رواية زوج الاربعة بفصول اربعة الفصل الثاني
خطة الإعصار.. والمعاهدة السرية!
مرّت حادثة مطاردة الحديقة بسلام (تقريباً)، بعد أن استطاع وسيم اللجوء إلى غرفته الخاصة المغلقة بأرقام سرية، والتظاهر بـ "أزمة حساسية مفرطة" كادت تقتله ليحرك مشاعرهن!
في اليوم التالي، كانت الشمس تغيب مخلفة وراءها ألواناً أرجوانية في السماء. لكن داخل الفيلا، كانت الأجواء تشهد شيئاً لم يحدث منذ أن وطأت أقدام الزوجات الأربع هذا المنزل: الهدوء التام!
كان وسيم يجلس في الصالة المركزية، يضع كمادات باردة على رأسه، ويمسك بكوب يانسون دافئ، وينظر حوله بشك وريبة.
"الهدوء ده مش طبيعي.. السكوت في البيت ده معناه يا إما فيه مصيبة بتتطبخ، يا إما الأرصاد الجوية بتستعد لإعصار من الدرجة السادسة!"
ولم يكن شكّه في غير محله..
في تلك الأثناء، وفي جناح الزوجة الأولى "حبيبة" (الصيف)، كان هناك اجتماع قمة مغلق لا يحضره إلا السادة رؤساء الفصول!
كانت حبيبة تجلس على رأس الطاولة الكبيرة، وحولها الزوجات الثلاث:
صفاء (الخريف) تجلس واضعة يدها على خدها، تتأمل شمعة محترقة بأسى.
تهاني (الشتاء) تجلس بظهر مستقيم، تمسك بقلم حبر وقدمت أمامها دفتر مخطط بجدول بيانات.
نشوى (الربيع) تتصفح هاتفها وتبحث عن أحدث صيحات الموضة، بينما تبشر بعصير مبهج.
ضربت حبيبة الطاولة بقوة كادت تقلب كوب نشوى:
"اسمعوا مني يا نسوان! وسيم بيستغفلنا! بيلعب على كل واحدة فينا بوجه مختلف. ييجي عندي يعمل فيها الراجل الحامي اللي بيحب الأكل الثقيل والشخصية القوية، ويطلع لصفاء يعمل فيها الشاعر الوجداني، وينزل لتهاني يمثل الملتزم بالإنضباط، ويروح لنشوى يمثل الشاب الرومانسي بتاع التوليب!"
رفعت صفاء رأسها ببطء وقالت بنبرة درامية:
"آه يا حبيبة.. يمتص رحيق شبابنا، ثم يتركنا كأوراق جافة تذروها الرياح في أزقة النسيان!"
تنهدت تهاني بقلة صبر، وقالت وهي تضرب بالقلم على الدفتر:
"دعونا من الاستعارات الشعرية يا صفاء. نحن أمام مشكلة إدارية ومالية. وسيم يوزع الميزانية والعواطف بدون نظام، ويستخدم سياسة 'فرق تسد'. الحل هو تحويل الإدارة إلى نظام 'الكونفدرالية الموحدة'."
عدّلت نشوى جلساتها وقالت بابتسامة:
"يعني إيه يا أبلة تهاني؟ يعني هيدفع لي ثمن رحلة هولندا؟"
نظرت إليها حبيبة بنظرة نارية جعلت نشوى تبتلع باقي عصيرها بصمت، ثم قالت حبيبة:
"يعني من النهاردة، مفيش واحدة فينا هتسلم وسيم أي حاجة أو تديله أمان إلا لما يوافق على 'المعاهدة السرية'!"
فتحت تهاني الورقة وقرأت البنود المبدئية بصوت حاسم:
البند الأول: توحيد ميزانية المطبخ تحت إدارة "الصيف" (حبيبة).
البند الثاني: تخصيص ساعتين يومياً للدراما الشاعرية تحت إشراف "الخريف" (صفاء)، ويُمنع وسيم من الاعتراض.
البند الثالث: تطبيق جدول عقوبات حازم ومقتطع من مصروفه الشخصي تقوده "الشتاء" (تهاني).
البند الرابع: تمويل كافة طلبات الزهور والديكور الخاصة بـ "الربيع" (نشوى) من أرباح شركته فوراً!
تبسمت نشوى وقالت: "أنا موافقة جداً!"
وقالت صفاء: "وأنا أوقع بدموعي.."
أما تهاني فقالت: "تم الاعتماد. ويبقى التنفيذ."
في الصالة الخارجية، كان وسيم يتسلل نحو المطبخ ليلاً ليحصل على أي شيء يأكله، فجأة.. أُضيئت الأنوار في الصالة مرة واحدة!
وجد وسيم الزوجات الأربع يقفن في خط مستقيم أمام باب المطبخ، يرتدين أزياء متناسقة باللون الأسود!
بلع وسيم ريقه وخاطبهم باضطراب:
"خير يا بنات؟ إيه اللبس الموحد ده؟ انتورايحين عزاء ولا إيه؟"
تقدمت تهاني ورفعت في وجهه ورقة مطبوعة ومجلدة بغلاف فاخر:
"هذه هي 'معاهدة الفصول الأربعة'. إما أن توقع عليها الآن يا وسيم، أو تُعلن عليك حالة الحظر الشامل في الفيلا!"
استغرب وسيم وأخذ الورقة، وبدأ يقرأ البنود.. ومع كل بند كان وجهه يتحول من الأبيض إلى الأصفر ثم الأزرق!
"إيه ده؟! توحيد الميزانية؟ ساعتين نكد إجباري مع صفاء؟! اقتطاع 50% من مصروفي؟ وورد توليب بشرط جزائي؟! انتوا اتجننتوا يا ستات؟! أنا راجل البيت! أنا وسيم!"
صرخت حبيبة وهي تلوح بالمغرفة:
"وسيم في شركتك يا حبيبي! هنا أنت تحت سيطرة المناخ الموحد! هتوقع ولا نبتدئ الإعصار؟"
نظر وسيم إلى وجوههن الحازمة، وعرف أن أي مواجهة مباشرة الآن ستكون انتحاراً. لمعت في عقله فكرة خبيثة.. "إذا كان الخطر يهددني من اتحادهن، فالسبيل الوحيد هو فك هذا الاتحاد من الداخل!"
ابتسم وسيم ابتسامة ساحرة، وعدّل ياقة بيجامته، وقال بنبرة هادئة:
"توقع؟ طبعاً أوقع! هو أنا أقدر أرفض للوردات دول طلب؟ هاتوا القلم!"
وقع وسيم على الورقة وهو يتظاهر بالاستسلام الكامل، وسط نظرات الانتصار من الزوجات الأربع. لكن ما لم تكن تعرفه الفصول الأربعة.. أن وسيم كان يجهز لخطته المضادة!
في منتصف الليل، تسلل وسيم إلى جناح صفاء (الخريف) أولاً.
وجدها تجلس في الظلام. جلس بجانبها وقال بصوت خفيض ودافيء:
"صفصف.. أنتِ عارفة إني وقعت الورقة دي عشانك أنتِ بس؟"
تفاجأت صفاء: "عشاني أنا يا وسيم؟"
"طبعاً! البند بتاع الساعتين الوجدانيين.. أنا وافقت عليه عشان أكون جنبك وأسمع دقات قلبك الخريفية.. بس الصراحة، أنا خايف عليكِ من حبيبة! حبيبة نيتها تأخذ كل الميزانية وماتدكيش ثمن الشاي ذحتي المفضل بتاعك! هي غيرانة من رقتك يا صفاء!"
اتسعت عينا صفاء بالشك: "معقول؟ حبيبة الغاشمة تعمل كده؟"
"وأكتر من كده! بس ولا يهمك.. أنا معاكِ في السر!"
ثم تسلل وسيم فوراً إلى جناح نشوى (الربيع)!
وجدها تطبق بشرتها بالماسك.
"نشوة يا بونبوناية البيت.. أنتِ صدقتي المعاهدة دي؟ تهاني عاوزة تأخذ الفلوس كلها وتحطها في حظر وودائع وتمنعك من السفر! هي بتغير من شبابك ورقتك! لو عاوزة سفريات هولندا، لازم تقفي معايا ضد تهاني!"
فتحت نشوى عينها لصدمة: "أبله تهاني الجليدية تعمل فيا أنا كده؟! دي بجد شريرة!"
ثم أرسل وسيم رسالة نصية لـ تهاني يخبر فيها أن حبيبة تنوي التلاعب بالفواتير، وألمح لـ حبيبة أن نشوى تنوي أخذ الميزانية كلها لعمل عمليات تجميل!
في صباح اليوم التالي..
جلس وسيم في الصالة، يرتدي نظارته الشمسية، ويشرب قهوته ببطء شديد، وهو ينتظر النتيجة.
ولم ينتظر طويلاً!
خرجت حبيبة من المطبخ وهي تصرخ في نشوى: "بقى عاوزة تصرفي ميزانية الأكل على الورد يا بت انتِ؟!"
ردت نشوى بصرخة أشد: "أنتِ اللي عاوزة تحرمينا من الجمال عشان تأكلينا محشي طول السنة!"
وفجأة تدخلت صفاء وهي تبكي: "كلكم غدارين! تساقطت الأقنعة كما تتساقط أوراق التوت!"
فيما خرجت تهاني بجدولها تصرخ: "هدوء! هناك خرق للبند الثاني والتالت! سأطبق العقوبات على الجميع!"
اشتعلت الصالة بالصراخ، والاتهامات، والدراما المتبادلة، بينما الفصول الأربعة تتصارع وتتصادم في إعصار غير مسبوق!
كان وسيم يجلس على أريكته، يرتشف القهوة بهدوء، ثم نظر إلى الجمهور (المتابعين) بابتسامة نصر خبيثة وغمز بعينه قائلاً:
"سياسة 'فرق تسد'.. نجحت بنجاح باهر! دلوقتي الفصول بتضرب في بعضها، ووسيم هيعيش في أمان!"
لكن.. وبينما كان وسيم يحتفل بنصره المبتكر، سقطت من جيبه ورقة صغيرة بالخطأ أمام أقدام الزوجات الأربع اللاتي كن يتصارعن!
توقفت الشجارات فجأة..
رفعت تهاني الورقة من الأرض، وقرأتها بصوت عالٍ:
"خطة الوقيعة بين الفصول الأربعة - بقلم وسيم"
توقف الزمن في الفيلا.. وتوقفت الأصوات..
التفتت الفصول الأربعة الأربع ببطء شديد نحو وسيم الذي كانت الفنجان قد تجمدت عند شفتيه!
نظرت إليه حبيبة بابتسامة مرعبة..
ونظرت صفاء بنظرة انتقام خالية من الدموع..
ورفعت تهاني حاجبها بشر..
أما نشوى فمسكت فازة ورد ثقيلة!
بلع وسيم القهوة بصعوبة، وقام يقف على الأريكة وهو يبتسم بجليد:
"يا جماعة.. دي كانت مجرد مسودة لعصف ذهني.. انتوا فاهمين صح للأسف!"
صرخت حبيبة بصوت هز الفيلا:
"وراااااه يا فصول الانتقاااام!"
كيف سينجو وسيم من هذه المصيدة بعد أن اكتشفن خطته الخبيثة؟
