رواية انتقام الفهد الفصل الثالث والعشرون
"الرجل الذي عاد من القبر"
ساد الظلام داخل السرداب...
ولم يعد يُسمع إلا صوت العداد الإلكتروني...
09:59:58
09:59:57
09:59:56
وقف فهد يحدق في الظلام، وهو يقبض على المفتاح النحاسي بقوة.
ثم قال بصوت هادئ، لكنه يحمل غضبًا مكتومًا:
— لا... المرة دي مش هتضحك عليا.
عمرو قرب منه.
— مالك يا خوي؟
فهد بص للشاشة السودا.
— هو عايزنا نجري ورا كل لغز... وننسى إن كل لغز مربوط باللي قبله.
ريكو عقد دراعيه.
— تقصد إيه؟
فهد رفع البطاقة اللي كانت جوه صندوق يوسف.
وقراها تاني:
— "اسمع الصوت... ولا تصدق الصورة."
سكت لحظة...
وبعدين بص لعمرو.
— فاكر الراجل اللي كان مربوط؟
عمرو هز رأسه.
— أيوه.
— إحنا شوفناه صورة...
ومسمعناش صوته.
ريكو اتسعت عينه.
— يعني ممكن يكون الفيديو متفبرك؟
فهد ابتسم لأول مرة.
— أيوه... ودي أول غلطة وقع فيها.
وفجأة...
ضغط فهد على جهاز التسجيل مرة تانية.
اشتغل صوت يوسف.
لكن المرة دي...
بعد انتهاء الرسالة...
فضل صوت تشويش خفيف.
فهد قال بسرعة:
— استنى...
رجع التسجيل للخلف ببطء.
وفجأة...
وسط التشويش...
ظهر صوت خافت.
"...البير..."
"
...تحت البير..."
اتجمد الثلاثة.
عمرو همس:
— سمعت؟
ريكو قال:
— أيوه... قال تحت البير.
فهد لف بسرعة.
— دوروا.
بدأوا يفتشوا الغرفة كلها.
لحد ما ريكو وقف عند مرآة قديمة.
وقال:
— يا جماعة...
هي المراية دي ليه قدام حيطة مصمتة؟
فهد قرب منها.
خبط عليها.
طلع صوت أجوف.
ابتسم.
— هي دي.
عمرو شد المراية.
لكنها متحركتش.
فهد بص للخاتم اللي معاه.
ولاحظ إن عليه نفس العلامة المنقوشة
في إطار المراية.
حط الخاتم مكان العلامة.
تك...
اتفتحت المراية ببطء.
وراها...
ممر صغير.
وفي آخره...
بئر حجري قديم.
ريكو بص بدهشة.
— البير!
فهد قرب وبص لجوه.
كان عميق جدًا.
لكن في قاعه...
كان فيه صندوق خشبي مربوط بحبل.
عمرو قال:
— هننزله ياخوي استني شوي اكده؟
فهد هز رأسه.
— لا...
هنطلعه.
بعد دقائق...
قدروا يطلعوا الصندوق.
فتحه فهد.
لقوا جواه...
دفتر جلد قديم.
وفيه أول صفحة مكتوب عليها:
"مذكرات حماد."
اتسعت عيون الثلاثة.
فهد فتح أول صفحة.
وبدأ يقرأ:
"لو وصلت للمذكرات دي... يبقى في حد
لسه بيحاول يدفن الحقيقة. أنا حماد... ولو الناس قالت إني مت...
متصدچهمش ياولدي."
عمرو شهق.
— يعني حماد بنفسه كتبها!
فهد كمل القراءة.
"اللي مات في الحادث... مكانش أنا."
ريكو قال بصدمة:
— يبقى فعلاً...
حماد عاش.
فهد قلب الصفحة.
وقرأ:
"يوسف المنياوي ابوكم نجا... وأنا
نجيت... لكن اضطرينا نفترج."
عمرو بص لفهد.
— يعني أبوك وحماد كانوا عايشين الاتنين!
فهد شد على الدفتر.
— وكل اللي حصل بعد كده كان مبني على كدبة واحدة.
وفجأة...
وقعت صورة من بين الصفحات.
فيها...
يوسف...
وحماد...
وسالم...
ورجل رابع.
وشه واضح جدًا.
لكن محدش فيهم عرفه.
ريكو قال:
— أول مرة أشوفه.
فهد قلب الصورة.
كان مكتوب:
"الرجل الذي باعنا جميعًا."
عمرو قال:
— يبقى ده الخاين؟
فهد هز رأسه.
— لا...
استنى.
فتح آخر صفحة.
لقاها ممزقة.
لكن فيه سطر واحد باقي.
قرأه بصوت مرتفع:
"لو مت قبل ما أكمل... دوروا على مفتاح الحقيقة... عند..."
وسكت.
الورقة مقطوعة.
ريكو ضرب الأرض برجله.
— كل مرة نفس الحركة!
عمرو قال:
— أكيد حد كان بيسبچهم.
وفجأة...
اشتغل مكبر الصوت.
وجاء صوت الرجل المقنع.
— ممتاز يا فهد.
— فكيت لغزين في ساعة واحدة.
فهد صرخ:
— اظهر ياجبان لو راجل تظهر بلاش تلعبنا من بعيد زي الحراميه كده
الرجل ضحك.
— لسه بدري علي ظهوري
فهد قال بغضب:
— أنت قتلت ناس كتير.
الرجل رد بهدوء:
— غلط.
— أنا عمري ما قتلت حد بإيدي.
عمرو قال:
— لكنك كنت سبب موتهم.
سكت الرجل ثواني.
ثم قال:
— أخيرًا... بدأتوا تفهموا.
وفجأة...
اشتغلت شاشة جديدة.
ظهر عليها سالم.
كان بيجري داخل الممر السري تحت بيت فهد.
وراوية وكناريا وحورية ووفاء وهدي
وراه.
لكن...
في آخر الممر...
كان في باب حديدي مقفول.
وسمعوا صوت رجال بيقربوا.
سالم قال بسرعة:
— المفتاح!
راوية بصتله.
— مفتاح إيه؟
سالم حط إيده في جيبه.
واتغير لون وشه.
— لع...
ضاع!
في نفس اللحظة...
اشتغلت كاميرا تانية.
أظهرت رجلاً ملثمًا.
وفي إيده...
نفس المفتاح.
ابتسم للكاميرا.
وقال:
— وصلت قبلهم.
فهد قبض على سلاحه.
— لا...
الرجل المقنع ضحك.
— عارف المفتاح ده بيفتح إيه؟
ساد الصمت.
ثم قال بصوت بارد:
— بيفتح الغرفة...
اللي فيها حماد.
اتسعت أعين الثلاثة.
عمرو قال بذهول:
— يعني حماد... موجود اهنا؟
الرجل رد:
— يمكن انت حديدك صوح ويمكن غلط.
ريكو صاح:
— بطل لعب ليه بتوهنا اكده!
الرجل قال بثقة:
— لو وصلتوا قبل انتهاء العداد...
هتشوفوا الحقيقة.
ولو اتأخرتوا...
هتدفنوا الحقيقة للأبد.
وانقطع الاتصال.
في السرداب...
نظر فهد إلى عمرو وريكو.
رفع المذكرات في يده وقال بحسم:
— عرفنا إن حماد ما ماتش...
وعرفنا إن يوسف نجا...
وعرفنا إن الخاين كان صديق...
وباقي لغز واحد.
عمرو سأله:
— وإيه هو؟
فهد نظر إلى الباب الحديدي البعيد...
وقال بثبات:
— مين الراجل... اللي عاش كل السنين
دي باسم غير اسمه؟
وفجأة...
اهتز السرداب كله بعنف.
وانفتح باب حديدي ضخم من تلقاء نفسه.
وخرج منه رجل طويل...
ملامحه مخفية تحت عباءة سوداء.
رفع رأسه ببطء...
وقال بصوت يعرفه فهد جيدًا:
— وحشتني يا... ياولدي.
اتجمد فهد في مكانه...
وسقط السلاح من يده.
.
بص للرجل اللي واقف قدامه، وصوته خرج متقطع:
— مين... إنت؟
الرجل خلع غطا العباءة ببطء...
لكن الإضاءة كانت ضعيفة، ووشه فضل
مستخبي في الضل.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
— كبرت يا فهد...
عمرو وقف قدام فهد بسرعة، ورفع سلاحه.
— متتحركش خطوة واحدة!
ريكو لف من الناحية التانية.
— قول إنت مين بدل ما أفرغ الخزنة كلها فيك!
الرجل رفع إيده بهدوء.
— لو كنتوا عايزين تقتلوني... كنتوا
عملتوها من أول ثانية.
فهد أخد خطوة لقدام.
وعينه مليانة دموع وحيرة.
— أنت عرفت اسمي...منين
وقولتلي يا ابني...
مين إنت؟
الرجل تنهد.
— لو قزلتلك الحقيقة دلوقتي...
عمرك ما هتصدقها.
فهد صرخ بغضب:
— جرب!
ا
لرجل رد بهدوء:
— أنا مش أبوك...
لكن...
أنا الراجل اللي شالك بين إيديا يوم ما اتولدت.
ساد الصمت...
عمرو بص لفهد.
يعني ايه
وريكو قال بدهشة:
— يعني إيه الكلام ده؟
الرجل كمل:
— أنا كنت موجود يوم اتبدلت الهويات...
ويوم يوسف المنياوي اختفى...
ويوم حماد قرر يضحي باسمه.
اتسعت عينا فهد.
— يعني كنت معاهم؟
— أيوه...
وكنت شاهد على كل حاجة.
عمرو صاح:
— طالما تعرف الحقيقة...
قول مين الخاين؟
الرجل هز رأسه.
— لو قولت اسمه...
مش هتخرجوا من السرداب أحياء.
فهد قرب منه أكتر.
— إحنا خرجنا من الموت ألف مرة...
قول.
الرجل بص حواليه بتوتر.
ثم قال بصوت منخفض:
— المكان ده كله متراقب.
فيه كاميرات...
وفيه ميكروفونات.
وأي اسم هقوله...
هيكون حكم بالإعدام علينا كلنا.
وفجأة...
اشتغل صوت صفارة حادة.
ثم ظهر صوت الرجل المقنع.
— ممتاز يا سالم...
كنت عارف إنك هتوصلهم.
ابتسم الرجل العجوز بمرارة.
— عرفتني؟
الرجل المقنع ضحك.
— أعرفك من قبل ما فهد يتولد.
فهد بص للرجل بدهشة.
— إنت سالم؟
الرجل هز رأسه.
— أيوه...
أنا سالم.
عمرو اتصدم.
— لكن...
سالم موجود عند الستات!
ابتسم سالم وقال:
— اللي هناك...
مش أنا.
ده راجل هما دسينو هنا علي انو انا علشان تفكروا ان الحريم في أمان
ريكو عقد حواجبه.
— يعني إيه ده؟
فهد همس:
— التسجيل...
والصورة...
"اسمع الصوت ولا تصدق الصورة."
الرجل ابتسم.
— أخيرًا فهمتها.
— اللي في الشقة...
مجرد واحد متنكر في شكلي.
عمرو قال:
— يعني كانوا بيضحكوا علينا؟
— وعلى الكل.
في اللحظة دي...
ظهر على الشاشة مشهد جديد.
داخل الشقة...
الرجل اللي دخل باسم سالم...
ابتسم.
وبدأ يخلع اللحية البيضاء...
ثم الباروكة...
واتحول شكله بالكامل.
شهقت راوية.
— إنت!!
لكن الشاشة اتقفلت قبل ما يظهر وشه.
فهد ضرب الحائط بغضب.
— لاااا!
سالم قال بسرعة:
— متضيعش وقت.
فضل من العداد أقل من عشر ساعات.
ولازم تلاقوا المفتاح التاني.
ريكو سأله:
— فين؟
سالم أشار ناحية المرايات.
— بصوا كويس.
المرايات دي...
مش للزينة.
بدأ الثلاثة يدققوا في كل مراية.
وفجأة...
عمرو وقف.
— يا فهد!
تعالى.
جري فهد.
لقى في واحدة من المرايات...
انعكاسهم مش طبيعي.
كانوا تلاتة...
لكن الانعكاس فيه أربعة.
ريكو بص وراه بسرعة.
— مفيش حد.
فهد قرب من المراية.
ومد إيده.
فاختفت صورة الشخص الرابع.
وحل مكانها جملة محفورة:
"ابحث عن الذي لا ينعكس."
عمرو قال باستغراب:
— يعني إيه الحديد ده؟
فهد بدأ يبص على كل المرايات.
وفجأة لاحظ...
إن مراية واحدة...
ما كانتش بتعكس نور الكشاف.
ابتسم.
— لقيتها.
ضغط عليها.
فانفتح درج صغير.
جواه...
المفتاح الثاني.
وخريطة صغيرة.
ريكو فرح.
— الحمد لله.
لكن فهد كان مركز في الخريطة.
وقال:
— استنوا...
الخريطة دي...
للسرداب.
عمرو قرب.
— فعلاً اكده وصلنا لنص الحقيقه
وفيها أوضة...
إحنا مدخلنهاش.
سالم قال بسرعة:
— دي أوضة الحقيقة.
فهد سأله:
— فيها إيه؟
سالم سكت ثواني.
ثم قال:
— فيها الراجل...
اللي الكل فاكره مات.
اتسعت أعين الثلاثة.
لكن قبل ما يسألوه...
دوى انفجار عنيف داخل السرداب.
الأرض اهتزت.
وسقطت الحجارة من السقف.
واشتغل صوت الرجل المقنع من جديد.
— مبروك...
لقيتوا المفتاح التاني.
لكن...
فاتكم أهم حاجة.
فهد صاح:
— إيه هي؟
ضحك الرجل المقنع.
وقال:
— وإنتوا بتجروا ورا المفاتيح...
كان رجالي بيجروا ورا راوية.
اتجمد فهد.
اشتغلت الشاشة.
ظهر الملثمان...
وقد تمكنوا من فتح الباب السري.
وكانوا داخلين إلى الممر الذي تهرب فيه
راوية وكناريا وحورية ووفاء وهدي.
وراءهم...
الرجل المنتحل لشخصية سالم يبتسم.
وفجأة...
رفع سلاحه...
ووجهه مباشرة نحو راوية.
وفهد صرخ بكل قوته:
— راوية... اوعي!
لكنها لم تسمعه.
وفي اللحظة نفسها...
ظهر شخص مجهول من نهاية الممر...
وألقى بنفسه أمام راوية...
لينطلق صوت رصاصة واحدة...
دوووووي!
ساد الصمت...
وسقط ذلك الشخص على الأرض...
بينما تجمدت راوية وهي تصرخ باسمه...
لكن الشاشة انطفأت قبل أن يظهر وجهه.
