رواية دكة السادة الفصل الأول بقلم فطمة محمد علي النعيمي
قال علماء السلوك الروس: إن الإنسان في جوهره معزوفة تُعزف على وترين لا غنى لأحدهما عن الآخر: وتر الطينة الأولى، و وتر الحياة.
نحن لسنا نتاجاً لصدفة محضة، بل تفصيل دقيق يتقاسمه الوجود بنسب عجيبة: نصفنا الأول خطّته الوراثة في عمق خلايانا، جينات عتيقة ورثنا منها ملامح الغضب، ونبرة الضحكة، وظلال الحزن المخبوء في نظراتنا.
أما النصف الآخر، فتركته الوراثة للريح والتربة ليُشكلاه. غير أن المفاجأة أن التربية المباشرة، بنصائح الآباء وصراخهم، لا تملك من ثوب حقيقتنا سوى عشرة إلى خمسة عشر بالمائة.
أما الحصة الأكبر، تلك التي تتراوح بين خمسة وثلاثين وأربعين بالمائة، فهي ملك لتلك التفاصيل التي عشناها وحدنا: في أزقة المدن، في ملامح الأصدقاء، في انكساراتنا السرية، وفي الشوارع التي مشيناها دون أن يمسك بأيدينا أحد.
إننا في النهاية لسنا أرقاماً جامدة، بل ذلك السحر الناشئ من امتزاج البذرة بالتربة؛
تمنحنا الجينات الاحتمال،
وتأتي الحياة بأقدارها لترسم التفاصيل.
وهذه الحكاية... هي واحدة من تلك التفاصيل.
**********
تنويه: كل أسماء الشخصيات وأسماء الأماكن من الخيال، وإذا اتفق التشابه بين أسماء شخصيات القصة وبين أشخاص حقيقيين، فهو من قبيل الصدفة العجيبة.
*************
الفصل الاول:
الغريقة
في صيف 1962،
كان يوماً صيفياً حاراً في تلك القرية الواقعة على نهر دجلة، قرية حويدة. وتحديداً عند انحناءة النهر حيث ينحرف النهر عن جريانه نحو الجنوب ليتجه شرقاً مسافة ثلاثين كيلومتراً، قبل أن يكمل طريقه جنوباً مرة أخرى وعلى الضفة اليمنى للنهر.
كانت الأعشاب الربيعية في القرية قد جفت كلها، باستثناء ضفاف النهر من الجانبين حيث ينمو القصب والزل والبردي بكثافة في منطقة انحراف النهر، وكان موسم الحصاد قد انتهى.
هناك...... تقع قرية حويدة على مرتفع يطل على النهر. يدخل النهر للقرية من اليمين شمالاً حيث بساتين القرية منتشرة قرب بعضها، وهي المنطقة الوحيدة المنبسطة على الشاطئ في تلك القرية. وحين يستمر النهر وينحرف ليتجه شرقاً، وعلى الشاطئ عند انحناء النهر تماماً، اتخذ أهل القرية مكاناً مخفياً بين القصب الكثيف ليكون مغتسلاً للنساء، وقد تعارف الجميع على أن هذا المغتسل مكان محرم على أي ذكر يتجاوز عمره ست سنوات.
ولهذا...... كان أهل القرية والرعيان حين يردون النهر، يذهبون إلى المورد الخالي من القصب، بعد صخرة كبيرة نصفها في الماء والنصف الآخر على اليابسة يسمونها (تل تنومة)(1)، كانت كحاجز طبيعي بين مغتسل النساء والمورد الكبير، فيشربون أو يسبحون أو يسقون مواشيهم.
في تلك الظهيرة الساخنة، جلس حمدان على الشاطئ من الجهة الشرقية عند المورد الكبير، يراقب نعاجه وهي ترتشف الماء بشغف. وحين كانت تزفر أنفاسها أثناء الشرب، تصله رائحة أنفاسها المشبعة برائحة التبن المختمر في بطونها، فيبتسم ويقول لنفسه بصوت مسموع يخاطب نعاجه مبتسماً كأنه يخاطب بناته:
- يابعد ابوي انتن... بالقرعان فلا أطيب من ريحتچن غير ريحة ربچن الخلقچن.
أما في مغتسل النساء، الذي كان محاطاً بالقصب الكثيف من ثلاث جهات ومفتوحاً تقريباً من جهة النهر، كانت سورية جالسة في الماء تضع ابنتها الصغيرة وطفة ذات الأربع سنوات بين ساقيها وتفرك رأسها بالصابون والطفلة تصرخ. كان الماء دافئاً يصل إلى صدر الطفلة، وينعكس دفؤه على وجه سورية الذي أشرق بالرضا.
كانت رائحة صابون الغار تمتزج مع ماء النهر ورائحة التراب الذي بللته رشات ماء الاستحمام، تشعر سورية بالانتعاش فتضحك وهي تغرف الماء بوعاء من الألمنيوم وتصبه على طفلتها، ثم تقلب الوعاء على رأسها حين تنشغل بفرك رأس ابنتها بالصابون؛ فالنهر في هذه البقعة يغير مساره ويتسارع بشدة، كأنه حين يجري يصطدم بتلك البقعة قبل أن ينحرف فيتسارع .
فتضحك ابنتها الكبيرة سمرا ذات العشر سنوات الواقفة خلفها، تحمل بيدها المنشفة وثياب أختها الصغيرة، وقد فتحت ضفائرها استعداداً للاستحمام، وتقول لأمها ضاحكة:
- يمة صرتي مثل دمدم الخبل لمن يچب القواطي على راسو ،
فترد أمها شارحة وموضحة:
- يولي دمدم مخبل اش يشوف يحطو على راسو لو يعلكو برگبتو
بس اني اخاف المي ياخذ الطاسة،
حين انتهت سورية من تحميم الطفلة، نهضت من الماء بثيابها المبللة وجلست على صخرة في داخل المغتسل على الجهة اليمنى منه، ووضعت الطفلة في حجرها، وأخذت المنشفة من ابنتها سمرا وجففت الطفلة وهي تقبلها وتداعبها بقولها:
- يمة بنتي اشگد حلوة يمة اشگد ريحتها صارت طيبة،
ثم أخذت ملابس الطفلة النظيفة من سمرا وألبستها لوطفة وأجلستها على الصخرة، ووضعت المنشفة في حجر وطفة، وحذرتها من النزول للماء ريثما تحمم أختها ثم تستحم هي أيضاً، ويخرجن منتعشات ليذهبن للبيت وينعمن بقيلولة ممتعة.
قالت لسمرا:
-اني اغسل راسچ بس وانتي افركي لشتچ حتى اسبح أني هم ونخلص سوا أجابتها سمرا بتوسل:
-عفية يمة لاتصلخين راسي باظافرج عفية هيدي هيدي وابتسمت الأم وشرعت بصب الماء على سمرا.
لكن..... وبلحظة انشغال سورية بفرك رأس سمرا، كانت وطفة قد نعست كثيراً، ثم بدأت تغفو حتى تكاد تسقط للخلف، وتعتدل وتغفو وتعتدل حتى...
وبلحظة واحدة كلمح البصر، سقطت إلى الخلف وغاصت بالماء.
رأت وطفة السماء وهي تبتعد فجأة، ودخل الماء إلى فمها كأنه قبضة من حديد منعتها من الصراخ.
كان التيار أسرع من انتباه أمها، جرفها بسرعة كأنه يهرب بها بعيداً من بين يدي أمها التي حين انتبهت وحاولت الإمساك بها وهي تصرخ:
-يمة بنتي يمة وطفة وطفااااااا
لكن التيار سحبها بعنف، وغاصت سورية خلف ابنتها حتى وصل الماء إلى عنقها، شعرت أنها ستغرق، فصرخت بكل ما فيها من قوة ورعب:
-ههااااااوي ياناس بنتي اخذها المي
يهل المروة راحت بنتي الحگووووني
سمع حمدان صراخ سورية من خلف صخرة تنومة وعرفها من صوتها،
فز من مكانه مرعوباً،
أرعبه الصراخ.
وكلما علا الصراخ ارتعب اكثر حتى برك بين نعاجه
وهو ينظر إلى الماء ولم يرَ شيئاً،
لم تكن الطفلة قد تجاوزت الصخرة بعد، لكنه رأى شابين على الضفة الأخرى كانا مع قافلة من الخيول والكثير من الأغنام يستسقون. وما إن ردد وادي النهر صدى الصرخات، حتى قفز الشابان سوية إلى النهر.
أما حمدان، حين راى الشابين قادمين بأتجاه ضفته تمدد بين نعاجه كي لا يراه أحد منهما فيعيبان عليه عدم نجدته لامرأة استنجدت بأهل المروءة ولم ينجدها، كأنه يقول لها:
"لستُ من هؤلاء الرجال"
وقد نسي تماما انه مادام هناك نعاج على الشاطيء
أذن هناك راعي قربها
راح يراقب الشابين من بين نعاجه
وهما يعترضان الطفلة وهي تطفو على مياه النهر، وشاهدهما حين كان يخرج رأسه من خلف النعاج
وهما يمسكان بالطفلة ويرفعانها عن الماء ويسبحان الى الضفة اليمنى .
ولشدة سرعة تيار النهر اندفع الشابان إلى ما بعد المورد الكبير بعد أن قطعا النهر،
ثم سبحا مع الشاطئ صعوداً كي يصلا مغتسل النساء، فمرا من أمام حمدان الذي ما زال مختبئاً خلف النعاج، وسمع أحد الشابين يصرخ به قائلاً:
-تخسا يالناگص
ابتلع حمدان الإهانة بصعوبة، كلقمة كبيرة انحشرت في حلقه،
شعر بالخجل من نفسه ولم يستطع لوم الشابين. وجلس بين النعاج وقد وضع يديه على رأسه يحاول تخفيف الإهانة التي طعنته في مقتل، وهو يتذكر كلام أمه وهي توصيه قائلة:
-حمدان يبوية اني ترملت وبعدني عجية وجيت انت بعدما راح ابوك وماليا بالدنيا غيرك دير بالك على نفسك ترى اذا صار عليك شي اموت وراك انت كل الدنيا عندي.
كلام أمه هذا جعله لا يحسن فعل شيء من أفعال الرجال. حتى حين علمه أبناء القرية السباحة، لم يجرب مرة واحدة خلال سنين عمره الثلاث والعشرين أن يدخل في عمق النهر، وكان يسبح دائماً قرب الشاطئ. كان يعرف السباحة لكنه كان يخاف أن يدخل النهر كالشباب الذين اتخذوا من عبور النهر والرجوع مسابقات صيفية يستمتعون بها ،
أما على الناحية الأخرى خلف الصخرة، حين وصل الشابان إلى المكان حيث تقف سورية وهي تنتفض كالمصروع،
وابنتها سمرا خلفها ترتجف من رعب أمها وقد لفت نفسها بصاية أمها،
وما إن رأت سورية ابنتها بين يدي الشابين بلا حراك، حتى راحت تضرب صدرها وتتحسر تظن أن ابنتها ماتت.
حملها أحد الشابين بشكل مقلوب وصار يقفز ثم يضعها على الأرض وهو يفرك صدرها عدة مرات، ثم يحملها من ساقيها على أكتافه ويقفز بها. وفي كل مرة تفشل محاولته، كان صراخ سورية يصبح أشد رعباً، وحمدان خلف الصخرة يرتجف من ذلك الصراخ المرعب.
حتى شهقت الطفلة وتقيأت كمية من الماء وهي تسعل، جثت أمها قربها واحتضنتها وهي لا تصدق أن ابنتها تتنفس،
وأخذت تمسح وجه وطفة المزرق وتشكر الشابين بكلمات مرتجفة.
أما سمرا فلم تحرك ساكناً ولم تكن تنظر إلى أختها بعد أن تنفست،
بل إن نظرها كان مصوباً إلى الشابين وهي في حالة ذهول جمدها في مكانها.
حين انتهت مهمة الشابين وحمدا الله على سلامة الطفلة، أرادا الرجوع للنهر كي يعبراه للرجوع إلى القافلة على الضفة الثانية.
كانت سورية منشغلة بطفلتها وهي تدعو للشابين بكلمات مرتجفة ودموع غزيرة
، وحين استدارا ليذهبا، تحركت سمرا بسرعة وبسذاجة الطفولة سألتهما:
- انتو شسمكم؟
اقترب أحد الشابين منها مبتسماً ولمس خدها بلطف، فرحاً بذكائها وفطنتها وقال:
-انا جواد وهذا اخوي سليمان
قالت سمرا بخجل:
-ليش تشبهون بعض هشكل عبالك نفس الشي قال جواد:
-عبنا توم
واتجها إلى النهر وانطلقا. لم تنتبه سورية لشيء، كانت تغير ملابس ابنتها المبللة بتلك الملابس الوسخة التي نزعتها عنها قبل قليل لتحممها، لكنها تخشبت في مكانها حين قالت لها سمرا:
-يمة انتي شفتي هذولة الزلمتين اشكد يشبهون ابوية عبالك ابوية بس ابوية عندو شيب صرخت بها سورية وقالت محذرة:
-ديري بالچ تحچين شي لابوچ سمعتي؟
لاتجيبين طاري انو اختچ أغرجت ابد
الدنيا ضهر ومحد شاف شي والله سترنا
وابوچ اذا عرف راح يموتني وما بعيدة يطلگني
وتصيرين مثل أختچ خديجة بلا ام ابد ماتحچين شي لأحد سمعتي؟
بعدين اش جابهم على ابوچ؟
والتفتت سورية تنظر إليهما وهما يسبحان ذاهبين،
رجعت تحذر ابنتها من الكلام وهي تهز إصبعها أمام وجه ابنتها، ولم تزل يدها ترتجف من هول ما جرى عليها قبل قليل. صمتت سمرا وهي تردد اسم الشابين في سرها:
"جواد وسليمان"، وفي صمت تلك الطفلة كان يكمن أكثر مما تظن أمها.
ثم رجعن للبيت ووجه سورية ووطفة مصفر من شدة الرعب ،
أما سمرا فقد كانت تسأل نفسها الكثير من الأسئلة. ودخلن غرفة العائلة لينامن القيلولة،
كانت خديجة ذات الثماني عشرة سنة نائمة، تنفست سورية الصعداء وقالت لنفسها:
-الحمد لله مطمورة أم علوم
چان اش يخلصني من حلگها
وتمددت بهدوء ووضعت وطفة في حضنها وهي تقبلها بين الحين والحين وتمسح على راسها لتطمانها فالطفلة
كانت ماتزال خائفة وتبكي بين لحظة واخرى،
كانت تظن سورية أن ذلك الموقف العصيب قد مضى وسترها الله.
لكن الموقف لم يمضِ،
بل هكذا بدأت القصة.........
***************
على الضفة الأخرى، حين رجع الشابان إلى القافلة، كان الرجال قد جهزوا أمتعتهم وملأوا قربهم من الماء وسقوا الأغنام وانطلقوا إلى وجهتهم وهم يثنون على شهامة جواد وسليمان.
كان جواد وسليمان فرحين بما قاما به من فعل مشرف جعل رجال القافلة يتحدثون عنه طويلاً، رغم تحذير سليمان وجواد لجميع الرجال من التحدث عن هذا الموقف لوالدهما لأنه يخاف عليهما من كل شيء.
أما حمدان فقد ساق أغنامه وهو يحاور نفسه بالكثير من الكلام، أغلبه لوم لأمه التي جعلت منه مسخاً فلا هو امرأة ولا هو رجل، قال لنفسه:
-تخسا يحمدان افعالك ماهي افعال رجال
بالله لو انت الي مطلع بنت عبدالله النمر
ماچان صارلك صيت بين الناس ويمچن چان انطاك خديجة زوجة لك
خديجة آه يخديجة آه
والله يحمدان لو مسويها چان گعدت مگاعد الرجال وصدگ عمي حسين لمن گال لأمي گبل چم سنة:
-اگبلي بيا وتجوزيني وخليني اربي ابن اخوية واسويه رجل ترى مرا ما اطلع رجل معدل،
والله يحمدان منت رجل انت مرا يحمدان مرا ،
ثم تذكر موقف حسنة العبد جارتهم قبل سنتين، حين صارعت ذئباً دخل بيتها وخطف إحد حملانها، وتذكر حين سمعا هو وأمه صوت حسنة وهي تصرخ بالذئب، وصعدا إلى سطح بيتهم ليُشرفا على فناء بيت حسنة ويشاهدا كيف لفت حسنة الچاروكة(2) على يدها وهجمت على الذئب واستمرت تضربه حتى أفلت الحمل وولى هارباً.
كان يومها يقف خلف أمه فوق السطح وهو ينظر إلى تلك المعركة بين سيدة عجوز وذئب، كان يومها في الواحد والعشرين من عمره،
حينها تجمد من الخوف ولم يساعد جارته العجوز حتى بالصراخ كما فعلت أمه؛ إذ أخذت تصرخ وتطلب من الرجال إدراك حسنة التي تصارع ذئباً. فتعرض يومها للتوبيخ من كل أهل القرية.
ولايام طويلة ومازال الناس يعيرونه لذاك الموقف
تذكر الموقف وصحا من ذكرياته على صوت تكسر الأعشاب الجافة تحت قدميه، فتملكه الرعب من أن يكون قد رآه أحد.
تلفت حوله بوجل وهو يغادر حوض النهر؛
فحمدان كان كحبة حنطة بين فكي الرحى:
خوفه الشديد من الصعاب،
وخوفه الأشد من توبيخ الناس له واستصغاره. وما إن ابتعد حتى انطلق يبكي،
عزت عليه نفسه فهو حتى ليس كالنساء، ففي النساء من هي مثل حسنة العبد،
تلك العجوز التي طالما نبهته على مشكلته وأنه يجب أن يصبح رجلاً مثل باقي الرجال، وأن أباه كان رجلاً شجاعاً، لكن أمه كانت تفند كل كلام يسمعه حمدان عن الرجولة، كانت تردد له دوماً:
-ياريت ابوك چان جبان وظل فوگ راسي ولا صار شجاع ومات بلدغة حية من ورا شهامتو
حتى يخلص جورية وعجاياها من ذيچ الحية الي فاتت لبيتها هجم ابوك عالحية مثل المخبل وراد يگضب راسها
ولدغتو ومات بارض ودشرني،
حين رجع حمدان للبيت
عصر ذلك اليوم، جلس وحيداً وابتعد عن أمه. سألته كثيراً عما به لكنه لم يتكلم، لكن موضوع أنه بلا رجولة أصبح هاجسه،
خصوصاً أن الشابين في مثل عمره؛
لِماذا إذن ألقيا بأنفسهما بلا تردد وهو اختبأ بين صخرة تنومة والنعاج، بين قبر أنثى ونعاجه؟
كان يشعر بالإهانة وهو يتذكر كلام أحد الشابين:
-تخسا يالناگص
كلمتان جعلتا حمدان يفز من غفلته
ويرى نفسه بعيون الآخرين ويردد في سره:
-ناگص آني ناگص اشلون راح ينطوني خديجة اذا يشوفوني ناگص أي والله يحمدان انت ناگص
حت فلوسك الي جمعتهن تا تتزوج بيهن ماتفيدك،
استمر الصراع في داخله حتى المساء. حين دعته أمه لتناول العشاء رفض الطعام، لم يستطع أن يأكل من القهر، نهض من مجلسه وهمَّ بمغادرة البيت، حينها سألته أمه:
-وين رايح يأمي وانت بلا عشا ؟
لم يستطع أن يوفق بين لطف أمه وحبها له، وبين تلك النيران المشتعلة في داخله بسببها،
ولأول مرة يصرخ بوجهها قائلاً لها بغضب:
-وين رايح ها....؟
ليش انتي ربيتي رجل....؟
حتى تخافين عليه اذا طلع؟!!!
لاتخافين يمة لاتخافين
ترى ام الجبان لاتفرح ولاتحزن ،
وخرج مسرعاً، وأمه في حالة صدمة من ردة فعله وهي تضرب كفاً بكف ولا تعرف سر انقلاب ابنها لهذه الدرجة، ولم تتخيل أبداً ولم يخطر ببالها ما سيفعله ابنها في تلك الليلة.
يتبع.........
(1) تل تنومة: يقال إن تنومة كانت سيدة جميلة جداً، تزوجت ابن عمها وكان شباب القرية كلهم يحسدون ابن عمها عليها. وكان حجم هذه الصخرة ربما يصل بحجم غرفة كبيرة، وكانت في أعلى الجرف، فنزلت تنومة تغسل الثياب عصراً حين يكون ظل الصخرة يصل للشاطئ، فجلست في ظلها على الشاطئ وشرعت تغسل الثياب. وبلحظة عجيبة انحدرت الصخرة بلمح البصر وسقطت فوق تنومة، واستحال رفع الصخرة فأصبحت صخرة تنومة هي قبرها، وهي الحاجز بين مورد الرجال ومغتسل النساء.
(2) الچاروكة: قطعة من القماش مربعة الشكل تربط من جهتين وتلبسها السيدة من على الكتف ومن تحت الإبط كالوشاح لتصبح ستراً لصدرها، وكذلك تحمل بها بعض الأغراض أثناء عملها في بيتها أو لحمل الخضراوات في البساتين أثناء القطاف، وكذلك كأنها صدرية الطاهي التي تحمي ثيابها من الأوساخ.
