رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السادس والعشرون 26 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السادس والعشرون 

«خارج الحسبان»

الحياة ما هي إلا نص كُتب، ترتيب وتخطيط لخارطة حياتنا، نأمل ونتأمل ونتألم بها، ننتظر أن تلاقينا بالخطوات المرسومة بدقة، لكن هناك خطوات تأتي خارج الحسبان تغير مسار رحلتنا بالكامل.

بعض اللحظات المباغتة التي تخرج عن النص تلك هي التي تسمى الروح، فحينما نظن أننا قد فهمنا الحياة وألاعيبها تفاجئنا بما لم يكن في الحسبان، تلك المفاجآت الغير متوقعة هي الطريقة التي يخبرها بها القدر بأن هناك أروع مما خططنا له ورسمناه لأنفسنا، فما يأتيك خارج الحسبان هو ما يخبئه الله لك من فرح يتخطى كل أمنياتك.

لكن الخوف من أن تكون صدمات غير محسوبة، تقلب الموازين وتعيد ترتيب الحياة من جديد، فبعض العواصف حين تأتي خارج الحسبان دون أن نجهز لها شراعًا واحدًا؛ ستكون النتيجة الحتمية الغرق.

رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

يقال إن الوضوح نعمة، لكنه لا يصلح مع عالم مظلم، عليك حساب خطواتك وإخفاء صفاء نواياك بالقدر الذي يجعلك تأمن، فربما كلانا ينظر، لكن ليس كلانا يرى ما يراه الآخر.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (غرفة زهرة)...
ما حدث من والدها لم يكن أمر يجب أن يمر مرور الكرام، ليس لأنها طامعة بالميراث لنفسها، لكنها بالفعل لا تريد الحصول على هذا المال، لقد قضت بهذا البيت لعدة أشهر لاقت به محبة وحنان لم تشعر بهما من قبل ببيت والدها، رغم معاناتها مع "أنور" وإدمانه إلا أن كل شئ عداه كان حياة من نوع آخر تمر بها، وأقل شئ يمكنها فعله لأجلهم هو ترك هذا المال لهم عن طيب خاطر.

بعد تفكير عميق لساعات وجدت أن الحل الوحيد هو بإقناع والدها بالتخلي عن هذا الميراث لتلك العائلة، إتخذت "زهرة" قرارها هذا لكن زيارة المقابر اليوم كانت خارج الحسبان، لهذا ستضطر لتأجيل زيارتها اللازمة لوالدها لحين عودتهم من زيارة قبر "أنور".
بقلم رشا روميه 

إهمالها لصحتها وتغذيتها أثر بالسلب عليها، لتجلس بوهن شديد ووجه شاحب، وكيف ستجد ملذة بالطعام والشراب وهي تشعر بهذا الحزن بداخلها، ليس لفقدان "أنور" فحسب، بل لحياتها المتخبطة بالعثرات دون راحة.

حضر الجميع لتناول طعام الإفطار كالعادة، فما يميز تلك العائلة ترابطهم القوي وإلتزامهم بتناول الوجبات حين تتجمع الأسرة بأكملها، كما لو أن لا شهية للطعام إلا بالألتفاف حول بعضهم البعض.

أصرت "فردوس" على أن تشاركهم "زهرة" الطعام لضعفها الشديد مؤخرًا وأيضًا لأنها فرد من هذه العائلة ويودون مشاركتها معهم، خرجت "زهرة" من غرفتها بخطوات بطيئة لتجلس بمقعدها حول الطاولة، بينما جلس البقية كل بمقعده.

طأطأت رأسها تطالع كف يدها بسكون لكنها لم تنتبه لتلك العيون المسلكة عليها تترقب بشوق لفتة صغيرة منها.

جلس "محمود" بقلب منتفض يطالع "زهرة" بأعين لها بريق من نوع آخر، بريق حياة جديدة دب بهما، حديث والدته بالأمس مازال يدق كالناقوس بآذانه وهي تطلب منه الزواج من "زهرة"، حلم بعيد، قريب بشكل لا يمكنه السيطرة عليه، حماس وتخوف وعشق يدرك تمامًا أنه لا يمكنه أن ينكره.

ترقب للحظة واحدة فقط ترفع بها سوداوتيها، نسي تمامًا ما يدور من حوله ولا ينتبه إلا لتلك الخجولة أمامه، حاول تخيل رد فعلها حين تخبرها والدته بأمر زواجهما، ليزيد من ذلك إنتفاضة قلبه المتيم بها، عشق خارج الحسبان ربما يكون هدية من القدر لقلبه المنهك.

وأخيرًا سطع القمر بليل حياته لترفع "زهرة" عينيها الواسعتان للأعلى، لحظة تلاقت بهما جواهرهما بحديث صامت لا ينطق إلا بصرخات مكتومة لعشق ليس حرًا، تعلقت نظراتها به للحظات، ظهوره بحياتها كالقمر جميل وبعيد صعب المنال، لكن بعينيه الآن كلمات حبيسة، نظرات من نوع آخر لم تفهم "زهرة" معناها.

نكست رأسها مرة أخرى على الفور خاصة وهي ترى "جميلة" قادمة، إحساس غريب مزيج بين التلهف والإشتياق والشعور بالذنب، ليقطع "محمود" وصلة رؤيتها أمامه بإغلاق عينيه لبعض الوقت يحتفظ برؤيته لنظراتها نحوه، إنها تمامًا كـ سر يسعد قلبه وهم لا يشعرون.

وضعت "جميلة" المزيد من الخبز فوق الطاولة حين نهضت "زهرة" بتهرب قائلة:
- الحمد لله.

دعتها "فردوس" لإستكمال طعامها الذي لم تتناول منه شئ بعد:
- يا بنتي إنتِ لحقتِ، كملي فطارك، إنتِ ضعفتِ أوي.

دون أن تنتبه نظرت نحو "محمود" الذي كان يناظرها بالفعل ثم عادت بسوداوتيها نحو "فردوس" حين تلاقت عيونهما مرة أخرى، لتردف بإرتباك:
- لا لا، شبعت خالص، بعد إذنكم أنا داخله أوضتي.

أسرعت "زهرة" نحو الغرفة وهي تضع كفيها فوق قلبها المنتفض خشية أن يخرج من بين ضلوعها لشدة خفقانه، ورغم هروبها المتعجل إلا أن رؤيتها اليوم جعلت "محمود" يشعر بالإبتهاج وإقبال غريب على الحياة.

لقد أحيته والدته بكلمة، وهي تكفيه حتى الآن، يكفيه العيش بأمل وإن لم يتحقق، فإحساس الحياة لم يشعر به إلا منذ ساعات فقط.

جلست "جميلة" تقلب عيونها كأعين الصقر وآذان كالوطواط تريد فهم ما يحدث، فيبدو أن هناك ما يخفونه عنها، وعليها إدراكه بنفسها، فـ"محمود" منذ حديثه مع والدته بالأمس به شئ مختلف وعليها التحسب له، فلا شئ عندها خارج الحسبان.
بقلم رشا روميه 

بعد الإنتهاء من تناول الطعام خرج ثلاثتهم لزيارتهم المرتبة منذ عدة أيام، بينما بقيت "جميلة" لبعض الوقت قبل مغادرتها.

ومع غياب الجميع وجدتها "جميلة" فرصتها السانحة لإعادة محاولتها التي أخفقت بها، ولتكن محاولتها الثانية مكتملة الأركان وقادرة على تحقيق النجاح هذه المرة، فقد حسبت كل خطواتها بدقة ولن تكرر أخطائها هذه المرة.

إتجهت "جميلة" نحو المطبخ لتعد كوبًا من عصير البرتقال، مدت يدها بخفة بجيب سترتها وهي تتلفت بخلسة لتتأكد أن "زهرة" لم تأتي خلفها وترى ما تدبره لها، وضعت المحلول الموجود بتلك العبوة الصغيرة بداخل كوب العصير ثم قلبته بقوة ليذوب أثره تمامًا.

حملت كوب العصير بعد أن وضعته فوق صينية صغيرة ثم إتجهت لغرفة "زهرة" التي دلفت إليها منذ قليل ولم تخرج منها بعد، طرقت الباب بهدوء قائلة بنبرة محبة:
- "زهرة"، إفتحي الباب.

طلب غريب تعجبت له "زهرة" فـ"جميلة" لم تعتاد أن تأتي إلي غرفتها، أمر جعلها تشعر بالحيرة والتخوف بنفس الوقت، لكن ربما ما يسبب تخوفها هو تلك النظرات الغريبة التي رأتها بأعين "محمود" منذ قليل، إقتربت بخطوات متوجسة نحو الباب لتفتحه قائلة:
- خير يا "جميلة"، فيه حاجه؟

إقتحمت "جميلة" بخطواتها غرفة "زهرة" لا تبالي إن كانت ستفسح لها أم لا، لتجيبها بلطافة غريبة:
- أبدًا يا ستي، مرات عمي أصرت قبل ما يمشوا اني لازم أعملك العصير ده بدل اللبن بتاع كل يوم، لازم تتغذي كويس عشان متتعبيش تاني، يلا، إشربيه بقى عشان أنا لازم أنزل.

نظرت "زهرة" لكوب عصير البرتقال الذي تحمله بين يديها لتردف بإمتنان:
- معلش تعبتك يا "جميلة".

لمعت عينا "جميلة" وهي تمد يدها بالكوب بمكر شديد وإبتسامة حرباء متلونة:
- ده كلام برضه، إنتِ أختي يا "زهرة"، يلا حبيبتي إشربيه أوام عشان أنا إتأخرت على العمال ولازم أنزل.

أومأت "زهرة" بخفة وهي تلتقط الكوب بين كفها تحت أنظار "جميلة" التي شعرت ببدء نجاح خطتها، وإن إنتصارها وشيك للغاية هذه المرة.

تناولت "زهرة" العصير كاملًا حتى لا تعطل "جميلة" التي إتسعت إبتسامتها بنشوة وهي تحمل الكوب الفارغ مرة أخرى:
- بقولك إيه، أنا حاخد البنات معايا النهارده، أصل أنا حشتري لهم شوية حاجات وأنا راجعه، كمان عشان تاخدي راحتك في النوم وترتاحي خالص، ماشي حبيبتي.

إبتسمت "زهرة" بخفة ممتنة لإهتمام "جميلة" بها، فيبدو أن بعد وفاة "أنور" أشفقت "جميلة" عليها، فكل تصرفاتها الأخيرة تقول ذلك:
- شكرًا يا "جميلة"، مش عارفه أقولك إيه على تعبك معايا.

- لا تعب ولا حاجه، يلا إرتاحي إنتِ حبيبتي، أنا نازله، سلام.

جلست "زهرة" بعد مغادرة "جميلة" غرفتها تؤنب نفسها على نظرة خائنة كانت خارج الحسبان لزوجها، إنها لا تستحق منها أن تكون خائنة، مطت شفتيها بإستياء من نفسها وما فعلته بالصباح.

تشوشت الرؤية بعيونها لتشعر بدوار شديد يجتاحها، وشعور قوي بالنعاس يغلب جفنيها لتستسلم له على الفور وترتمي بعد عدة دقائق فوق الفراش مستغرقة بنوم عميق.
بقلم رشا روميه 

خرجت "جميلة" من غرفة "زهرة" وهي تتلفت نحوها بين الخطوة والأخرى، أثناء تحركها أخذت تغلق كل الأبواب والنوافذ المفتوحة لتتأكد بأن كل شئ مغلق تمامًا.

تسللت بخفة لغرفة "زهرة" لتطمئن أنها قد غابت بنوم عميق للغاية بفعل العقار المنوم الذى وضعته لها بالعصير، فقد أكد لها الطبيب الصيدلي أن هذا الدواء من النوع القوي، والذى يبدأ مفعوله بعد دقائق قليلة من تناوله.

رؤيتها مستلقاة بلا حركة جعلها تركض بتعجل تجاه المطبخ لتفتح إحدى أعين الموقد لينبعث منها رائحة الغاز الكريهة، أمسكت بأيدي الطفلتين ثم إصطحبتهما لخارج الشقة قبل أن تغلق الباب من خلفها جيدًا.

وقفت "جميلة" لوهلة بإبتسامة إنتصار جانبية، فخطتها المُحكمة قد خططت لها بعناية، وكل خطواتها محسوبة للغاية، فلا خطأ سيحدث هذه المرة، لا شئ خارج الحسبان.

همست بصوت منخفض لا يمكن لأحد سماعه سواها:
- أهي عقبال ما مفعول المنوم يروح حتكون إتخنقت من الغاز وغارت في ستين داهيه، وهم لسه قدامهم مش أقل من ساعتين عقبال ما يرجعوا تاني من المقابر، مع السلامه يا .... "زهرة"!!!

أسرعت نحو المخزن بعجالة شديدة حتى تنفي أي شبهة يمكن أن تطالها إن شك أحدهم بأمر موت "زهرة"، وهذا بالتأكيد أمر حتمي، مجرد وقت يمر وستكون تخلصت منها بشكل نهائي دون رجعة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

قسم الشرطة...
تمعن وكيل النائب العام بالأوراق الموضوعة فوق مكتبه قليلًا قبل أن يأشر للشرطي بمتابعة دخول المتهمين لإستكمال التحقيقات، رفع وجهه بهدوء تجاه تلك من دلفت للتو يناظرها بنظرات متفحصة ليقيم ماهية تلك الفتاة قبل البدء.

أعاد جذعه بأريحية للخلف وهو يعقد أصابعه بشكل متداخل متحفزًا بهدوء أعصاب قبل أن يردف:
- إنتِ إللي قدمتِ البلاغ، مش كده؟

أومأت "سارة" بقلق ورهبة من وجودها بهذا المكان، بينما مال الضابط تجاه الشرطي المجاور له مطلقًا سؤاله الأول:
- إسمك بالكامل، وعايزك تقوليلي على كل حاجه بالتفصيل الممل.

مررت "سارة" طرف لسانها تبلل شفتيها الجافتين بسبب التوتر لتبدأ حديثها بنبرة متلعثمة، فهي لم تكن تظن أن الأمر بهذه الصعوبة، لقد أخطأت كثيرًا وعليها التكفير عن ذلك، عليها أن تنال عقابها لتتطهر من أخطائها وخطيئتها، فما تفعله الآن لهو خارج الحسبان، لم تظن يومًا أنها تمتلك تلك الجرأة للإعتراف بكل شئ، ظنت أنها ستظل خانعة لقذارتهم التي لن تنتهي.

سحبت نفسًا متقطعًا قبل أن تجيب بتوتر:
- اسمي "سارة سليم عبد الرازق"، الحكايه بدأت يا سعادة البيه في يوم ما قابلني "منصور" في كافيه تيمو، اليوم ده..............

إسترسلت بسرد قصتها كاملة منذ معرفتها بـ"منصور" وإستدراجه لها، كيف وقعت بشراكه وتخطيطه الماكر ولم تستطع الفرار، مساعدتها لهم من خوفها من أذيتهم وفضحها بمقطع الفديو المصور كما هددوها، وصولًا للإيقاع بـ"نسرين" كضحية جديدة.

ما قصته "سارة" رغم ألمه الموجع بتذكر تفاصيل تلك المأساة كاملة؛ إلا أنها أنقذت به تلك الشابة البريئة الساذجة الغبية من إيقاع "منصور" و"رضا" بها، فقد تحملت بالقدر الكافي ولم تعد تستطع إكمال أفعالهم الدنيئة وإيقاع ضحايا أمثالها أكثر وأكثر.
بقلم رشا روميه 

بعد نهاية إعتراف "سارة"، ولكونها هي من أدلت الشرطة عليهم وإعترفت بأفعالهم كاملة، قرر وكيل النائب العام بالإفراج عن "سارة"، و"نسرين"، لكن بعد أن يأتي ذويهم لإستلامهن كضامن.

ربما كان الإعتراف بالخطيئة أيسر على نفوسهم من تلك المواجهة المخجلة مع أهلهن، كيف سيرفعن رؤوسهن بهم بعد ما فعلوه من إنحطاط وخطيئة لا تغتفر.

حضر والد "سارة" لإصطحابها، فيما إنتظرت "نسرين" مجئ والدتها لإستلامها، إرتدت ملابسها فلا داعي بأن تراها بهذا الوضع المخجل، فيكفيها ما نالته من تهشيم نفس، ودونية رأتها بأعين الجميع.

حضرت "عفاف" بعد أن طلب الشرطي حضورها على الفور لقسم الشرطة، فغياب "نسرين" بيوم الأمس كاد أن يصيبها بالجنون، فلم تترك شخص أو مكان لم تبحث به عنها، وها هي تجدها بقسم الشرطة.

دلفت "عفاف" باحثة بأعينها عن إبنتها الغائبة دون أن تدري عن سبب وجودها بهذا المكان، تنفست الصعداء حين رأتها جالسة بصحبة الشرطي أمام مكتب وكيل النائب العام بمظهر مشعث مذري للغاية، لكن بقلب أم ركضت نحوها تطمئن عليها:
- بنتي حبيبتي، مالك يا بنتي؟! حصلك إيه؟ وإيه إللي جابك هنا؟

طأطأت "نسرين" رأسها بخزي وإبتعلت كلماتها تمامًا، فبما ستجيبها، بما ستدافع عن نفسها وما إقترفته، لقد تحطمت، خسرت الكثير ولا يمكنها حتى الدفاع عن نفسها.

نهرها الشرطي عن إطالة الحديث:
- يلا يا ست خلينا نشوف شغلنا، إدخلي إمضي بإستلام بنتك، وإنتوا أحرار مع بعض بعد كده.

تقدمت "عفاف" بإنصياع تجاه أحد المكاتب للتوقيع على محضر إستلام "نسرين" كضامن، لكنها حين قرأت ما دون بهذا المحضر شعرت بأن الهواء إنسحب من رئتيها بالكامل، برودة شديدة إجتاحت جسدها وغصة تعلقت بحلقها.

دارت الدنيا من حولها من هول مصيبتها التي حلت فوق رأسها، لولا خوفها من نقمة فضل الله عليها وعلى إبنتها وإنقاذها بآخر لحظة؛ لكانت تمنت موتها عن أن تجلب لهم الخزي والعار.

لا تدري "عفاف" كيف أمسكت بالقلم ودونت توقيعها، وكيف خرجت بذهول صادم وأنفاس مسحوبة، فحتى لقاء عينيها بعيني إبنتها المنكسرة لم تقوى عليه، تحركت بآلية تخرج من قسم الشرطة تتبعها "نسرين" بخطوات متراجعة.

إن كان ذلك حُلمًا فبالتأكيد هي تعيش بكابوس، جسد يتحرك بلا روح ولا إدراك، كانت أحلامها بأن تفرح بإبنتها وزواجها من "نور"، أن تتمنى يوم زفافها بنفس متشوقة، لكن ما تعيشه اليوم لأمر خارج الحسبان، لم يطرأ يومًا بمخيلتها.

وصلتا لشقتهما ببيتهم المتواضع، كما لو كانت "عفاف" تجرجر ساقيها للوصول لبر الأمان، لتسقط مغشيًا عليها فور وصولها.

أسرع الجيران بمساعدة "عفاف" وإفاقتها لتتناول حبة دواء الضغط خاصتها، فلولا كرم الله عليها لكانت قضيت ساعتها بجلطة أودت بحياتها، فإنكسارها اليوم عظيم.

حبست "نسرين" نفسها فى غرفتها فقد كان الأمر أكثر من مجرد تشويه للسمعة والمرور بتجربة قاسية، فما مرت به موجع للغاية، مخزي بشكل لا يمكن تحمله، لهذا بقيت حبيسة غرفتها متهربة من أي لقاء حتى والدتها وأخويها، فيكفيها نظرات اللوم والتأنيب بأعين والدتها لتشعر بأن خطأها كان جسيم.

❈-❈-❈ــ

بك رأيت العالم بشكل جديد، ترى هل كان بمثل هذه الروعة أم أن وجودك يضفي جمالًا كضوء الشمس، علمت أن لكل شئ طاقة حتى الحب، لكن ما أدركه أنني أحبك فوق طاقتي.
رشا روميه 

المستشفى الأهلية...
تأخر "سامح" كثيرًا عن موعده حتى بدأت "فرح" بالقلق لهذا التأخير، ضيق وتجهم جعلاها تدور بالغرفة بهمهمة ساخطة دون سبب، تلاشت تمامًا حين إستمعت لنقر مميز بباب الغرفة، إنها طرقته المميزة.

إبتسمت على الفور وهي تتحرك بخفة لإستقبال "سامح"، إنه إستقبالها الأول له وهي تراه بعد أن أبصرت عيناها مرة أخرى، فتح "سامح" الباب لتهتف به "فرح" بشقاوتها المحببة:
- يا صباح البنفسج البنفسجي.

إندهش "سامح" لكلماتها الغريبة للترحيب به، ليجيبها بإبتسامة رغم تعجبه:
- بنفسج وبنفسجي كمان!!! ده إيه الصباح الجديد عليا ده؟!

رفعت "فرح" حاجبيها بشقاوة وهي تحرك رأسها بمزاح يليق بشقاوتها لتتمايل معه خصلات شعرها البني المموج:
- أنا صباحي مش أي صباح، أنا صباحي بيغني.

إبتهاج ملامحها وشقاوة عينيها اللامعتين جعلته يرى بأن وجودها يجعل الكون من حولها يشع بأضواء مبهجة، كما لو أن الدنيا برفقتها لها شكل خاص لا يجده خارج تلك الغرفة.

جلس بهدوء فوق المقعد ومازالت إبتسامته متسعة بقوة حين أردف:
- عندك حق، الصباح عندك بيغني، كل حاجه حواليكِ بتضحك.

لملمت شفتيها ببعض الخجل وهي تعقد ذراعيها مدعية الضيق:
- إتأخرت يا دكتور، عندك ساعة بحالها تأخير.

بإيمائة تمثيلية كإعتذار وهو يضع كفه فوق صدره:
- العفو والسماح يا فندم.

تطلعت به بجانب عينيها بطرافة قبل أن تجيبه بغرور مصطنع:
- تقبلته.

زاغت عيناه لوهلة قبل أن تتردد نظراته بإرتباك ملحوظ، فتارة ينظر نحوها، وتارة أخرى يتهرب من نظراتها الكاشفة وعيناها الواسعتان، مالت "فرح" برأسها بنظرات قوية كما لو كانت تكشف أغوار نفسه لتردف بجرأة:
- مخبي إيه يا دكتور، شكلك مش مريحني!!!

توهج وجهه بحمرة خجل لكن ذلك لم يثنيه عما سيعترف به، فقد حُلت عقدة لسانه الخجول، فعلاجه من خجله الشديد على يديها كان خارج الحسبان، ليقف بمقابلتها يطالعها بنظرات ولهة فأصبحت مشاعره واضحة، وإستطاعت هي رؤيته فلا داعي للإخفاء بعد اليوم.

تطلع بداخل مقلتيها البراقتان ليهمس بنبرة عاشقة:
- "فرح"، أنا مش حقدر أخبي مشاعري ناحيتك، أنا حقيقي بحبك بجد، ومفيش غير طريقه واحده حعملها، سواء بقى لقينا أهلك أو لأ، أنا كان لازم آخد الخطوه دي.

مد يده لداخل جيب بنطاله مخرجًا علبة حمراء أنيقة للغاية ليفتحها بهدوء، ضوء مشع أضاء ببريقه اللامع لحظة فتحه للعلبة لتتلألأ تلك القطعة الذهبية بأعين "فرح".

كيف لرؤية قطعة من المعدن أن تسبب هذه السعادة والبهجة بقلبها الذي أخذ ينتفض بقوة، هدأت ملامحها بشكل كبير لتتعلق عيناها بما داخل العلبة وقد فغرت فاها لتصمت لوهلة قبل أن ترفع عيناها تجاه "سامح" تحدق به بصمت.

شعر "سامح" بالتوجس لصمتها ليتسائل بإرتياب:
- إنتِ زعلتِ صح؟! بس أنا قولت إنك وافقتي عشان كده أنا............

قاطعته "فرح" بمد كف يدها تجاهه قائلة:
- لبسني الدبلة دي بسرعه، وإلا حرجع في كلامي.

تعالت دقات قلبه بسعادة فأن ترتدي المحبس الذهبي موافقة رسمية منها بقبولها الزواج منه، أخرج المحبس بتعجل ليضعه بداخل أصبعها بتوتر وهو يوضح:
- وبس نلاقي أهلك كل إللي عايزاه حيحصل، واطلبك منهم رسمي ونعمل حفله كبيره، بس أنا حسيت إني لازم آخد أي خطوه ومتأخرش فيها.

تعجله بإرتباطه بها بهذا الشكل جعلها تشعر بأن هناك شئ يدفعها للسكينة، شئ داخلي يخبرها بأن طريقه الواضح هو ما كانت تتمنى.

قطبت حاجبيها للحظات متسائلة بداخلها:
-(ما هو ده شئ طبيعي ومنطقي إنه عايز إرتباط رسمي، أمال كنت متوقعه إيه يعني، هو أنا كان مالي يعني عشان أشك في حاجه منطقيه زي كده؟!)

سؤال لم تعلم إجابته فيبدو أن حياتها كانت ممتلئة بالأسرار، تغاضت عن أفكارها لتسعد بلحظتها الجميلة لتهتف به وهي تلتقط المحبس الفضي أثناء تشبثها بكف يده قائلة وسط ضحكاتها المقهقهة:
- تعالى إنت كمان قبل ما تهرب مني إلبس الدبله.

قالتها بمرح لتغطي على خجلها وتكسر حدة خجله أيضًا، أخرج علبة أخرى ليظهر خاتم أنيق مميز لتتفاجئ "فرح":
- إيه دة كمان؟

- دى هديه صغيره أوي، وطبعًا بس نوصل لأهلك وحعملك فرح كبير وشبكه محترمه تليق بيكِ يا أحلى "فرح".

أكملت فرح مزاحها:
- "فرح" وفرح، سيره هي، لاااااا، من النهارده مفيش غير "فرح" واحده بس.

أجابها "سامح" بنبرة عاشقة وهو لا يحيد بعينيه عن عينيها:
- فعلًا، مفيش غير "فرح" واحده بس.

إبتسمت "فرح" بخجل وهي تطالع كفها الذي زين بمحبسه الذهبي، ليفاجئها "سامح" بمفاجئته الأخيرة:
- على فكره، أنا حجزت لك في فندق، ملهوش لزوم قعدتك في المستشفى خلاص، يلا حضري نفسك عقبال ما أبلغ الدكتور، وكمان والدتي عايزه تشوفك وتتعرف عليكِ.

إيمائة لطيفة كانت إجابتها فيبدو أن القدر خرج عن تخطيطه القديم وبدأ رسم طريق جديد لحياتها، طريق سعادة قادمة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ـ

خلق الله الناس من ماء وطين، لكن بعضهم للماء فقيرًا فأصبح حجرًا قاسيًا، فطوبى لمن زاد ماؤه على طينه وأصبح لينًا.
رشا روميه

بعد أن قطع "محمود" نصف الطريق بإتجاه المقابر لزيارة أخيه "أنور"، صدح صوت نغمة هاتف "محمود" لتقطع الصمت المخيم عليهم جميعًا، نظر "محمود" لشاشته ليضم شفتيه بإمتعاض قبل أن يجيب المتصل:
- صباح الخير يا باشمهندس.

أجابه هذا الصوت المنفعل فيبدو أنه ليس الوحيد الذي تسبب له "جميلة" إنفلات الأعصاب:
- أيوه يا أستاذ "محمود"، أنا ببلغك إني مش مسؤول عن أي حاجه من التهريج إللي بيحصل هنا ده، ومش حقدر أكمل أبدًا بالوضع ده، أنا رجعت تاني عشانك وعشان الحاج "زاهر"، لكن لو سمحت إعفيني من الشغل مع مدام "جميلة".

مجرد أيام قليلة ولم يستطع هذا الرجل تحمل "جميلة" وأفعالها، ورغم سخرية "محمود" من الموقف إلا أنه أكمل بثبات نفس:
- واحده واحده بس يا باشمهندس، وإللي إنت عايزه حيكون.

زفر الرجل بضيق شديد ثم أكمل بذات الإنفعال:
- لا عايز ولا مش عايز، أنا مضطر أسيب الشغل ده، مقدرش أتحمل مسؤولية إللي مدام "جميلة" بتعمله، أنا حاولت أفهمها إن فيه أحمال للمبنى لازم نعمل حساب كل حاجه، لكن هي مصره بشكل يعصب يا أستاذ "محمود"، أنا ببلغك إني خلاص كده مش حقدر أكمل.

تنهد "محمود" بقوة ثم سأله بضيق مما تفعله بعنادها:
- هي "جميلة" وصلت المخزن؟

- أيوه وصلت من شويه، ومن ساعة ما دخلت إدت أوامر بكل حاجه أنا رفضتها، ومُصره تشيل العمود إللي قبل الزاويه، ممكن تعفيني أنا من الشغل هنا؟

حاول "محمود" تهدئة الرجل بلا فائدة، فقد أصر الأخير على ترك العمل نهائيًا فلم يعد يتحمل أفكار "جميلة" التي لا تتسم بشئ سوى الغباء، بينما كان "محمود" من داخله يسخر من حياته مع تلك المخلوقة المستفزة التي لا يمكنه تركها كما سيفعل هذا المهندس بكل سهولة.

ضم شفتيه متفكرًا قليلًا لحل تلك الأزمة قبل أن يردف:
- طيب ممكن تستناني ساعة واحده بس، ورايا مشوار مهم مع الحاج، وأنا بنفسي حاجي المخزن وأوقف كل إللي ضايقك ده خالص؟

لكن الرجل أكمل بإصرار:
- مش حقدر يا أستاذ "محمود"، أنا كنت بوزع بس شغل العمال ورايح إشراف في موقع عمارة الحاج "خضر"، معادي معاهم كمان نص ساعه.

دارت عينا "محمود" للأعلى بغيظ من "جميلة" التي تفسد ترتيب يومهم بأفعالها التي دومًا تأتي خارج الحسبان ليردف مضطرًا:
- خلاص يا باشمهندس، مسافة السكه وحكون عندك.

أنهى "محمود" المكالمة وهو يزفر بقوة قائلًا بنبرة مختنقة:
- أستغفر الله العظيم يا رب.

كانت المكالمة تحت أسماع والديه لينتظر "زاهر" نهايتها لسؤاله بفضول شديد:
- خير يا ابني، إيه إللي حصل، مين ده إللي بيكلمك ومضايفك أوي كده؟

- ده المهندس إللي "جميلة" ممرمطاه وسط العمال، ومُصره تنفذ الغباء إللي في دماغها.

أخفى "زاهر" ضيقه حتى لا يزيد حنق "محمود" ليكمل:
- حصل إيه تاني؟ هو مش كنت راضيته ورجعته يكمل شغل، والدنيا بقت تمام؟

لوى "محمود" شفتيه بإمتعاض ليردف مستنكرًا:
- الهانم مُصره على إنها تشيل عمود والراجل واقف لها عشان كده خطر على المبنى، بس هي مُصره عشان توسع، وبتعند معاه، هو مش عارف يتصرف معاها وعايز يمشي.

وضع لابد من السيطرة عليه، فرغم محاولاتهم العديدة للتغاضي عن تصرفاتها وعنادها، إلا أن هذا الأمر يمكن أن يسبب لهم جميعًا الأذى، قطب "زاهر" جبهته بقوة مردفًا:
- ربنا يهديكِ يا "جميلة"، طب والعمل دلوقتِ، ناوي تعمل إيه، حد بالك لا تعمل لنا مصيبه!!

نظر "محمود" لوالدته بنظرات معتذرة أولًا، فهو يدرك إنتظارها لهذه الزيارة لأخيه، ثم طلب بضيق:
- ملهاش حل إلا إني أروح بسرعه عشان ألحق الغبيه دي قبل ما تعمل إللي في دماغها، كمان المهندس قدامه نص ساعه بس ويمشي، فممكن معلش نرجع البيت ونبقى نزور "أنور" بكره، أنا عارف إنكم مستنيين اليوم ده ومحضرين نفسكم، بس لو رحنا دلوقتِ لـ"أنور" مش حلحق "جميلة" وعمايلها، ولا المهندس.

أومأت "فردوس" بتفهم وإستسلام، فما حدث خارج عن إرادته، لتجيبه بالموافقة:
- هي الزياره ملهاش نصيب النهارده، روحنا يا ابني على البيت، وروح إلحق عمايل مراتك بدل ما تحصل مصيبه.

دار "محمود" بالسيارة بإتجاه طريق العودة، فلا داعي للتأخير، أسرع "محمود" بقيادة السيارة حتى يستطع اللحاق بالمهندس قبل رحيله.

بعد وقت قليل توقف "محمود" أمام البيت ليترجل ثلاثتهم من السيارة، مد "محمود" يده ليسند والدته للصعود للشقة أولًا، فدرجات السلم مؤلمة للغاية لتلك السيدة المُتعَبة.
بقلم رشا روميه 

توقف كلاهما أمام باب الشقة المغلق لتندهش "فردوس" منه لتقوس شفتيها بإستغراب:
- غريبه باب الشقه مقفول!!! يمكن "زهرة" قفلت الباب عشان البنات ميطلعوش بره.

- يمكن برضه.

أخرج "محمود" مفتاح الشقة من جيب بنطاله ليفتح الباب، عقص وجهه بقوة وهو يتخذ خطوة للخلف فرائحة الغاز الكريهة جعلته يتراجع بنفور يهتف بوالديه بعدم الدخول حتى لا يصابا بالإختناق:
- إيه ده!! يا ستار يا رب، إيه ريحة الغاز دي، خليكم انتوا هنا وأنا حدخل أشوف فيه إيه!!!

تشبثت به "فردوس" وهي تضع كفها فوق أنفها لمنع إستنشاقها للغاز:
- إستنى يا "محمود"، حروح أشغل الشفاط في المطبخ، الريحه وحشه أوي.

أسرع "محمود" بمنعها وهو يسعل متأثرًا برائحة الغاز:
- لااااااا، إوعي يا أمي!!!! ولا تشغلي جهاز ولا حتى لمبه والغاز معبي الجو كده، ينفجر فورًا ونولع كلنا.

تفاجئت "فردوس" بهذا الأمر فلم تكن تعلم أن الكهرباء بوجود الغاز تسبب الإنفجار، لم يعطها "محمود" فرصة لإستكمال حديثها ليهتف وهو يدلف للداخل بخطواته المستعجلة:
- خليكوا بره، أنا حفتح كل الأبواب والشبابيك عشان الهوا يدخل.

بحركة سريعة أخذ يفتح النوافذ ليسمح للهواء بالمرور، ثم أسرع بخطواته نحو المطبخ ليغلق عين الموقد المفتوحة والتي إنبعث منها الغاز.

أسرع يتلفت هنا وهناك بحثًا عن طفلتيه و "زهرة"، بكل زاوية ينظر بها لا يجد أثرًا لأي منهم، حتى مر أمام غرفة "زهرة"، بتردد شديد ما بين أن يدلف للغرفة ذات الباب المفتوح، أم يبقى خارجه دون إقتحام لخصوصيتها، لكن الأمر لم يحتمل هذا التردد فحياتها على المحك، وهذا هو الأهم.

على الفور كان "محمود" بداخل الغرفة لتتسع عيناه بهلع وهو يرى "زهرة" ملقاة كقطعة القماش البالية فوق الفراش.

إجتاحه للحظات إحساس بالفزع وإرتجاف بارد بجسده وهو يناظر سكونها المخيف، خنجر قاسي دُب بقلبه وهو يرى شحوبها وسكونها الزائد، إقترب منها بتعجل كما لو أن الهواء سحب من رئتيه أيضًا، ليس بفعل إستنشاق الغاز، بل لخوفه من فقدانها الآن.

زاغت عيناه بلهفة وهو يدنو منها يتفحص ملامحها الساكنة بغرابة، ثم همس بصوت متحشرج:
- "زهرة"، "زهرة"، ردي عليا، "زهرة".

جثي إلى جوارها قبل أن يمد أصابعه برفق تجاهها يخشى قربها الذي يخطف أنفاسه، إبتلع ريقه بتوتر ومازال الخوف مسيطرًا عليه، وضع إبهامه أعلى كفها يتحسس نبض قلبها البطئ ليشعر ببعض الراحة من أنها مازالت على قيد الحياة.

تلك النبضات الضعيفة بعروقها كانت كالنيران التي أحرقت لهيبها أصابعه، تمسك بكفها ليسري بعروقه راحة كادت أن تجعله يبكي رغم قوته، دارت مقلتيه بملامحها الناعمة النائمة بسكون متذكرًا حديث والدته بالأمس، حتى كادت دقات قلبه تفضحه من سعادتها، فقريبًا ربما يمنحه القدر فرصة للحياة بقربها.

همس بنبرة عاشقة بصوت لا يسمعه سواه:
- فوقي حبيبتي، بالله عليكِ أنا قلبي موجوع، فوقي يا "زهرة"، ده أنا ما صدقت، إوعي تروحي مني، ده أنا أموت فيها دي.

كان يود لو تفتح عينيها ويخبرها برغبته بالزواج منها، أو حتى يترك الأمر لوالدته لتخبرها كما وعدته، لا أن تتخلى عن الحياة بتلك السهولة، أكمل حديثه بنبرة أكثر وضوحًا:
- "زهرة"، يا "زهرة"، فوقي بقى!!

دلفت "فردوس" ومعها "زاهر" بعد أن بدأت رائحة الغاز تتلاشى وقد إتسعت عيونهما بذعر خوفًا من فقد "زهرة":
- يا خبر أبيض، بنتي"زهرة"، هي مالها يا "محمود"؟!! مش بتفوق ليه؟

تماسك "محمود" قليلًا قبل أن تنجرف مشاعره أمامها ليلتفت لوالدته قائلًا بتوجس:
- فيه نبض، وهي بتتنفس بس مش راضيه تفوق، مش عارف ليه!!!

أشار "زاهر" بصوت الحكمة الذي غاب عن عقليهما بفعل الإرتباك:
- وهو إحنا حنفضل كده، قوم يا "محمود" هات حاجه تفوقها من الصيدليه، أو تشوف دكتور حالًا، مش حنسيبها تروح من بين إيدينا كده.

إنتبه "محمود" لما قاله والده ليستقيم ملبيًا ذلك:
- أيوه صح، حالًا أهو، حالًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ألمانيا (مستشفى هايدلبرغ الجامعي)...
يبدو أن القدر لم يبتسم لـ"سامح" فقط، بل هناك من يشعر بأن القدر يسمح له بتعويض ما فاته بتلك البعثة ليقترب بشكل كبير من "ليلى" وتحقيق حلمه معًا.

وصلا "نور" و"ليلى" لمستشفى هايدلبرغ الجامعي حيث يعملان منذ بعض الوقت، لتتجه "ليلى" لمتابعة عملها الجديد، بينما بقي "نور" بغرفة مكتبه الجديد لبعض الوقت.
بقلم رشا روميه 

تحمس "نور" لأن يطلب من "ليلى" أن تتناول معه طعام الغذاء اليوم، فربما توافق على أن ترافقه هذه المرة.

تردد "نور" كثيرًا بأن يخبرها بحقيقة مشاعره، فيجب عليه أولًا أن يتأكد أنها تبادله نفس الشعور وأنه لا يوجد من يستوطن قلبها، فهو لا يعرف ذلك بعد، فما تحدث به معها لم يتخطى أمور العمل أو حالة والدها.

لهذا عليه أن يكون صبورًا قبل أن يخبرها بإحساسه تجاهها وترفض هي الإرتباط به لوجود آخر.

نظر تجاه شاشة حاسوبه لطباعة هذا التقرير الذي كان يبحث عنه عن طريق الإنترنت، حين دق هاتفه برقم "كريم"، إبتسم "نور" بخفة وهو يجيبه بطريقته المازحة التي إعتادها كلاهما:
- وشك ولا وش القمر، يعني رميتنا هنا ولا شوفنا وشك من يوم ما جيت البلد دي!!

ضحك "كريم" بقهقهته العالية قائلًا:
- ما هو القمر بيغير مني، فقولت يا أنا يا هو.

جلس "نور" متابعًا طباعة التقرير، فيما أكمل:
- وهو أنا حغلبك في الكلام، إخلص، إيه المكالمه النشيطه دي على الصبح، شكلك عاوز حاجه؟

رفع "كريم" حاجبه ساخرًا من ثقة "نور" الزائدة، فرغم كونه بلد جديد إلا أن طبعه وثقته لا تتغير أبدًا:
- يا أخويا إللي يسمع كده يقول بلد أهلك هيا، حعوز منك إيه، ده أنا ملك ألمانيا يا إبني، المهم، كنت عايز أشوفك، أنا داخل على المستشفى عندك أهو.

- بجد، طيب إستناني عشر دقايق بس، فيه تقرير طبي كنت دايخ عليه، أطبعه وأطلع لك.

أجابه "كريم" وهو يقترب للغاية من المستشفى:
- ماشي يا سيدي، أنا أهو داخل على المستشفى و........

قطع حديثه دون إنذار، ثم أكمل بعد لحظات بصافرة شقية:
- يا خبر ألوان، ده إيه التحفه دي!!! يا ريتني أشتغل معاك هنا، ده الكريز هنا، كريز خالص بالقوي، كريز!!! كريز إيه!! دي مهلبيه بالتوت وكريز قمر.

نهره "نور" عن طريقته رغم ضحكاته على ذلك:
- يا أخي إتلم، إنت مش بتكبر أبدًا، ده إنت دكتور جراح يا "كيمو".

- أهو إنت قولتها، طبيب جراح، بتاع قلوب يعني، بس إسكت بجد، مش بهزر والله، البنت دي حلوه أوي، تصدق واحشني البنات العرب.

لملم "نور" إبتسامته ليسأله بإستفهام:
- عرب!! عرب إيه؟ هي البنت إللي بتعاكسها دي عربيه؟

- شكلها كده، أصلها محجبه، لا وعليها جوز عيون سود ولا الفنجان، واسعه وجميله بشكل.

إنتفض "نور" من جلسته ليقف على الفور وقد إجتاحه غضب من نوع آخر، غضب يثور بداخل نفسه، فقد تمكنت منه مشاعر الغيرة، فمن يقصد سواها؟!!

هي صاحبة أجمل عيون سوداء تسرق القلوب، هي من يراها أجمل الفتيات على الإطلاق، بل لم يرى بحسنها أو تميزها، بالتأكيد يقصد "ليلى"، فمن تملك تلك الصفات الفريدة إلا هي.

هتف به "نور" بضيق:
- بس يا "كريم"، إحترم نفسك.

تفاجئ "كريم" من غضب "نور" الغير مبرر:
- مالك يا "نور"، فيه إيه؟

ترك "نور" التقرير بدون طباعته ليخرج من المكتب قائلًا:
- أنا طالع لك أهو.

أغلق الهاتف وهو يسرع بخطواته لخارج المستشفى ليلحق بـ"كريم" ويتأكد هل يقصد "ليلى" أم لا، فإن كان يقصدها فيجب أن يمنعه فورًا من التقرب منها، فإن كانت "ليلى" قد أثارت إعجابه فذلك أمر كان خارج الحسبان ولم يكن يتخيله بالمرة.

خرج "نور" من باب المستشفى الزجاجي يتلفت حوله كمن يبحث عن وجه ضائع، وجه مقتطب وأعين حادة، ضيق بالغ ظهر بملامحه أثار إندهاش "كريم" الذي كان ينتظره بالخارج:
- يا "أبو شُعله"، أنا هنا.

ورغم رؤيته له، إلا أن "نور" أخذ يبحث عن وجهها هي فقط، هل كان يقصدها بالفعل، ما أثار تخبطه وجود أكثر من فتاة خارج المستشفى يظهر عليهم أنهن عربيات ويرتدين الحجاب أيضًا.

لملم غضبه وقد زاد ذلك من حيرته ليتقدم نحو "كريم" الذي كان يستقل إحدى السيارات:
- أيوه يا "كريم".

قالها بجديه وضيق جعلت "كريم" يسأله بعدم فهم:
- فيه إيه يا "نور"، إيه إللي ضايقك مره واحده كده، ما إحنا كنا بنهزر وكله تمام.

زفر "نور" بقوة فلا داعي لأن يختلق مشكلة لا وجود لها، فربما كان يقصد أي فتاة من هؤلاء وليست "ليلى" خاصة:
- مفيش، مفيش.

أسرع "كريم" قائلًا بنبرة متعجلة:
- شوف بقى، أنا جاي أشوفك محتاج حاجه، أصل ممكن أغيب فتره وقولت أبلغك الأول.

- تغيب، تروح فين يعني؟

رفع "كريم" رأسه بعنجهية وغرور مازح:
- ده أنا "كيمو" مفيش مني إتنين خالص، فيه دكتور جراح هنا مشهور أوي أوي، الدكتور ده إسمه "جوستاف فايلوبورغ"، مش مشكله إسمه يعني عشان مش حيفرق معاك، المهم، الدكتور ده بيلف الدنيا كلها ويعمل عمليات دقيقه أوي في الجوله بتاعته مجانًا، الناس بتحجز معاه من كل بلاد الدنيا، الدكتور ده بقى، إختارني أنا وإتنين كمان نكون مرافقين له في الجوله دي ونكون ضمن فريق العمليات بتاعه.

سعد "نور" كثيرًا لصديقه ليهتف به بحماس:
- حلو أوي، خبره كبيره دي.

رفع "كريم" إصبعيه السبابة والإبهام يفركهما ببعضهما البعض:
- وفلوس.

- مبروك يا حبيبي، إنت تستاهل كل خير، والجوله دي حتقعد قد إيه؟

قوس "كريم" شفتيه بخفة معقبًا:
- مش عارف لسه، بس هي مطوله، حنروح كذا بلد، ونلف كتير، الناس حاجزه معاه من فتره.

- ربنا يكتبلك الخير دايمًا.

إستقل "كريم" السيارة مرة أخرى بتعجل:
- أروح أنا بقى عشان إتأخرت، يلا سلام، وأبقى سلم لي على عم "عزت" وبنته دي.

تحرك "كريم" على الفور للحاق بالمجموعة التي رُشح إليها ليبدأ جولته مع هذا الطبيب المعروف، لكنه كان يبحث بعينيه أثناء مغادرته عن تلك صاحبة العيون السوداء التي رآها منذ قليل.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

يقال أن لا جُبن مجاني إلا في المصيدة، وأن ليس من طبع البخيل الكرم، فلابد وأن تتيقن أن ما تراه يقدم لك على طبق من فضة ليست بالضرورة أن صاحبه يملك قلبًا من ذهب، فقط يمكن أن يشوش أفكارك حتى وإن أُصيب الهدف لا يكون محط الشكوك.

أسرع "محمود" بقلب متلهف وركض مسرع تجاه الصيدلية القريبة بأنفاس لاهثة، دلف بصدر ناهج للطبيب الصيدلي الذي ما أن رآه وقابله بسؤال قلق:
- مالك يا أستاذ "محمود"، فيه حاجه، الحاج بخير؟

"محمود" وهو يلتقط أنفاسه: 
- الله يكرمك يا دكتور "علي"، أنا  عاوز حاجه تفوق بسرعه.

إتسعت عينا الطبيب بتخوف ليسأله بتوجس:
- تفوق!! أوعى يكون الحاج أخد من الدوا، ده خطر عليه جدًا ده مريض ضغط!!!!

تعجب "محمود" للغاية فلم يفهم مقصد الطبيب، ليتسائل بإندهاش:
- دوا، دوا إيه؟!! 

وإن أردت أن تحيك شرًا فتيقن أن الله بصير بما تفعل، ووقتما يريد يكشف ما كنت تظنه خطط محكمة.

أوضح الطبيب دون إخفاء فلم يظن أن الأمر يغيب عن "محمود":
- الدوا إللي أخدته مدام "جميلة"، أصلها جاتلي إمبارح وأخدت مني دوا منوم بس قوي شويه، وأنا دلوقتِ إفتكرت إن الحاج أخد منه، فقولت أسألك لأنه مش مناسب ليه خالص، إللي أعرفه إنه ليها هي عشان عندها أرق وتعبانه.

شرد ذهن "محمود" متفكرًا بالأمر، ليبدأ يتخيل ما الذي حدث، وما سبب شراء "جميلة" لهذا العقار المنوم:
- (يعني ممكن تكون هي أدت الدوا لـ"زهرة" وفتحت الغاز؟!! دي حتى أول مره تاخد البنات معاها!!!! معقول؟!!!! يبقى صح كده، كانت قاصده تقتلها، بقى وصل بيها قلة الضمير للدرجه دي!!! إنها تقتلها).

هتف الطبيب بـ"محمود" لينتبه له من شروده:
- أستاذ "محمود".

إنتبه له "محمود" مردفًا:
- أيوه، أيوه يا دكتور، لا، هي واحده تانيه أخدت الدوا، فيه حاجه ممكن تفوقها؟

- مفيش غير إبره ممكن حد يديهالها، حتفوقها إن شاء الله.

بتعجل طلب "محمود"منه الإبره دون تأخير، فعليه أن يلحق بإنقاذ "زهرة" أولًا:
- هاتها، أنا والدتي بتعرف تدي الإبر.

كما أسرع قادمًا، عاد متلهفًا لإفاقتها أولًا دون أن يخبرهم بما توصل إليه، فعليه التيقن أولًا، فلا داعي لأن يتخذ خطوات غير محسوبة، لكن أن يطمئن على "زهرة" هو ما يهمه الآن.
بقلم رشا روميه 

بعد أن حقنتها "فردوس" بدأت تستفيق من نومتها العميقة، لتهتف بهم "فردوس" بسعادة:
- يا "محمود"، يا حاج، تعالوا تعالوا، بدأت تفوق أهي.

كلمة كانت ينتظرها "محمود" ليدلف أولًا لغرفة "زهرة" يناظرها هي فقط، لا يهتم بما سواها، فقد سلطت عيناه عما تلهف، فتحت "زهرة" عيناها بتثاقل ليبتسم دون إنتباه براحة، فهي الآن بخير.

وقف "محمود" قبالها ليردف بتلهف:
- قلقتيني عليكِ، حمد الله على السلامه.

تطلعت "زهرة" بوجوههم بإستغراب شديد دون فهم ما سبب وجودهم، خاصة وهي ترى القلق والتلهف بأعينهم، حاولت التحدث لكن شئ ما يطبق فوق أنفاسها وهي تشعر برغبة قوية بالسعال.

تهربت من لهفته ونظرته الحنونة تجاهها لتجاهد ما تشعر به من ثقل برئتيها، لتسألهم بتوجس عن سبب وجودهم بغرفتها بهذا الشكل:
- هاااه، هو إيه، إللي حصل؟

تنهدت "فردوس" براحة:
- شكلكوا نسيتوا عين البوتجاز مفتوحه، الحمد لله لولا ستر ربنا، وإننا رجعنا بدري، كان زمانك روحتي في شربة مياه.

إتسعت عينا "زهرة" بإندهاش:
- معقول، ولا حسيت بحاجه خالص!!!!

سألها "محمود" بشك:
- هي "جميلة" نزلت إمتى؟

أجابته "زهرة" وهي تنظر نحوه تارة وتزيغ بعينيها عنه تارة أخرى، لتجد نفسها تعود للتطلع نحوه:
- بعد ما جابت لي العصير على طول، وكتر خيرها سابتني أرتاح، وأخدت البنات معاها، قالت عشان حتشتري لهم حاجات وهي راجعه.

قلبه وعقله أكدا له أنها هي الفاعلة، هي ليست حنونة طيبة القلب لتأتي لـ"زهرة" بعصير أو تلاقيها بإهتمام، إنها أبعد ما يكون من القلب الصافي، بل هي تضع الجُبن بالمصيدة لا أكثر.

لمعت عينا "محمود" بغضب فما فعلته "جميلة" لن يمر هذه المرة، لن يتركها تؤذها، لن يصمت ويتجاهل، فيبدو أنه مرر الكثير وعليه أن يقف الآن موقف حازم، إنها محاولة لقتل تلك البريئة، وبأي ذنب فعلت؟!!!

دون حديث أو إيضاح إستدار "محمود" بإنفعال مغادرًا البيت وسط تفاجئهم بذلك ليثير خروجه المنفعل تساؤلاتهم، فيما قال "زاهر" بهدوء:
- أكيد رايح للمهندس، الحمد لله، لولا مكالمته وإننا رجعنا، محدش عارف كان حيحصل إيه.

- آه والله، ربنا لطيف بعباده، إدخل أنت يا حاج خد الدوا وريح شويه كفايه قلقك أحسن الضغط يعلى تاني.

تركهم "زاهر" وإتجه لغرفة المعيشة، لتجدها "فردوس" فرصه جيدة لتخبر "زهرة" عما تكلمت به مع "محمود" بالأمس بأمر زواجهما.

تعليقات