رواية انتقام الفهد الفصل الخامس والعشرون
"الخاتم الذي فضح صاحبه"
ظل صوت الرصاصة يتردد داخل السرداب...
والكل واقف مصدوم.
سالم سقط بين إيدين فهد.
الدم كان بينزل بغزارة.
فهد هزّه بعنف ودموعه نازلة.
— لا... لا يا عم سالم... افتح عينك... متسبناش.
عمرو ركع على الأرض بسرعة.
— يا خوي... خلاص...
فهد صرخ فيه:
— لا... لسه فيه نفس... هات أي حاجة... لازم نوقف الدم.
ريكو كان بيبص حواليه وهو رافع سلاحه.
— اللي ضرب النار لسه هنا... أنا متأكد.
وفجأة...
رجع صوت الرجل الغامض يملأ السرداب.
— بتبكي عليه؟
— سالم خلص دوره.
— كان لازم يموت... لأنه عرف الحقيقة.
فهد رفع رأسه ناحية السماعات.
وعينه كلها نار.
— اقسم بالله...
لو فضلت مستخبي العمر كله...
هجيبك.
الرجل ضحك.
— لسه عندك سبع ساعات.
— وبعدها...
هتخسر كل حاجة.
وانقطع الصوت.
ساد الصمت.
عمرو بص لفهد.
— لازم نتحرك.
— الراجل ده عايز يشغلنا بسالم.
فهد قفل عيون سالم بإيده.
وقال بحزن:
— حقك في رقبتي.
— والله العظيم...
دمك مش هيضيع.
أخذ فهد الخاتم من الأرض.
ظل يتأمله.
وفجأة...
لاحظ نقشًا صغيرًا من الداخل.
قال:
— استنوا...
في كتابة.
عمرو قرب منه.
— مكتوب إيه؟
فهد مسح التراب.
ثم قرأ ببطء:
"إذا ضاع الخاتم... فابحث عن الباب الرابع."
ريكو شهق.
— يعني الخاتم مفتاح!
فهد هز رأسه.
— مش مفتاح...
دليل.
بدأ الثلاثة يفتشوا الغرفة.
كل شبر فيها.
لحد ما عمرو وقف قدام الحائط.
— يا فهد...
بص اهنا اكده
كان فيه أربع دوائر حجرية.
ثلاثة منهم مفتوحين.
أما الرابعة...
ففيها مكان بنفس مقاس الخاتم.
ريكو ابتسم.
— هو ده الباب الرابع.
فهد حط الخاتم مكانه.
تك...
ثم...
بدأت الحيطة كلها تتحرك.
وصوت ميكانيكي ضخم ملأ السرداب.
خرج ممر جديد.
لكن الغريب...
إنه كان منور.
كأن حد لسه ماشي فيه.
دخلوا بحذر.
كل واحد رافع سلاحه.
لحد ما وصلوا لغرفة واسعة.
فيها عشرات الشاشات.
كل شاشة بتعرض مكان مختلف.
عمرو اتصدم.
— يا ساتر...
ده كان بيراقب البلد كلها.
ريكو بص ناحية شاشة.
وشه اتغير.
— يا فهد...
بص.
كانت الشاشة بتعرض...
راوية.
وكناريا.
وهدى.
ووفاء.
كلهم بخير.
لكنهم داخل غرفة مقفولة.
فهد تنفس لأول مرة براحة.
— الحمد لله...
عايشين.
وفجأة...
ظهرت رسالة على الشاشة:
"لسه فرحتك متكملتش."
ثم اختفت.
في زاوية الغرفة...
كان فيه مكتب قديم.
عليه دفتر جلدي.
فتح فهد أول صفحة.
كانت بخط يوسف المنياوي.
قرأ:
"إذا وصلت هنا...
فاعرف إنك بقيت أقرب للحقيقة.
لكن متصدقش كل اللي هتشوفه.
فيه واحد...
هيحاول يخليك تشك في أقرب الناس ليك."
عمرو قال:
— أبوك كان عارف كل ده.
فهد هز رأسه.
— وكان سايب لنا الطريق.
فجأة...
ظهر ملف صغير.
مكتوب عليه:
"العملية 17."
فتحوه.
كان جواه صور.
وأسماء.
وتواريخ.
وصورة لرجل واقف مع حماد.
لكن وشه متشطب بالحبر الأسود.
تحت الصورة جملة:
"الخائن الوحيد... هو الرجل الذي لم تظهر له صورة كاملة أبدًا."
ريكو عقد حاجبيه.
— يعني كل مرة كان يخفي وشه عمد.
عمرو قال:
— لأنه كان قريب من الكل.
وفجأة...
اشتغلت أكبر شاشة في الغرفة.
ظهر الرجل الغامض.
لكن المرة دي...
كان واقف من ضهره.
وقال بهدوء:
— مبروك يا فهد...
فتحت الباب الرابع.
وبقيت على بعد خطوة واحدة.
استدار ببطء...
وقبل ما يبان وشه بالكامل...
انطفأت الشاشة.
ثم ظهر على العداد:
06:00:00
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف فهد.
رقم مجهول.
رد بسرعة.
جاله صوت ضعيف...
لكنه كان مألوفًا.
— فهد...
أنا يوسف.
أنا أبوك.
متجيش ورا الرسائل...
فيه واحد وسطكم...
وقبل أن يكمل...
انقطع الاتصال.
ساد الصمت.
نظر فهد إلى عمرو...
ثم إلى ريكو...
وتوقف نظره للحظة...
وكأن الشك بدأ يتسلل إلى قلبه.
ساد الصمت داخل غرفة المراقبة...
كل واحد فيهم بقى يبص للتاني.
كلمة يوسف الأخيرة كانت بتدور في دماغ فهد:
"فيه واحد وسطكم..."
فهد نزل بالموبايل من على ودنه ببطء.
عمرو قرب منه وقال بقلق:
— قالك إيه يا فهد؟
فهد فضل ساكت شوية...
وبعدين رد:
— قال متجيش ورا الرسائل...
وقال إن فيه واحد وسطنا.
ريكو اتنهد بضيق.
— يعني الراجل المقنع نجح... زرع الشك بينا.
عمرو هز رأسه بسرعة.
— لا يا ريكو.
— أنا وفهد أكبر من اللعبة دي.
فهد بص لهم وقال بثبات:
— لا يمكن أشك فيكم.
— اللي عاش معايا الموت... مستحيل يخوني.
— الرسالة دي معمولة مخصوص علشان تفرقنا.
وفجأة...
اشتغلت كل الشاشات مرة واحدة.
وظهر عداد جديد.
05:58:43
وبعدها ظهر وجه الرجل المقنع...
لكن ملامحه كانت مشوشة.
قال بصوت هادئ:
— ممتاز...
— كنت عارف إنك مش هتشك في أصحابك بسهولة.
— بس...
هل هتشك في نفسك؟
عقد فهد حاجبيه.
— تقصد إيه؟
ضحك الرجل.
— فاكر يوم مقتل حماد؟
— فاكر إنت كنت فين؟
فهد سكت...
وبدأت ذكريات قديمة تهاجمه.
صرخات...
نار...
دم...
وصوت حماد وهو بيقول:
"خد إخواتك... واجري يا فهد!"
قطع الذكرى صوت المقنع.
— فيه عشر دقائق...
اختفيت من المشهد.
— تعرف كنت فين؟
عمرو انفعل.
— كفاية لعب بعقول الناس!
المقنع تجاهله.
ثم قال:
— الحقيقة...
مش كل اللي فاكره حصل...
هو اللي حصل فعلًا.
وانطفأت الشاشة.
ريكو كان بيلف في الغرفة.
وفجأة خبط رجله بصندوق حديد صغير.
قال:
— استنوا...
في حاجة هنا.
فتحوا الصندوق.
لقوا جهاز تسجيل قديم.
ضغط عمرو زر التشغيل.
خرج صوت ليلى...
صوتها كان مليان خوف.
"لو سمعتوا الرسالة دي... اعرفوا إن
الخطر مش من اللي بيهددكم... الخطر من الشخص اللي بيغير الحقيقة...
وبيخلي كل واحد يفتكر اللي هو عايزه."
فهد همس:
— أمي...
الصوت كمل:
"يا فهد... لو وصلت هنا... يبقى قربت
تعرف الحقيقة. لكن أوعى... تصدق أي ذكرى من غير دليل."
ا
نتهى التسجيل.
ساد الصمت.
عمرو قال:
— يعني حتى ذكرياتنا...
ممكن تكون متلعب فيها؟
فهد هز رأسه ببطء.
— كل حاجة بقت واردة.
وفي نفس اللحظة...
اشتغل إنذار جديد.
وظهر سهم أحمر على إحدى الشاشات.
وتحته عبارة:
"إذا أردت إنقاذ يوسف... اتبع الضوء."
ريكو قال:
— يمكن دي فرصتنا.
لكن عمرو وقف قدامه.
— استنى ياريكو في سر تاني.
— إحنا من أول الرواية دي...
كل ما نمشي ورا رسالة...
بنقع في فخ.
فهد فضل يفكر.
ثم قال:
— معاك حق ياعمرو
— لكن معندناش وقت لازم نوصل علشان ننقذ اهلنا.
وفجأة...
النور الأحمر بدأ يتحرك داخل الممر.
كأنه بيرشدهم.
الثلاثة جريوا وراه.
لحد ما وصلوا لباب زجاجي ضخم.
خلف الباب...
كان فيه كرسي فاضي.
والقيود مقطوعة.
فهد شهق.
— لا...
عمرو قرب بسرعة.
— يوسف كان هنا.
ريكو لاحظ حاجة على الأرض.
انحنى وجابها.
كانت سلسلة فضة...
عليها حرف واحد.
(ي)
فهد مسكها.
وعينه دمعت.
— دي سلسلة أبويا...
يعني كانوا هنا من دقائق.
وفجأة...
سمعوا صوت تصفيق بطيء من آخر الممر.
استداروا بسرعة.
كان فيه شخص واقف في الضلمة.
لابس بدلة سوداء.
ومن غير قناع.
لكن الإضاءة كانت وراه.
فملامحه مش باينة.
قال بهدوء:
— مبروك يا فهد.
— وصلت متأخر.
فهد رفع سلاحه.
— مين إنت؟
الرجل ضحك.
— أنا...
السبب في كل اللي حصل.
عمرو صاح:
— ورينا وشك لو راجل!
الرجل رفع إيده ببطء...
وأشعل ضوءًا فوق رأسه.
لكن...
قبل ما يظهر وجهه بالكامل...
انطفأت الكهرباء في السرداب كله.
ودوّى صوت انفجار جديد.
واهتزت الأرض بعنف.
ثم جاء صوت الرجل من وسط الظلام:
— المرة الجاية...
مش هتشوف وشي بس...
هتعرف...
ليه كنت قريب منك طول عمرك.
وفي اللحظة نفسها...
ظهر العداد الإلكتروني مضيئًا باللون الأحمر:
05:00:00
ثم ظهرت عبارة واحدة على جميع الشاشات:
"بقيت خمس ساعات... قبل أن يسقط آخر قناع."
