمكسرات بتاعة امبارح كانت مجرد مخدر؟!"
وقف وسيم وهو يضرب كفاً بكف:
"حتى أنتِ يا نشوى؟! هي الكنافة دي كانت مطعمة بمركب جنائي ولا إيه؟! الكل ماسكهالي النهار ده!"
وفجأة.. وبينما وسيم يصرخ في منتصف جناح نشوى، انفتحت أبواب الأجنحة الثلاثة الأخرى في نفس اللحظة!
خرجت حبيبة وهي تمسك بالمغرفة النحاسية، وخرجت صفاء وهي تلف الشال وتبكي، وخرجت تهاني وهي تمسك بجدول العقوبات الأسود!
جميعهن اتجهن نحو الصالة المركزية حيث يقف وسيم ونشوى!
تجمعت الفصول الأربعة في دائرة واحدة حول وسيم.. الصيف بلهيبه، والخريف بدموعه، والشتاء ببروده والربيع بطلباته!
نظر وسيم حوله، وجد نفسه محاصراً من كل الجهات، ابتسم ابتسامة باهتة وقال بنبرة مرتجفة:
"إيه يا جماعة؟ الأرصاد الجوية أعلنت عن إعصار ولا إيه؟"
تقدمت حبيبة خطوة وقال بصوت جهوري:
"بقى أنت بتلف علينا واحد واحد يا وسيم عشان تأكل ورك فرخة هنا وكوباية شاي هناك؟"
وقالت صفاء وهي تمسح عينها:
"وتلعب بمشاعرنا كما تلعب الرياح بأوراق الشجر؟"
وأردفت تهاني ببرود:
"وتمارس الخداع التكتيكي للتهرب من جدول المواعيد؟"
واختتمت نشوى وهي تتضامن معهن:
"ومش عاوز تجيب لي ورد توليب من هولندا؟!"
نظر وسيم إلى السقف، ثم أغمض عينيه وقال بأعلى صوته:
"يا رب ارحمني.. أنا اتجوزت أربعة عشان أعيش في الجنة، لقيت نفسي عايش في حلقة من برنامج 'عالم الحيوان'!"
وفي أقل من ثانية، اتحدت الفصول الأربعة في هجوم درامي كوميدي كاسح، ولم يجد "وسيم" أمامه حلاً سوى أن يركض بقميصه الكتاني الأبيض في حديقة الفيلا، والأربعة يركضن خلفه في منظر لا يُنسى!
وسقط وسيم على العشب وهو يصرخ:
"التوبة يا ناس! التوبة.. التنوع المناخي طلع يهد الحيل وينفخ القلب
