رواية شاهد إثبات الفصل الأول بقلم محمود الأمين
جريمة جوه جريمة.. أول مرة تسمعها، ولكن تخيل معايا كده إن جريمة تحصل ويكون فيها متهم واحد بس، والمتهم ده مفيش عليه أي دليل، ولكن عليه شاهد إثبات. وشاهد الإثبات ده ييجي ويقف قدام المحكمة عشان يقول كلمة الحق، ولكن فجأة الشخص ده يمسك قلبه ويقع على الأرض ويموت.
وتتأجل القضية، ولكن بعد فحص الجثة بيتضح إنها جريمة قتل.
في أواخر شهر ديسمبر بييجي بلاغ للشرطة عن بيت بيتحرق، وفي أطفال بتصرخ جوه، وعلى ما الشرطة بتوصل، بتلاقي الوضع مفزع. ولد وبنت صغيرين لسه في المرحلة الابتدائية، والاتنين طالعين جثث على نقالة الإسعاف، والبيت كان متفحم.
وكل الأهالي بيقولوا إن اللي قتلهم هو أبوهم، اللي اسمه فوزي عبد السلام، اللي من بعد وفاة مراته وهو مش طبيعي، وكان بيقول قدام الكل إن دول مش عياله، وإن مراته كانت ست خاينة. وكان بيعامل الولد والبنت أسوأ معاملة، وأي حد كان بيتدخل من أهل الأم كان بيتهان ويتضرب منه.
لحد ما حصلت الجريمة، وأهل المنطقة كلهم، بلا استثناء، قالوا إن هو اللي قتل عياله. ولما اتقبض عليه نفى كل الكلام ده وقال: محصلش.
ولكن بيظهر شخص اسمه عماد، وقال إن هو عنده الدليل على إن فوزي هو اللي قتل عياله. وأول ما جه قدام المحكمة عشان يشهد، ولسه بيرفع إيده وبيقول: "والله العظيم أقول الحق".. فجأة مسك قلبه ووقع، والدكتور قال: "البقاء لله، الشاهد اتوفى".. عشان يبدأ التحقيق في واحدة من أغرب الجرايم اللي شوفتها في حياتي.
...
#شاهد_إثبات
#الجزء_الأول
أنا المقدم منصور سعيد. اللي حصل قدام المحكمة ممكن يبان إنه قضاء وقدر، وفي ناس هتقول: يبقى الراجل اللي في القفص ده بريء، وإن اللي حصل ده علامة إنه معملش حاجة. لا، ده كمان في ناس هتشكك في ذمة الراجل اللي مات، وهتقول إنه كان هيشهد شهادة زور. بس ربك... وإحنا بقينا في زمن السوشيال ميديا اللي خلت أي حد ماسك تليفونه ويكتب بوست مثير للجدل، والناس تبدأ تعلق، وما بين مؤيد ومعارض الموضوع يكبر وياخد أكبر من حجمه.
ولكن على أرض الواقع، القاضي أجّل القضية، واتحولت جثة الشاهد للمشرحة عشان تخضع لعملية التشريح عند دكتور الطب الشرعي.
وبعدها أنا رجعت على مكتبي، وكان معايا الرائد حسن. والمفروض إنه بعد ما يتم التشريح هيتم إرسال تقرير الطب الشرعي للنيابة، وبعدها هنشوف لو كانت في شبهة جنائية هنبدأ نعمل التحريات، ولو مفيش يبقى أهل المتوفى هيطلع ليهم تصريح الدفن عشان يقدروا يدفنوا المرحوم.
ولكن وأنا قاعد في مكتبي، بيوصل تليفون من دكتور الطب الشرعي بيقول إن أهل الشخص اللي توفى في المحكمة رافضين تشريح جثة ابنهم، وإنهم بيحاولوا يتهجموا على المشرحة.
طبعًا اتحركت أنا والرائد حسن على المشرحة، وهناك لقينا ناس كتير، وعرفنا إنهم أهل عماد، شاهد الإثبات في القضية، وإنهم رافضين تشريح جثة ابنهم. ولما حاولت أتكلم معاهم، لقيت أخو الأستاذ عماد، واللي كان اسمه سالم، بيسلم عليا وبيقول:
_ إكرام الميت دفنه يا باشا، ليه جثة أخويا تتبهدل بالشكل ده؟!
= بص يا أستاذ سالم.. أخوك متوفاش على فرشته، ده كان رايح يشهد على قاتل، وما شاء الله هو كان في التلاتينات من عمره وصحته كانت كويسة، وقبل ما يشهد وقع من طوله وتوفى، فالتشريح ده ضروري عشان نشوف أخوك مات موتة طبيعية ولا اتقتل، عشان لو كان اتقتل هنبدأ تحقيقات وتحريات عشان نعرف مين اللي عمل فيه كده.
_ طيب ما إنت لسه قايل يا باشا إنه وقع قدام القاضي، يعني محدش لمسه.. يبقى إزاي اتقتل؟
= دي حاجة يحددها الطب الشرعي، واللي إنت عامله إنت وأهلك ده يعرضك للمساءلة القانونية. ده تعدي على موظف حكومي أثناء تأدية عمله. فبعد إذنك سيبنا نشوف شغلنا، وخد أهلك وروح، وبعد ما نخلص هيطلع تصريح الدفن، وتقدر تاخد أخوك وتدفنه.
...
في البداية مكنش عاجبه كلامي، ولكن في النهاية اضطر يسكت وياخد أهله ويمشي. وبعد 48 ساعة وصل تليفون من وكيل النيابة بيبلغنا فيه إننا نبدأ تحريات عن المجني عليه عماد صلاح عبد العزيز.
وعرفت من وكيل النيابة حاجات مهمة جدًا:
_ منصور، ابدأ تحرياتك عن المجني عليه. تقرير الطب الشرعي بيقول إن في شبهة جنائية في موت الشخص ده. المجني عليه اتقتل بسم دقيق جدًا، والسم ده لا بيتحط في أكل ولا في شرب، وعلى حسب كلام دكتور الطب الشرعي، السم ده كان في سيجارة شربها المجني عليه قبل وفاته بحوالي ساعة. والسم ده بيعمل هبوطً حاد في الدورة الدموية، وبيسبب توقف عضلة القلب، وده اللي تسبب في الوفاة.
وكمان التشريح أثبت إن المجني عليه كان مدخن بشراهة، والرئة عنده كانت متبهدلة بسبب شرب السجاير. أنا عاوز تحريات مفصلة عن المجني عليه، وتكون عندي في أقرب وقت.
= تمام يا باشا، تحت أمرك.
...
وبعد ما قفلت المكالمة مع وكيل النيابة، بدأت التحريات عن المجني عليه عماد صلاح، والرائد حسن كان متابع مع رجالة البحث الجنائي. وبعد 24 ساعة ظهرت التحريات وكانت على مكتبي. فتحتها وابتديت أقرأ:
عماد صلاح عبد العزيز، عنده 35 سنة، مهندس معماري، وكان متجوز مرتين.
الأولى اسمها منال عز الدين، ودي دكتورة صيدلة، ومعاها الصيدلية بتاعتها في نفس المنطقة اللي ساكنين فيها.
والتانية اسمها ياسمين كمال عبد العزيز، بنت عمه، ودي ربة منزل ومش بتشتغل.
عماد عنده ولد واحد اسمه أدهم، وعنده سبع سنين من زوجته التانية
ولكن التحريات بتثبت إن سالم أخو عماد هو أخوه من نفس الأم، مش من نفس الأب. في البداية الأم كانت متجوزة والد سالم، ولما مات اتجوزت الأستاذ صلاح عبد العزيز، اللي كان راجل مقتدر ومعاه محلات في كل حتة، ولما توفى من سنة ساب كل حاجة لابنه عماد.
وتقدر تقول إن العداوات مع عماد مش قليلة.
العداوة الأولى كانت مع الأخ سالم، واللي طبعًا ملوش حق في الورث، لأن الورث من الأب، اللي هو مش أبوه من الأساس. ولكن سالم طلب من أخوه إنه يقف معاه في جوازه، وعماد مكنش معترض، ولكن اللي خلاه يرفض بعدها إن أخوه كان عاوز يحمله كل حاجة، واللي خلى عماد يرفض أكتر إن أخوه سالم مش بيشتغل، وكل اللي بيعمله شمال.
العداوة التانية مع زوجته الأولى، الدكتورة منال عز الدين.
الدكتورة منال مش بتخلف، وده خلاها تطلب من عماد إنه يكتب محل من المحلات باسمها عشان بعد عمر طويل ليه، متلاقيش نفسها في الشارع. ودي الحاجة اللي رفضها عماد، وقال إن كل حاجة هتروح لابنه بعد وفاته.
العداوة رقم 3 مع زوجته التانية ياسمين، بنت عمه. عماد كان عارف إن ياسمين مش عاوزاه، وإنها عاوزة شخص تاني، وكانت رافضة الجواز منه، ولكن مع ضغط الأهل وإصرار عماد إنه يتجوزها، قدر إنه يعمل اللي هو عاوزه، ولكن المشاكل ما بينهم مكنتش بتخلص.
ولو مات عماد، هي المستفيدة، عشان ابنها هيبقى معاه كل حاجة.
العداوة الأخيرة، ودي مع محامي الجاني في القضية اللي كان هيشهد فيها عماد. وكان المحامي فيها الأستاذ سليمان الصاوي، وده واحد من المحامين الكبار، واللي جمعته قعدة مع عماد عشان يروح قدام المحكمة ويغير أقواله ويشهد في صالح الراجل اللي قتل عياله، وده كان مقابل مبلغ مادي كبير. المشكلة إن عماد مش بس رفض، ده فضح الراجل في المنطقة كلها، وقال إنه جاي يعرض عليا رشوة عشان أشهد زور. وقتها الأستاذ سليمان الصاوي قال لعماد قدام الناس كلها: "مش هنخليك توصل للمحكمة عشان تشهد." وده يعتبر تهديد صريح لعماد.
...
خلصت ملف التحريات، وبصيت للرائد حسن وقلتله:
_ الموضوع فيه طمع في ميراث من ناحية، وفي تهديد من محامي لشاهد، ولو شهد على موكله في المحكمة هياخد إعدام رسمي، ودي حاجة هتأثر على سمعة سليمان الصاوي كمحامي كبير. ولكن أنا بستبعد الزوجة التانية من الدايرة، معتقدش إنها عملت كده.
كنت لسه بتكلم مع الرائد حسن، واللي كان موافق على كلامي، ولكن في الوقت ده وصل كذا بلاغ من استراحة على طريق صحراوي، والبلاغات كلها بتتكلم عن عربية جت رمت جثة وهربت، وإن العربية دي كانت من غير نمر.
اتحركت أنا والرائد حسن على مكان البلاغ، وأول ما وصلنا وكشفت وش الجثة، كانت الصدمة... عشان دي تبقى جثة...
