رواية دكة السادة الفصل الثاني بقلم فطمة محمد علي النعيمي
السيد عبدالله النمر
حين رجع عبدالله النمر لبيته في ذلك اليوم
قبل المغرب بساعة
ليستريح من عمله في البستان ويأكل عشائه قبل غروب الشمس
كعادة جميع اهل القرى،
وجد زوجته بحالة غير مألوفة.
سأل زوجته:
-سورية شبيچ ليش وجهچ مدلغم= عابس
أجابته بتلعثم قائلة:
-ممماكو شي بس تعبانة من الشغل، اليوم چان عندي شغل چثير
اكعد اگعد العشا جاهز،
جلس الرجل على ذلك الفراش الممدود في فناء بيته
بعد ان تم رش الارض بالماء كي لايثار الغبار اثناء كنسه ككل يوم عصراً
ورد عبدالله على زوجته مستفهما بلهجة انزعاج
وقال:
-ليش خديجة ماتعاونچ؟
وعليش لسانچ أيتلجلج چنچ مسوية فاينة،
اني الي اشوفو خديجة شايلة البيت كلو
لا يكون هم تكاونتي مع خديجة؟
آني حذرتچ يسورية ترى ماضلچ غير طلگة وحدة وتحرمين عليا، ديري بالچ تغثين خديجة
صرخت وطفة في الغرفة،
ركضت سورية إلى ابنتها؛
كانت الطفلة ما تزال خائفة.
حملتها وأجلستها على طرف الفراش الذي يجلس عليه أبوها ،
نظر ألاب إلى ابنته وجد وجهها مصفراً، كان يريد أن يسأل، لكن سورية قالت بتذمر:
-اي خديجة شايلة البيت واني اسرح بنفسي مو؟
عجل هذني البنات منو يداريهن ها؟
والحلال والحلب والخض والعجن والخبز،
واليوم رحت سبحتهن ورجعت بهل ضهرية،
رجعت تعبانة وبلشت اعزل وانظف ورشيت وگشيت الحوش
وبلشت أطبخ العشا وتوني خلصت، وترى خديجة ماسوت شي غير بس طلعت الفراش عالدام وسمرا تعاونها،
كل الضهرية وخديجة نايمة واني اشتغل،
لم تقل انها ايضا نامت القيلولة.....
كان السيد عبدالله صامتا ينظر الى وطفة
ولايريد ان يقاطع زوجته كي لايتصاعد الكلام بينهما ويصل لمشكلة جديدة
صمت وهي اكملت كلامها بلا هوادة
- بس انت ماتشوف شغلي وتعبي وتشوف شغل خديجة بس،
اني وبناتي لو انتملخ من الشغل ماتشوفنا،
وترى اني صايرة چنة عند خديجة مو مرت ابوها،
وكانت ستستمر بالحديث، لكنه أوقفها وهو يسأل:
-شبيها وطفة ليش وجهها هشكل اصفر؟ ومبين عليها خايفة اشبيها ها؟
ردت بخوف وارتباك:
-مممابيها شي نبح عليها الچلب
واني مشغولة كل النهار بس ادك مثل العبدة
رد بانزعاج قائلاً:
-روحي روحي صبي العشا وابلعي لسانچ ترى اني ماناگصچ،
يعني انتي تشتغلين واني گاعد؟
اني كل النهار الشمس ترگع بيا بهل بستان،
وربعي ولدهم يعاونونهم وآني وحيد بسلامة راسج
(يشير لانجابها البنات وموت الاولاد)
واردف:
- واخذي الخيار الي بالعليجة وثرمي منو شوية وجيبيه، يلا يلا لسعج واكفة،
ذهبت سورية واخذت الخيار من العليجة التي جاء بها معه من البستان
وهو يردد في سره
-اش مسوية اليوم من فاينة يسورية؟
انتي من تكومين تثرمدين سوالف وتبلشين تشتكين
يعني مسويتلچ جيفة خلي نشوف......
كانت سمرا بهذه الأثناء فوق السطح تفرش الفراش مع خديجة، وتسمع ما يدور بين أمها وأبيها في فناء البيت.
قالت سمرا لأختها الكبيرة خديجة هامسة:
-اگلچ شي وتحلفين براس ابوية ماتسولفين لأحد
ردت خديجة قائلة، وقد مالت برأسها إلى أختها وهي تمسك إحدى الوسائد:
-براس أبوية ما احچي... گولي
خفضت سمرا صوتها أكثر وغطت فمها بكفها وقالت:
-يولي امي وجهها مصفر من الخوف على وطفة، اليوم اغرجت بالمي
شهقت خديجة وألقت الوسادة وضربت صدرها بكفها
وجلست قربها وسألتها بلهفة:
-اشلون اغرجت يمصخمة؟
حكت سمرا لأختها كل شيء،
وأوصتها أن لا تخبر أحداً
لأن أمها حذرتها.
لكن خديجة لم تكتفِ من سمرا حتى عرفت كل شيء عن ما حصل، وأكثر ما أثار استغرابها هو الشابان المتشابهان واللذان يشبهان أبوها.
ثم أردفت سمرا بقولها:
-تدرين خديجة حت االدگ الي على خشم ابوية وعمامي موجود على خشوم هذولة الزلمتين بس مو بالضبط
ردت خديجة وقد أخذها الفضول:
-اشلون مختلف هذا وسرنا نحنا السادة(1)
ردت سمرا وقالت:
-ابوية وعمامي يدگون بس دگة وحدة على خشومهم بس هذولة الزلمتين اكو ثلث دگات على خشم كل واحد بيهم
ردت خديجة وقالت بتعجب:
-ثلث دگات؟!!!
هاي أول نوبة اسمع بيها،
مرة سالت ابوية ليش يدگون هالدگة والا بهل مكان، ابوية گال
-هاي دگة السادة، ندگها عالخشم لمن يصير عمر الولد ثلث سنين،
ما اتذكرين گبل سنة لمن عمي حازم سوا عزيمة ودگو على خشم فيصل ابنو الله يحفظو
ردت سمرا وقالت:
-يولي اگلچ هذني ثلث دگات هيچ وهيچ وهيچ،
(رسمت على الارض)
هشكل صاير شكلهن چنهن اخشبات الشخر
قالت خديجة:
- عجيب ابد ما سمعت بهيچ وسر،
التفتت سمرا إلى خديجة وقالت:
-خديجة ليش يدگون الدگة لمن يصير عمر الولد ثلث سنين ؟ يعني ليش مايدكوها گبل هالوكت؟
أجابت خديجة قائلة:
-أمي تگول لمن يكبر الولد شوية يتحمل الدگ حتى لايخاف
سألت سمرا:
-عود ليش مايدگون على خشم البنت ليش البنت مو هم سيدية وبنتهم ؟
قالت خديجة بجزع:
-يمعودة اشكثر تسالين ليش آني اشمدريني امي هيچ گالت
قالت سمرا وهي تبتسم بوداعة:
-تدرين خديجة اني والله چثير احب امچ،
عبنها چثير حبابة مدري ليش ابوية طلگها
لوت خديجة شفتيها وأشارت بيدها إلى ألفناء كأنها تضربها وقالت:
-بس آني ما احب امچ عوذا اشگد نجسة
غضبت سمرا وسبتها قائلة:
-عوذة منچ ادغمة ليش تحچين على امي يولي
همست خديجة بأذن سمرا قائلة:
-عبن امچ مثل حية التبن تلدغ وتغبي راسها، يعني عليش ماتگول لابوية انو وطفة اغرجت ها؟
سكتت سمرا وهي تتذكر تحذير أمها وتمنت لو أنها لم تخبر خديجة بشيء وقالت:
-ليش انتي ماتعرفين ابوية اشكد يحبنا
ويتخبل اذا صار علينا شي،
أمي تخاف من ابوية چثير
هزت خديجة رأسها موافقة وانطلقت تكمل عملها، بينما كان السيد عبدالله يتناول عشائه.
حين اكمل السيد نمر عشائه ونزلن خديجة وسمرا
سأل خديجة بقوله:
-يمة يخديجة صاير شي بينج وبين سورية
كانت سورية خلفها وارادت ان تتكلم لكنه منعها من الكلام برفع يده
ردت خديجة:
-لا والله يابا كلشي ماصاير
كانت كلمات خديجة متقطعة وبطيئة وهي تستعيد بذهنها
كلام سمرا لكنها لم تقل غير تلك الكلمات
واجتمعن على صينية العشاء واكلن بينما نهض
السيد عبدالله ليذهب الى الجامع الذي بناه جده خلف بيت سيد عبدالله
ويقيم عليه دائما احد رجال العائلة من كبار السن.
وهو يحدث نفسه قائلا:
-خير ان شاء الله هو اكو شي بس شنو مدري
وخديجة تعرف
باچر نشوف
على الجانب الآخر، في بيت أم حمدان،
وبعد أن خرج حمدان من البيت،
وقفت أم حمدان تراقبه وهو يبتعد وتقرأ المعوذتين وتنفخ على طريق ابنها الذي ذهب باتجاه البساتين؛
فهي تعتقد أن ابنها أصيب بعين حاسد
جعلته يصرخ عليها لأول مرة في حياته،
واخذت تدعو على تلك التي أصابت ابنها بالعين،
وقد فتحت صدرها
وبصرها موجه للسماء وهي تدعو وتشهق وتضرب صدرها العاري
كي يصل دعائها لله بحرارة وهو يحمل الم تلك الضربات
المتتالية.
أما حمدان فقد ذهب إلى صديق عمره زعيتر؛
وهو شاب يتيم الأم،
ماتت أمه حرقاً أثناء خبز الخبز قبل ما يقرب من خمس عشرة سنة، وعاش زعيتر في بيوت أهل القرية
أكثر بكثير من بيت أبيه
الذي تزوج امرأة لا تخاف الله.
وقضى زعيتر تلك السنين...
وهو يلف على تنانير القرية يلتقط بعض الفتافيت من خبز البوثا(2)،
وفي أحيان كثيرة يشفق عليه الناس فيطعمونه اذا وجدو فضلة من طعامهم
أو يحممونه حتى بلغ العاشرة من عمره واعتمد على نفسه،
حيث كان يصنع لنفسه أماكن تحميه من البرد.
او يلجأ الى غرف المزارعين في البساتين
اما في بداية الأمر كان يتخذ من أوجار الكلاب في جوانب النهر مسكناً له،
لكنه حين كبر قليلاً استطاع بمساعدة حمدان وبعض أترابه من أبناء القرية بناء (خربوش) له(3) وسكن فيه على جرف النهر العلوي مشرفاً على منطقة البساتين.
اصبح أهل البساتين يعطونه بعض المال
كي يحرس بساتينهم من الدواب او بقرة شاردة،
حين وصل حمدان خربوش زعيتر، رحب به زعيتر فرحاً، وجلس الاثنان يتحدثان وأخبره حمدان بكل ما جرى ذلك اليوم، كان زعيتر يسمعه باهتمام كبير.
ثم أكمل حمدان كلامه قائلاً:
-دير بالك يخوي تسولف لأحد الي صار،
اخاف الناس تاكل وجهي،
واريد اگلگ على شي،
اني اريد اهج من الجرية واروح لديرة بعيدة عن امي وما ارجع الا اصير زلمة،
نهاه زعيتر عن هذا الأمر وقال له:
-يمعود ولا تفكر بهل سالفة، امك مرا چبيرة وترى والله تموت من القهر عليك وخطيتها برگبتك
ياريت أمي طيبة غير الا احب رجليها صبح ومسا، انت ماتعرف اشگبر فگد الام،
اني الي ضگت الويل من لما ماتت أمي واني عمري خمس سنين
قال حمدان بتذمر وهو يكاد يبكي:
-يول اني هشكل راح اضل لا آني حرمة ومعذورة ولا آني رجل وطالع من حگ المرجلة،
يخوي اريد اروح اشتغل واتعلم واصير مثل هالرجال، اگلگ زعيتر هم تظن اذا صرت رجال ينطوني خديجة؟
ضحك زعيتر وقال بسخرية:
_خديجة فرد مرة ينطوك خديجة؟
يول انت شايف خديجة اشلونها؟
يول خديجة مثل نجمة بالسما
اشلون تصلها، والله لو تجيبلهم رأس المهدي هم ماينطوك خديجة، كل عگلك انت؟
البنية حلوة حيل چنها حورية، وعدها كووووومة واليد عم.
بهذه الأثناء سمع الاثنان صوتاً من بين البساتين، جفل حمدان والتصق بزعيتر مرعوبا
، لكن زعيتر طمأنه وقال له:
-لا تخاف هذا دمدم شكلو جاي يحوش بطيخة لو دبشية، وكل اهل البساتين وصوني عليه
گالو اش يريد دمدم خل ياخذ،
وتعال أگلگ
أذا انت تجفل من اي صوت وتخاف من كلشي اشلون راح تطلع من الجرية ها ؟!
هدأ حمدان وجلس قرب زعيتر وقال له:
يخوي اني هذا دمدم ما اجرعو ابد، مدري ليش اكو شي بعيونو يخوفني
رد زعيتر وقال:
- عمة حسنة تگول دير بالك منو ترى هذا دمدم مو صاحي والله اعلم انو وراه بلية،
وهو مدري وين يغط كل چم شهر يروح ماتعرف وين يولي ويرجع
قال حمدان بخوف وهو يكاد أن يرتجف:
- زعيتر اخاف هذا دمدم جن ليش انت سامع احد اسمو دمدم
ضحك زعيتر وقال:
- اول شي ماكو جن حوالينا
آني گضيت ١٥ سنة من عمري بين الحواووين وبالمغاير وداشر بهل چول
لاشفت جن ولا شيطان والصحيح اضحك بعگول الناس الي تصدگ هالسالفة
وبعدين تعال گلي شنو الي يخوف بالجن ها؟
ترى اذا الجن موجود هما هم مثلنا بس شكولهم غير شكل،
اجاب حمدان باستنكار كبير قائلا:
-استقفر الله ترى عمي محمد يگول الجن من أيات الله ومذكورين بالقرعان .
اجاب زعيتر بثقة:
-اي يخوي اني ماني ناكر هالشي
بس ترى مو كلشي مذكور بالقرعان لازم يكون موجود حوالينا
بعدين عمي محمد مرة گال بخطبة الجمعة
الجن ينهزم من ديرة بيها جامع ويخاف من الحديد
وشوف خربوشي مليان حديد من فوك ومن الحيطان
وترى دمدم مايمكن اسمو دمدم بس هو عبن يضل يدمدم بالحچي وكلامو مو واضح وسموه دمدم عبن يدمدم، خطية مسكين مخبل انت شايفو اشكد وصخ،
نوبة عمي محمد گلي ترى دمدم يروح يجدي من القرى الحوالينا لهل سبب يغط كل مدة
نوبات ايضل سنة يلا يجي،
بهذه الأثناء خرج دمدم من بين الأشجار واتجه إلى خربوش زعيتر، كان يحمل بيده حبة بطيخ وكلم زعيتر بنفس الطريقة يدمدم بكلمات غير مفهومة يشير بيده إلى فمه. كان حمدان منكمشاً على نفسه،
أما زعيتر فقد رفع بيده قطعة خبز وأشار لدمدم بمعنى تعال خذ الخبز.
وجاء دمدم يريد أن يخطف الخبز ويهرب كعادته؛
فهو لا يقارب أحداً حتى في أيام الشتاء الباردة، يخرج إليه بعض أهل القرية ويطلبون منه أن يدخل عندهم لكنه يهرب من الجميع. يلجأ إلى أكواخ البساتين الصيفية يشعل ناراً قرب الكوخ ويسكن به، وكان أهل القرية متعاطفين معه، بعضهم يعطيه شف والبعض الآخر يعطيه لحافاً أو برجداً(5) يتغطى به.
انتهت السهرة ونهض حمدان ليرجع للبيت
اوصاه زعيتر ان يحذف فكرة الخروج من القرية اشفاقا على امه
لكن حمدان لم يسمع نصيحة صديقه؛
حين صحت أمه صباح اليوم التالي لم تجده في فراشه،
كاد قلبها أن يتوقف شعرت ان شعر بدنها كله توقف
وخرجت تصرخ باسمه، بكل قوتها
واجتمع الناس عليها
وانطلق أهل القرية جميعهم
يبحثون عنه في كل مكان،
في كل الوديان والبراري، لم يجدوه أبداً. لقد رحل حمدان في تلك الليلة ليبحث عن الرجولة.
لم يعرف أحد من أهل القرية حينها......
أن حمدان حين رجع من عند زعيتر
بعد منتصف الليل، دخل البيت وصعد للسطح وجد أمه قد نامت، نظر إليها مدة كأنه يعاتبها
ثم نزل إلى فناء بيته وجلس على آخر درجة يفكر بكل حياته.
حاول أن يصعد لينام، لكنه بعد تفكير عميق، نهض وعلى وجهه علامات الإصرار وقد حدد هدفه.
دخل الدام مد يده تحت ثيابه
وأخذ بعض الدراهم التي كانت أمه تتركها له.ليشتري لنفسه اشياء يحبها حين ياتي البقال للقرية
جمع حمدان الدراهم
وربطها في صرة وربط الصرة على بطنه وانطلق إلى المورد الكبير. نزع نعليه وربطهما كذلك إلى بطنه ونزع ثيابه وربطهم بشكل محكم فوق راسه وأخذ ينظر للنهر.
تذكر كلام أمه حين قالت:
-لاتنزل عالمي بالليل ترى الجن يگعدون عالشاطي
انتابته رعدة عنيفة،
كاد أن يرجع عن قراره،
ثم تذكر كلام زعيتر عن الجن
ثم قال لنفسه بإصرار عجيب:
-شوف يحمدان اما تصير رجل أو موت احسنلك
وخاض في الماء وانطلق يسبح بكل قوته، جرفه التيار بعيداً عن المورد المقابل لكنه قاوم وهو يقول لنفسه:
- انت اتعرف تسبح لاتخاف ابد كمل يحمدان كمل،
سقطت صرة ملابسه خلف راسه وكاد رابطها ان يخنقه
شعر انه يغرق عدة مرات من التعب،
لكنه قاوم بكل ما فيه من قوة، وصل الشاطئ الآخر مرهقاً حد الموت.
كان المكان مليئاً بالأحراش
لم يستطع الخروج، سبح مع الشاطئ نزولاً حتى وجد مخرجاً من النهر،
خرج وجلس يتنفس بقوة ليرتاح،
ثم فرد ثيابه وعصرها ولبسها وارتقى الجرف. نظر يميناً ويساراً،
لمح نقطة بدت له كنجمة سقطت من السماء،
كان ذلك الضوء هو الذي يقصده من بعيد،
والذي قدّر أنه سيكون قريباً، وقد ساعده انجراف التيار له للوصول إلى منطقة تخييم الشابين سليمان وجواد والرجال معهما.
سار إلى الضوء، وصلهم قبل الفجر بقليل، حين سمع حارس القافلة صوت نعليه صرخ بأعلى صوته:
-من انت گول لا اذبحك؟
رد حمدان صارخاً وهو يكاد أن يموت فزعاً، وقد رفع يديه قائلاً بصوت يرتجف:
-يخوي صديج لا تضربني اترجاك
أنزل الحارس سلاحه وانتظر حتى وصل الشاب. حين وصل حمدان كان الرجال كلهم قد صحوا من النوم، كانت ثيابه قد جفت، سلم عليهم وقال لهم:
-اريد اجي معاكم
نظر إليه جواد بتمعن وقال:
-من انت وعليش تريد تجي معانا ها ؟ اخاف انت جساس منو وراك؟ ترى نحنا مسلحين ونضرب
رد حمدان وقد رفع يديه وهو يهزهما نفياً وقال:
-لا لا لا والله ماني جساس، آني بس اريد اجي معاكم واصير مثلكم، اليوم شفتكم لمن زتيتو نفسكم بالمي وطلعتو البنية
تمعن به سليمان وضيق عينيه وقال:
- انت مو الراعي الي چان متغبي بين النعاج چنو وحدة منهن؟
هز حمدان رأسه بحزن وقال:
-أي يخوي جيت عليك حتى تعلمني اصير مثلك
ضحك جواد وقال:
-يعني منت زعلان من سليمان عبن سبك
قال له حمدان:
-لايخوي والله سليمان صادگ
رد سليمان مستغرباً وقال:
-اشلون عبرت المي؟
أجابه حمدان خجلاً:
-ترى آني اعرف اسبح بس هاي اول نوبة اعبر المي سباحة
وقف سليمان وقال بغضب:
-عجل ليش ما فزعت لحرمة من ديرتك نختك يالخسيس
أطرق حمدان وقال بحزن:
-يخوي اني خواف اخاف من المي وأخاف من كلشي
وخلني بس اسولفلكم سالفتي،
دعاه جواد للجلوس،
جلس حمدان وحكى للشابين كل شيء،
تعاطف معه الجميع، وأحبه سليمان وجواد لصدقه وإصراره على تغيير نفسه،
قال احد الرجال واسمه عجاج
-اشلون عرفت مكانا؟
اجاب حمدان قائلا:
-يخوي اني خواف ماني اثول
انتم الضهر چنتم گبال جريتنا وشفتكم لمن مشيتو وين توجهتو وانتم تمشون على مشي الدابة وتمشون مع المي عبن عدكم حلال يعني
لمن يصير الليل ماراح تبعدون چثير.
ضحك الرجال وقال سلمان
-صحيح انت راعي وتعرف الدواب اكثر من ما تعرف البشر
رد جواد قائلا:
-والله يحمدان انك خوش ولد وفطين
واذا طلعت نظيف وماعندك سوالف مكسرة
راح نعلمك كلشي يسويك رجل
ناملك شوية گبل ماتطلع الشمس
حتى ترتاح گبلا نمشي.
أما أم حمدان فلم تتوقف عن البحث عن ابنها أبداً بعد أن توقف الجميع، وغدت كل يوم تخرج إلى جهة من الجهات المحيطة بالقرية تسأل عن حمدان، أو تجلس عند النهر وتنادي ولدها بأعذب الكلمات. لم تفقد عقلها لترتاح ولم تفقد الأمل لتهدأ، بل كانت على يقين تام أن ولدها سيرجع لقلبها الذي أصبح خاوياً من كل شيء.
يتبع.......
2168
(1) الوسر: في اللهجة الريفية الموصلية يعني العلامة أو الوشم الخاص. والدگة على الأنف علامة لعشيرة من عشائر السادة الأشراف في ريف الموصل.
(2) بوثا مايضل على تنور: هو الرغيف الذي يسقط في التنور قبل أن ينضج، تتركه الخبازة ساقطاً حتى يحمر على الجمر وقبل أن يحترق، تخرجه وتضعه على سطح التنور، يأكله كلب أو قط أو طيور، وحين يحين موعد خبز الخبز المرة التالية لا تجد أي شيء من فتات البوثا على التنور؛ فذهب مثلاً "بوثا مايضل على التنور".
يضرب المثل حين تتزوج فتاة لاتملك اي شيء من الجمال
(3) تصنيف البناء في القرى: مختلف حسب بنائه، أفضلها:
الخبان: حيطانه مرتفعة وسطحه مستقيم.
الدام: حيطانه منخفضة وسطحه جملون.
الخربوش: جدرانه أكثر انخفاضاً وسطحه من تنك وأخشاب.
السيباط أو السيبات: حسب لهجة البعض، هو عبارة عن أربع عواميد واقفة على شكل مربع أو مستطيل مغطى بالسعف أو القش غالباً يبنونه في البساتين للاستراحة وأيضاً لتنسيق المحاصيل وترتيبها في الصناديق.
(4) واليد وويلاد: تعني أولاد، واليدي تعني أولادي، ونحن في الموصل نقول ويلادي وتعني أولادي (اختلاف لهجات).
(5) البرجد: فراش أو غطاء تخيطه النساء القرويات من الملابس القديمة، طبقات فوق بعضها البعض، ولا تستغرب إذا تلفت خيوط خياطته بعد سنين وتفككت أجزاؤه لترى في وسطه ثوبك الذي كنت تلبسه وأنت طفل صغير.
