رواية عذبة النخيل الفصل الأول بقلم حنان أحمد ماهر
في أقصى جنوب الصعيد، وعلى ضفاف النيل، كانت تقع قرية صغيرة اسمها عذبة النخيل.
لم تكن قرية عادية...
كانت البيوت فيها مبنية بالطوب الأحمر والحجر القديم، تتوسطها شوارع ضيقة يعرف أهلها بعضهم بالاسم، وتحيط بها مساحات واسعة من القصب والقمح، بينما كانت أشجار النخيل تصطف كأنها حراس لا ينامون.
في عذبة النخيل...
الكلمة لها وزن.
والوعد دين.
والشرف لا يُساوَم عليه.
وكانت العداوات تورث كما تورث الأرض.
مع أول خيط من ضوء الفجر، انطلق أذان المسجد الكبير، فبدأت البيوت تستيقظ واحدًا تلو الآخر.
خرج الرجال إلى الحقول، وخرجت النساء يملأن الجرار بالماء، بينما كانت رائحة الخبز البلدي الساخن تنتشر في الأزقة.
في طرف القرية، كان يقف بيت كبير يملكه الحاج عبدالجواد الدمنهوري، أحد أكبر ملاك الأراضي، ورجلًا يعرفه الجميع بالشدة والحزم.
ولم يكن بعيدًا عنه اصطبل الخيل يسير فارس الدمنهوري الحفيد الأكبر لعبد الجواد الدمنهوري.
كان فارس في الثامنة والعشرين من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، هادئ الطباع، لكنه إذا غضب أصبح كالإعصار.
كان الاصطبل هو مملكته الخاصة بمجرد أن يقترب تبدأ الخيل في الحركة وكأنها تشعر بوجوده يرتب على اعناقها بحنان ويتفقدها بنفسه كل صباح ورث عن جده عشق الخيل الذى كان دائما يقول له.
(الرجل يعرف من هبته...والخيل تعرف باصلها)
وكان معروفًا عن فارس بين أهل البلد بأنه لا يترك حق مظلوم.
خرج من بيته بعد صلاة الفجر، وهو يعدل عقاله فوق رأسه، ثم اتجه نحو المندرة، حيث كان صديقه المقرب حمزة يجلس وحده يحتسي كوبًا من الشاي.
اقترب فارس وربت على كتفه.
مالك يا حمزة؟ بقالك كام يوم سرحان.
رفع حمزة رأسه، وابتسم ابتسامة باهتة.
مفيش... ياصاحبى .
جلس فارس بجواره، ثم أشعل سيجارة وقال:
طول عمرك لما تقول "مفيش" أعرف إن في حاجة كبيرة.
تنهد حمزة وهو ينظر إلى أشجار النخيل التي تتحرك مع نسيم الصباح.
فاكر بنت الحاج عبدالرحيم؟
ابتسم فارس وقال:
آيات؟
هز حمزة رأسه في هدوء.
أيوه... آيات.
سكت قليلًا، ثم أكمل بصوت خافت:
أول مرة شفتها كانت عندها ستاشر سنة... كانت راجعة من المدرسة شايلة شنطة الكتب، وكانت ماشية مع أختها الصغيرة.
ابتسم وهو يتذكر.
يومها عربية نقل كانت داخلة بسرعة على الطريق الزراعي، والبنات ماخدوش بالهم... جريت وسحبتها بعيد قبل ما العربية توصل.
ضحك فارس وهو يقول:
ومن يومها قلبك راح خدته معها بنت عبد الرحيم .
خفض حمزة رأسه، ولم ينكر.
يمكن... بس والله يا فارس عمري ما كلمتها كلمة تغضب ربنا. كنت كل اللي أتمناه إنها تكبر، وأدخل بيت أبوها من بابه.
نظر إليه فارس طويلًا، ثم قال وهو يرطب على كتفه :
وأنا شاهد على ده ياصاحبى انت مافيش حد فى اخلاقك.
كمل حمزه بضيق . كلمتنى آيات امبارح بالليل وقالت إن أبوها رنها علقه موت امبارح بسبب ابن عمك عباس راح
وقاله انى على علاقة بيها.
الغضب اتملك فارس وتكلم وهو بيجز على أنيابه . إبن الكلب لوله العيبه وأنه إبن عمى كنت طخيطه وخلصت منيه البكف ده
ولا يهمك ياصاحبى انت تروح تطلبها من أبوها وتفهمه
كل حاجه وأن شاء الله تكون من نصيبك
رفع حمزة عينيه إليه بتردد.
تفتكر هيقبل يسمعني؟
ابتسم فارس بثقة.
حتى لو رفض، لازم يعرف إنك راجل، وإنك دخلت البيت من بابه. والراجل المحترم عمره ما يعيبه إنه يطلب الحلال.
ظل حمزة صامتًا للحظات، ثم قال:
حاضر... هروح ربنا يقدم اللى فيه الخير
رتب فارس على ضهر . خير ياصاحبى إن شاء الله هيحصل كل خير
وفي مكانٍ آخر... بعيدًا عن هدوء الصعيد، وتحديدًا في الإسكندرية.
كانت المدينة قد استيقظت على صوت البحر، وزحام السيارات، وصفارات القطارات التي لا تتوقف.
وسط هذا الزحام...
كانت فتاة تركض بكل ما تملك من قوة.
تحمل حقيبة سوداء على ظهرها، وتضمها بيدها كأنها أغلى ما تملك، بينما تلتفت خلفها كل عدة خطوات، وعيناها تمتلئان بالخوف.
كان نفسها يتسارع، وقطرات العرق تنساب على جبينها رغم برودة الصباح.
همست وهي تلهث:
ـ يا رب... استرها معايا... يا رب.
وصلت إلى بوابة محطة القطار في اللحظة التي انطلق فيها جرس قيام أحد القطارات.
ازدحم الناس حولها، رجال ونساء وأطفال، وكل واحد منهم منشغل بنفسه.
اختلطت بينهم بسرعة، وهي تحاول أن تخفي ملامحها بطرف إيشاربها.
وقبل أن تصعد درجات الرصيف...
سمعت صوتًا غاضبًا يهتف من بعيد:
ـ هناك... البنت أهي!
تجمد الدم في عروقها للحظة.
التفتت سريعًا، فرأت ثلاثة رجال يشقون الزحام بعنف، ينظرون في وجوه الناس حتى وقعت أعينهم عليها.
صرخت داخلها:
ـ الحقوني يا رب...
ثم ركضت من جديد.
اصطدمت بأكثر من شخص وهي تعتذر دون أن تتوقف، حتى وصلت إلى باب أحد العربات قبل أن يغلق بثوانٍ.
قفزت إلى الداخل، وسقطت على الأرض من شدة التعب.
وفي اللحظة نفسها...
أغلق باب القطار، وانطلق ببطء مغادرًا المحطة.
وقف الرجال على الرصيف ينظرون إلى القطار وهو يبتعد، وقد ارتسم الغضب على وجوههم.
قبض أحدهم على هاتفه وقال بعصبية:
ـ هربت... بلغ الباشا، وقوله إنها مش هتعرف تستخبى مننا.
...
داخل القطار...
كانت الفتاة تلتقط أنفاسها بصعوبة، ويداها ترتجفان بقوة.
احتضنت حقيبتها إلى صدرها، وكأنها تخشى أن ينتزعها أحد منها.
جلست بجوار النافذة، وأخذت تنظر إلى المدينة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها منعتها من السقوط.
همست بصوت مكسور:
ـ سامحيني يا أمي... ماكانش قدامي غير إني أهرب... لو فضلت هناك كانوا هيقتلوني.
ثم أخرجت من جيبها صورة صغيرة لامرأة في الخمسين من عمرها، قبلتها برفق، وأعادتها إلى مكانها.
وفي المقعد المقابل لها...
كانت سيدة مسنة تراقبها منذ أن صعدت.
اقتربت منها برفق وقالت:
ـ مالِك يا بنتي؟ شكلك خايفة.
ارتبكت الفتاة سريعًا، ومسحت دموعها.
ـ لا... مفيش يا حاجة... شوية تعب بس.
ابتسمت العجوز بحنان، لكنها أدركت أن خلف تلك الكلمات حكاية كبيرة.
قالت بهدوء:
ـ أوقات الهروب بيكون بداية نجاة... ربنا يكتب لك الخير يا بنتي.
اكتفت الفتاة بهز رأسها، بينما عاد القلق يملأ عينيها.
لم تكن تعلم...
أن القطار الذي يحملها الآن إلى الصعيد، سيقودها إلى قرية عذبة النخيل و........
