رواية نصيب مؤجل الفصل السابع والعشرون 27 بقلم مهرائيل اشرف

 

 


  رواية نصيب مؤجل الفصل السابع والعشرون بقلم مهرائيل اشرف



في وقت متأخر من الليل... أمام مبنى البنك الرئيسي.
عربيتين نفق زجاجهم مظلل وقفوا في الحارة الجانبية المظلمة.
نزل من الأولى مدير الخزنة وهو شايل شنطة سامسونايت معدنية، جنبه حارسين مسلحين.
ميادة كانت واقفة ساندة ظهرها على عربيتها، لابس البالطو الأسود، إيد في جيبها والإيد الثانية ماسكة سجارة بيطلع منها دخان خفيف مع الهواء البارد.

قرب مدير الخزنة وقدم الشنطة بتوتر:
— السيولة جاهزة يا ميادة هانم زي ما طلبتي كاش... بس الحركة دي خطيرة جداً، الموردين الكبار مش متعودين يستلموا المبالغ دي في بيوتهم في الوقت ده.

ميادة أخدت الشنطة ببرود، سلمتها لكراميلا اللي كانت واقفة جنب باب العربية، وردت بصوت حاسم من غير ما تبص للمدير:
— المورد اللي يخاف يستلم فلوسه كاش في بيته وقت الأزمات... يبقى بيجهز نفسه عشان يهرب لحساب عمران. الفلوس دي هتتوصلهم قبل الفجر، عشان لما يصحوا الصبح يلاقوا حساباتهم مقفولة بالكامل، ومحدش يقدر يلوى دراعنا.

أومأ المدير برأسه ورجع لوراء بسرعة، وميادة ركبت العربية وطلبت من السائق يتحرك.

...

في نفس الوقت، داخل فيلا عمران في المقطم...

المكتب كان مليان دخان سجائر، والمحامي قاعد قصاد عمران وشكلهم مشدود.

عمران كان بيشرب كاس في إيده، وعينيه على الشاشة اللي بتعرض التقرير المالي للممر.

المحامي قال بضيق:
— ميادة بتسابق الزمن يا عمران بيه... سحبت المبالغ الكاش من الحساب المغلق بتوكيل مصطفى، وحالياً بتدفع للموردين الكبار كاش قبل المواعيد الرسمية للشيكات. بكره الصبح مش هنلاقي مورد واحد يقبل يرفع قضية إفلاس أو يوقف توريد.

عمران ضرب الكاس في الترابيزة بغضب، القزاز اتكسر والشرار طار في الأوضة:
— الست دي جايبة كل القوة دي منين؟! مصطفى في المستشفى بين الحياة والموت، وهي بتتحرك كأنها أسطول!

المحامي اتنهد ورفع نظارته:
— ميادة هي العقل المالي اللي كان مشغل مصطفى طول السنين اللي فاتت... مصطفى كان الواجهة والحماية، لكن هي اللي كانت بتدير القرش والورق. لو سيبناها لحد الصبح، الممر هيقفل علينا نفوذنا بالكامل.

عمران ضيق عينيه وابتسم ابتسامة خبيثة:
— يبقى الشغل القانوني يتركن على جنب ليلة واحدة... اتصل بعلي الباش، خليه يجهز رجاله. الشاحنات اللي طالعة بالبضاعة من مخازن أكتوبر مش هتوصل للممر بكره الصبح.

...

في الطريق الصحراوي... الساعة أربعة الفجر.

ثلاث شاحنات ضخمة محملة بضائع ممر عيلة سالم كانوا ماشيين بسرعة منتظمة.

فجأة...

ظهرت عربيتين دفع رباعي سوداء قطعت الطريق بالعرض، وشغلت النور العالي في وش سائق الشاحنة الأولى.

السائق فرمل بصوت صريخ كاوتش يرعب، والشاحنات وقفت ورا بعضها في وسط الطريق المظلم.

نزل من العربيات ستة رجالة ملثمين، في إيدهم أسلحة آلية وشوم، وقربوا من كابينة الشاحنة الأولى.

واحدة من أقفال الشاحنة الأولى اتفتحت، والنور الخلفي اشتعل.

لكن المثير... إن البضاعة مكانتش جوه!

من جوه الشاحنة الضخمة... خرجت ميادة.

كانت واقفة بثبات، لابسة بالطوها، وفي إيدها جهاز تليفون لاسلكي، ووراها أربعة من حراس الممر المسلحين.

الملثمين اتصدموا ووقفوا مكانهم.

ميادة بصت للمقيم على رأسهم بنظرة جافة وقالت بصوت ناعم ومخيف:
— عمران فاكر إننا بننقل بضاعة في نص الليل عشان يقطع علينا الطريق؟ البضاعة أتقلت من عصر النهاردة بالكامل للمخازن الجديدة. الشاحنات دي كانت معبؤة حراسة... عشان نشوف مين اللي هيتجشأ ويجي برجله.

قائد الملثمين حاول يرفع سلاحه، بس قبل ما يتحرك، نزلوا حراس ميادة وثبتوا الستة في ثواني معدودة، وسحبوا أسلحتهم ورموهم على الأرض.

قربت ميادة من قائد المجموعة، حطت جزمتها على إيده المسلحة وضغطت ببرود:
— بلّغ عمران... إن اللعب معايا مبقاش في المحاكم ولا في المحلات. اللعب بقا في العلن... والشنطة اللي فاكر إنها طارت، هي اللي هتشنقه بكره الصبح.

...

عند الشروق... في المستشفى.

الضوء الأبيض بدأ يدخل من شباك غرفة العناية.

كراميلا كانت قاعدة على الكرسي جنب السرير، رأسها مائل من التعب، بس فتحت عينها فجأة لما سمعت صوت حركة خفيفة.

مصطفى بدأ يفتح عينيه ببطء شديد، أجهزة التنفس محاصرة وشه، بس نظراته بقت أصفى من الأول.

كراميلا قامت بلهفة وقربت منه:
— مصطفى! أنت شايفني؟ يا دكتور!

مصطفى رفع صباعه بالعافية، ونزع القناع عن بوقه بتعب، ونطق بصوت خافت جداً بس ثابت:
— ميادة... فين؟

في اللحظة دي، الباب اتفتح وميادة دخلت.

بالطوها كان متوسخ تراب خفيف من الطريق، ووشها مش باين عليه أي إرهاق.

قربت من السرير وقفت قدامه، طلعت من جيبها ملف عقد المحلات الجديد، وحطته على الترابيزة جنب السرير:
— الموردين استلموا فلوسهم كاش... الشاحنات أؤمنت... ورجالة عمران مقبوض عليهم في الصحراوي حالياً بتهمة قطع طريق وقطاع طرق.

مصطفى بصلها، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه الشاحب:
— كنت عارف... إن الممر في إيد أمينة.

ميادةعدلت ياقة بالطوها، وبصت من شباك الأوضة على الحارة اللي بدأت تصحي وتفتح دكاكينها تحت نور الشمس، وقالت بهدوء مرعب:
— النهاردة الصبح يا مصطفى... عمران هيدخل الممر مش عشان يطلب حقه، هيدخل عشان يتترجانا نسيبله محل واحد يلم فيه عزاله
---

❤❤❤
.

وفي نفس اللحظة اللي ميادة كانت واقفة فيها جنب شباك أوضة المستشفى...

تليفون المحامي الخاص بعيلة سالم رن في جيب بالطوه.

رد بلهفة، وسمع صوت وكييل النيابة من الناحية التانية وهو بيبغله بالقرار المستعجل.

لف المحامي لميادة وقال بصوت مسموع للكل:
— يا ميادة هانم... النيابة نزلت قرار حبس أربعة أيام متجددة لرجالة عمران اللي اتجمعوا في الصحراوي، وصدر أمر ضبط وإحضار لعمران شخصياً بتهمة التحريض على أعمال البلطجة وقطع الطريق.

كراميلا شهقت ومسكت في دراع السرير:
— يعني عمران خلاص هيتجاب في كلبشات؟

ميادة ملتفتتش، فضلت بصة على الشارع تحت المستشفى وقالت بنبرة جافة ومحسوبة:
— عمران مش هيرضى يتجاب بسهولة... النوعية دي لما بتعرف إن الحبل اتلف حوالين رقبتها قانونياً، بتهرب لآخر كارت عندها.

مصطفى حاول يتحرك على السرير، وسند كوعه بالعافية وهو بيبص لميادة:
— تفتكري هيحاول يهرب برة البلد؟ ولا هيجي الممر يلم أي سيولة متبقية في محلاته؟

ميادة لفت وطلعت من الشنطة جهاز اللابتوب الصغير اللي عليه شبكة الكاميرات المباشرة للممر:
— عمران ملوش سيولة برة الممر يا مصطفى... كل عقاراته ومحلاته مرهونة للبنوك، ولو ساب الممر من غير ما يلم البضاعة اللي في المخازن الخلفية، بكره الصبح البنوك هتحجز على كل حاجة باسمه. هو نازل الممر حالا... ومش جاي لوحده.

...

في قلب الممر... الساعة سبعة الصبح.

العربيات الشحن الكبيرة بدأت تفضي البضاعة القديمة الخاصة بعمران أمام المحلات الخمسة بتاعته، والعمال محتارين وبيتهامسوا.

فجأة... ظهرت عربية عمران الدفع الرباعي.

نزل منها وشه كان باين عليه السهر والضغط، ومعاه ثلاثة محامين غير اللي كانوا معاه إمبارح.

وقف عمران في نص الشارع، وبص للعمال وزعق:
— حملوا كل البضاعة دي فوراً على الشاحنات! مش هنسيب كرتونة واحدة هنا!

أحد التجار الكبار في الممر قرب منه وقال بتوتر:
— يا عمران بيه... النيابة منزلة إخطار على المحلات دي، وأي بضاعة تخرج من غير إذن المحكمة هتبقى تبديد أصول مرصودة.

عمران مسكه من ياقة قميصه وبص له بشر:
— أنت هتعلّم عليا يا حاج؟! المحلات دي ملكي وبضاعتي بفلوسي! اللي يقرب من شاحنة واحدة هطير رقبته!

في اللحظة دي... صوت سرينة عربيات الشرطة ضرب في أول الشارع الرئيسي الموصل للممر.

الناس اتجمعت وعمران اتسمر مكانه.

نزلت ميادة من عربية التاكسي اللي وصلت في نفس اللحظة، ومعاها القوة التنفيذية وقوة الشرطة، ماسكة في إيدها أمر النيابة بالتحفظ المباشر على كافة أصول ومحلات عمران داخل الممر لحين استكمال التحقيقات.

وقفت ميادة قدام عمران والظابط بيتقدم عشان يثبت شخصيته.

بصت ميادة لعمران بعيون ثابتة وقالت بكل برود:
— الشاحنات دي مش هتتحرك خطوة واحدة يا عمران... البضاعة دي بقت تحت حراسة النيابة والممر ضمان لاسترداد مستحقات التوريد اللي حاولت تسرقها.

عمران بصلها، والدموع طارت من عينيه من كثرة الغل والعجز، ومسك في الحديد بتاع العربية وقال بصوت مخنوق:
— خربتي بيتي يا بنت سالم... ضيعتي شقا عمري كله في ليلة واحدة!

ميادة قربت منه خطوة واحدة، وسحبت الورقة المكتوب فيها قرار الحبس والإحضار وورتهاله من غير ما تلمسه:
— اللي يمد إيده على مال غيره وهو فاكر إن الممر مالوش كبير... بيصحى يلقى نفسه ملوش بيت أساساً. الحساب اتأفل يا عمران... والبادئ أظلم.

الظابط حط الكلبشات في إيد عمران، ومشوا بيه وسط ذهول الممر كله وسكوت تام من العمال والتجار، اللي عرفوا إن عيلة سالم مبقتش مجرد عيلة في الحارة... دي بقت الكلمة الأولى والأخيرة في السوق كله.


تعليقات