رواية ما استردة القلب الفصل الأول بقلم ريهام ناجي
_يلا بسرعة يا رُهام، البسي الكابوريا…
الفقرة قربت.
_حاضر حاضر
قولتها وأنا بلبس زيًّ تنكري على هيئة كابوريا،
تممت على شكلي الـ.. المضحك جدًا،
كان كل اللي باين مني هو وشي، ونص فستاني من تحت،
قربت من صاحبتي، العروسة، اللي ضحيت ببرستيچي عشانها،
ضحكت هي والعريس أول ما شافوني،
وأنا بالعافية ماسكة نفسي من الضحك.
_جاهزة تتأزأزي
_جاهزة ياختي، عمومًا فداكِ بهدلتي دي.
بصيت لنفسي في مراية صغيرة كانت جنب الباب،
وعدلت راس الكابوريا وأنا بضحك.
_يا رب بس محدش يعرفني...
لو حد صورني النهارده، أنا هختفي من على وش الدنيا.
ضحكت العروسة وقالت:
_ولا يهمك، النهاردة كله هيحب الفقرة صدقيني.
أخدت نفس عميق، وقولت:
_يلا... اللي يحصل يحصل.
اتحركنا عشان ندخل للقاعة،
الباب اتفتح لنصين،
وأنا واقفة في النص بين العريس والعروسة،
ودخلنا على أغنية "أزأز كابوريا"،
وابتديت أأدي عرضي المسرحي المُضحك،
ولكن أول ما دخلت، ساد القاعة لحظة صمت واستغراب...
ثواني بس، وبعدها انفجرت القاعة ضحك،
تصفيق، صافرات، وضحكات مالية المكان.
وبقيت أسمع ناس من وسط المعازيم بتقول بصوت عالي:
_الله!
وحد تاني:
_مجنونة بس عسل!
اتشجعت أكتر، نزلت وسط المعازيم،
أزأز يمين، وأزأز شمال،
والقاعة كلها بقت معايا.
واحد من الأطفال جري ناحيتي وهو بيضحك،
ومد إيده ناحيتي وهو بيقلد حركة إيد الكابوريا
فضحكت سلمت عليه بنفس الطريقة، فطنطت من فرحته إن الكابوريا سلمت عليه.
ضحك اللي حواليه، ولقيت طفل تاني جه يقلده، وبعدها بقيت محاصرة وسط شلة أطفال،
كل واحد فيهم عايز يسلم عليا بنفس الطريقة،
وأنا بلف بينهم وبهزر وأضحك معاهم، والقاعة كلها بتتفرج علينا وتضحك أكتر.
في اللحظة دي حسيت إن بهدلة الزي دي كانت تستاهل... عشان أشوف الفرحة البسيطة دي في عيونهم.
حتى العروسة نفسها كانت بتضحك لدرجة الدموع،
والعريس ساندها وهو بيصقفلي بحماس،
وسط الزحمة دي كلها وأنا ببص على المعازيم ومبسوطة
لمحت نظرة مختلفة…
كانت نظرة ثابتة،
مش بتضحك عليا
كانت بتبصلي أنا
نظرة حد مركز، متابع كل حركة،
اتلخبطت ثانية،
بس كملت، بعد ما خدت السلم جري،
وطلعت فوق على الإستيدچ من تاني بين العريس والعروسة،
وابتديت أرقص معاهم،
الأغنية خلصت،
انحنيت بانتصار مسرحي صغير،
وسحبت نفسي وسط الزغاريد والتصفيق،
وأنا خارجة من القاعة،
قلعت الزيّ بسرعة، وقلبي بيدق من الضحك والتوتر، وأنا بقول لنفسي:
_الحمد لله… عدت على خير،
ولا جذمة طارت كدا ولا كدا.
روحت على التوليت عشان أظبط الميكاب بتاعي وشكلي اللي اتبهدل.
وأنا سامعة صوت الضحك لسه طالع من جوه القاعة.
ابتسمت من غير ما أحس،
يمكن أول مرة أعمل حاجة مجنونة بالشكل ده...
لكن يمكن برضه أول مرة أحس إني فرحت ناس بالشكل ده.
وافتكرت كل الكلام اللي سمعته قبل الفقرة.
_اوعي تعملي حاجة تكسفنا.
_اوعي العيال يجروا وراكي.
_اوعي تقعي قدام الناس.
ضحكت وأنا ببص لنفسي في المراية وقولت:
_الحمدلله... ولا حاجة من دي حصلت،
بالعكس..
الفرحة اللي شوفتها على وشوش الأطفال كانت تستاهل التضحية ببرستيچي.
---
في الأول ضحكت ضحكة عادية،
زي أي حد شاف شخص متنكر في زي كابوريا
وطالعة ترقص فجأة في فرح،
بس الضحكة مكملتش
وقفت مكاني، عيني مسكتها من غير ما أحس،
حركاتها كانت عفوية زيادة عن اللزوم،
مش استعراض،
ولا محفوظة،
فيها روح، مع كل نغمة في الأغنية،
كان وشها بيضحك،
ضحكة باينة في كتافها،
في خطواتها،
في الهزار اللي من غير كلام،
نسيت الفرح، ونسيت المعازيم، ونسيت حتى صاحبي العريس،
وشوفت حد قرر يبقى خفيف...
في عالم تقيل.
حد مستعد يضحي بشكله قدام الناس... علشان يفرح غيره.
الأغنية خلصت،
والكابوريا اللي خطفتني اختفت وسط التسقيف،
الصوت رجع للقاعة فجأة،
بس في دماغي
كانت لسه شغالة أغنية واحدة، أيوة هي "أزأز كابوريا"؟!
وسألت نفسي، بصوت مسمعهوش غيري:
_مين دي؟
فضلت أبص حواليا كذا مرة،
يمكن أشوفها وهي خارجة،
يمكن أعرف شكلها.
لكن كأن الأرض انشقت وبلعتها،
اختفت...
وسابت وراها ألف سؤال وأهمهم
"مين دي"
وللحقيقة إن دا سؤال فضل شاغل دماغي لبعد الفرح بإسبوعين!
اسبوعين مش مبطل فيهم تفكير في حتة كابورياية؟!
دا يا الله على اختياراتك في التفكير يا ياض يا يونس.
روحت زيارة لصاحبي بعد ما رجع من الهاني مون،
وفجأة بعد ما كنا بنضحك وبنهزر،
خدت وضع الجد وسألته السؤال،
اللي من وقت ما جيت وأنا نفسي أسألهوله:
_الله بقولك.
انتبهلي وقال بعد ما ضيق ما بين حواجبه،
ولاحظ توتري:
_معاك، مالك مش على بعضك كدا ليه؟
خدت نفس عميق وبسرعة قولت:
_كان في حتة كابوريا في فرحك، لصراحة هموت عليها.
مرة واحدة مش عارف ليه لقيته خد وضع "خت الصطمة"!
فتح بُقه شوية، وبصلي كأني اعترفتله بجريمة مكتملة الأركان؟!
_إيه؟!
سكت ثانيتين، وبعدين انفجر ضحك..
حاولت أضحك معاه،
بس كنت متوتر أكتر ما أنا بضحك:
_والله ما بهزر،
أنا مش فاكر نفسي ركزت على حد في فرحك غيرها!
بصلي وهو لسه مبتسم:
_طب ما تقول كده من الأول…
دي صاحبة مراتي.
_وبتيجي عندكم كتير؟
بصلي وهو بيبتسم:
_ليه..
ناوي تيجي كل يوم تشرب معايا قهوة ولا أيه.
حكيت رقبتي بإحراج.
_لا... يعني... بس بسأل.
ضحك وقال:
_واضح إن الكابوريا عملت شغلها معاك.
_المهم
اسمها إيه؟
هز راسه بتفكير،
وبعدين قالها ببساطة مستفزة:
_رُهام.
الاسم وقع عليا تقيل وخفيف في نفس الوقت،
قعد في دماغي،
اتكرر من غير ما أحس.
_رُهام… الكابوريا؟!
ضحك تاني.
_آه،
بس على فكرة…
هي مش مجنونة زي ما أنت فاكر،
دي أجدع واحدة فيهم.
سكت لحظة،
وبعدين سألني وهو بيراقب وشي:
_عاجبتك؟
مجاوبتش على طول، كنت لسه بجرب الإحساس.
قولت بهدوء،
وكأني بعترف لنفسي قبل ما بعترفله:
_مش عارف…
بس حسيتها.
فضل محمد يبصلي كام ثانية من غير ما يتكلم،
وكأنه بيحاول يفهم أنا بهزر ولا بتكلم بجد.
ولما اتأكد من ملامحي، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
_واضح إن الموضوع أكبر من إعجاب عابر.
وبعدين ابتسم ابتسامة مُتفهمة،
وقال وهو بيقوم يجيب موبايله:
_استنى.
وفي اللحظة دي،
حسيت إن “حتة كابوريا”
قربت تبقى اسم، وشكل،
وحكاية!
محمد جه بعد ثواني، وقعد مكانه تاني،
ولعب شوية في التليفون وبعدين بصلي وقال:
_بعتلك لينك أكونت الفيس بتاعها،
دا اللي أقدر أساعدك به،
وعشان عارف إنك مش بتاع حركات اليومين دول،
وإنك واخد الموضوع جد يا يونس مش كدا؟
_أكيد، أنت عارفني على أيه يا صاحبي.
وهنا خلص كلامنا عنها، عن الست الكابوريا.. رُهام!
_يلا سلام أنا بقى.
_ما أنت قاعد شوية يا بني.
_لا كفاية عليك كدا، أسيبك لمراتك شوية بقى.
وصلنا لباب الشقة
ولسه محمد بيفتح الباب...
رفعت عيني
واتجمدت مكاني.
كانت واقفة قدامي...
هي.
رُهام.
حتة الكابوريا اللي فضلت شاغلة دماغي أسبوعين كاملين.
واقفة قدامي من غير ما تعرف إن في واحد بقاله أسبوعين كاملين بيفكر فيها من غير حتى ما يعرف اسمها إلا من كام دقيقة.
وهي ولا في بالها أي حاجة من اللي داير جوايا
ساعتها بس عرفت إن الحكاية دي... لسه في أولها.
