رواية الطفلة والوحش الجزء الثاني الفصل الأول 1 بقلم نورا السنباطي

 

رواية الطفلة والوحش الجزء الثاني الفصل الأول بقلم نورا السنباطي


بسم الله الرحمن الرحيم 🤍
مرَّ عام... لكن بعض الحكايات لا يقدر الزمن أن يطوي صفحاتها.

هناك قصص تنتهي عندما تُكتب كلمة "النهاية"، وهناك قصص ترفض أن تموت، وتعود من جديد لتُكمل ما بدأته... وقصتنا كانت واحدة منها.

قد يكون الكثير قد تغيّر، وقد تكون الأيام سرقت الضحكات، وبدّلت القلوب، وأخفت أسرارًا لم يكن أحد يتوقع ظهورها.

لكن تذكروا جيدًا...

فالطفلة لم تعد كما كانت.
والوحش... لم يعد ذلك الوحش الذي عرفتموه.

في هذا الجزء ستنكشف حقائق ظلت مدفونة طويلًا، وستبدأ معارك لم تكن في الحسبان، وستتحول الثقة إلى شك، والحب إلى اختبار، وستصبح كل لحظة قادرة على تغيير مصير الجميع.

إن كنتم أحببتم الجزء الأول...
فاستعدوا، لأن الجزء الثاني يحمل وجعًا أكبر، وأحداثًا أقوى، ومفاجآت لن ترحم أحدًا.

مرحبًا بكم من جديد...
في عالم الطفلة والوحش – الجزء الثاني.

فلنفتح الصفحة الأولى...
ولنرَ ماذا خبّأ القدر هذه المرة. 
#رواية_الطفلة_والوحش💛
#الجزء_الثاني💛 

الفصل الأول

مرّت عشرون عامًا...

لكن بعض الجروح لا يعالجها الزمن.

---

في قلب المدينة...

وقف المبنى الأشهر والأضخم...

شركة الصياد.

ناطحة سحاب شاهقة، واجهتها بالكامل من الزجاج الأسود، يتوسطها شعار الشركة الفضي الذي كان كفيلًا وحده أن يزرع الرهبة في قلوب الجميع.

وقف عشرات الحراس مصطفين أمام المدخل الرئيسي، بينما اصطف الموظفون على الجانبين في احترامٍ تام.

لم يكن أحد يتجرأ على الحديث...

فالوقت قد حان لخروج أصحاب الشركة.

انفتح الباب الزجاجي ببطء...

لتخرج مجموعة من الرجال، وكل واحد منهم يحمل هيبة تكفي لإسكات المكان.

في المقدمة...

يزن احمد الصياد.

رغم مرور السنوات، لم تستطع أن تنزع منه وقاره، بل زادته صلابة. بدلته السوداء صُممت خصيصًا له، وساعته الفاخرة تلمع مع أشعة الشمس، أما عيناه فكانتا حادتين تكفي نظرة واحدة منهما لإرباك أي شخص يقف أمامه.

إلى جواره...

يامن.

ابتسامته الخفيفة كانت تخدع الجميع، لكن رجال الأعمال يعلمون جيدًا أن خلف تلك الابتسامة عقلًا لا يرحم في الصفقات، وهيبة تجعل الجميع يحسب له ألف حساب.

ثم خرج قصي...

طويل القامة، عريض الكتفين، ملامحه هادئة، لكن هدوءه كان أخطر من الغضب نفسه.

أما فهد...

فكان حضوره مختلفًا.

نظراته الثابتة، وخطواته الواثقة، وصمته الدائم... جعلت الموظفين يخفضون رؤوسهم فور مروره.

تبعه ريان...

بشخصيته الجذابة وابتسامته الواثقة التي لم تكن تغادر وجهه إلا في الاجتماعات المصيرية.

وخلفه...

لؤي.

هيبة ورزانة، لا يتحدث كثيرًا، لكنه حين يتكلم يصمت الجميع.

ثم...

عز.

كان أكثرهم صرامة، حتى إن الحراس وقفوا باستقامة أكبر لحظة مروره.

وبجواره...

رعد.

ملامحه الحادة وصوته العميق جعلاه من أكثر رجال العائلة رهبةً.

وفي المنتصف...

كان يسير .

رئيس مجلس الإدارة.

مرّت السنوات، لكن حضوره أصبح أقوى من أي وقت مضى.

بدلته السوداء، شعره الذي غزاه بعض الشيب عند جانبيه، وساعته الفاخرة، ونظرته الثابتة...

كل شيء فيه كان يفرض الاحترام قبل أن يطلبه.

تحرك الجميع نحو سياراتهم السوداء الفارهة التي اصطفت أمام الشركة.

فتح الحراس الأبواب في وقتٍ واحد...

لكن...

وقبل أن يركبوا...

توقفت أعينهم جميعًا...

على سيارة سوداء تقف في آخر الصف.

سيارة لم يقترب منها أحد.

سيارة ما زالت تُغسل كل صباح...

وتُشغَّل كل أسبوع...

رغم أن صاحبها...
لم يعد موجودًا منذ خمسه اعوام

ساد الصمت.

هبّت نسمة هواء خفيفة...

وكأنها تعيد الذكريات من جديد.

خفض يزن عينيه للحظات...

بينما تنهد ذياد بصمت.

أما مراد...

الذي كان يقف مع أبناء الجيل الجديد على درجات الشركة...

فلم يستطع أن يبعد نظره عن تلك السيارة.

ابتلع غصته وهو يهمس بصوت بالكاد سُمع:

"لو كان أركان هنا..."

ولم يُكمل.

لأن الجميع...

كان يعلم أن مكانًا واحدًا فقط ظل فارغًا طوال خمس اعوام 

مكان...

أركان الصياد.

في مكانٍ بعيد جدًا عن أعين الجميع...

مكان لا يظهر على أي خريطة، ولا تعرفه أي جهة أمنية.

مقرٌ أسود، محاط بسلاسل جبال شاهقة، وأسوار فولاذية، وحراسة لا تنام، وكاميرات تغطي كل زاوية، وكأن الاقتراب منه إعلانٌ للموت.

داخل القاعة الرئيسية...

وقف عشرات الرجال في صفوفٍ منتظمة، يرتدون الأسود بالكامل، بينما ساد الصمت المكان.

وفجأة...

دوت خطواتٌ ثابتة.

اقترب ذلك الشاب الذي يكفي حضوره وحده ليجعل الجميع يخفضون رؤوسهم.

طويل القامة، عريض الكتفين، ملامحه حادة بصورة مخيفة، عيناه تحملان برودًا قاتلًا، وابتسامة صغيرة لا تظهر إلا عندما يقرر تدمير أحدهم.

كان اسمه...

لوسيفر.

اسمٌ أصبح كابوسًا لكل من حاول الوقوف في طريقه.

أما لقبه الذي ارتعدت منه عصابات العالم فكان...

" الجحيم."

زعيم إحدى أخطر منظمات المافيا في العالم.

رفع يده بهدوء...

فساد الصمت أكثر.

قال بصوت منخفض، لكنه وصل إلى الجميع بوضوح:

ـ هنبدأ

ظهرت شاشة ضخمة خلفه.

امتلأت الشاشة بخرائط، وخطوط بحرية، ومسارات جوية، وموانئ، ومستودعات، وأرقام، وأسهم تتحرك بدقة مذهلة.

بدأ الجميع يتابعون في صمت.

أشار لوسيفر إلى الخريطة.

ـ كل الناس متوقعة إن الشحنة هتدخل من الميناء الشرقي... وده اللي إحنا عايزينهم يصدقوه.

انتقلت الصورة إلى ثلاثة موانئ مختلفة.

ـ هنقسم الشحنة لثلاثة أجزاء... لكن ولا جزء فيهم هيكون الحقيقي.

بدأ الرجال ينظرون لبعضهم بدهشة.

أكمل وهو يشير إلى الخريطة:

ـ الجزء الأول هيكون مجرد صناديق فاضية. 

ـ الثاني هيكون مليان معدات عادية.

ـ أما الجزء الثالث... فهو هيكون طُعم.

تجرأ أحد الرجال وسأل:

ـ والطُعم ليه يا زعيم؟

ابتسم لوسيفر.

ـ لأن الكل هيجري وراه.

ضغط زرًا آخر.

ظهرت نقطة حمراء بعيدة جدًا عن كل الموانئ.

ـ الشحنة الحقيقية... مش هتعدي من البحر أصلًا.

ساد الصمت.

ـ هننقلها برًا لمسافة طويلة داخل قوافل تجارية قانونية، وبعدها هتتغير العربيات بالكامل في أقل من سبع دقائق، وبعدها تدخل لمخزن تحت الأرض، ومن هناك تتحرك مرة تانية بهويات مختلفة.

اتسعت أعين الجميع.

سبع دقائق فقط...

خطة معقدة لدرجة أن مجرد تخيلها كان صعبًا.

قال أحد القادة بإعجاب:

ـ مستحيل حد يكتشف ده.

ابتسم آخر وقال:

ـ حتى لو عرفوا أول خطوة... هيكونوا ضيعوا الباقي.

هز لوسيفر رأسه بهدوء.

ـ الحرب مش بالقوة... الحرب إن خصمك يفضل يجري ورا وهم... لحد ما يكتشف إنه خسر قبل ما يبدأ.

ساد الصمت لثوانٍ...

قبل أن يتقدم أحد الرجال بخطوات مترددة.

ـ يا زعيم

رفع لوسيفر عينيه إليه.

ـ اتكلم.

ابتلع الرجل ريقه.

ـ في معلومة وصلتنا النهارده...

ـ قول.

ـ الرائد... مراد زياد الدمنهوري... بيقولوا إنه ضابط كبير وذكي جدًا... ووصلته شكوك بخصوص آخر شحنة، وبدأ يدور وراها بنفسه.

تبادل الرجال النظرات.

فالاسم لم يكن عاديًا.

ضابط عُرف بأنه لا يترك قضية قبل كشفها.

ويقال إنه أسقط شبكات إجرامية كبيرة من قبل.

ساد الصمت في القاعة.

لكن...

لوسيفر لم يغضب.

ولم يتغير تعبير وجهه.

بل...

ابتسم.

ابتسامة هادئة، مليئة بالتسلية.

ثم قال وهو يدير ظهره للجميع:

ـ مراد...

توقف لحظة.

ـ ده... سيبوهولي.

انحنى الجميع في وقت واحد.

ـ أمرك يا زعيم

استدار وغادر القاعة بخطوات ثابتة.

أما الرجال...

فظلوا ينظرون لبعضهم بصمت.

فهم يعلمون جيدًا...

أن كل من قال لوسيفر عنه: "سيبوهولي"...

لم يعد كما كان أبدًا.

---

وفي نهاية الممر الطويل...

فتح أحد الحراس بابًا ضخمًا من الحديد الأسود.

دخل لوسيفر إلى مكتبه.

غرفة واسعة يغلب عليها اللون الأسود، تتوسطها نوافذ زجاجية تكشف ظلام الليل، وفي منتصفها كرسي ضخم أشبه بعرش.

جلس عليه بهدوء.

ثم التقط كرة معدنية صغيرة من فوق مكتبه.

بدأ يقلبها بين أصابعه ببطء، وعيناه ثابتتان في الفراغ.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة.

وخرج صوته هادئًا...

لكنه حمل وعدًا لا يُطمئن.

"مراد... زياد الدمنهوري."

ساد الصمت من جديد...

وكأن اسمًا واحدًا كان كافيًا ليبدأ فصلًا جديدًا من الحرب.
ابتسم لوسيفر ابتسامة خافتة، ثم ضغط زرًا صغيرًا بجانب مقعده.

لم تمر سوى ثوانٍ...

حتى فُتح الباب، ودخل رجل في منتصف الأربعينيات، يرتدي بدلة سوداء، وانحنى باحترام.

ـ أوامرك يا زعيم. 

رفع لوسيفر نظره إليه وقال بهدوء:

ـ كل المعلومات اللي عندكم عن الظابط... على مكتبي خلال نص ساعة.

ـ أمرك.

ـ عايز أعرف بيتنفس إمتى... وبيتحرك فين... ومين حواليه.

أومأ الرجل فورًا.

ـ هيتم.

وقبل أن يغادر...

توقف لوسيفر وقال:

ـ وأي حد يقرب منه من رجالتنا من غير إذني...

سكت للحظة...

ثم أكمل ببرود:

ـ هيكون حكم على نفسه بالموت.

ارتجف الرجل.

ـ حاضر يا زعيم

وأغلق الباب خلفه.

ساد الصمت مجددًا...

لكن لم يدم طويلًا.

رن هاتف لوسيفر.

نظر إلى الشاشة...

لتظهر رسالة مشفرة لم يفهمها أي شخص غيره.

قرأها مرة واحدة...

ثم نهض فجأة.

واختفت الابتسامة من على وجهه.

همس بصوت منخفض:

ـ بدأوا يتحركوا...

ضغط زرًا آخر.

وفي أقل من دقيقة...

دخل أكثر من خمسة عشر قائدًا إلى القاعة.

وقفوا جميعًا في انتظار أوامره.

قال بصوت ثابت:

ـ فعّلوا الخطة الوهمية 

اتسعت أعين بعضهم.

فالخطة الوهمية

لم تُستخدم إلا مراتٍ قليلة، وكانت تعني أن المنظمة بأكملها ستتحرك في وقت واحد.

سأل أحد القادة بحذر:

ـ في خطر؟

أجابه لوسيفر دون أن ينظر إليه:

ـ الخطر الحقيقي...

هو إننا نستنى.

في الوقت نفسه...

داخل مبنى إدارة المباحث الجنائية.

وقف عشرات الضباط أمام قاعة الاجتماعات.

الهدوء يسيطر على المكان...

حتى فُتح الباب.

دخل مراد زياد الدمنهوري.

طويل القامة، يرتدي بدلته الرسمية، وعلى كتفه رتبته العسكرية، وخلفه مجموعة من الضباط الشباب.

وقف الجميع فورًا.

ـ صباح الخير يا فندم.

أومأ برأسه فقط.

ثم دخل القاعة.

جلس في مقدمة الطاولة، ووضع أمامه عدة ملفات سميكة.

رفع نظره إلى الضباط وقال بجدية:

ـ من النهارده...

كل القضايا اللي شغالين عليها تتوقف.

تبادل الجميع النظرات باستغراب.

أكمل:

ـ عندنا قضية واحدة بس.

ضغط زر جهاز العرض.

فامتلأت الشاشة بصور حاويات، وموانئ، وخرائط، وأشخاص مطلوبين في دول مختلفة.

وفي منتصف الشاشة...

ظهر شعار أسود غريب.

شعار لم يسبق أن تمكنت أي جهة من معرفة صاحبه.

قال مراد وهو ينظر إلى الجميع:

ـ المنظمة دي بقالها سنين بتشتغل من غير ما تسيب أي دليل.

لا أسماء.

لا بصمات.

لا تسجيلات.

ولا حتى صورة واحدة لزعيمها.

أشار إلى الشعار مرة أخرى.

ـ لكن المرة دي...

غلطوا.

ساد الصمت.

ثم أخرج من الملف ظرفًا صغيرًا ووضعه على الطاولة.

ـ لقينا ده في آخر عملية.

فتح الظرف ببطء...

لتسقط منه قطعة معدنية سوداء، منقوش عليها نفس الشعار.

اقترب الضباط ينظرون إليها باهتمام.

قال أحدهم:

ـ أول دليل حقيقي.

هز مراد رأسه.

ـ وأول طريق يوصلنا ليهم.

لم يعلم أحد...

أن في الجهة الأخرى من المدينة...

كان شخص آخر يراقب كل شيء.

داخل غرفة مظلمة...

امتلأت جدرانها بعشرات الشاشات.

إحداها...

كانت تعرض البث المباشر لمبنى المباحث.

وقف رجل ملثم أمامها، ثم التقط جهاز الاتصال.

ـ زعيم

الرائد مراد بدأ يتحرك.

جاءه الرد بعد ثوانٍ فقط...

هادئًا... لكنه مخيف.

ـ خليه يتحرك.

ابتلع الرجل ريقه.

ـ مفهوم.

أغلق الاتصال...

بينما كانت عيناه معلقتين على الشاشة.

أما في الطرف الآخر...

وقف لوسيفر أمام النافذة الزجاجية العملاقة، ينظر إلى المدينة البعيدة.

ثم قال لنفسه بصوت خافت:

ـ كل خطوة هتمشيها...

أنا هكون عارفها قبلك.

وكل إجابة هتلاقيها...

هتوصلك للسؤال اللي أنا عايزه.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

وفي تلك اللحظة...

لم يكن أيٌ منهما يعلم...

أن القدر كان يُعد لقاءً سيغيّر حياة الاثنين إلى
 الأبد...



تعليقات