رواية نصيب مؤجل الفصل السادس والعشرون 26 بقلم مهرائيل اشرف

 

 


  رواية نصيب مؤجل الفصل السادس والعشرون بقلم مهرائيل اشرف



في المستشفى...
الباب اتفتح ببطء.
دخلت ميادة بخطوات منتظمة، حطت الشنطة الجلد السوداء على الترابيزة اللي جنب السرير، وبصت لمصطفى. كان غايب عن الوعي تماماً، خراطيم الأكسجين ومحاليل نقل الدم محاصرة جسمه، وصوت جهاز النبض بيصفر بانتظام خافت.

كراميلا قامت من على الكرسي الخشب اللي جنب السرير، وشها كان شاحب، وتحت عينيها هالات سوداء من قلة النوم. مسحت إيدها في فستانها وقالت بصوت واطي ومبحوح:
— الدكاترة لسه خارجين... بيقولوا النبض استقر بعد الصدمة العصبية الأخيرة. القلب رجع يشتغل بس النزيف الداخلي لسه تحت الملاحظة.

ميادة مقربتش من السرير. قعدت على الكرسي التاني ببرود، حطت رجل على رجل، وسندت ضهرها لورا وهي بتعدل ياقة بالطوها الأسود:
— عمران لسه واقف تحت؟

كراميلا اتنهدت بحمل ثقيل وقربت من الشباك اللي بيبص على بوابة المستشفى الخارجية:
— واقف مع المحامي بتاعه... وجايبين رجالة من السوق. المحامي قاله طالما مصطفى دخل في غيبوبة، هما يقدروا يرفعوا قضية حجر مستعجل ويسحبوا دفاتر الإدارة بحجة حماية أموال الموردين. عمران مش هيسكت يا ميادة، ده مستني اللحظة دي من سنين.

ميادة فتحت سوستة الشنطة الكبيرة بهدوء، طلعت منها ملف أزرق سميك، وبدأت تقلب في الورق بروقان ملوش علاقة بالجو المشحون اللي حواليها:
— عمران بيلعب في الوقت الضايع... مصطفى مكانش غبي، التوكيل الرسمي العام ده معمول باسمي من شهرين، وموثق في الشهر العقاري. يعني الإدارة الماليّة والقانونية للممر كله في إيدي أنا، مش في إيد حد تاني.

كراميلا بصت للورق وقالت بقلق:
— بس السوق برة بيغلي... التجار لما يعرفوا إن مصطفى في غيبوبة، هيوقفوا توريد البضاعة، والشيكات اللي علينا هتترد. إحنا محتاجين سيولة فوراً عشان نثبت ليهم إن الشغل واقف على رجله.

ميادة قفلت الملف وبصت لكراميلا بنظرة حادة:
— السيولة موجودة في الخزنة المركزية للممر... عمران فاكر إن السرقة اللي حصلت للشنطة القديمة طيرت العقود، ميعرفش إن النسخ الأصلية كلها متيالة في مكان محدش يعرفه غيري أنا ومصطفى. اجهزي عشان هننزل حالا.

...

في الشارع القديم تحت المستشفى...

عمران كان واقف ساند ضهره على عربيتة الدفع الرباعي، لابس قميص أبيض وبنطلون قماش رمادي، وماسك تليفونه بيكلم حد من كبار السوق، والمحامي بتاعه واقف جنبه بيراجع ورق في ملف جلدي.

المحامي قال بصوت واطي:
— يا عمران بيه، قانوناً إحنا في المضمون لو ثبتنا إن الشلل الدماغي أو الغيبوبة مؤقتة ومطولة... بس المشكلة لو فيه أي تفويض قديم ل أخته. ميادة مش سهلة، دي مديرة حسابات الممر من عشر سنين وعارفة كل قرش بيروح فين.

عمران نفخ دخان سيجارته وضيق عينه بشر:
— مصطفى كان بيمشيها بكلمته، الستات دول ملهمش كلمة وسط التجار الكبار في وسط البلد. أول ما نستلم الدفاتر بكره الصبح بقرار المحكمة، هفسخ عقود الإيجار بتاعة المحلات الصغيرة ونعيد هيكلة الممر كله لحسابنا... الشغل مبيعرفش عواطف.

في اللحظة دي، ظهرت ميادة من بوابة المستشفى.

كانت ماشية بثقة وثبات، إيدها في جيب بالطوها، ووراها كراميلا ماسكة الشنطة بضمك. الناس اللي واقفة في الشارع من رجالة السوق وسكتوا وبدأوا يراقبوا الموقف.

وقفت ميادة على بعد خطوتين من عمران.

عمران رمى السيجارة من إيده وداس عليها بجزمته، وابتسم ببرود:
— حمد الله على سلامة السبع... بس السوق مبيستناش حد غايب يا ميادة. التجار برة قلقانين على فلوسهم، وإحنا هنا عشان ننظم المسألة لحد ما مصطفى يفوق... بالمعروف.

ميادة طلعت النسخة المعتمدة من التوكيل الرسمي، وفردتها قدام وش المحامي من غير ما تبص لعمران:
— اقرأ البند الثالث يا استاذ... "إدارة، بيع، شراء، توقيع على الشيكات، وتمثيل أمام الجهات القضائية والتجارية". التوكيل ده يسد عين الشمس. أي محاولة للعب في دفاتر الممر أو الاتصال بالموردين، هعتبرها محاولة نصب وتزوير، وهرفع بيها قضية فرض حراسة مستعجلة الليلة قبل بكرة.

المحامي مسك النظارة بتاعته، قرأ الورق بتمعن، ووشه اتغير تماماً. لف لعمران وهز راسه بالإيجاب:
— الورق سليم وموثق يا فندم... ملناش أي صفة قانونية نطلب حجر أو نتدخل في الإدارة. هي الممثل الشرعي الوحيد حالياً.

عمران ملامحه اتشدت، والغل ظهر في عينه وهو بيبص لميادة:
— بتلعبوها صح من بدري ومأمنين نفسكم... بس السوق مش ورق وقانون بس يا بنت سالم، السوق علاقات وضهر... والموردين هيخافوا يتعاملوا مع حُرمة.

ميادة قربت منه خطوة واحدة، ونبرة صوتها نزلت لدرجة منخفضة ومرعبة:
— الحُرمة دي هي اللي كانت بتكتب الشيكات اللي أنت بتاكل منها يا عمران... الموردين الكبار حساباتهم هتوصلهم لحد مكاتبهم بكره الصبح كاش، وعقودك أنت شخصياً في الممر هتنتهي الشهر الجاي ومش هجددلك شبر واحد... برة السوق خالص.

سابتهم ومشت، وكراميلا وراها، وعمران واقف مكانه والدم غلي في عروقه من الصدمة.

...

بعد ساعتين، في مكتب إدارة الممر...

المكتب كان فخم، الحيطان خشب أرو ثقيل، والملفات متستفة بالنظام على الأرفف.

ميادة كانت قاعدة ورا مكتب مصطفى الكبير، وكراميلا قاعدة قدامها وبتشرب قهوة سادة عشان تقدر تواصل.

كراميلا رفعت عينيها وقالت:
— تفتكري الموردين هيوافقوا على الكاش بكره؟ إحنا سحبنا نص السيولة اللي في البنك.

ميادة كانت بتمضي على مجموعة شيكات جديدة بهدوء:
— الموردين بيهمهم الفلوس مش الوشوش. لما يلاقوا الشغل ماشي والسحب مستمر، محدش فيهم هيفكر يغير تعامله معانا. عمران كان فاكر إننا هنضعف ونطلب منه الأمان... ميعرفش إننا قفلنا اللعبة دي من زمان.

تليفون المكتب الأرضي رن... ميادة رفعت السماعة:
— أيوة.

جاء صوت مدير الحسابات من الفرع الرئيسي:
— ميادة هانم... المحامي بتاع عمران لسه باعت إخطار بفسخ عقد الشراكة في مخازن أكتوبر، وبيقولوا هيبدأوا يسحبوا بضاعتهم من بكره الصبح.

ميادة ملامحها ماتهزتش، ردت ببرود:
— خليهم يسحبوها... المخازن دي أصلاً إيجار قديم باسم عيلتنا، والبضاعة اللي فيها تمنها مدفوع بالكامل بشيكات مقبولة الدفع. ارفع عليهم قضية تمكين ومنع تعرض فوراً... متوقفش حركة شاحنة واحدة.

قفلت السماعة وبصت لكراميلا.

كراميلا سألتها:
— الخطوة الجاية إيه؟

ميادة قامت وقفلت الشنطة الجلد، وبصت لشاشات المراقبة اللي بتعرض الممر وهو فاضي وهادي في نص الليل، وقالت بثقة كاملة:
— بكره الصبح السوق كله هيعرف إن عيلة سالم ملهاش آخر... وعمران انتهى قانونياً وتجارياً. السرير اللي نام عليه مصطفى في المستشفى... هيكون بداية نهاية كل واحد فكر يلعب معانا في السوق.


تعليقات