رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السابع والعشرون 27 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السابع والعشرون 

«تضحيات مُجبرة»

حين تحمل النفس رغبات تتمنى تحقيقها، تلك الرغبات والأمنيات هي الأمل الذي يضئ الدرب لتَقَبُّل الواقع والرضا بالمقسوم، هي الحلم الأبدي الذي يجعلنا نتغاضى ونتجاوز لنكمل طريقنا، فالحياة بلا أمل لا تسمى حياة، فهي تكون منزوعة الروح.

أحيانًا تُخنق تلك الرغبات بإرادتنا لأجل إيثار الغير وتفضيل أمانيه وتحقيقها والتضحية بما نريد، قد نَكسر قلوبنا بأيدينا كي لا نرى دمعة بأعين من نحب.

يمكن تفهم ذلك، ويمكن تقبله، لكن ما لا يمكن قبوله أن تصبح التضحية مفروضة بالإجبار، أن تحاط بأسوار سجن -ما يجب حدوثه- أن تُفرض علينا الهزيمة بمسمى الواجب دون خوض المعركة، تلك الجروح التي تنزف بقلوبنا ما هي إلا من أجل تضحيات مُجبرة لم نختارها، والأشد قسوة أن نُطالَب بإظهار السعادة لما أجبرنا على التخلي عنه.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

من أكرمته بالفرص ظن أنك مباح، أن تصبح شيئًا عاديًا عندهم، بينما أنت حلم يتمناه الغريب، أن تتقبل الأعذار جائزًا، لكن الغدر لا يجوز.
رشا روميه 

بمقر البيوتي سنتر "تحت الإنشاء"..
أوقف "محمود" سيارته جانبًا قبل أن يندفع لداخل المخزن باحثًا عمن تدعى "جميلة" وهي بعيدة كل البعد عن ذلك، إندفاعه الغاضب جعل عيناه لا تبحث عن سواها، فيبدو أنها قد تمادت حتى أخرجت هذا الكم من الغضب من داخل نفسه المتسامحة الهادئة.

وقفت "جميلة" تأمر بنوع من العنجهية والسيطرة بعض العمال لتكسير بعض الأجزاء الخرسانية وترميم بعض الحوائط، تملكها وغلظتها بالتعامل كانا يزيدا شعورها بالقوة والسيطرة، إحساس تعشقه بالفعل، فهي تكره الخضوع، تريد أن تَأمُر ولا تُؤمر.
بقلم رشا روميه 

حدد وجهته وأين سيصب غضبه من تلك المخلوقة عديمة الضمير، لكن قبل أن يخطو خطوة أخرى شعر بيد صغيرة تتشبث بساقه تهتف بحماس:
- بابا، بابا.

أسرعت "لمى" تقلد "إسراء" بالتشبث بوالدها، إرتفعت عيونهم الصغيرة تجاه والدهم، لينتبه "محمود" لوجودهم بالمخزن مع "جميلة"، إبتلع غضبه مجبرًا فلا داعي لأن ينفعل بوجود صغيرتيه، فلأجلهم تحمل الكثير، ويمكنه التحمل لأكثر بعد فقد من أجل رؤيتهن سعداء.

ربت برفق فوق كتفيهما ليردف بنبرة حانية ومازالت عيناه مسلطتان على "جميلة":
- حبايب بابا، روحي يا "إسراء" إستنيني في العربية، وخدي "لمى" معاكِ، أنا جاي على طول، حقول لماما حاجه (ثم نظر لأحد العمال قائلًا) ركبهم العربية يا "عادل".

أمسكت "إسراء" بيد أختها لتجيب والدها بذكاء يفوق عمرها الصغير" وهي تسير خلف العامل الذي طلب منه "محمود" مساعدتهن:
- يلا يا "لمى" مع عمو "عادل"، باي باي يا بابا.

ذكائها العفوي جعله يبتسم برفق رغم ثورته من داخله، ظل يتابع تحركهن حتى ساعدهما أحد العمال بفتح باب السيارة لينتظرا "محمود" بعد أن يتحدث مع والدتهم.

بمجرد إبتعاد الصغيرات إلتف "محمود" بذات الحدة التي آتى بها منذ قليل، فمازال الغضب بداخله لم يهدأ بعد، تقدم نحو "جميلة" التي لم تنتبه بعد لوجوده ليجذبها بقوة من مرفقها يجرها خلفه يبعدها عن العمال.

حركة مباغتة تفاجئت بها "جميلة" التي وجدت نفسها تساق رغمًا عنها، جذب "محمود" لها بتلك القوة وإندهاشها لوجوده هنا جعلها تشعر بإحساس لم تشعر به من قبل برفقته، لقد شعرت بالفزع، خاصة حين دفعها تجاه الزاوية يحدجها بنظرات نارية غاضبة، إبتلعت ريقها بإرتجاف وتخوف فتلك المرة الأولى التي تراه بها بهذا الغضب.

تلعثمت بحديثها وهي تسأله بغباء:
- مـ..."محمود"!!! خير؟ إيه اللي جابك؟

مد "محمود" كفه ليطبق به فكها وهو يكظم غيظه من أن يصفعها بقوة، فلا مروءة لرجل بضرب إمرأة، هكذا نشأ وتربى، أطبق أسنانه بقوة محاولًا خفض نبرة حديثه الغاضب رغم أن كل ما يتفوه به كان كطلقات الرصاص:
- أنا مشوفتش أحقر منك أبدًا في حياتي، هي حصلت يا هانم!!! حصلت القتل!!!!!!

بهتت "جميلة" وشحب وجهها وهي تناظر "محمود" بهلع، فقد كشف أمرها، لقد علم بما دبرته، فغضبه الشديد يؤكد ذلك، إبتلعت ريقها المتحجر بتخوف، وتعالت ضربات قلبها بشدة وهي تناظره بخضراوتيها المتسعتين بإرتعاب شديد.

إبتلعت ريقها لتتمالك نفسها، فهي ستفضح نفسها بنفسها بإضطرابها هذا، دفعت كفه القابض بقوة على وجهها من فوق وجنتيها، وهي مازالت تشعر بأثر أصابعه بوجهها، لتنتفض بحدة وهي تتراجع بخطوة للخلف مدعية القوة، ثم هتفت به بوقاحة وتحدي، فعليها إنكار ذلك حتى وإن إتهمها الجميع وثبت الأمر عليها:
- قتل إيه وكلام فارغ إيه؟؟! إنت عايز إيه بالضبط يا "محمود"!!! جاي لي بزعابيبك ليه كده؟!!

بالتأكيد ستنكر، وماذا ستفعل غير ذلك، إنها لم تعترف يومًا بخطأ ما، فهل من السهل إعترافها الآن بجريمة كتلك؟!

ناظرها "محمود" بإشمئزاز ليكشف ما إستنتجه وعلم به أمامها لعلها تتخلى عن وقاحتها وتعترف بجرائمها:
- مش إنتِ روحتي الصيدليه، وطلبتي منوم قوي، وسيادتك حطتيه لـ"زهرة" في العصير عشان تنام، وبعد كده فتحتي الغاز ومشيتي ( إحتدت نظراته الغاضبة نحوها وهو يعلي من صوته صارخًا بها) عايزه تموتيها صح!!!!! 

دارت مقلتيها بتوتر بين خاصتيه اللاتي تتهمانها بقوة، لتبتلع ريقها ملتزمة الصمت، فيما أكمل بملامح ممتعضة مشمئزة منها:
- أنا إستحملت منك طمع وجشع وقلة ضمير وقلب جاحد، لكن توصل لدرجة القتل؟! إحمدي ربنا إننا لحقناها وإلا كان زمانك إترميتي في السجن.

الإنكار هو الوسيلة الوحيدة لما يقوله، فلن تصبح تحت رحمته، لن تعترف بجرمها مهما حدث، لتتأهب لما تبرع فيه حقيقة، الهجوم والحدة، الضغط والإستهزاء، فبهذه الطريقة لن يستطيع مجابهتها، سيرضخ على الفور وبالإجبار لما تريد.

سحبت "جميلة" شهيقًا قويًا لتبدأ هجومها المضاد الذي سوف يهيئ لها الربح الآن:
- بس بس بس!!!! إنت بتقول إيه!!! إنت جاي تألف قصه وبتلبسها لي!!! وكل ده ليه، عشان خاطر الهانم إللي كلكوا مهتمين بيها، وبتتمنوا لها الرضا ترضى.

لن يصمت ويتقبل هجومها ككل مرة، لم يعد يتحمل تلك البغيضة وأفعالها الدنيئة، لن يضحي بالقبول مرغم مرة أخرى، لن يُجبر على تحملها بعد الآن، صرخ بها بعدم تحمل:
- أنا مشوفتش شيطان زيك، إنتِ إيه يا شيخه!!! مفيش ضمير نهائي، مفيش حاجه في قاموسك إسمها خوف من ربنا؟!!!!!! أقسم بالله إللي كان مصبرني عليكِ هو عمي الله يرحمه، لكن أنا ميشرفنيش واحده مجرمه زيك تكون على ذمتي، أنا لا طايقك ولا طايق عمايلك، خلاص كل واحد مننا يروح في طريق، وتغوري من وشي ده إنتِ بلوه وأنا إتبليت بيكِ.

سيطلقها!!! بهذه السهولة ستفقد كل شئ؟!!! وكيف ذلك وهي لم تحصل على ما يؤمن حياتها بعد!!! لم تحصل على ما تستحق من ثروة تلك العائلة التي هي حقها بكل تأكيد!!!

إتسعت عينا "جميلة" بصدمة، ليس تمسكًا وحبًا بـ"محمود"، بل لإنفلات الخيوط من بين بيديها، لخسارتها الوشيكة بفقدان كل شئ، عليها التراجع، عليها أن تظهر ضعفها، أن تُجبر نفسها على إظهار محبة مزيفة له، وإلا ستفقد كل ما سعت لأجله.

أرجفت من نبرة صوتها وهي تقوس حاجبيها تدعي الخضوع بمحبة مزيفة:
- كده برضه يا "محمود"!!! وحد الله كده، أنا معملتش حاجه، متظلمنيش، أنا هنا من الصبح أنا ماليش دعوه بكل إللي إنت بتقول عليه ده، إسأل حتى العمال أنا جيت إمتى، ده كلام برضه، ده أنا "جميلة" حبيبتك.

جفل "محمود" بطرف عينيه فلم تحرك به لينها ومحبتها الزائفة ساكنًا به، ليردف بذات القوة والإصرار:
- إللي حصل ده، إعتبريه آخر إللي بيني وبينك، إحنا ملناش عيش مع بعض خلاص.

حازمًا قويًا بشكل أثار غضبها المكتوم، تركها دون كلمة أخرى، لقد حسم موقفه وبالتأكيد سيطلقها، ألا يكفيها نجاة تلك الوضيعة التي تسللت داخل العائلة لتسيطر على عقول الجميع، بل زادها بقراره الذي سيكلفها الكثير.

تابعت رحيل "محمود" بنظرات حاقدة تقلب أفكارها باحثة عن طريق ملتوي آخر لتجبرة على تغيير رأيه عن طلاقهما، فلن تترك الثروة بتلك السهولة، ستحارب بكل قوتها فبعد ما سارت به من طريق وعر لم يعد هناك مجال للتراجع، سيضحي ويقبل ويرضخ رغمًا عنه، بأي وسيلة كانت.

أسرع "محمود" تجاه السيارة ليستوقفه المهندس الذي تناسى أنه السبب بمجيئه هنا:
- أستاذ "محمود"، لحظه من فضلك.

إنتبه له "محمود" فقد نسي أمره بالمرة:
- أيوه يا باشمهندس.

- أستاذ "محمود" الله يكرمك، أنا مش عارف أتفاهم مع مدام "جميلة" خالص، وبرضه عملت إللي في دماغها، أنا مضطر أنسحب.

تطلع به "محمود" للحظات ثم أجاب بلا إكتراث:
- سيبها وإتكل إنت على الله، سيبها تعمل إللي تعمله، وإخلي مسؤوليتك، مضيها على إقرار بكده وخلاص، إنت عملت إللي عليك، عمومًا هي المسؤوله، لأن المخزن بإسمها، إخلي مسؤليتك زي ما بقولك وخلاص، هي أدرى باللي تعمله.

قوس المهندس شفتيه قليلًا بتعجب وهو بعيد رأسه للخلف ثم عقب:
- طالما إنت شايف كده، أنا مش مسؤول وحبلغ المجلس بكده، دى مسؤوليه أنا مقدرش عليها.

- تمام ..

لم يزيد بالأمر، فقد إكتفى من كل شئ يخصها، طفح الكيل من كل شئ ربط بإسمها، أو يخصها، إستقل السيارة برفقة الصغيرات ليوصلهم للبيت أولًا ثم يتجه نحو تجارتهم على الفور.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

قال الكثير تجنب ما يؤذيك، لكن لم يقل أحدهم أن عليك أن تتجنب ما تحب كي لا تؤذيه، أن تضحي بما يسعدك لأجل من تحب، أن تجبر مكرهًا على التضحية بقلبك حتى لا تكون أنت سببًا لتعاسته.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي...
شعرت فجأة بإنعدام الهواء وإختناق شديد، ليس لمجرد إستنشاق الغاز فقط، بل إن إختناق روحها كان أشد وطأة عليها، فبعد حديث "فردوس" شعرت "زهرة" بأن رأسها يدور وإختفى الهواء من حولها.

ورغم إستماعها الصامت منذ أن بدأت "فردوس" حديثها إلا أنها إندفعت بإنفعال شديد ترفض كل ما تفوهت به للتو وهي تنهض من جلستها بجسد مرتجف:
- لالالالا لالااااا، مينفعش، إستحاله ده يحصل أبدًا، أبدًا يا ماما، مش أنا إللي أدخل البيوت وأخربها، لااااا، مهما كانت "جميلة" عملت معايا، أنا عمري ما أظلمها وأوافق على كده أبدًا، أبدًا،  لأ طبعًا مش موافقه.

دقات قلبها الصارخة بعشق توغل بداخلها، مشاعر كادت تتحول إلى حقيقة، لكن عقلها رفض تمامًا ذلك، ضميرها الذي يؤنبها على خراب بيت عامر جعلها ترفض طلبه للزواج، ترفض ما تتمناه لأجل ساعدته، مجبرة على أن تضحي بما تحب لأجل من تحب.
بقلم رشا روميه 

سحبتها "فردوس" من ذراعها تطالبها بالهدوء لتستمع لحديثها:
- يا بنتي ده حَقه وشرع ربنا، "محمود" إبني مش مرتاح أبدًا مع "جميلة"، وإحنا إللي غصبناه عليها، لكن أنا عارفه إنه بيحبك، زي ما أنا عارفه إنك إنتِ كمان بتحبيه.

نظرت نحو "فردوس" بأعين زائغة، صراع قوي بداخلها جعلها تتشبث برفضها، لكن هل يعقل ما تقوله؟ هل هو بالفعل يحبها كما تحبه؟! 

فغرت "زهرة" فاها لتتسائل بنبرة منخفضة للغاية، نبرة متألمة غير مدركة لما سمعته للتو ولا تقدر على إستيعابه، بأحرف متقطعة تساءلت بشفتين مرتجفتين:
- بيحب مين؟!! إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟؟!! لأ طبعًا، مفيش حاجه كده لأ (ثم نظرت نحوها تريد سماعها ولو لمرة أخيرة، فبالتأكيد قد فهمت الأمر بشكل خاطئ) هو قالك إنه بيحبني؟!!!!

- هو بيحبك وإنتِ بتحبيه، لازمتها إيه قولة لأ.

أغمضت "زهرة" عينيها بألم، فمن حظها العسر من أحبته وأحبها يفرق بينهما القدر، فلن تقبل أن تكون من شتتت تلك الأسرة وخربتها، حاولت التحرك لتتهرب من حديثها مع "فردوس"، لكن ضعفها جعلها تشعر بالدوار لتترنح بقوة وهي تتلمس المقعد لتجلس عليه. 

ترقرقت الدموع بعينيها فمن داخلها تتمنى القبول، لكن عقلها يرفض ذلك تمامًا، نكست "زهرة" رأسها بغصة علقت بحلقها، فليس لها من الفرح نصيب، وهذا قدرها المحتوم وعليها قبوله.

ربتت "فردوس" بكتفها بخفة إشفاقًا على حالها:
- بالراحه بس على نفسك يا بنتي مش كده، إستني حجيب لك كوبايه لبن تقويكِ شويه.

أحضرت لها "فردوس" كوب من الحليب الدافئ الذي شربته "زهرة" ببطء لتتجه نحو غرفتها لتبقى بها بعيدًا عن الجميع.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

القيمة لا تُرفع إلا بأفعال صاحبها، فلا للخيول قيمة إلا بدخولها السباق، فمقام الرجولة بالأفعال، لكن تيقن أن الثقة حين تُكسر لا يمكن أن تعود كما كانت، فلكل شئ فرصة ثانية إلا الثقة.
رشا روميه 

بيت خليل زيدان..
تململت "سمية" بتذمر وهي تقف قبالة زوجها الجالس بخنوع أمامها تعقد من ذراعيها بضيق وتهز ساقها السمين بحركة مضطربة، ثم هتفت بنبرة حادة تؤنب زوجها:
- إنت حتفضل قاعد لي كده!!!! ما تقوم تشوف إبن الحاج "زاهر" إللي ضحك عليك!!!!

مط "خليل" شفتيه بقلة حيلة:
- ما هو أنا على يدك روحت له وقولت له يديني الورث بتاع "زهرة"، يعني هو أنا مروحتش!!!

رفعت "سمية" حاجبها بإستهزاء من ضعف زوجها وعدم قدرته على أن يأتي لها بتلك الغنيمة المجانية التي أُلقيت تحت أرجلهم ولم يحصلوا عليها:
- إنت إيه يا راجل إنت، مش واخد بالك إنه ضحك عليك ولا إيه؟!!! قالك تعالالي المحل، وروحت له، وضحك عليك وقالك "أنور" ملهوش في مال أبوه عشان مات قبله، ورمى لك ألفين جنية تمشي حالك بيهم، بقى بالذمه ده كلام!!!

رفع "خليل" كفيه بعدم معرفة:
- ما هو برضه لما روحت للشيخ "عبد الله" إمام المسجد إللي جنبنا، قالي إن الولد مش بيورث من أبوه طالما أبوه لسه حي، والولد مات الأول، وكنتِ عايزاني أعمل إيه، أتعارك مع "محمود"؟!!!

لوت فمها بإستهزاء منه:
- على رأي المثل «يا دي الشيلة ويا دي الحطة، روحت على جمل ورجعت على قطة»، يعني خلاص كده مش حينوبنا من الحب جانب!!!! دول أكيد، أكيد حيدوها هي الفلوس، بنتك دي مش سهله يا "خليل"، شكلها هي إللي قالت لهم، ولا "محمود" ده كمان، تاجر إبن تاجر بصحيح، عرف يلعب بينا، ويطلعنا من المولد بلا حمص.

- طب والعمل إيه دلوقتِ؟

جلست "سمية" تفكر بطريقة يحصلون بها على المزيد من المال:
- مش عارفه، بس لازم نلاقي حل، إن شا الله بالعافيه، مش معقول ياخدوا كل حاجه!!!

غضبها وضيقها يسبب توترًا شديدًا، لهذا عليه إظهار الرضا حتى لا تصبح حياته جحيمًا معها، أن يقبل كل شئ تتفوه به سواء بإرادته أو مجبر، لهذا سينصاع لكل ما تقول، فربما الحق معها.

- شوفي عايزه إيه، وأنا من إيدك دي، لإيدك دي.

أومأت "سمية" بخفة، فعليها أن تنال ثمن تضحيتها بزواجها من رجل يكبرها بالعمر، فلا شئ مجاني بهذه الحياة، حتى التضحية يجب أن يكون لها سعر، وعليه وعلى إبنته دفع الثمن.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ومن النعيم أن يرزقك الله روحًا تشبهك، تلك التي بحثت عنها دون لقاء، فقط حين يحين القدر يكتب لكم موعدًا.
رشا روميه 

مستشفى هايلدبرغ - ألمانيا....
حاولت "ليلى" التعود والتأقلم على العمل بتلك الطريقة الجديدة كليًا عليها، لكن على كل حال ستتعود فقد مرت بها الكثير من الصعاب والعقبات من قبل، وهي تتحلى بالقوة التي تجعلها تستكمل طريقها.

بالفعل إجتاحها إحساس بالضعف والوحدة وبالأخص الغُربة، لكن شعورها بأن هناك من يتابعها ولو من بعيد، ترى الإهتمام بنظراته وإصراره على مرافقتها للبيت، جعلها تشعر بالإرتياح لبعض الوقت.

وجودها معه بنفس المكان كان يكفي ليشعرها بالأمان، قربه الصامت دون الإعتراف بمشاعره كان يؤرق أفكارها عن سبب عدم البوح بذلك، حتى أنها تشككت بأنه يكن لها شعور دفين، فربما طريقته بوجه عام توحي بذلك لكن من داخله لا ينجذب نحوها.

إنتهى يوم عملهم لتستعد "ليلى" للمغادرة، وبنظرة تلقائية بحثت دون إنتباه منها عن "نور"، كما لو أن بينهما لقاء تحدد من قبل دون أن يحدث.

خرج "نور" مسرعًا للحاق بـ"ليلى" قبل أن تغادر المستشفى، خطواته المتعجلة ونظراته التي جالت تبحث عنها بلهفة لتتلاقى مع سوداوتيها اللاتي كانت تبحث عنه أيضًا في لقاء ساحر حمل الكثير من الكلمات والصمت التام.

تقدم "نور" نحوها بإبتسامة قائلًا:
- مساء الخير، أخبارك إيه النهارده؟

حركت "ليلى" رأسها بخفة:
- الحمد لله، أحسن من إمبارح.

تردد "نور" لبعض الوقت في دعوتها لتناول الطعام معًا، لكنه تشجع بالنهاية:
- إيه رأيك نتغدى سوا؟ فيه مطعم قريب من السكن شكله كويس.

ترددت هي أيضًا بقبول دعوته وكادت أن ترفض ذلك لكن "نور" لم يترك لها فرصة للرفض ليردف بهدوء:
- إحنا لوحدنا في الغُربه، أقل حاجه، ناكل سوا من وقت للتاني، يلا بينا، مفيش داعي للرفض، ده المطعم قريب.

تنهدت "ليلى" مجبرة على الموافقة لتومئ بالموافقة:
- مفيش مشكله.

تحركا بهدوء تجاه المطعم الذي أشار إليه "نور"، مر الطريق بصمت هادئ بينهما، فكل منهما يصارع حديث لم تتفوه به ألسنتهم، حتى وصلا للمطعم، دلفا نحو الداخل ليتخذا طاولة قرب نافذة زجاجية كبيرة مطلة على الطريق، هدوئهما كان يليق بهما بالفعل، فكلًا منهما رزين بطبعه حتى أن ملامحهم توحي بذلك.

إنتظرت "ليلى" بالبداية أن يطلب "نور" لهما الطعام، فما تفقهه من ثقافة المطاعم ضئيلة للغاية، بينما سألها "نور" بلطف:
- تحبي تاكلي إيه؟

- إللي تشوفه، أنا معنديش فكره أوي.

تقدم النادل نحوهما ليطلب لهما "نور" طبقين متماثلين فيبدو كما يظن أن لهما ذوق متقارب وإن لم تحدد هي شيئًا لتأكله، كان يتأمل ملامحها من وقت لآخر وهي تزيغ بعينيها عن عيناه كلما تلاقوا يريد أن يخرج ما بداخله ويصرح لها بمشاعره، لكن مازال المجهول يتدخل بينهما فمازال لا يعلم إن كانت تبادله نفس الشعور، أم أن هناك من يستوطن قلبها.
بقلم رشا روميه 

إبتلع "نور" توتره ليبدأ حديثه معها بخصوص العمل أولًا، لعله يجد طريقًا ممهدًا للإفصاح عن مشاعره تجاهها:
- إنتِ ليه بتشتغلي بعيد، ليه مش معايا في العياده؟

رفعت مقلتيها الرائعتين تجاهه، يكاد يجزم أن لهما بريق خاص وحياة لم يراها بسواها، تعالت ضربات قلبها وهي تردف بهدوء فلا داعي لأن تظهر حماسها بطلبه وتفضح مشاعرها:
- إنت عاوزني أكون معاك في العياده؟

- وليه لأ، أنا إفتكرت إنك حتكوني معايا من البدايه، وإستغربت إنك بعيد، إلا، لو إنتِ عاوزه كده؟

حركت رأسها بالنفي بقوة قبل أن تجيبه على الفور:
- لأ خالص، أنا معنديش فكره، هم طلبوا مني أكون في المكان ده.

- خلاص، حطلب من دكتوره "هيلدا" إنها تحطك معايا في العياده.

تجهم وجه "ليلى" قليلًا حين ذكر إسم تلك المرأة التي لا تعرفها، وإحتل قلبها إحساس مضطرب لا تدرك معناه، لكنه يصيبها بالضيق، قطبت ملامحها لتفصح بلمحة من الضيق، فهي لا تقدر على إخفاء ضيقها، ليست من هؤلاء الذين يبتلعون ضيقهم ويتظاهرون بالعكس:
- مين دي؟ حد تعرفه هنا يعني؟!

إبتسم "نور" برفق، فيبدو أن إسم "هيلدا" أثار نوع من الغيرة بداخلها، أمر جعله يشعر ببعض السعادة، ثم أوضح دون تأخير:
- لا خالص، دي مسؤولة البعثه، هي إللي بتخلص الأوراق وتظبط الشغل.

إكتفت "ليلى" بإيمائة تفهم، ثم إلتفت تتجول بعينيها بأرجاء المطعم، وجدت العديد ممن يحدقون بها بشكل غريب، نظرات جعلتها تطالعها هيئتها وملابسها لتعود بسؤالها تجاه "نور":
- هو أنا فيا حاجه غلط؟! الناس عماله تبص عليا بشكل غريب، خلوني أشك في نفسي!!

أجابها بكل تلقائي ودون تفكير، ليظهر ولهه بها:
- حاجه غلط؟!!! ده إنتِ كل الصح، كل حاجه فيكِ حلوه بس، يمكن لأنك فريده من نوعك هم يبيصوا عليكِ كده، يمكن لأنك زي القمر محدش يطوله بس يحبوا يشوفوه، يمكن يتمنوا إنهم يقربوا منك أو يتشبهوا بيكِ، إنتِ لا يمكن يكون فيكِ حاجه غلط أبدًا.

خجلت من تغزله الواضح بها، إشتعلت وجنتيها بحمرة زادتها حُسن ونعومة، لتنكس رأسها قليلًا حتى لا يظهر سعادتها بكلماته الرقيقة، في حين أن شعر "نور" ببعض الإرتباك لإسترساله دون أن يشعر بنفسه، تمالك نفسه حتى لا تنفلت بما هو أكثر من ذلك، لكنه وجدها فرصة لسؤال ذكي ربما يوضح له إن كان هناك آخر بحياتها، ليردف ببعض المزاح:
- بس شكلك لسه مش مرتاحه هنا، إيه وحشتك مصر؟

تذكرت "ليلى" صديقتها ونصفها الآخر "زهرة" وإشتياقها لحديثها معها، تذكرت صديقاتها بالمستشفى وحنينها لقضاء يوم عمل برفقتهم كما إعتادت، لتردف بنظرة حزينة ونبرة يملؤها الإشتياق:
- مصر!!! مصر وحشتني أوي، وحشني الجو ووشوش الناس اللي تحسهم أهلك، وحشني أصحابي، والناس إللي بحبهم.

تجهم وجه "نور" بسماعه كلماتها الأخيرة ليسأل بضيق خفيف:
- الناس اللي بتحبيهم؟

أغمضت "ليلى" جفنيها لوهلة متذكرة "زهرة" لتجيبه بتمنى:
- فيه حد بجد وحشني أوي، بس الغربه بعدتنا عن بعض.

علقت غصة بحلقه فهل تقصد حبيب ما؟ هل هناك من تحب وتشتاق له؟ وضع النادل أطباق الطعام ليناظره "نور" بإبتسامة متكلفة كنوع من الشكر، ثم بدأ كلاهما بتناول الطعام بصمت مرة أخرى، لكن دارت عدة أسئلة بمخيلة "نور" جعلته يتخلى مجبرًا عن إفصاحه عن عشقه لها، فإن كانت تتمنى وجودها مع شخص آخر فسيضحي بالتأكيد بمشاعره مقابل أن يراها سعيدة.

بينما كانت "ليلى" تحلق بسعادة لوجودها بقربه، وتغزله بها منذ قليل، فيبدو أن إعترافه لها وشيكًا للغاية، فقط ما عليها إلا الإنتظار قليلًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

حتى وإن غاب عنك إدراك الفارق، فالله يدرك صفاء قلبك ويرزقك بنيتك، فعلى نياتكم ترزقون، ربما الحياة ليست عادلة لكن الله عادل.
رشا روميه 

فندق العلا...
دارت "فرح" بسعادة حول نفسها وهي تقف بغرفتها بالفندق، فأخيرًا خرجت من المستشفى الكئيبة، جلست ترتمي فوق المقعد ذو الظهر الوثير تلتقط أنفاسها وهي تعقد جبهتها محاولة التركيز لكنها كالعادة لا تتذكر شيئًا.

ورغم نسيانها لكل الماضي إلا أن هناك إحساس بداخلها يجعلها تشعر بأن ما يفعله معها "سامح" أمر كانت تظنه نادر الحدوث، أو ربما مستحيل.

أن يكون هناك من يسعى بتلهف للبقاء معها، أن تكون محط هذا الإهتمام، أن تحظى بالأولوية بكل شئ وليست شخص عابر أو لا أهمية لها، كما لو أنها مرت بأمر ما جعلها تشعر بأنها لا تستحق ذلك.

لم تفكر كثيرًا فقد دق هاتف الغرفة لتجيبه على الفور:
- ألو، تمام...

نهضت وإتجهت نحو الخزانة التي أفرغت بها حقيبتها منذ بعض الوقت لتسحب حقيبة يدها الصغيرة قبل أن تغادر الغرفة، فـ"سامح" ينتظرها بإستقبال الفندق.

صادق بكل وعوده، وعدها بأن يخرجها من المستشفى وتبقى بالفندق حتى تعود لأهلها، وعدها بأنه سيأتي بعد إنتهاء مناوبته وها هو قد نفذ وعده.

نظرت "فرح" لفستانها الرقيق وهي تمازح "سامح" الذي وقف بإنتظارها:
- إيه رأيك في الجنينه بتاعتي؟

إبتسم "سامح" بخفة قائلًا:
- حلو أوي، بيليق عليكِ أوي الفساتين إللي عليها الورد.

لملمت "فرح" إبتسامتها العريضة قائلة:
- طيب يلا بينا، مش معقول حتأخر عن حماتي في أول زياره كده.

أشار لها "سامح" بمرافقته لإصطحابها لزيارة والدته كما إتفق معها.

بحفاوة شديدة قابلت "أسماء" تلك الرقيقة "فرح"، فقد وقعت محبتها بقلبها منذ أن وقعت عيناها عليها، فهي فتاة ودودة لطيفة كما أخبرها "سامح" تمامًا، دعتها لتناول العشاء معهما فأسرتهما الصغيرة يبدو أنها إزدادت شخصًا آخر.

حديث لطيف وتقارب منذ للوهلة الأولى، محبة ربطت بينهم كما لو أنهم يعرفون بعضهم البعض منذ سنوات طوال، وجدت "أسماء" بتلك الفتاة حب للحياة رغم ما مرت به جعلها تدرك أن بالفعل "سامح" محظوظ بلقائها.

لكن ما أسعد قلبها بالفعل هو رؤية إبنها بتلك الحالة من العشق التي لم تتخيلها يومًا، فبكل حركة وكلمة قامت بها "فرح" كانت أعين "سامح" وروحه المبتهجة تلاحقانها، إنها مصدر سعادة لقلبه لم يمر به من قبل.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

البعض يضحي من أجل من يحب، يأثر الفرحة والراحة من أجل الآخرين ويكتفي بسعادة رؤيته يتمتع بها، والبعض يجيد تمثيل دور الضحية بمهارة، هؤلاء من يبرعون بقلب الطاولة لينتصر الباطل على الحق.
رشا روميه 

بعد مغادرة "محمود" للمخزن وترك "جميلة" تدور بغيظ حول نفسها تبحث عن مخرج لما وضعه بها "محمود"، والهرب من إتهامه لها بمحاولة قتل "زهرة"، والأهم من ذلك إجبار "محمود" على التراجع عن طلاقها حتى لا تخسر كل شئ.

لم تجد سوى حل وحيد، لم يمر الكثير من الوقت وبعد أن حددت أفكارها الخبيثة تلك المرة، حملت حقيبتها لتغادر المخزن أيضًا بوقت ليس ببعيد عن رحيل "محمود"، فعليها الوصول للبيت قبل أن يعود "محمود" من المتجر.

حين وصلت لبيت عائلة مكاوي، أسرعت على الفور للصعود لشقة عمها أولًا، وقفت بدرجات السلم قبل أن تصل لباب الشقة تلتقط أنفاسها، ثم تحولت ملامحها بلحظة لأخرى متأثرة حزينة، مغلوب على أمرها، تصنع في غاية البساطة لتلك المخادعة البارعة.

قناع إرتدته بمنتهى البراعة وهي تدلف لداخل الشقة تتجول أولًا بحثًا عن غريمتها بعينيها لتشعر براحة لعدم وجودها، بل إكتملت سعادتها وهي ترى هدفها يجلس أمامها بوضوح، إقتربت من "زاهر" تشاهق بالبكاء وهي تلقي بحقيبتها بإستياء بالغ لتهتف بنبرة منفعلة حزينة:
- يرضيك كده يا عمي؟!!!! بقى "محمود" يعمل فيا كده، وإيه كمان، قصاد العمال كلهم، بقى أنا، وحشه أوي كده لدرجة إنه يقول إن أنا السبب، وإني قاصده أموت "زهرة"!!!!!

مخادعة بإمتيار، حتى أنها بمجرد كلمات التلاعب بهذا الرجل البسيط، لتتسع عيناه إندهاشًا ورفضًا لما تفوهت به للتو، ليهتف بصدمة:
- معقول!!! ليه كده،و إنتِ ذنبك إيه يا بنتي، معقول "محمود" يفكر كده؟!! لا إله إلا الله.

إرتعشت شفتيها إثر بكائها قائلة بضعف:
- مش عارفه يا عمي بيعمل ايه كده!!!! أنا يمكن أه، ماخدتش بالي من البوتجاز وأنا نازله، يمكن كان مفتوح غصب عني، بس هو أنا حعمل كده ليه مع "زهرة"؟!!! ليه بيظن فيا السوء ليه، عملت له إيه أنا عشان يظلمني كده؟!!

مع نهاية كلماتها زادت بنشيجها حتى أشفق "زاهر" على إبنة أخيه، وظلم ولده لها بغير حق، قطب جبهته بضيق وهو يحاول التخفيف عنها، بالتوعد لولده عند عودته:
- ولا يهمك يا "جميلة"، أنا لما ييجي ليا كلام تاني معاه، إلا الظلم.

مع وصول "جميلة" لغايتها، وقفت بترنح مدعية التأثر وهي تحمل حقيبتها التي ألقتها منذ قليل لتصعد لشقتها، فلا داعي لوجودها هنا عند عودة "محمود"، فقد أثارت بنفس هذا الرجل ما سيجعله يُجبره على الإستمرار دون جدال.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

أخطأت في حق نفسي حين ظننت أن التغاضي سيريحني، لقد حاربت نفسي والحياة بوقت كان من المفترض أن أعيش أجمل أيامي.
رشا روميه 

بعد حلول المساء عاد "محمود" للبيت مرة أخرى، ومازال ما عزم عليه بذات القوة، لن يقوى على أن يكمل حياته مع مجرمة كـ"جميلة"، عليه الإنفصال عنها وإتقاء شرورها، فهي لا تصلح كزوجة، ولا كأم، رغم غضبه الذي مازال يثور بداخله، إلا أنه لديه القناعة بأن ما سيفعله هو الصواب.

فليس هناك من سبيل للتضحية مرة أخرى، لن يتغاضي لأجل حياة مستقرة، لن يخطئ بحق نفسه مرة أخرى ويبقى معها.

حينما وصل البيت تفاجئ بعودة "جميلة" مبكرًا، أمر لم يكن يحسب له حساب، لم تكن مفاجئته بعودتها فقط، بل ما بثته بنفس والده حتى جعلته ينتظر بترقب عودة "محمود" بهذا الغضب.

دلف "محمود" لغرفة المعيشة حيث ينتظره والداه، لم يتمهل "زاهر" بأن يستمع لـ"محمود" كما إستمع لـ"جميلة"، بل وقف بظهر إبنة أخيه التي لجأت له من ظلم ولده لها.

هتف به "زاهر" بغضب وإنفعال:
- هي حصلت يا "محمود"!!! بقى دي وصية عمك ليك؟!! إزاي تعمل كده في "جميلة"؟؟!!

أدرك "محمود" أن "جميلة" قد سبقت وبثت سمومها بنفس والده حتى يتراجع عن طلاقه منها، لهذا وقف "محمود" يتصدى لقرار إتخذه بعد عناء حياته المزرية مع "جميلة"، لن يتراجع عن الإبتعاد عنها، فلم يعد يطيق وجودها لأكثر من ذلك بحياته.

علت أنفاس "محمود" بقوة وهو يرفض أن يرغم على شئ لم يعد يتقبله:
- لا يمكن يا حاج.

قابله "زاهر" بإنفعال مماثل:
- إنت بتقول إيه؟!

أشار "محمود" بالهواء كما لو كان يشير نحو "جميلة" القابعة بشقتها بالأعلى ومازال متمسكًا برأيه، ليجيب والده بإنفعال:
- دي بني آدمه خبيثه وكذابه، أنا معدتش طايقها ولا عايزها.

إحتد "زاهر" رافضًا بقوة:
- دي مهما كانت بنت عمك، وأمانه في رقبتي ورقبتك بعد مني، تقوم تعمل فيها كدة وعايز تطلقها، لا يمكن، لا يمكن أبدًا.

وقفت "فردوس" بحيرة بين كلاهما، تنظر تجاه كل منهما تارة بصمت، لكن عيناها القلقتان قالتا الكثير، فهي تشفق على زوجها وإنفعاله، وأيضًا على "جميلة" وإصرار "محمود" على طلاقها، وبين ولدها الذي تحمل كثيرًا من أفعال "جميلة" وعنادها وحدتها الدائمة.

حاول "محمود" ضبط نفسه وتوضيح الأمر لوالده، لعله يدرك إستحالة العيش معها:
- لا يمكن يا حاج، أنا خلاص جبت أخري منها، أنا لا عدت طايقها ولا عايزها، أنا مش طايق حتى أبص في وشها، خلاص أنا وهي مينفعش نكمل مع بعض، أنا لازم أطلقها و أخلص منها كفــــــــــاااايه،أنا إستحملتها كتيــــــر، خلاص معدتش طايق، كفايه بقى إرحموني.

قالها "محمود" بإنفعال، فقد فاق الأمر تحمله، وصلت الضيق الحلقوم، ونفذ الصبر والقوة، فاض الكيل بما فيه وحان وقت التخلي، توهج وجه "زاهر" باللون الأحمر القاتم، وأوشك إنفعاله على الهياج، لتسرع "فردوس" بتهدئة الأمر على قدر قدرتها:
- إطلع طيب شقتك وإهدى وبكره نتكلم، وإنت كمان يا حاج، وحد الله كده وإن شاء الله كل حاجه حتتصلح.

تعلقت مقلتي "زاهر" الغاصبتان بولده، وهو يحذر من أن يخلف له أمر، ليردف بحزم رغم إرهاقه لإرتفاع ضغطه:
- مفيش طلاااااق، أنا قولتها وإنتهت، دي مهما كانت بنت أخويا، وأما نشوف حتكسر كلامي بقى ولا إيه!!!

كلمة قاسية وإجبار خانق للنفس، أمر لابد من تنفيذه ككل مرة دون حساب لتضحية "محمود" الدائمة لأجل إرضائه، تحرك "زاهر" نحو غرفته منهيًا نقاش لم يتجاوب به مع ولده، بل كان أشبه بأمر ديكتاتوري وعليه الرضوخ.

مع مغادرة "زاهر" تجلت نظرة معاتبة بأعين "محمود" تجاه والدته، نظرة لم يتمكن من الإفصاح عنها أمام إصرار والده وخوفه من أن يتسبب بتعبه.

لانت نبرة "محمود" ليستكمل بلوم وصوت مهتز يكاد تتحرر الكلمات من حنجرته بصعوبة، فتلك الغصة التي تملكت منه لم يعد يتحمل هذا الوضع وتلك الحياة:
- لحد إمتى حعيش كده؟!! لحد إمتى يا أمي، أنا تعبت، والله العظيم تعبت!!!

ترقرقت الدموع بمحجري عينيها وهي تناظر إنهزام روح ولدها بتلك الصورة، كم كانت تتمنى أن يبتسم له القدر ويسعد قلبه الحزين، طأطأ "محمود" رأسه قائلًا بإختناق لتضحيته المُجبرة لمرة جديدة:
- عمومًا بلغيه اني كالعاده مش حكسر كلمته، بس أنا مش طايق أشوف وشها ولا أكون جنبها، أنا ماشي.

تشبثت "فردوس" بملابسه بنبرة متوسلة، فلم يعد لديها سواه، فلن تخسره هو أيضًا:
- رايح فين بس الساعه دي؟!!

أخرج كلماته المتحشرجة بحنجرته لقبول أمر والده بضيق نفس:
- أي حته هي مش فيها.

تحرك مسرعًا نحو المتجر للبقاء به، قام يعد يطيق وجوده بالبيت ورؤية "جميلة"، فيكفيه الإنصياع لأمر والده، لكن من المؤلم التظاهر بالتقبل والرضا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

أقسى أشكال العطاء هو ألا تقوى على الرفض، أن تكون أنت طوق النجاة لغريق وأنت لا تعلم فن العوم.
رشا روميه 

غرفة "زهرة"....
منذ أن أنهت طعام الغذاء وإتجهت مرة أخرى لغرفتها لتبقى بها، قرب غرفتها من غرفة المعيشة إستطاعت أن تميز وجود "محمود" ووالده بعد عودته من المتجر.

صوت غاضب وإنفعال غير معتاد بهذا البيت، خاصة من هذا الحليم الذي لا يثور مطلقًا، فمنذ أن خطت هذا البيت، لم تلاحظ إنفعال "محمود" بالمرة، كان يقف متحدثًا بقوة مع "أنور"، لكنها لم تسمع غضب وإنفعال كما حدث بينهم اليوم.

إنتبهت "زهرة" لعبارة وصلت لأسماعها بوضوح بخلاف بقية حديثهم، حين قال لوالده..
-«لا يمكن يا حاج، أنا خلاص جبت أخري منها، أنا لا عدت طايقها ولا عايزها، أنا مش طايق حتى أبص في وشها، خلاص أنا وهي مينفعش نكمل مع بعض، أنا لازم أطلقها و أخلص منها كفــــــــــاااايه،أنا إستحملتها كتيــــــر، خلاص معدتش طايق، كفايه بقى إرحموني.»

كل كلمة كانت واضحة للغاية، كان خلاف بين "محمود" ووالده بسبب رغبته في طلاق "جميلة"، لكن والده بالطبع يرفض ذلك.

ألقت "زهرة" بجسدها الواهن فوق التخت تلوم نفسها على ما حدث بينهم:
- (أنا السبب، أكيد أنا السبب في إنه عايز يطلقها!! أمال حيكون إيه؟! أكيد كلم الحاج وهو رفض، أنا سبب كل المشاكل دي!!! أنا إللي قلبت حياتهم من يوم ما دخلتها، أنا لازم أمشي مهما حصل لازم أمشي، كفايه إللي بيحصل من تحت راسي بقى، أنا لازم أرجع عند بابا و إللي يحصل يحصل، كفايه مشاكل لحد كده)

لأجل من تحب، عليها التضحية بما تحب، ستقوم بذلك من أجل أن تبقى حياته مستقرة، دون أن يغضب والده، أو ينفصل عن زوجته ويهدم حياته، لن تكون بمثل هذه الأنانية وتختار نفسها وسعادتها، فسعادته هي غاية تسعد قلبها حتى لو كان بعيد عنها، ستضحي بسعادتها مجبرة من أجله.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقة محمود وجميلة...
صوت شجار "محمود" مع والده وإنتهائه بهذا الشكل، كان له دلالة وحيدة، أنها إنتصرت بالفعل، فمع كل ما حدث هي ستظل باقية، لن يقوى "محمود" أن يتجرأ ويخلف لوالده أمر، فهذا طبعه وأخلاقه، فهي تدرك ذلك تمامًا، وإستطاعت بمهارة إستغلال ذلك لصالحها، فهو لن يغضبه أبدًا، لهذا كانت "جميلة" تعلم جيدًا أن لحديثها مع عمها أكبر الأثر، وهو الحل للمشكله التى وضعها بها "محمود".

فهى رغمًا عنه باقية، ويبقى لها التخلص من تلك المشؤومة حتى تستطيع أن تهنأ وتحصل على كل ما تريد وتتمنى.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ـ

وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فللقدر حكمة وموعد لا خلاف فيه، فإن تتوقت النفس لما رأته خيرًا، إلا أن الله له حكمة بالبعد عنه.
رشا روميه 

حقيبة صغيرة هي كل ما تمتلك من حطام الدنيا، وقفت "زهرة" تحملها بوجه متجهم، حاولت بقدر الإمكان إظهار إبتسامة مزيفة تدعي بها أن كل شئ على ما يرام، وبالفعل سيصبح كل شئ على ما يرام إلا هي، فهي من قررت أن ترحل للمرة الثانية خشية على خراب هذا البيت العامر.

وقفت "فردوس" بذهول، فهي لم تلبث إلا القليل منذ رحيل "محمود"، وها هي تجد تلك المسكينة تحمل أغراضها وذبول روحها، تطالب بالرحيل.

نهج صدر "فردوس" بقوة وهي تتوسل لها بألا ترحل:
- بالله عليكِ يا بنتي، كفايه عليا إللي حصل النهارده، إدخلي أوضتك وإستهدي بالله.

حركت "زهرة" رأسها بالنفي وهي تطالع تأثر تلك السيدة الحنون بقلب متمزق، فليس لديها حرية الإختيار، فما قررته واجب مُجبر:
- مقدرش يا ماما، أنا لازم أمشي، ودلوقتِ حالًا، حتى مش بكره الصبح.

تحركت "زهرة" نحو باب الشقة وهي تتمالك دموعها من الفرار وفضح مشاعرها التعيسة، تحت أنظار "فردوس" المتحسرة، تودع حلمًا وأملًا وعوض لم ينفذ، خطوات "زهرة" التي تبتعد كما لو أنها تأخذ منها روحها معها.

كم تمنت أن تعوض تلك المسكينة عن قراراتها الخاطئة، وتعوض بها قلب ولدها الذي حُرم من السعادة، لكنها كلها أحلام تبخرت في الهواء، فكلاهما يسير بدرب منفصل، لن يجمع بينهما القدر.

إحساس باللوم والحسرة علق بقلب تلك الأم الحزينة، لتجد ثقل يجثو فوق أنفاسها، ترنحت بعدم إتزان لتسقط أرضًا وقد تعالت آلامها، لتنطق كلمة أخيرة قبل صمت مؤلم:
- ز..... زهـ..... زهرة، إلــ..حقينــــ..ـي يا بنتــــــ...ـي..

صوتها المتحشرج وإستغاثتها جعلت "زهرة" تلقي بالحقيبة دون إهتمام لتركض تجاه "فردوس" بفزع، إتسعت عيناها بقوة حين رأت "فردوس" إمتقع لونها بشدة، صرخت "زهرة" بإرتجاف:
- مــــــــــامــــــــــا، ردي عليا يا ماما، ردي عليا!!!!

أسرعت بإلتقاط هاتفها تتصل بالإسعاف على الفور، حينما لحق بها "زاهر" لحظة سماعه صراخها، وهو يناظر رفيقة دربه ممدة أرضًا بسكون مخيف كاد يتوقف له قلبه.

تعليقات