رواية لهيب الكبرياء الفصل الاول 1 بقلم ملكة الروايات


 رواية لهيب الكبرياء الفصل الاول 

​صوت انغلاق الباب الخشبي الثقيل كان كفيلًا بقطع الصمت الخانق الذي يخيم على المكتب العتيق. واقفة هي في منتصف الغرفة، مرفوعة الرأس، تثبت عينيها بصلابة تُخفي خلفها زلزالًا من المشاعر المشتعلة. لم تكن خائفة، أو ربما كانت ترفض أن يلمح هو مجرد ظلٍ للخوف في عينيها.
​خطا خطواته البطئية نحوها، هيبته الطاغية تملأ المكان، وعيناه النافذتان كالرصاص تحاصر المدى بينهما. وقف على بعد خطوة واحدة فقط، خطوة كانت تفصل بين كبرياء امرأة أقسمت ألا تنحني، وغرور رجل لم يعتد أن يعترض طريقه أحد.
​ "تظنين أنكِ قادرة على خوض هذه الحرب معي يا يارا؟"
قالها بنبرة هادئة.. هدوء يسبق العاصفة، وصوته الرخيم يحمل تحذيرًا صريحًا.
​تبسمت هي ابتسامة باردة، تشوبها ثقة لا تتزعزع، وهي ترد بثبات هزّ أركان الغرفة:
 "أنا لا أخوض الحروب لأتخلى عنها يا فارس.. ومن يقف في وجهي، عليه أن يتحمل لهيب النار التي يشعلها بنفسه."
​التقت أظافره بيده المغلقة بقوة، وحصل تصادم سامت بين نظراتهما؛ نظرات لم تكن تحمل العداء وحده، بل كان يختبئ في عمقها شرار مبهم.. شرار لم يفهمه أحدهما بعد، لكنه كان كفيلًا بإحراق كل الشكوك.
​هو يرادد نفسه: كيف لهذه المرأة أن تملك كل هذه الجرأة؟ وهي تنادي قلبها: حذارِ أن تضعف أمام هيبته!
​ساد صمت قطعه صوت فارس وهو يميل بقربه قليلًا، حادًا وجادًا:
 "ستندمين على كل كلمة خرجت من شفاهكِ للتو."
​ردت بصوت خفيض، يقطر تحديًا، وعيناها تنظران لعينيه دون أن ترمش:
 "الأيام بيننا.. ولنرى من منا سيندم أولًا."
​تركت كلماتها المدوية تدوي في أرجاء المكان، وتراجعت خطوة للوراء بخفة، ثم التفتت وغادرت بخطوات واثقة تثقب الصمت، تاركة خلفها رجلاً يُفكر لأول مرة أن خصمه هذه المرة ليس ككل الخصوم.. بل هو عاصفة جارفة ترفض الاستسلام.

​خرجت "يارا" من المبنى العتيق، وشمس الظهيرة تضرب وجهها بحرارة لم تكن تقارَن باللهيب المشتعل داخل صدرها. أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول أن تهدئ من روع ضربات قلبها المتسارعة. لم يكن خوفًا منه.. بل كان من ذاك الحضور الغريب الذي يفرضه "فارس" بمجرد دخوله أي مكان.
​أخرجت هاتفها ببرود ظاهري، وضغطت على زر الاتصال، وهي تجر خطوتين نحو سيارتها.
 "يارا! ماذا حدث؟ هل وافق على التنازل؟" جاءها الصوت المتوتر عبر الهاتف.

​أغلقت عينيها لثانية، ثم فتحتهما وهي تنظر إلى النافذة العلوية للمكتب، حيث كانت تلمح طيف رجل يقف خلف الستار، يراقب المغادرة بذات العينين الصقريتين.
​ردت بصوت ناعم كالحرير، لكنه صلب كَالحديد:
 "أمثال 'فارس' لا يتنازلون يا صديقتي.. هم يخوضون المعارك بكل قسوة، وأنا هنا لأضمن ألا يخرج من هذه المعركة منتصرًا."
​أغلقت الخط قبل أن تسمع اعتراض الطرف الآخر، وقادت سيارتها مبتعدة، وهي تقسم داخلها أن المعركة قد بدأت للتو.
​على الجانب الآخر، وفي أعلى ذلك المبنى..
​كان "فارس" يقف صامتًا، يراقب سيارتها وهي تتوارى بين زحام الشوارع. وضع يديه في جيبي بنطاله، وابتسامة غامضة، لا تخلو من الإعجاب الخفي، ترتسم على شفتيه.
​دخل سكرتيره الخاص وهو يحمل ملفًا ضخمًا، يبدو عليه التردد:
 "فارس بك.. الورق جاهز، والشركاء يضغطون لإلغاء الاتفاق مع عائلتها فورًا والبدء في الإجراءات القانونية."
​التفت إليه فارس ببطء شديد، وانطفأت الابتسامة الغامضة لتستبدل بصرامته المعتادة، وقال بصوت حاسم أربك سكرتيره:
 "تجمّد كل الإجراءات القانونية حالياً."
​اتسعت عينا السكرتير بذهول:
 "لكن يا أفندم.. هم رفضوا شروطك تمامًا، وهذه المرأة تتحداك علنًا!"
​اقتصر رد فارس على نظرة واحدة جعلت الآخر يصمت تمامًا، ثم قال وهو يلتفت مجددًا نحو النافذة:
 "هذه المرأة لا تُحارَب بالأوراق والقوانين يا كريم.. هذه المعركة تحتاج لترتيب من نوع آخر. أعدّ لي ملفًا كاملاً عن كل ما تخصها.. صغيرًا كان أم كبيرًا."
​ثم أردف بصوت خفيض لم يسمعه غيره:
 "نريد أن نعرف كم تصمد هذه الشعلة قبل أن تلتهم صاحبها."
​لم تكن تعلم يارا وهي تخطط لخطوتها القادمة، ولا فارس وهو يحبك شباكه حولها، أن الحرب بينهما لن تكون مجرد حرب مصالح أو كبرياء.. بل ستكون فخًا مشتعلًا تسقط فيه قلوبهما قبل أسلحتهما.🔥🔥❤❤
​في ذات الليلة، وفي تمام الساعة الحادية عشرة مساءً..
​كان الهدوء يغلف المدينة، لكن العاصفة داخل شقة "يارا" كانت في أوجها. أوراق مبعثرة على الطاولة، وشاشة الحساب الآلي تضيء وجهها الشاحب، وفنجان القهوة الساخن يتصاعد منه الدخان ليختلط برائحة التوتر الملموسة في أرجاء الغرفة.
​كانت تراجع القوائم المالية والوثائق القانونية لشركة عائلتها، تلك الشركة التي أفنى والدها عمره لبنائها، والتي يحاول "فارس" الآن بكل نفوذه وقوته أن يضع يده عليها أو يدمرها ليجبرها على خوض شروطه.
​فجأة، أضاءت شاشة هاتفها برقم غير مسجل.
​ترددت لثوانٍ، ثم رفعت السماعة وهتفت بنبرة هادئة جافة:
 "أهلاً.."
​جاءها الصوت عبر الأثير.. نفس الصوت الرخيم الذي يتقن إرباك الأنفاس، نبرة متزنة تحمل في طياتها غروراً لا ينتهي:
 "أما زلتِ مستيقظة تراجعين خطط الحرب يا يارا؟"
​قبضت على الهاتف بقوة، وتجمدت حركتها لثانية، قبل أن تستعيد توازنها وتتسع ابتسامتها الساخرة:
 "ومنذ متى ينام الجنود في ساحة المعركة يا فارس بك؟ أم أنك تتصل لتتأكد إن كنتُ قد استسلمتُ للخوف؟"
​سمعت عبر الهاتف ضحكة خفيفة، خفيضة، أرسلت قشعريرة غريبة في سائر جسدها، ثم قال بنبرة دافئة بطريقة مستفزة:
 "الخوف لا يليق بكِ.. وأنا لا أحارب خصماً يسهل كسره. أردتُ فقط أن أحيطكِ علماً أن خطوتكِ القادمة مع البنك قد أُغلقت أبوابها بالفعل قبل أن تبدئيها."
​اتسعت عينا يارا وانتصبت في جلستها، ونار الغضب تشتعل في عينيها:
 "ماذا تفعل؟ هل تستغل نفوذك لقطع الطرق أمامي؟"
​رد ببرود تام وهو يتكئ على مكتبه في الناحية الأخرى من المدينة، ينظر إلى أضواء الشوارع من نسيم الليل:
 "أنا لا أقطع الطرق.. أنا أُجبركِ فقط على المجيء إلى طريقي أنا. غداً في الثامنة صباحاً، أنتظركِ في مكتبي لنوقع اتفاقاً جديداً.. بشروطي."
​اشتعل الكبرياء في قلبها، وقالت بصوت ناعم، يقطر ثقة وتحدياً جعل حبال الصوت لدى فارس تشتد ذهولاً:
"إن كنتَ تظن أنك حاصرتني، فأنت لا تعرف مع من تلعب يا فارس. غداً في الثامنة صباحاً سأكون هناك.. ليس لأوقع شروطك، بل لألقي في وجهك بالرد الذي لم تتوقعه يوماً."
​وقبل أن يمنحها إجابة، أغلقت الخط في وجهه!
​تنفس فارس بعمق في مكانه، ينظر إلى الهاتف المنطفئ بين يديه. لم يجرؤ أحد من قبل على إغلاق الخط في وجهه، لكن هذه المرأة.. هذه العاصفة التي اقتحمت عالم الرتابة في حياته، كانت تثير في داخله مشاعر لم يعهدها من قبل. صراع بين رغبته في إخضاع كبريائها، وبين شغف غامض برؤية تلك النار المشتعلة في عينيها من جديد.
​أما هي، فقد وضعت الهاتف جانباً، ووقفت أمام النافذة تطل على الليل، وتضع يدها على قلبها الذي كان يدق بسرعة.
 "لن أنحني لك يا فارس.. حتى لو كان الثمن أن يحترق قلبي في هذه النار."
​مع إشراقة صباح اليوم التالي، وتحديداً في الثامنة إلا خمس دقائق..
​كانت سيارة يارا تقف أمام البرج التجاري الضخم لشركة فارس. خرجت منها وهي ترتدي بدلة رسمية سوداء أنيقة، وحذاءً ذا كعب عالٍ يرن بثبات على الأرضية الرخامية. كانت تشبه ملكة تتقدم نحو عرشها وسط سيل من عيون الموظفين المتسائلة.
​فتحت باب مكتبه دون أن تنتظر إذن السكرتير، لتدخل كالقدر.
​كان هو يقف خلف مكتبه الفاخر، يرتدي بدلة داكنة تزيده هيبة ووقاراً. التقت نظراتهما في الهواء، لتندلع الشرارة الأولى لمواجهة صباحية ستقلب كل الموازين.
​ابتسم فارس ببطء وهو يطفئ سيجاره، وقال بنبرة هادئة:
 "وصلتِ في الموعد تماماً.. يبدو أن الحرب تبقيكِ نشيطة."
​قربت يارا من المكتب بخطوات واثقة، وأخرجت ملفاً أسود اللون من حقيبتها، ثم ألقته على مكتبه بقوة أحدثت صوتاً مدوياً في أرجاء الغرفة، وهتفت بنظرة ثاقبة:
 "اقرأ هذا الملف يا فارس.. وبعدها اطلب مني أن أوقع على شروطك إن استطعت!"
​اتسعت ابتسامة فارس الغامضة، ولم يمد يده إلى الملف، بل ثبت عينيه الحادين في عينيها مباشرة، وخطا خطوة واحدة نحوها، لتصبح المسافة بينهما معدومة تقريباً..
​ "القصة لم تعد قصة أوراق يا يارا.." زمجر بصوت خفيض وساحر وهو يميل نحوها ".. اللعبة الآن بيني وبينكِ فقط."
​تري ماذا سوف يحدث بينهما!؟ 


تعليقات