رواية لهيب الكبرياء الفصل الثاني
ساد السكوت في الغرفه
كأن الزمان وقّف، وما فضلوش في الكون ده كله غير أنفاسهم المتسارعة ونظراتهم المشتعلة اللي بتتثبت في بعضها من غير رحمة. المسافة المعدومة بينهم ما كانتش مجرد مسافة، دي كانت ساحة حرب مصغرة كل واحد فيهم بيختبر فيها ثبات التاني.
يارا ما اتراجعتش شبر واحد، بالعكس، رفعت رأسها أكتر وبصت في عمق عينيه الصقريتين من غير ما ترمش، ومتجاهلة القشعريرة اللي جرت في جسمها من قربه المفاجئ وصوته الرخيم اللي شبه فخ مقفول بتكتكة معلم. ابتسمت ابتسامة تريقة رسمتها بدقة على شفايفها، وقالت بنبرة هادية بس تغلي:
"لو اللعبة بيني وبينك بس يا فارس بيه، يبقى ده اعتراف منك إنك فشلت تستخدم أوراقك ونفوذك. مش محزنة شوية لراجل بحجمك إنه يلعب مباشر بعد ما البيادق بتوعك عجزوا يحسموا المعركة؟"
اتشنجت عضلة في فكه وهو بيسمع كلامها المسموم، بس وشّه فضل محافظ على جموده، ومال بجسمه ناحيتها أكتر لحد ما بقى مغطي عليها بهيبته الطاغية، وقال بصوت واطي يقطر ثقة وخطورة:
"البيادق بتقع عشان تفضي مكان للملوك يا يارا. والأوراق اللي رميتيها على مكتبي بتحدي طفولي دي ما تهمنيش، اللي يهمني إنك هنا دلوقتي.. واقفة في ملعبي، وتحت شروطي، وقدام عينيا اللي ما بترحم حد فاكر نفسه ند ليا."
مدت إيدها بخفة ونقرت بأطراف أظافرها على الملف الأسود اللي بينهم على المكتب الرخام، ليرن الصوت في الهدوء الخانق ده، وقالت:
"افتح الملف ده الأول قبل ما تتكلم عن عرشك وسيطرتك، يمكن تلاقي فيه اللي يخليك تعيد حساباتك من الصفر."
بص فارس للملف بنص عين، وبعدين رجع بص لها من غير ما يحرك إيده يشيله، وسألها ببرود يستفز الحجر:
"وايه يعني اللي هيحتويه ملف عملته واحدة الخوف بياكل فيها على شركة أبوها اللي بتقع؟"
ضايقت عينيها بشرار غضب، ورغم زلزال المشاعر اللي شغال جواها، حافظت على نبرتها صلبة زي الحديد:
"في السلاح اللي بيهد تحالفك الجديد مع البنك الأوروبي. فاكر إنك قفلت الأبواب في وشي إمبارح، صح؟ بس نسيت إن أنا ما بخبطش على الأبواب المقفولة يا فارس.. أنا بهد الحيطان! الملف ده فيه وثائق أصلية بتثبت إن الشريك الأجنبي اللي أنت معتمد عليه في تمويل صفقتك الكبيرة بيمر بأزمة سيولة خطيرة وأسهمه اتحفظ عليها في البورصة من كام ساعة بس! خطوتك الجريئة عشان تقطع التمويل عن شركتنا ردت في صدرك.. ودلوقتي، يا إما تتراجع عن ضغطك وتوقع اتفاقية شراكة متكافئة، يا إما أخرج من المكتب ده وأسرب الوثائق دي للصحافة الاقتصادية.. وجمعتها مش هتخسر الصفقة بس، أسهم مجموعتك كلها هتوقع في السوق في دقايق!"
ملامح فارس اتغيرت بالتدريج، والابتسامة الغامضة اختفت وحل مكانها تكشيرة صارمة تحولت معاها عينيه لحجرين ثلج. حس بقلبه بيولع، مش بس غضب من الضربة المتظبطة دي، لا.. دي كانت شرارة دهول وإعجاب دفين بالشعلة اللي واقفة قدامه. ما توقعش إن حد يقدر ينبش في خفايا شركائه الدوليين بالسرعة والسرية دي! يارا أثبتت في اللحظة دي إنها مش مجرد خريجة إدارة أعمال بتحمي ورث أبوها، دي عاصفة ذكية عارفة بتضرب فين عشان تهد الدنيا.
سحب فارس الملف ببطء شديد وفتحه بإيد ثابته، يقلب الصفحات بسرعة واحترافية وعينيه بتبلع الأرقام والأختام الرسمية. كان كل حرف بيقرأه بيبصم على صحة كلامها ويحط استثماراته في اختبار حقيقي. قفل الملف بهدوء ما عكسش النار اللي جواة، ورفعه حطه على جنب، وطلع ناحية شباك المكتب الكبير يبص على المدينة تحت. وقف وظهره ليها، حط إيديه في جيوبه وقال بنبرة هادية تخوف:
"ذكاء حاد.. وتخطيط خبيث.. وشجاعة بتسحب بساط السيطرة من تحت رجل الكل. أبوكي ما أورثكيش الشركة بس يا يارا، أورثك عقل ما يعرفش يعني ايه هزيمة."
لف لها ببطء، وكانت نظراته جديدة تماماً، كأنها نظرة حاسمة مش عاوزة تدمر الخصم.. دي عاوزة تمتلكه! وأكمل:
"بس نسيتي تفصيلة صغيرة أوي.. تفصيلة بتخلي كل الورق ده ما يسواش الحبر اللي اتكتب بيه!"
قطعت هي المسافة اللي بينها وبين القلم اللي على المكتب، وقالت بثبات:
"ما فيش تفاصيل بتفوتني يا فارس بيه، حاول تدرس موقفك كويس قبل ما تراهن على ورقة خاسرة."
قرب فارس منها تاني بخطوات موزونة، لحد ما أطراف هدومه لمست بدلتها الرسمية، وهمس بحدة جمدت الهوا بينهم:
"التفصيلة الصغيرة إن الشريك الأجنبي ده ما كانش غير طعم أنا اللي حطيته بنفسي عشان أستدرج بيه الخصوم! كل الوثائق والبيانات المتسربة اللي في إيديكي دي.. كانت الخطة اللي أنا أردتك أنتِ بالذات تمسكيها، عشان أعرف لأني مدى أنتِ مستعدة تروحي في الحرب دي."
اتسعت عيون يارا بصدمة حاولت بالعافية تخفيها ورا نظرة عدم اهتمام، وحست برجليها بترتجف تحت ثقل المفاجأة. هو كان عارف؟ هل كانت بتتحرك في مسرحية هو اللي كاتب السيناريو بتاعها بالكامل؟
أكمل فارس وهو بيميل برأسه ناحية أذنها، وصوته نزل زي السم الناعم:
"البنك ما قفلش أبوابه بنفوذي، البنك قفل بناءً على اتفاق سري بيني وبين رئيس مجلس إدارته من أسبوع! ودلوقتي، الورق اللي هددتي تنشريه للصحافة هو الاختبار الحقيقي لوقوعك في الفخ. لو خرجتي بالورق ده ونشرتيه، هتبقي متهمة بالتجسس الصناعي والتسريب غير القانوني لوثائق مالية محمية، وأنا بنفسي هضمن إنك تقضي باقي حياتك ورا الشمس، وشركة أبوكي تنهار للأبد من غير ما أحرك صباع واحد!"
أنفاس يارا اترددت، وحست بالنار بتطلع في وشها، بس كبرياءها الرهيب رفض يدي له متعة إنه يشوف انهيارها. بصت في عينيه من مسافة قريبة أوي، وقالت بصوت ناعم ومتهدج من قوة التحدي:
"فاكر إنك عملت الفخ المثالي؟ تبقى ما تعرفش إني لما بدخل فخ.. بحرقه باللي فيه! لو هروح الهاوية يا فارس، مش هروح لوحدي.. هسحبك معايا من إيدك دي، ونلتقي مع بعض في القاع!"
اتلاقت نظراتهم بثبات يرعب، واختلطت أنفاسهم المشتعلة في تصادم صامت كان فاضل له تكّة ويولع المكان. كبرياء ست رافضة تنكسر، وغرور راجل رافض الهزيمة.. وبينما الصراع وصل لقمته في اللحظة دي، رن تلفون فارس فجأة عشان يقطع الحبل المشدود بينهم!
ما شالش عينيه من عينيها وهو بيمد إيده لجيب جكيتته ويطلع التلفون. فتح الخط ورفعه على أذنه من غير ما ينزل نظره عنها، وقال بجفاف:
"اتكلم يا كريم."
جه صوت سكرتيره بيرتجف ومضطرب من الناحية التانية، صوت باين فيه حالة طوارئ بجد:
"فارس بيه! في كارثة في المينا! الشحنة الكبيرة بتاعة المشروع القومي السلطات تحفظت عليها، وفي بلاغ مجهول بيتهم الشركة بإنها بتستورد مواد غير مطابقة للمواصفات! الصحافة مالية المكان والأزمة بتكبر في ثواني!"
اتجمدت ملامح فارس لثانية، والتمع في عينيه الصقريتين ذهول ما حدش شافه قبل كده! بصت له يارا بثبات، وعلى شفايفها اترسمت ببطء ابتسامة انتصار ساحرة.. ابتسامة وّرته في لحظة واحدة مين اللي كان ماسك اللعبة الحقيقية طول الوقت!
نزل فارس التلفون ببطء شديد، وعينيه بتتفحص وش يارا بذهول ودهشة مجنونة، وسألها بنبرة حادة زي السيف:
"أنتِ اللي ورا بلاغ المينا؟"
رجعت يارا خطوة لورا بخفة وأناقة، وظبطت لياقة بدلتها بثقة مطلقة، وقالت بنبرة تقطر عسل وسم في نفس الوقت:
"قلت لك قبل كده يا فارس بيه.. الملف الأسود كان مجرد تسلية عشان أشغلك عن المعركة الحقيقية. بينما أنت فاكر إنك بتنسج شبكتك حولي هنا في المكتب العتيق ده، كانت رجالي بتحط اللمسات الأخيرة في الميدان بجد. اللعبة لسه ما بدأتش.. ودلوقتي، وريني هتنقذ عرشك إزاي قبل ما يتحول لرماد!"
أتمخضت وبدأت تمشي بخطوات واثقة ترن في أرضية المكتب الفاخر، متجهة للباب. وقبل ما تحط إيدها على الأكرة، وقفت ولفت رأسها له، لتلاقيه واقف مشدود القامة، بينظر لها بعينين والعة بنار ما شافهاش قبل كده.. نار جمعت بين الغضب الساطع، والشغف الأعمى بالست دي اللي اتجرأت تهين كبرياءه وتهز عرشه لأول مرة في حياته!
قال فارس بصوت حاسم ورنان هز اركان الغرفه:
"مش هتخرجي منتصرة من المعركة دي يا يارا.. أقسم لكِ إني هخليكي تدفعي ثمن الليلة دي، وهنزع الكبرياء ده من قلبك بإيديا دول!"
ابتسمت يارا ابتسامة زي الشعلة، وقالت بصوت واطي بس وصل له بوضوح:
"الميدان مفتوح يا فارس.. ونشوف مين فينا هيدفع الثمن الأول."
فتحت الباب وخرجت بخطوات ملكية خرمت الصدمة اللي كانت على وشوش الموظفين بره، وسبت وراها راجل بيكتشف لأول مرة في حياته إن خصمه الجاي مش مجرد منافس تجاري.. ده إعصار ممكن يقلع قلبه وعقله مع بعض قبل ما الحرب دي تخلص!
وشعر بشئ يجذبه اليها وكانت دقات قلبه تدق كدقات طبول الحرب والاول مره يشعر بهذه الدقات الغريبه
شعر انه في خطر وشعر انه ينجذب اليها والي صلابتها وكبريائها
تري ماذا سوف يحدث بينهما في هذه الحرب البارده
هل هي حرب عمل وبقاء للاقوي ام هي حرب قلوب تخاف الاعتراف بالحب
