رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الخامس والعشرون 

#اللهم_أدخلني_مُدخل_صدق_وأخرجني_مُخرج_صدق_وإجعل_لي_من_لدُنكَ_سلطانًا_نصيرا

«حَجر الرُحى»

تلك الخيبات والعثرات والسقطات التي تمر بك لا تأتي لكسرك، بل لتكسر تلك الغشاوة التي تغطي عينيك، هي الإنذار الذي يوقظك من غفلتك.

ففي بعض الأحيان يجب على الحياة أن تهزك بعنف لتستيقظ من سباتك وليس لأنها تكرهك، فالضربات التي لا تميتك رغم ألمها لا تجعلك أقوى فحسب، بل أكثر حكمة ونضجًا.

الدرس القاسي هو ما نتعلم منه ويعيش للأبد، ربما لأنه كتب بدموع وألم وليس مجرد كلمات عابرة، فحبة القمح لا يمكنها أن تصبح خبزًا إلا بعد مرورها تحت حجر الرُحى لتطحن بقسوة، كذلك نحن، لا ننضج إلا بمرورنا بتجارب قاسية، البعض يرى في حجر الرُحى نهاية السنبلة، والبعض يراه بداية الخبز، هكذا هي الأزمات، تفتتك لتعيد صياغتك، فبين دوران الحجر وقسوة الضغط، تولد نسخنا الأقوى.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

إحساس متأخر بالغربة، فالغربة ليست بعدًا عن الوطن فحسب، بل البعد عن المحبين أيضًا، حين تستفيق من غفلتك بما هو جديد، تبدأ عيناك ترى ما أخفته غشاوة الإنبهار.

ألمانيا...
بعد يوم عمل شاق يفوق بتفاصيله عملها بوطنها، جلست "ليلى" تلتمس بعض الراحة وقد تجولت عينيها بتلك المستشفى المرتبة المبهرة للغاية، كل ما في تفاصيلها يوحي بالإلتزام والحرص والإنبهار أيضًا، لكن بداخلها شعرت بأنها ليس بها روح، قاتمة قاسية، الكل يعمل بصمت وجدية، لم تتعامل بشكل كبير مع الكثير اليوم، لم تتحدث مع رفيقاتها كما كانت تفعل من قبل، الجميع ملتزم بالعمل الجاد ولا وقت للتعارف والصداقة.

حاولت "ليلى" لمرات قليلة اليوم التحدث لبعض الممرضات الألمانيات لكنها وجدت منهم تعامل مغلف بالفتور، على الفور تذكرت زميلاتها وأوقات راحتهم وحديثهم، يوم واحد هنا جعلها تشعر بالحنين والوحدة.

كانت تتوق للسفر بتلك البعثة لكنها اليوم تشعر بالضيق وإدراك لكلمة (غُربة) التي كانت تسمعها كثيرًا لكن لها معنى يغرس بالنفس لا يدركه إلا من مر به، وحدة غريبة فحتى الوجوه غريبة، الحديث، الطرقات، الأجواء، وحتى الطعام، كل شئ غير معتاد وغريب.
بقلم رشا روميه 

لكنها لم تكن فتاة ضعيفة، وما مرت به بسنوات حياتها الطويلة جعلها تدرك أمرًا واحدًا، أن لكل قسوة درس يُعلمها كيف تتخطى، وما عليها إلا بعض الصبر حتى تعتاد ما تغير من حولها، لكن يكفيها وجود والدها معها، وقريبة من "نور" كما كانت تتمنى.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

إنه اليوم الموعود، يوم ينقشع به الضباب وتظهر حقيقتهم المخفية، إن العالم لا يعاني من الخطائين بقدر من يتظاهرون بزيف الإيمان.
رشا روميه 

كافيه تيمو..
بوعي وإدراك لما سيحدث اليوم، تأهب "خالد"(منصور) للقاء "نسرين" بعد قليل، بينما كانت تلك الغافلة تستعد بأبهى ملابسها المنمقة وهيئتها الخاطفة للأعين لمقابلة حبيبها الخيالي الذي تمنت لقاؤه منذ أول حديث دار بينهم.

وصلت "نسرين" لكافيه تيمو بالموعد المحدد وبداخلها تشوق بالغ بلقاء "خالد"، إحساس باللهفة لم تشعر به من قبل بأي لقاء لها مع "نور"، ورغم أنها لم تلتقي بـ"خالد" من قبل إلا أنها شعرت بعشق جامح لهذا المحب الحنون، تهدج صدرها بقوة وتعالت ضربات قلبها فما بينها وبين رؤيته حقيقة سوى دقائق.

دقائق قليلة وستتمتع بما كانت تقرأه عبر محادثه خلف شاشة الهاتف بأذنيها، وترى شوقه ولهفته بعينيها، سترى كيف يكون المحبين، وليس خلاف وشد وجذب كما كان بينها وبين "نور".

بحثت بعينيها عن "خالد" بين قليل المترددين على هذا المقهى لتجده بيسر وسهولة، شاب وسيم أنيق يرتدي جاكيت من الجلد الأسود كما قال لها، إبتسمت "نسرين" تلقائيًا فور رؤيته.

للون دلالات وعلامات لمن يود إدراك أن صاحب اللون الأسود يتسم بالغموض والحدة، لكن هناك من يتغاضى عن ذلك عمدًا ليؤكد إحساس بداخله بأنه أمام شخص بسيط هادئ، ربما مصادفة، لكنها بهذه الحالة أمر مؤكد.
بقلم رشا روميه 

مالت بخطواتها الرشيقة لتستكمل تقدمها تجاهه بدلال وتغنج، تريد أن تثبت له أنه قد أحسن الإختيار، فلا مثيل لها، وقفت "نسرين" قبالته متسائلة بنبرة يقين:
- "خالد"؟

تمعن "منصور" بزرقاوتيه بتلك الحسناء ذات القوام الرشيق مبتسمًا بإعجاب، قد يظهر للوهلة الأولى كإعجاب بحُسنها، لكنه شعر بفخر صياد إستطاع صيد فريسة قيمة ستحقق له الكثير من المكاسب، نهض بأرستقراطية نالت إعجاب "نسرين" لرقيه وقوته:
- "نسرين"!!! بقى كنتِ عايزه تحرميني من الجمال ده كله يا عمري، أنا مش مصدق إنك وافقتي تقابليني.

كلمات ساحرة سلبت عقلها وتفكيرها المتزن لتهيم بهذا الشاب الوسيم المغازل بمحبة، إنها محظوظة للغاية، كيف كانت ترفض لقاءه الذي أعاد إليها الحياة من كلمة ونظرة عاشقة، إبتسمت "نسرين" بخجل لتجيبه متصنعة بعض الرزانة التي أطاح بها "منصور" فور رؤيته:
- ما انت عارف الظروف، أنا كمان مش بعرف أخرج كتير من البيت، خصوصًا لو كنت حقابل حد لازم يكونوا عارفين مين ده إللي حقابله.

سحب لها المقعد بحركة راقية للغاية لتجلس بسعادة، فيا له من فرق شاسع بين رُقيه ولطافته، ولقائها بـ"نور" وتزمته، بينما أجابها هامسًا بأذنيها أثناء جلوسها:
- عارف يا قلبي، بس هو أنا أي حد، أنا "خالد"، حبيبك.

كسنبلة تلألأت بلونها الذهبي حين أحاطها بشمس كلماته الرقيقة تعبث بثباتها لتبعثره بخفقات قوية لقلبها الصغير، تتوهج له وجنتيها بحمرة خجل.

تعمق بنظراته نحو عينيها يسألها برقة:
- تشربي إيه قلبي؟

- أي حاجه تحبها.

لم تقاوم وتخلت تمامًا عن جمودها الحذر لتتسع إبتسامتها تظهر مدى إنجذابها الشديد له، ليكمل هو ضرباته الخفية ليطيع الحديد ويلين بين يديه دون مجهود، ليهمس بحالمية:
- ده لو كده بقى، ده أنا أجيب لك الكافيه كله، عمومًا أنا حطلب لك على ذوقي، ويا رب يعجبك.

فرقع بإصبعيه بطريقة سرقت أعين تلك الساذجة وهو يطلب لها عصير طبيعي وقهوة له، بدأ حديثه بطريقته الجذابة، سلاحه المعتاد الذي يبرع بإستخدامه، خاصة وهو يرى تلاشى قوتها وإنسجامها لحديثه بإستمتاع، كمن يسحبها بتنويم مغناطيسي لعقلها مسيطرًا عليها بشكل كامل.

إنتبهت لبعض من حديثه وتغيب عقلها ببعضه تتشتت بملامحه وطريقة حديثه الشيقة وهي ترسم تلك الإبتسامة الثابتة فوق ثغرها، أسندت قبضتها أسفل وجنتها تتابع حديثه بهيام ليغيب عقلها بمقارنة بينه وبين "نور" محدثه نفسها:
-(أينعم هو مش أحلى من "نور"، بس جذاب جدًا، وكلامه حلو أوي، وأنا كمان بحبه، مش "نور" إللي كل حياته مشاكل وغم وتزمت).

أحضر النادل مشروباتهم لترتشف "نسرين" العصير كاملًا وهي تستمع لحديث "خالد"(منصور) الشيق دون أن تنتبه لنظراته المستكينة كثعلب ماكر ينتظر لحظة الإنقضاض على فريسته.

لم تلبث الكثير من الوقت لتشعر "نسرين" بالدوار والإنتعاش بنفس الوقت، شعور مختلط بين الضحك والبكاء في آن واحد.

مال ثغر "منصور" ببسمة ثقة قائلًا بداخله:
-( حلو أوي، أهو مفعول المخدر بدأ يشتغل).

وقف "منصور" يمد كفه تجاهها يدعوها لمرافقته:
- يلا يا قلبي نتمشى شويه.

لم يكن لها قدرة على الرفض، بل على النقيض تمامًا، شعرت بقدميها يتبعانه دون أي مقاومة، بل كانت سعيدة محلقة وهي تسير بخيلاء إلى جواره، ورغم تعثر خطواتها بضعة مرات إلا أنها توقفت أمام إحدى السيارات وهو يدعوها لمرافقته:
- العربيه أهي يا قلبي، إركبي.

جلست بالمقعد الأمامي بينما لحقها "منصور" بالمقعد الخاص بالسائق لينطلق بالسيارة بسرعة فائقة بإتجاه شقته.

ذلك الوكر المعد لإستقبال ضحية جديدة تم صيدها بسهولة، روتينية معتادة إستطاع بها "رضا" و"سارة" بوضع الكاميرات بغرفة النوم لتصوير الضحية الجديدة بقلب قتل به الضمير، فلم يعد الأمر يؤثر بهم، فما سيجنونه من خلف "نسرين" سيصمت ضمائرهم لوقت طويل.
بقلم رشا روميه 

أسرع "رضا" و"سارة" بالإختباء بالغرفة المجاورة حين إستمعا لصوت الباب معلنًا مجئ "منصور" ومعه الفتاة الجديدة كما يسمونها.

دلف "منصور" بثقة تصل لحد الغرور، فتلك المادة المخدرة التي وضعها لـ"نسرين" بالعصير هي مادة قوية للغاية، ستجعلها تنصاع له بلا مقاومة وبلا وعي رغم بقائها منتشية مستيقظة.

ترى ولا تدرك، تظن أنه حلم لكنها تنصاع له وبسعادة أيضًا، كيف إستطاع أن يقنع الضحية بأن إستسلامها هو أفضل شئ عليها فعله، فأكثر شخص يحرص على عدم إثارة الفزع بقلوب العصافير هو الصياد الذي سيقتلها.

بإنصياع تام دلفت لداخل غرفة النوم برفقة "منصور" بحالة غياب الإدراك التي إنتابتها، جذبها "منصور" برفق ليبدأ بخلع ملابسها بهدوء شديد وهي منتشية للغاية حتى أنها لم تقاوم ذلك، وبلحظة إنعدام إتزان دفعها "منصور" بخفة لتسقط فوق الفراش برضوخ تام، ألقاها بأطراف أصابعه كما لو كان يلقي قطعة قماش بالية بتقزز من بين يديه.

لمعت عيناه ببريق غادر فها قد أتت اللحظة الحاسمة لينال جائزة صبره والإيقاع بها طوال تلك الفترة الطويلة من التخطيط المحكم، دنا من الفراش مناظرًا تلك المستسلمة بنظرة خبيثة شهوانية للغاية ليميل برفق للأمام فقد أتت لحظة الحسم، لكنه فوجئ بأحدهم يفتح باب الغرفة دون إستئذان.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

حين تكسر قدمك لا يسير سواك بعرج، ولن يشعر بألمك إلا نفسك ومن تهمه، فلن نلعن الأرض وننعتها بالمائلة ونحن من عليها نميل، علينا إصلاح أخطائنا بأنفسنا، حتى لو بعد حين.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة زاهر)..
عاد "زاهر" للبيت منذ عدة ساعات، فهو لا يقدر على البقاء طيلة اليوم بالمتجر كـ"محمود"، وقت إستطاعت به "فردوس" إخراج ما كانت تفكر به لينتاقشا به معًا.

ظلم قد طال "أنور" حينما تجاهلوا طريق الصواب بالبحث عن وسيلة لعلاجه من الإدمان خوفًا من نظرات المجتمع وإكتفوا بزواجه من "زهرة" لعل المسؤولية تصلح من حاله، لكن ما النتيجة؟!! كل الأطراف خاسرة، فلا ولدهم قد صُلح حاله، ولا تعالج من الإدمان، وزاد الطين بلة ظلم لـ"زهرة" تعلق برقابهم.

ومن الحكمة ألا يقع المؤمن بالجحر مرتين، فإن أخطأوا مرة فعليهم تدارك الخطأ الثاني وإلا سيجدون نفسهم بين حجر الرُحى، يفقدون كل ما كانوا يتمنوا من سعادة وهناء.
بقلم رشا روميه 

كحديث جانبي بين أم وإبنها، ترك "زاهر" هذه المهمة لزوجته لتتحدث مع "محمود" وتستشف رأيه ونيته، خاصة بعدما إتفقا على ذلك بعد مناقشة طويلة دامت بينهما.

بعد إنتهاء وجبتهم المسائية بغياب "زهرة" اليوم أيضًا، وقفت "جميلة" تمسك بيد إبنتها "إسراء" قائلة بصوت عالٍ:
- تصبحي على خير يا مرات عمي، يلا يا "إسراء" نطلع ننام.

- وإنتِ من أهله يا "جميلة".
قالتها "فردوس" وهي تمسك بمرفق "محمود" الذي حمل الصغيرة "لمى" الناعسة فوق كتفه، لتهمس بصوت منخفض:
- إطلع يا "محمود" طلع "لمى" مع "جميلة" وتعالى، عشان عايزاك فى موضوع ضروري.

مال برأسه متعجبًا من أمر ستخبره به يبدو أنها لا تود لـ"جميلة" أن تعرفه:
- خير يا أمي، فيه حاجه؟!

إنتابه بعض القلق لتسارع "فردوس" بطمأنته:
- لا متقلقش، كنت عايزه أخد رأيك في حاجه كده.

أومأ "محمود" برفق ليصعد لشقته حاملًا الصغيرة، تأخره عن اللحاق بـ"جميلة" وهمسه مع والدته أثار حنقها الشديد، لتعصف الظنون برأسها، فيبدو أن هناك أمر يحاك من خلف ظهرها ولا يريدون إخبارها به.

على الفور ترك "محمود" إبنته ليعود لشقة والديه وقد مُلئ بتوجس لما تخفيه والدته عنه، زادت شكوكه حين أصرت "فردوس" على أن يدخلا الغرفة الداخلية ليتحدثا بحرية دون أن يستمع أحد لحديثهم.

جلست "فردوس" فوق الفراش ليجلس "محمود" أمامها منصتًا بإنتباه شديد، ثم تسائل بقلق:
- خير يا أمي، قلقتيني، أنا حسيت إنك مش عايزة تتكلمي قدام "جميلة".

سحبت "فردوس" نفسًا متعبًا قبل أن تبدأ حديثها معه:
- شوف يا إبني، إحنا عارفين إن إحنا ظلمناك بجوازك من "جميلة"، مستحملها ومستحمل طولة لسانها وغباوتها، من غير ما تتكلم ولا تشتكي عشان خاطر زعل أبوك وعمك الله يرحمه.

نبرة جديدة كليًا عليه، يشعرون بالذنب تجاهه!! أمر غير معتاد منهم، هل بعد أن يطحن القمح يستطيع العودة لسنابله؟! 

شعر منهم بالشفقة من قبل، بالضيق والإجبار على التحمل، لكن إحساسهم بالذنب تلك كانت أول مرة يشعرونه بهذا الشعور.

أعاد عنقه للخلف بإندهاش ليردف متعجبًا:
- ظلمتوني!! (كلمة تلفظ بها بوجه مندهش ثم نكس عيناه برضوخ لحياته القاتمة وإستسلام لقدره ليستكمل بهدوء) خلاص يا أمي معادش ينفع الكلام في الموضوع ده، أنا بقالي أربع سنين متجوز، مش حتحسوا بالذنب دلوقتِ، أنا حاولت أفهمكم رفضي قبل كده وإنتوا زعلتوا مني وبابا كان حيروح فيها، إيه لازمته الكلام دلوقتِ ومفيش حاجه حتتغير!!!

لكن أن تأتي متأخرًا أفضل من ألا تأتي مطلقًا، هكذا أكملت "فردوس" حديثها:
- أيوه بقالك أربع سنين، أربع سنين متعذب معاها ومع لسانها إللي مبيسكتش، أربع سنين مشفتش فيهم راحه ولا كلمه حلوه من موال لموال.

لم يجدي نفعًا البكاء على اللبن المسكوب، ليردف "محمود" برضا لكن دون قناعة، صبر بلا راحة:
- خلاص يا أمي، دي حياتي، وأنا أخدت عليها خلاص، ومتنسيش إن "جميلة" مش بس مراتي دب بنت عمي كمان.

- وهو أنا بقولك سيبها!!!  لأ، لو مكانش عشانها عشان عمك الله يرحمه، لكن!

هنا بيت القصيد، أدرك "محمود" أن والدته تلتف حول نقطة معينة، أمر جديد تريد أن تخبره به، ما تحاول إخباره به منذ بداية حديثهم، لينتبه بتوجس لكنه سألها بإستفهام عن مقصدها:
- أيــــــوه، لكن إيه؟ إيه إللي إنتِ بتحاولي تقوليه من بدري يا "أم محمود".

أطلقتها "فردوس" دفعة واحدة، لن تختار الكلمات وتنمق الحديث، لن تقول معاني ضمنية، ستقولها مباشرة دون تجميل:
- إتجوز يا "محمود"، إتجوز واحده تريحك وتفهمك.

عبء جديد سيثقل به كتفه، تجربة فاشلة أخرى ستُفرض عليه ليزيد من معاناته بتلك الحياة التي لا طعم لها ولا لون، فحتى لو شعرت والدته بالشفقة على حاله، لن يزيد الطين بلة، مال ثغره ببسمة حزينة متهكمة من نفسه مردفًا بنبرة حزينة:
- أتجـــــوز!!! معدش ينفع خلاص يا أمي، هو بالساهل كده، مقدرش أعمل كده وأظلمها معايا مهما كانت برضه.

ليس معنى طيبة القلب السذاجة أو الذكاء المحدود، لتفاجئه والدته بفهمها لـ"جميلة" ومقصدها قائلة بنبرة منفعلة رغم هدوئها، لكنه إنفعال حزين على ولدها الذي يفقد شغفه بالحياة بالتدريج أمام أعينها:
- مراتك دي تسكت بقرشين، إديهم لها وإشتري راحتك وإتجوز وإفرح.

ضم "محمود" شفتيه إعجابًا بوالدته التي إستطاعت فهم "جميلة" وغايتها بهذا الوضوح، أدركت دون عناء أن "جميلة" ما هي إلا طامعة بمالهم ولا تكترث لغيره، أن تصرفاتها الحادة والشيطانية طغت عليها منذ أن أبلغها الطبيب بإستحالة حدوث حمل مرة أخرى لما تسبب لها حملها الأخير بأضرار بالرحم، أمر قضى على أملها الأخير بإنجاب ولد يرث ثروة تلك العائلة، أصبحت جشعة نهمة لا تهتم سوى بالمال، أصبحت تتصرف بعداوة وغرابة أيضًا رغم محاولاتهم جميعًا بتأكيد أن إبنتي "محمود" لهن من الغلاوة ما لا يقدر بطفل ذكر، لكن أطماعها جعلتها تحصر تفكيرها بأمر واحد فقط، الحصول على كل المال.
بقلم رشا روميه 

حاول "محمود" إنهاء هذا النقاش الذي لا فائدة منه ليردف بلطف:
- متتعبيش نفسك، معدش ينفع يا أمي،  كمان "جميــ.......

قاطعته والدته قبل أن يكمل عبارته ويرفض ما فكرت به:
- العروسه كمان عندي، إعرفها الأول وبعد كده فكر وقرر.

ضحكة قصيرة متعجبة من تخطيط والدته لحياته مرة أخرى:
- عندك!!! ودي تطلع مين دي بقى؟!

أنهى عبارته وهو يبتسم بتهكم مما تتفوه به والدته، لكنها لم تتأنى لتطلق الكلمة على مسامعه دفعة واحدة:
- "زهرة".

تلجم "محمود" عن الحديث لتختفي إبتسامته المتهكمة يتطلع بوالدته بنظرات تائهة محاولًا التعمق بداخل والدته لفهم مقصدها، إضطرب تنفسه من صدمة تلك المفاجئة، حتى ضربات قلبه الخائنة تعالت بقوة، لا يدري هل هذا شعور تخوف أم فرح؟

إبتلع ريقه بإرتجاف شديد وقد تسائل بداخل نفسه (هل تشعر به أمه حقًا إلى هذا الحد؟! أ تدرى بالصراع القابع في داخله وتدرك كم الوله والعشق الذى يحمله بقلبه لهذه المخلوقة)

بصدر مختلج حاول إخراج كلماته بصعوبة هامسًا بإستفهام:
- "زهرة"!!! "زهرة" إزاي يعني؟!!!!

إن كان يحسد أحدهم على وضع فستحسد "فردوس" على ثباتها الإنفعالي وهي تستكمل بوضوح شديد:
- البنت جميله وطيبه وغلبانه، وكلها شويه وعِدتها تخلص، إتجوزها وعوض عليها بدل أخوك إللي بهدلها الله يرحمه، أنا عارفه كويس إنك بتحبها.

مالها اليوم تتعاقب بصدماته وتكشف له كل ما حاول إخفاؤه بداخل نفسه، إتسعت عينا "محمود" بإندهاش فكيف أدركت شعوره تجاهها؟! وبهذا اليقين أيضًا.

كلمتها زادت من إضطرابه ليحاول إنكار ذلك الإتهام كما يراه:
- بحبها ااا، مين إللى قالك كده؟!!

إنتفض واقفًا ليتهرب مما تقوله لتلحقه "فردوس" متشبثة بذراعه لتجبره على الجلوس مرة أخرى:
- أقعد بس، أنا حاسه بيك من زمان، وعارفه إن أنت بتحبها، وهي كمان مياله لك.

إنه يدرك شعوره جيدًا، هذا الشعور الذي تمنى أن يقتل بداخله فور إدراكه له، لكن ما تخبره به الآن يفوق تخيله بكل المقاييس، لقد أيقنت أيضًا مشاعر "زهرة" تجاهه.

أدار وجهه بالكامل نحو والدته ليتأكد مما سمعه للتو:
- مياله ليا؟!! طيب وإنتِ عرفتي منين؟!

تهربت "فردوس" بذكاء من إجابة هذا السؤال:
- أهو عرفت وخلاص، ها قولت إيه؟!! أنا كلمت أبوك وقال لو إنت راضي هو موافق.

هل بتلك السهولة يبتسم له القدر؟ هل يمكن بعد طحنه بين حجر الرُحى أن يبدأ بداية جديدة تعيد الحياة لقلبه المُنهك؟!

تلقائيًا رُسمت إبتسامة حقيقية فوق شفتيه، إبتسامة ضاعت ببحور الحياة وقهرها، شعور بالراحة والسعادة دب بقلبه فجأة كما لو أن الله تقبل منه دعائه، فهل سيجمع بينهما القدر بهذه البساطة؟!!

أجابها بغير تصديق متمنيًا ذلك حقًا:
- يا ريت، يا ريت يا أمي.

- خلاص سيب الباقي عليا أنا، أنا حكلم "زهرة" وأشوف رأيها، وإن كان على "جميلة"، الفلوس حتعمي عنيها وخلاص.

بإيمائة غير مصدقة فبالتأكيد ما حدث الآن ما هو إلا حلم لا يمكن تصديقه، ترك "محمود" والدته بإحساس جديد مقبل على الحياة، أمل تمنى حدوثه ويبدو أن له نصيب مقدر به.

لكنه ترك حيرة بداخل والدته فكيف ستخبر "زهرة" بهذا الأمر، وماذا سيكون رد فعلها؟!
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

يمكن لبعض الكلمات أن تجعلك تشعر بأن لك أجنحة تحلق بها بالسماء، حتى لو كنا نعلم ما يقر بداخل النفس، لكن وقع سماعها يبهج دون حدود، يقين داخلي بأن ما أشعر به متبادل بيننا، لكن السعادة برؤيتك تحاول من أجلي.
رشا روميه 

ألمانيا...
حل المساء وإنتهت ساعات أول يوم عمل، مرت "ليلى" بوالدها لتودعه كما كانت تفعل بمستشفى الهلال، فبعض الثوابت لا تتغير.

خرجت من المستشفى لتشعر بالضيق والتيهة، فهي مازالت لا تدرك طريق العودة بعد، سارت بعشوائية تحاول تذكر الحي الذي به البناية التي تسكن بها، فرغم قربها إلا أنها لم تدرك الطريق الصحيح بعد.

دارت برأسها هنا وهناك تبحث عن إشارة مميزة تدلها على الطريق، لتشعر بالتخبط، لم يخرجها منه إلا هذا الصوت الذي يعيد تنظيم حياتها برفق، صوت يتسلل لداخل نفسها ويشعرها بإحساس فريد لا يمكن تكراره، إنه الأمان.

إستدارت تجاه صاحب الصوت المميز حين قال:
- إيه حتستني هنا كتير ولا إيه؟!! يلا بينا نرجع السكن.

نغمات حروف كلماته كانت وطن، لقاء نفس بغربة روح، تمنت لليالي طويلة هذا السفر، لكنها لم تعلم إن كانت سافرت من قبل دون معرفته كيف كان سيكون إحساسها وهي تتخبط بمفردها، ألا يكفيها صوته دليل ومرشد، ألا يكفيها وجوده لتشعر بالراحة والسكينة؟!

لكن رغم هذا الإحساس الذي تدركه تمامًا إلا أنها رفضت أن يصطحبها وتسير برفقته بمفردهما، ليمتعض وجهها برفض:
- لا مش حينفع، أنا وإنت لوحدنا في بلد غريبة.

بتلك اللحظة كان "نور" يقف قبالها وعيناه تصرخان بعشق لم ينطق به، بينما أجاب بشهامة:
- ما هو ده سبب أكتر اني لازم أكون معاكِ، وهو ينفع أسيبك لوحدك فى بلد غريبه كده!!

كانت تحتاج بالفعل لدليل يرشدها البناية بالتأكيد، ولن تجد أفضل منه ليقوم بذلك:
- طيب، إمشي إنت قدامي وأنا حمشي وراك لحد ما نوصل، كأن كل واحد فينا ماشي لوحده.

ورغم تعجبه من طلبها إلا أن حرصها جعله يشعر بالسعادة، أليس هذا ما كان يطلبه من "نسرين"، أن تحافظ على دينها وتعاليمه وتتمسك به، إن "ليلى" مثال حي لكل ما يتمنى، يتبقى فقط أن يجد بتحسن بحال والدها ليطلب يدها، فلا يمكنه هذا الطلب بتلك الظروف مطلقًا.

حبس كلماته بداخله ينتظر خبر سعيد بتماثل "عزت" للشفاء حتى يستطع البوح بكل ما يكنه لها من مشاعر في القريب، وصلا للبناية ليصعد كلًا منهما لشقته بهدوء لكن بينهما قرب آخر، قرب روح من روح.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

نجاتك من إختبار قاس هو مكسب لك، ليس بالنجاة فقط لكنك تتعلم درسًا لا يمكن نسيانه، فنحن نتعلم بالصفعات، بطحن حبيبات القمح بين أحجار الرحى، وقتها ستكون نفسك بشكل مختلف وبداية قوية وفائدة أكبر.
رشا روميه 

المستشفى الأهلية....
لم يكن "سامح" يظن أنه سيتعلق بتلك الدرجة بأحدهم، سيتغير كليًا من أجل فتاة، يهتز من داخله بهذا الشكل، لم يهتم بخجل أو بظنون أو ما سيقوله البعض، وقف بفزع ينتظر الطبيب المرافق لـ"فرح" بغرفة الطوارئ ليطمئنه عن حالتها وسكونها المقلق، خرج الطبيب ليتهافت عليه "سامح" بإيقافه لسؤاله:
- هي أخبارها إيه؟ طمني، هي كويسه؟

- كويسه متقلقش يا دكتور، جرح بسيط بسبب وقوعها على السلم وخيطناه، وشوية رضوض بسبب الخبطات دي، حظها حلو إنها موقعتش مسافه كبيره، وإلا كانت اتكسرت ولا جرى لها حاجه.

حديث الطبيب لم يطمئنه بالقدر الكافي ليسأله بتوجس:
- طيب والإغمائه إللي هي فيها؟ دي طولت أوي؟

- متقلقش، متنساش إن دي تاني مره يحصل لها حادث، حتى لو هي مش واعيه ومتذكره إللي فات، فيه جواها حاجه سببت تخوفها الشديد، وده سبب الإغماء أصلًا، بس عمومًا حتفوق وتبقى كويسه اوي إن شاء الله.

تنهد "سامح" براحة:
- الحمد لله.

عاد الهواء يتسع لمتنفسه وهو يركض تجاه الغرفة التي عادت إليها "فرح" مرة أخرى، دلف مباشرة دون دقاته المميزة، لم يطيق الصبر والإنتظار لرؤيتها.

نائمة بهدوء كسنبلة تتمايل مع النسيم تتألق تحت أشعة الشمس كعناقيد من الذهب، حين وقعت عيناه عليها شعر بأن الميزان قد إختل، فلا الدنيا بكفة وهي بكفة، إنها تملأ الكفتين معًا، إنها كل ما يوده بالكون بأسره، ولها يضحي بما يقدر ولا يقدر عليه.
بقلم رشا روميه 

تأمل ملامحها الساكنة وهي مازالت غائبة عن الوعي، ثم إقترب منها يتعمق بها بنظرات ولهة ليجد فرصته حاضرة ليخبرها بما يشعر به تجاهها دون خجل، فهي لا تستمع إليه، تحدث "سامح" بأريحية بصوت مسموع كما لو كان يحدث نفسه:
- كده برضه!! أنا كنت حموت وأنا شايفك بتقعي ومش قادر أعملك حاجه، متبعديش عني أبدًا، أرجوكِ متعمليش فيا كده، أنا حياتي مبقاش لها معنى ولا قيمه إلا وإنتِ فيها.

تنهد بثقل ليخرج همه وضيقه لألمها وما أصابها، جلس إلى جوارها بالمقعد القريب من التخت يهمس بنبرة متيمة عشقًا:
- بحبك، أيوة بحبك يا "فرح"، بحبك بشكل عمري ما حسيته في حياتى أبدًا، ولا كنت أتخيل إني ممكن أحب حد وأتعلق بيه بالشكل ده، أنا محبتش أي حد في الدنيا قد ما حبيتك إنتِ.
بقلم رشا روميه 

بتلك اللحظة كانت "فرح" تغيب بين ظلام أحلامها المتداخلة، تشعر بالتيهة هنا وهناك، تدور حول نفسها تحاول الرؤية لكن شئ ما يمنعها، حتى إستمعت لصوت مألوف، صوت تدق نغماته بآذانها لتبتسم، إنه صوت "سامح" الحنون لا غيره.

حلم جميل وهي تقف بين بستان من الزهور، تتطاير خصلات شعرها المموجة، مغمضة العينين لا ترى ما حولها لكن دليل مرشدها بالطريق لم يكن سوى صوته الحنون الهادئ، تقدمت لخطوات لتسمع صوت "سامح" بوضوح وهو يهمس بنبرة عاشقة أذابت قلبها الصغير:
«كده برضه!! أنا كنت حموت وأنا شايفك بتقعي ومش قادر أعملك حاجه، متبعديش عني أبدًا، أرجوكِ متعمليش فيا كده، أنا حياتي مبقاش لها معنى ولا قيمه إلا وإنتِ فيها»

بين حلم وواقع لا تدري هل هي واعية أم لا، لكنها وجدت نفسها تجيبه بصدق:
« وأنا كمان بحبك، بحبك أوي ونفسي أشوفك وأشوف ملامحك»

ولم لا، لم لا تفتح عينيها فربما ترى وجهه ولو لمرة واحدة بالأحلام، وتُشبع رغبة بداخلها تتمنى رؤيته ولو لمحة خاطفة منذ أن سمعت صوته الحنون الدافئ يحدثها.

أكمل همساته قائلًا:
« بحبك، أيوة بحبك يا "فرح"، بحبك بشكل عمري ما حسيته في حياتى أبدًا، ولا كنت أتخيل إني ممكن أحب حد وأتعلق بيه بالشكل ده، أنا محبتش أي حد في الدنيا قد ما حبيتك إنتِ »

فتحت عيونها الواسعة تبحث عن ملامحه بتلهف، لتهتف بسعادة حين تأملت ملامحه الوسيمة:
« أيوه شفتك أخيرًا، إنت مختلف شويه عن تخيلي ليك، بس إنت في الحقيقة أحلى بكتير أوى من إللي في خيالي، ياااه كان نفسي أشوفك أوي، حتى لو في حلم من أحلامي، هو إنت فعلًا بتحبني زى ما أنا بحبك، ولا ده شفقه عليا؟!

سامح..
حين إسترسل بحديثه كان متيقنًا من أنها غير واعية، تغيب عن عالمنا الواقعي بعالم آخر يغلبه الأحلام بسبب إصطدامها العنيف، لكنه فوجئ بها تفتح عيونها وتتجاوب معه وتسمع حديثه، بل وتحدثه أيضًا.

لكنه توقف عن أمر واحد أثار إندهاشه، إنها تراه، تتحرك مقلتيها تتفحص ملامحه كحركة لا إرادية للمبصر، هل عاد إليها بصرها حقًا؟!

هل يسوقها القدر لهذا الدرس القاسي المؤلم ليمنحها هدية لم تكن تتوقعها؟! هل سقطت من فوق السلم لتستعيد بصرها؟!

هل ما نحسبه أذى ما هو إلا خير لنا، فقط لو نعلم، ولو اطلعنا على الغيب لإخترنا الواقع، فما هي إلا أقدار محتومة، وعلينا الدوران تحت حجر الرُحى لنصل لأفضل نسخة منا.

بدأت إبتسامته في الإتساع ليهتف بها بلا تصديق:
- إنتِ شايفاني، معقول، شايفاني يا "فرح"!!

إنتبهت لأنها بالفعل مستيقظة ولا تحلم، إنها ترى بعيونها حقًا، إتسعت عسليتاها بإبتهاج شديد لتنهض من رقدتها بالفراش تهتف بحماس شديد:
- إيه ده!!!! ده بجد!!! أنا شايفه بجد، أنا شايفاك، شايفـــــــاك.

لحظة أدرك فيها كلاهما لحظة سرقت من الحياة بصدق، وإعتراف حقيقي بما يكنونه لبعضهما البعض من محبة، إضطرب "سامح" فقد أدركت كل ما كان يخفيه بداخله، ثم إنتبه لردها عليه ليتسائل بشك:
- إنتِ، كنتِ تقصدي إللي إنتِ قولتيه؟

هنا جاء دورها بالخجل، إكتسى وجهها بحمرة مشتعلة حين إنتبهت أن ما صرحت به لم يكن بحلم، بل واقع إستمع إليه "سامح" وإنتبه له، طأطأت عينيها قليلًا لتجيب تساؤله بسؤال آخر:
- هو، انت كمان، كنت تقصد إللي أنت قولته؟!

أيقنت أن النظرة رد، والرجفة رد، ولمعة العين رد، وعدم الرد رد، حتى وإن لم تصرح بها، فقد علم "سامح" حقيقة شعورها، ليجد نفسه مجيبًا سؤالها بجرأة تفاجأ بها من نفسه:
- أيوه، و أكتر من إللي قولته كمان.

زاغت عيناها بإبتسامة خجل قائلة:
- وأنا كمان.

كما لو أنها كانت الترياق الذي عالج روحه ليشفى من علة تغلغلت بنفسه منذ عقود، بضحكة مرحة وقلب صاف إستطاعت كسر حاجزه الزجاجي ليخرج للعالم ويكشف عن شعوره دون خجل أو خوف.

أكمل "سامح" دون تلعثم أو تردد:
- أنا حبيت وجودك في حياتي، ولقيت نفسى مش قادر أبعد عنك، ومش عايز أبعد عنك، "فرح" أااااااا، تتجوزيني؟

طريق الصواب يظل طريقًا واحدًا، هو من تتمسك به الأيدي في النور، لهذا كان محددًا واضحًا بطلبه، لن يراوغ ولن يماطل، يريدها بحياته تشاركه بكل تفاصيلها.

رغم تفاجئ "فرح" بطلب "سامح" إلا أنها شعرت بالسعادة له، سعادة فاقت سعادتها بعودة بصرها، لتهتف بذات الحماس:
- موافقه، موافقه، موافقه، بس ااااا.

قطب "سامح" جبهته متخوفًا من رفضها:
- بس إيه؟!!!

رفعت كتفها وهي تقوس شفتيها:
- مش لازم يعني تطلبني من أهلي وكده ولا إيه؟

- عندك حق، إحنا لازم ندور على أهلك عشان أطلبك منهم رسمي ونتمم جوازنا فورًا، بس تقومي بالسلامه وأثر الجرح ووقعة السلم دي تخف نسافر للسويس ضروري.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت سامح الحداد...
ذلك المولود الجديد لهو شخص يزوره لأول مرة، سنوات طويلة عاشها "سامح" يتجنب كل شئ، حتى مشاعره يكبتها دون إفصاح، سعادته مخفية، وحزنه أيضًا مخفي.

بأيام قليلة مر بمنعطفات زلزلت كيانه، قلبت أحواله من حال إلى حال، لكن إحساسه اليوم بقُربه من فقدان "فرح" كان كصفعة قاسية، ضغط قاسي تحت حجر الرُحى ليولد قوة جديدة للمحاربة، فليس عليه الإستسلام بعد اليوم، عليه إعلان تمسكه بمن كانت سيفقدها بلحظة، فالحياة لا تتحمل الكثير من الخضوع والإستسلام، عليه إقتناص فرصته الوحيدة للسعادة.
بقلم رشا روميه 

عاد "سامح" للبيت ليمسك بيد والدته طالبًا منها الجلوس لأمر هام يود أن يخبرها به، أمر أثار التوجس بقلب والدته "أسماء"، لتهتف بقلق:
- يا إبني قلقتني!!! تعالي يا ماما، جيت، أقعدي يا ماما، قعدت، عايزك في موضوع مهم، وأنا معاك أهو، هي إيه الحكايه؟

زاغت عينا "سامح" لوهلة ليلقي بكلماته دفعة واحدة:
- بصي بقى يا ماما، من الآخر كده، أنا عايز أتجوز.

أ تلك السعادة التي تملكتها حقيقية؟! هل ما سمعته يتفوه به للتو حدث بالفعل؟! هل جاء يوم ينطق بها "سامح" بعد أن ظنت أنه سيبقى وحيدًا بالدنيا!! لقد تخطى أخيرًا عقبات خجله الزائد وإنطوائيته الشديدة.

دمعت عيناها بغير تصديق وهي تحاول السيطرة على فرحتها التي تعدت حد البكاء:
- تتجوز، تتجوز بجد!!! بجد يا "سامح" ولا بتضحك عليا؟!!!

بمزاح لطيف عقب "سامح" بعد تأثره ببكاء والدته:
- اه يا ماما أتجوز بجد!! هو فيه جواز كده وكده.

تهلل وجهها بسعادة لتمسح دموع فرحتها بقوة وهي تتسائل بتلهف:
- ومين العروسه؟ أعرفها؟

تمعن بالنظر نحو والدته ليرى رد فعلها حين يخبرها إسمها، ثم قال دون أن يحيد عيناه عنها:
- "فرح".

بالطبع ومن ستكون غيرها، هي من إستحوذت على تفكيره وإحساسه بالفترة الماضية، لتتسائل "أسماء" بإستفهام لا أكثر:
- "فرح"!! إنت اه حكيت لي عنها وعن ظروفها، بس إنت عادي يا إبني متقبل ده ولا حتيجي تتضايق منها بعد كده؟!!

لن يخجل بعد اليوم من إظهار مشاعره، ليجيب والدته مباشرة:
- أنا حبيتها فعلًا يا ماما، وميهمنيش أي ظروف تانيه، وإنتِ حتشوفيها بنفسك وتعرفي قد إيه هي بنت مفيش زيها.

- عارف، أنا كفايه عليا شايفاك مبسوط كده، خلاص يا حبيبي، شوف المفروض نعمل إيه، ونطلب إيديها من مين، وربنا يتمم لكم على خير، أنا اهم حاجه عندى أشوفك مبسوط وسعيد ومرتاح.

ها قد إبتسم له القدر بعدما ظل لعقود أن حياته ستظل بهذا الظلام، لم يتخيل أن تشرق شمسها بسبب حادث طريق، من يرى الأمر من زاوية بعيدة يشفق على حال من مر بهذا الحادث الذي لولاه ما جمع القدر بين قلوب نقية يستحقان أن يجتمعا، حتى لو كان يفرق بينهما أميال وأميال، فقد قُدر لهم اللقاء، ومن يحول عن قضاء أمر الله بنفاذه.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ـ

تلك الوجوه الجميلة التي كانت تظهر لنا منهم جعلتنا نرى الزيف بأبهى صورة، ليت الأقنعة لم تسقط وتظهر وجوههم القبيحة، ليتنا لم نرى حقيقتهم، لكن كيف كنا سنتعلم الدرس إن لم تطحن نفوسنا وتكسر قلوبنا تحت حجر الرُحى.
رشا روميه 

شقة منصور...
بلحظة ضحك بها الشيطان لوصول هذا الوقح لمبتغاه، أسقط عن وجهه قناع المحبة واللطف، قناع من إدعى كونه "خالد"، ليظهر معدنه الحقيقي الصدئ "منصور"، صيد ثمين كاد أن يفترسه حين سقط بشباكه.

غائبة حاضرة عن الوعي، تتحرك بآلية دون رفض أو قبول، أُلقيت "نسرين" بمشهد مزري فوق الفراش تنتظر إنقضاض هذا الذئب الغادر بها، لكن إستوقفه فتح باب الغرفة.
بقلم رشا روميه 

إستدار "منصور" برأسه وقد إحتدت زرقاوتيه بغضب، فمن يجرؤ على إقتحام خلوته المنتظرة بهذه الطريقة دون إستئذان.

لكنه تفاجئ بقوات الشرطة تحاوطه ليسحبه فردان من قوات الشرطة نحو الخلف مقبوضًا عليه، وبمشهد مزري آخر تم وضع ملاءة على جسد "نسرين" العاري لسترها قبل القبض عليها أيضًا.

❈-❈-❈ــ

في صباح اليوم التالي...
مكتب وكيل النائب العام...
بحضور وكيل النائب العام بعد ليل طويل قضاه المشبوهين بتلك القضية بغرفة الإحتجاز، نظر نحو الشرطي قائلًا:
- كل المتهمين حاضرين.

- في الحجز يا فندم.

بإيمائة عملية أشار للشرطي بوجهه المتجهم:
- طيب هاتهم لي واحد واحد.

-تمام يا فندم.

❈-❈-❈ــ

غرفه الإحتجاز..
أوسعت "نسرين" عيناها بقوة تحاول إدراك أين هي وماذا تفعل هنا، دوار شديد وألم لا يحتمل برأسها لترفع أصابعها الطويلة نحو جبهتها المتألمة تضغط عليها بقوة لتخفيف بعضًا من هذا الألم.

حين بدأت الرؤية تضح أمام أعينها نظرت لحالتها المزرية ومحاوطة جسدها بملاءة غريبة لتشهق بقوة قبل أن تضع كفيها فوق فمها بصدمة مما ترى.

شهقات وبكاء دون إدراك ما حدث، لتضرب وجنتها بكفها عدة مرات وهي تهتف بقوة:
- يا نهار اسود، يا نهار اسود، إزاي ده، إزاي ده؟! يا لهوي يا لهوي، يادي المصيبه السوده اللي وقعت على دماغي.

لفت رأسها تناظر غرفة الإحتجاز وتلك الوجوه المشبوهة حولها يناظرونها بإشمئزاز، بعض العيون ساخرة من أفعالها وصدمتها المزيفة، ضحكات جانبية مستهزئة من إنفعالها الغير مبررة فقد أتت ليلة الأمس واعية ومدركة كما يرونها، فلم تدعي الآن الصدمة.

بدأ جسد "نسرين" بالإرتجاف فيا لهول تلك المصيبة التي وقعت بها، لا تتذكر مطلقًا كيف أصبحت بهذا الوضع المشين، وكيف جاءت إلى هنا.

دارت بعينيها تحاول البحث عن إجابة لما يضج بعقلها من أسئلة لا إجابة لها، لكن صوت أتى من نهاية الغرفة جعلها تنتبه له، صوت حانق يحمل بغضًا شديدًا لها، هتف بها بغضب:
- إنتِ السبب!!! إنتِ السبب في كل البلاوي إللي أنا عايشه فيها!!!! بسببك إنتِ يا حقوده، ربنا ينتقم منك، ربنا ينتقم منك.

نظرت "نسرين" نحو تلك الفتاة النحيلة التي تراها لأول مرة بإستغراب شديد، فلم تتهمها بأنها السبب، كيف ذلك ولا معرفة مسبقة بها من قبل، لتردف "نسرين" بنبرة باكية:
- وأنا عملت لك إيه إنتِ كمان، أنا أول مره أشوفك أصلًا.

عقصت الفتاة ملامحها بغيظ شديد لتظهر ملامحها وهي تدنو من "نسرين"، ربما لم يتقابلا من قبل لكنها تعرفها جيدًا، إنها "مروة الشيمي".

منذ القبض على "مروة" وهي محتجزة بتلك الغرفة الخانقة الرطبة لإستكمال التحقيقات معها، أصبحت ساخطة، حانقة على كل من سبب بمجيئها إلى هنا، وبالتأكيد أولهم "نسرين".

بملامح غاضبة ونظرات حادة ممتلئة بالحقد والغيظ، صرخت بها "مروة":
- إنتِ!!! إنتِ السبب في كل إللي أنا فيه دلوقتِ، إنتِ إللي كنتِ عايزاني أحقن عمك "عزت" بالفيروس، إنتِ إللي حرضتيني عشان تنتقمي منه، وأنا للأسف ساعدتك، ربنا ينتقم مني ومنك، حسبي الله ونعم الوكيل، يا ريتني ما سمعت كلامكم، يا ريتني ما سمعت كلامكم، يا ريت ما طاوعتكم إنتِ و"منصور"!!!!

ثم إنهارت باكية على مستقبلها الضائع بسبب إنسياقها لهذا الشيطان في لحظة ضعف منها، استطاعت "نسرين" أن تفهم من تكون هذه الفتاة ولماذا تصرخ بها، لكن زاد تساؤلها عن وجودها هنا بتلك الهيئة، ومن تقصد بهذا المدعو "منصور"؟

تساءلت "نسرين" بعدم فهم:
- "منصور"!! "منصور" مين؟!

شعرت "مروة" بأن "نسرين" تدعي الغباء لتناظرها بنفور قائلة:
- كفايه بقى، مفيش داعي تنكري ما هو إللي دلني عليكِ وعرفني باللي إنتِ عايزاه مني.

إجابة "مروة" لم توضح لها شئ لتعيد سؤالها مرة أخرى ببلاهة:
- مش فاهمه برضه، حقيقي بجد، مين "منصور"؟!! أنا طلبت من "خالد" مش من "منصور"!!!

رفعت "مروة" كفها بالهواء مستهزأة من إنكار "نسرين" بهذا الشكل الغبي، وقبل أن تستكمل "نسرين" تساؤلها وصل الشرطي يطلبها لمقابلة وكيل النيابة لبدء التحقيقات.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مكتب وكيل النائب العام...
بدأ التحقيق مع "منصور" و"رضا" واللذان أنكرا كل شئ بإتقان تام، كما لو كان الأمر معتاد بالنسبة إليهما، ليتقبلا الأمر ببرود شديد كأبرياء ظلموا بهذا الإتهام.

خرجا من المكتب وقد كبلت أيديهم بالأصفاد ويرافقهم شرطي أمام مرأى "نسرين" التي مرت من جوارهم وقد تعلقت عيناها بـ"خالد"، ضيقت حاجبيها بتخبط، فهل "خالد" هو السبب في وضعها المشين هذا، هل هو من أتى بها إلى هنا؟!

دلفت "نسرين" إلى المكتب تشعر بخجل جم وإضطراب ملحوظ من هيئتها ومن المكان الذى توجد به، إحساس بالرهبة والخوف مما سيلحق بها، أو ربما لحق بها، لكنها لم تفعل شيئًا تنال عليه هذا العقاب.

بدأ وكيل النائب العام بسؤالها:
- ليه روحتي شقة "منصور سعفان"
المشبوهه بأعمال الفجر والدعاره؟

كلمة كان وقعها صادم على نفس "نسرين"، إتسعت عيناها بهلع لتحرك رأسها بالنفي بسرعة لعدة مرات ترفض هذا الإتهام:
- دعاره!!!!!!! لالا، أنا، أنا، معرفش أنا وصلت هناك إزاي والله!! ما أعرفش، والله ما أعرف حاجه، ولا أعرف مين "منصور" ده!!!!

إعتاد على المراوغة والكذب، لهذا لم يهتم لإدعائها ذلك مستكملًا سؤالها:
- بس إنتِ كنتِ هناك وإتقبض عليكِ جوه الشقه، كل ده كمان واضح جدًا في الكاميرات إللي كانت بتصوركم، وإنتِ واعيه موافقه على كده؟؟

نعم أخطأت كثيرًا، أخطأت وتستحق العقاب بالتأكيد، لكن ليس بهذه الصورة، إنهارت "نسرين" بصدمة أخرى صارخة بأنفاس متقطعة:
-تصوير!! كمان تصوير، يا دي المصيبه السودا، لالا لا لا لا لا.

أخفت وجهها بين كفيها فقد ضاع مستقبلها بتفكيرها الأهوج، لقد إنساقت نحو الخطيئة بكلتا قدميها، هي من إنصاعت لكلمات محبة بحثًا عن الإهتمام والحنان بين مجهول لا تعرفه، لتسقط خاسرة كل شئ، لقد ضاعت بين كفي الرُحى، سُحقت نتيجة لتفكيرها وأفعالها.

سقطت جاثية فوق ركبتيها تبكي بندم لتتعالى شهقات بكائها الذي يفطر القلوب، فيما إستكمل وكيل النائب العام بثبات دون تأثر:
- إكتب يا ابني، يتم حبس المتهمه أربعة أيام على ذمة التحقيق.

أشار وكيل النيابه لأحد الشرطيين بإخراج "نسرين"، أمسك الشرطي بذراع "نسرين" ليخرجها من المكتب بوضعها المذري والمثير للشفقة، فكيف ستخرج من تلك الورطة، أم أنه كتب عليها العقاب لجرم أفعالها وتفكيرها الخاطئ.

تعليقات