رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثامن والعشرون 

«ثغرة مُعتمة»

في الظلام تأتي الثغرة لتعطيك أملًا بوجود بصيص من النور، وفي الظلام أيضًا تُستَغَل الثغرات كنقطة ضعف، فيمكن ما تظنه ملاذًا يفتح أبواب الضوء لينير عتمة ظلام، هو نفسه المعبر الذي يتسلل منه الغادرون.

فلتتذكر أنه حين تغفل العيون لا تتوقف الأقدار عن إيقاع مشيئتها، فبعض الثغرات ممرات خفية تمنح الخائفون قوة الإقدام، وتُكسِب الحاقدون فرصة للغدر، فأشد الأسلحة فتكًا هي تلك التي تنسل بغفلتك، فلا تأمن بشكل مطلق حين ترى تلك الثغرات المعتمة، فلها وجهان، إما أن يناهز الحب فرصتة الأخيرة، أو يسكب الغدر سُمه الهادئ بثغرة معتمة.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

تأتيك فرصة لإلتقاط الأنفاس وتتمكن ببراعة من إفلاتها، لتقع بمصيدة حبس الأنفاس التي لا يفلت منها الكثير، فعليك التحلي بالصبر والإيمان لتنجو من محنتك.

مستشفى الأمل التخصصي...
وقف "زاهر" بوجه قلق وهو ينظر لغرفة الطوارئ التى ولجت "فردوس" لداخلها منذ قليل، ترافقه "زهرة" بتخوف حقيقي من فقد تلك السيدة الحنونة، أسندت "زهرة" ظهرها لجانب غرفة الطوارئ تنتظر سماع كلمة واحدة تهدئ نفسها.

حاول "زاهر" الإتصال بـ"محمود" للعديد والعديد من المرات، لكنه دائمًا يصل لنفس النتيجة، فهاتفه مغلق.

يقال أن عليك ألا تقطع كل الطرق، لعلك تحتاج أحدهم للعودة يومًا، لكن "زاهر" أغلق كل السبل بوجه ولده اليوم، حتى أنه لم يترك له ثغرة واحدة يتنفس منها.

وحيدان يقفان قبالة الغرفة بقلق وتوجس من فقدان "فردوس"، بينما غاب عن المشهد ولدها الأكبر بعد مغادرته البيت ولم يعلم بعد بما حدث، بينما تحججت "جميلة" بطفلتيها لتبقى بالبيت لتراعيهن، أو بمعنى أدق تستغرق بالنوم، فلا طاقة لها بالبقاء بالمستشفى برفقة "فردوس" بعد يوم عملها بالمخزن.
بقلم رشا روميه 

خرج الطبيب بعد مرور بعض الوقت من غرفة الطوارئ ليهم نحوه "زاهر" بتلهف شديد:
- خير يا دكتور، طمني؟

نظر نحوه الطبيب بنظرة معتادة وإبتسامة دبلوماسية يطمن بها أهل المرضى:
- خير يا حاج، الحاجه بخير، واضح إنها إتعرضت لضغط شديد، لأن نسبة السكر عاليه جدًا، والضغط كمان عالي، إحنا نحمد ربنا إن محصلهاش أي مضاعفات تانيه أو جلطه لا قدر الله، لو سمحتم لازم نقلل الضغط العصبي والتوتر شويه عليها، عشان المره الجايه مش مضمون ممكن يحصل إيه، حمد الله على سلامتها.

رغم أن كلمات الطبيب مطمئنة للغاية، إلا أن "زهرة" شعرت بأن لها يد بما أصاب "فردوس"، إحساس بالذنب وأنها بالتأكيد السبب الرئيسي لذلك، ألا يكفيها كل ما تشعر به، فتثقل الآن بإحساس الذنب!!

دوامة تدور بها منذ أن خطت هذا البيت، فكم من مرة قررت الرحيل والإبتعاد وتجنب بقعة الظلام التي تحيط بها، ورغم ذلك تُجبر على العودة، ترضخ لما يرفضه عقلها، ألا يوجد بصيص من نور يشق الظلام ولو من ثغرة طفيفة تنجو بها؟!

تطلع "زاهر" نحوها بنظرات معاتبة، ثم قال:
- ها، سمعتي!! أقعدي يا بنتي هي بتحبك اوي، كمان موضوع "محمود" و"جميلة" ضغط عليها أوي، أنا كمان حكلم "محمود" وأقنعه يرجع البيت عشان متتعبش أكتر من كده.

نكست "زهرة" عينيها طواعية لهذا الرجل، فهي لا يمكنها تحمل أن تكون سببًا بآلام تلك الحنون مطلقًا، إضطرت للبقاء وإن كانت تتمنى عكس ذلك.

بعد أن إطمئنا على حالة "فردوس" وإستقرارها، عادوا جميعًا إلى البيت من جديد، ليتجه "زاهر" نحو المتجر خاصتهم ليقابل "محمود" الذي أغلق هاتفه تمامًا ليقنعه بالعودة، بعد أن أخبره بما أصاب والدته.

كما أجبرت هي على ما ترفض، رضخ "محمود" لطلب والده رغمًا عنه إرضاء لوالدته، فيبدو أن عمره سوف يسلب للنهاية لأجل إرضاء والديه والتنازل عن حقه بالحياة، فإن كان سيتخلى عن سعادته فيكفيه أنه سيفعل ذلك من أجلهما.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

حين تتوالى الأيام، نفقد بها جزء من روحنا، كما نكتسب جزء جديد، هكذا هي الحياة...

بعد مرور أسبوع كامل...

بأحد المطاعم الفاخرة بهذا الحي الشهير، امتلأت الطاولات هنا وهناك بالعديد من زائري المطعم، ورغم ذلك الزحام، إلا أن لم ينتبه أحدهم للآخر، كل يعيش في عالمه الخاص.

حتى هذان المغردان بأنغام العشق والمحبة، حيث جلس "سامح" بأناقة مميزة تليق بمرافقته الحسناء التي أسعدته بقضاء اليوم كاملًا معًا، وإنتهى بوجودهم بهذا المطعم لتناول طعام العشاء.
بقلم رشا روميه 

إرتدت "فرح" هذه المرة فستانًا بلون أرجواني مميز أظهر نعومة ملامحها وإشراقة وجهها ذو الضحكة الصافية، كانت تلك الضحكة المبتهجة كفيلة لجعل "سامح" يشعر بأن رغم محاوطته بعدد كبير من الناس، إلا أنه لا يرى ولا يسمع سواها، يكفيه الإنصات لصوتها العذب وهي تتحدث بكلماتها السريعة وروحها اليانعة كأزهار الربيع.

إرتسمت إبتسامة تلقائية فوق ثغرة وهو يستمع إليها حين تتحدث، فعذوية الكون كله وضعت بصوتها الرقيق وضحكتها العفوية.

عادت "فرح" بجذعها للخلف ثم عقدت ذراعيها متسائلة بطريقتها المازحة:
- هو إنت حتفضل ساكت كده، مش كفايه بقالك إسبوع مشغول يا حضرة الدكتور إللي مفيش منك؟

إعتدل "سامح" بأريحية وهو يجيبها بإعتذار:
- غصب عني والله، سامحيني، ما إنتِ شايفه طلع لي عمليات صعبه الإسبوع إللي فات ده، ومقدرتش أسيب المستشفى كتير.

لملمت شفتيها وهي تمدهما للأمام بطريقة طفولية ثم عقبت بشقاوة:
- يا خوفي من عملياتك دي، تخلي حد تاني يفتح ويشوفك، ما إنت تخصص عيون حلوه.

ضحك "سامح" وهو يمد رقبته للأمام قليلًا:
- ولا فيه أجمل من عيون الريم دول.

توهج وجهها بحمرة خجل من مغازلته اللطيفة، لتردف ببعض الجدية:
- عارف، حاسه إن دي أول مره أخرج فيها، وأول مره أروح مطعم.

- أحلى حاجه إنك حتعملي كل حاجه لأول مره معايا أنا، مش مهم إنك نسيتِ كل حاجه، بس وإحنا مع بعض حتكون كل ذكرى إحنا فيها سوا.

دارت بعينيها بأرجاء المطعم الفاخرة قائلة بإعجاب كما لو كانت تتهرب من مغازلته:
- حبيت المطعم هنا أوي.

تطلع بها "سامح" مطولًا بنظرات ولهة يدقق بكل تفاصيل وجهها الرائعة الحسن، ثم قال بهيام:
- بس أنا حبيتك إنتِ وبس.

زاد توهج وجنتيها لتجيبه بطريقتها المحببة:
- على فكره، بقيت تكسفني بكلامك أهو، بس عارف، أنا مش عارفه لولا وجودك في حياتي كنت حعيش وأكمل إزاي!!!

بدون تفكير أجابها هذا العاشق المنفعل:
- وهي محتاجه تفكير، حتكملي حياتك معايا طبعًا.

- أنا بتكلم جد.

عاد "سامح" لهدوئه المعتاد وهو يتطلع نحوها بتفكير لوهلة قبل أن يجيبها:
- عايزه الجد بقى، إحنا لازم نسافر السويس زي ما كنا عاوزين، أنا خلاص أهو، خلصت متابعة المرضى بتوعي بعد العمليات، وبقى عندي وقت نسافر، إيه رأيك؟
- يا ريت بجد.

- خلاص، بكره أقدم على اجازه ونسافر سوا نحاول نوصل لأهلك هناك.

بصيص من الأمل بدأ يدب بقلب تلك المتفائلة بهذا السفر، كثغرة بدأت تفتح شعاع الضوء ليخرجها من عتمتها، فربما تجد أهلها أو تصل إلى طريق يدلها على حياتها السابقة التي أصبحت لغز مظلم أمامها، لتأمل بأن تجد إجابات لكل التساؤلات بداخلها، وتدرك سبب سفرها مع والدتها، ولما لم يسأل أحد عنهم وعن غيابهم، وماذا تركوا خلفهم بمدينتهم البعيدة؟
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

أنت أعمق من كونك مجرد شعور وينتهي، فالخطيئة ليست قُربك، الخطيئة هي البعد عنك، فأنت الضياء الذي أتى به الفجر لينير عتمة تائه بظلام ليل طويل.
رشا روميه 

ألمانيا(مستشفى هايدلبرغ)..
كل يوم مر بهذا الأسبوع لم يكن عاديًا بل حمل الكثير من الوهن والألم وتداعي صحة "عزت" بشكل ملحوظ، زاد شراسة الفيروس وزاد هجومة على الكبد، فحتى مع وجوده بأكبر مستشفيات بالعالم، وإهتمام قام به أفضل طاقم طبي وتناول علاجه بإنتظام، إلا أن إرادة الله فاقت كل المحاولات بالعلاج.

لم يكن من "عزت" إلا الأمل، وما كان من "ليلى" إلا الدعاء لوالدها بالشفاء، رفضت تمامًا ما تراه بعينيها وتمسكت بأمل بأن يتم الله شفاؤه على خير وتخفيف آلامه.
بقلم رشا روميه 

بمكتب "نور" الخاص بالمستشفى...
تفكر كثيرًا بأمر حقيقة مشاعره تجاه "ليلى"، كذلك فإن الفترة الماضية كانت قد قربت بينهما بشكل ملحوظ، ورغم تخوفه من بعض ظنونه بإمكانية كونها على إرتباط بشخص آخر، والتي سببت تردده بعدم التصريح لها بمشاعره، إلا أن وضع "عزت" الصحي لم يكن مطمئنًا بالمرة، لهذا كان عليه أن يتخذ خطوة تقطع الشك باليقين.

لم يكن أمامه سوى أن يأخذ برأي صديقه الحاضر الغائب عنه، ليتصل "نور" بـ"كريم" على الفور:
- أخبارك يا "كيمو"؟ عامل إيه في الجوله بتاعتكم؟

- حبيبي يا "نور"، مش عارف أقولك إيه، دكتور "جوستاف" ده راجل آلي، ده مبيتعبش يا جدع، عمال يلف من بلد لبلد مش مريحنا خالص، المهم طمني عنك؟ والناس إللي معاك؟

تنهد "نور" ببعض الضيق، فيبدو أن العتمة أصبحت تدنو بقربها البطئ نحو نفسه القلقة:
- مش عارف أقولك إيه!! عم "عزت" حالته سيئه جدًا، أنا قلقان بجد.

تحلى "كريم" ببعض الجدية:
- حاسس منك بقلق!!! هي إيه الحكايه؟ إنت قولت لبنته ولا لسه؟

رفع "نور" حاجباه وأهدلهما مستكملًا بتخوف:
- الصراحه لأ، مجتش فرصه، وبعدين الراجل تعبان أوي، حاسس الوقت مش مناسب خالص.

ضحك "كريم" ساخرًا من "نور":
- يا خيبتك!!! لا، وعامل لي فيها الواد الجامد، ده "سامح" مطلعش لوحده بقى!!! ده أنا لو مكانك والظروف سمحت لي، يا لهوي، ده كنت أرجع دلوقتِ حالًا وأجيب أم عيون سود قدامي وربنا ما أحلها إلا لما أقولها بحبك ودايب فيكِ دوب.

تذكر "نور" مقصده وأنه ربما يقصد "ليلى" بحديثه، ليهتف به بغيرة واضحة وضيق أكبر:
- يووه، ما خلصنا بقى يا "كريم" من قصة البنت دي، يلا، يلا، شوف الدكتور بتاعك، أنا غلطان إني كلمتك أساسًا.

مال "كريم" ثغره بعبث وهو يعقب ساخرًا من صديقه، وربما متحفزًا له ليخطو طريقه حتى لو كان من ثغرة صغيرة ليصل لما يأمل:
- ماشي يا عم الحبْيِّب الصامت، بس خدها مني نصيحه، لو ما أكلتش الكريز، بكره ييجي غيرك يعمله عصير، إتلحلح يا أخويا، أنا لو كنت قريب منك كنت خلصت لك القصه دي مع الممرضه بتاعتك، بس أنا بعيد، فوق كده قبل ما الراجل يجرى له حاجه، ساعتها ولا حتقدر تفتح بوقك.

شرد "نور" متفكرًا بحديث "كريم" العبثي، والذي ربما يكون هو الحديث الصحيح الذي نطق به على الإطلاق، فما تأتيه الآن ما هو إلا ثغرة مضيئة بطريق حالك السواد، فإن لم يعبر خلالها فربما يخسر فرصته الوحيدة للعبور للسعادة.

إنتهت مكالمته مع صديقه ليهيئ نفسه بالتحدث بأمر قاطع مع "ليلى" اليوم، لا، ليس اليوم فحسب، بل الآن ودون تأخير.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليس كل السكون كلامًا، فهناك سكون كالنفس العميق الذي يؤخذ قبل الهجوم، إنه وقت مستقطع لجمع الشتات وترتيب الأوراق، لحظات من حبس الأنفاس، إنه هدوء ما قبل العاصفة.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي...
إن كانت تلك الأيام مرت لهذا الهدوء على هذا البيت، فليس معنى ذلك التقبل والرضا، بل كانت كل نفس تحمل ثورة مكتومة وضيق مُلغم، وسكون مترقب ينتظر ساعة التحول.

ولكن رغم تلك النفوس المشحونة إلا أن الجميع تظاهر بالرضا، رغم تجنبهم الحديث مع بعضهم البعض، الجميع يخشى أن يفضح أمره وما يتصارع بداخله فيفضل الصمت.

ليس الإيثار أن تفضل الغير طيبة الوقت وأنت تشعر بالظلم والقهر، الإيثار نوع من التضحية المحببة، فإن كانت بغير رضا تصبح قهرًا وتجبرًا، هكذا إرتضت "زهرة" بالبقاء، وهكذا عاد "محمود" للبيت، كلًا منهما كان يتنفس دون أن يحيا، موجود دون روح أو رضا، يعيشان بظلمة معتمة لكن مازال بداخلهما أمل بأن يجدا ثغرة ضئيلة تسمح لهما بالفرار منها، ورغم ذلك لم يقوى أي منهما إلا على الترقب بصمت.
بقلم رشا روميه 

سكون "جميلة" لتلك الأيام كان له أسباب خاصة، أولهما ألا تؤكد شكوك "محمود" بها، فما يظنه ما هو إلا مجرد ظنون، ليس لديه دليل أكيد أنها هي من حاولت التخلص من "زهرة"، لهذا كان عليها التحرك ببطء دون أن ينتبه أحد لها، فخطواتها هذه المرة لابد أن تكون محسوبة بدقة، فالخطأ هذه المرة سيفقدها كل شئ، فـ"محمود" بالكاد يتقبل وجودها، فلا حديث بينهما ولا حتى شجار.

كان يعاملها بغيظ وبرود بذات الوقت، يتجنب وجوده معها كما لو كان ينفر منها ومن وجودها، لكن هذا لا يهم، ما يهمها الآن، أن تتخلص من تلك البغيضة، فقد تحول تفكيرها بأن إختفاء "زهرة" من الوجود هو ما سيعيد لحياتها الهدوء والإستقرار والمكسب أيضًا.

إتجهت منذ بضعة أيام بخطوة أكثر غلاظة وفظة من سابقتها نحو أحد الأطباء معدومي الضمير وأغرته بالمال ليصف لها سُم قاتل شديد التأثير، خاصة بعدما حددت تفاصيل يوم "زهرة" الروتيني الذي لا يتغير.

فهي تستيقظ مبكرًا لتساعد في تحضير الطعام بالصباح ثم تعود لغرفتها دون تناوله معهم، وبعد مغادرة "محمود" و"زاهر" للمتجر تعود لتنظيف المنزل وترتيبه، ثم إعداد طعام الغذاء ومراعاة الصغار مع "فردوس"، وقبل تجمع الأسرة لتناول طعام الغذاء تتناول "زهرة" لقيمات بسيطة كوجبة الغذاء حتى لا تشاركهم بها وتقرير بعد ذلك الإنزواء بغرفتها حتى صباح اليوم التالي.

بمكر واضح وضعت "جميلة" خطتها هذه المرة معتمدة على الثغرة بحياة "زهرة"، فهي تتجنب تواجد العائلة وتفضل بقائها بغرفتها بأي تجمع، وتلك هي فرصتها بالتأكيد.

فما تسعى به "زهرة" ظنًا منها أنها ستتجنب به المشاكل عن طريق الوحدة والبقاء بغرفتها، هي الثغرة التي كانت تسعى إليها "جميلة"، فإن وضعت لها السُم بالطعام أثناء إنشغالها فلن يشعر بها أحد حتى صباح اليوم التالي، وبالتأكيد ستكون قد فارقت الحياة، وتخلصت من كابوسها الأبدي المسمى بـ"زهرة".
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليس بالضرورة أن يأتي الشر بالصخب، بل غالبًا ما يصاحبه عتمة تفكير، وفي لحظة الحسم لا يعود الشر مجرد فكرة، بل جريمة واقعة بشكل حقيقي لا يمكن التراجع به.
رشا روميه 

حين حل المساء وإنتهت "زهرة" من طهي الطعام بإرهاق شديد كالعادة، حتى أن هذا الدوار أصبح لا يفارقها طيلة الوقت، وضعت القليل من الطعام بطبق لها فعليها تناوله قبل عودة "محمود" و"زاهر".

هروبها من لقائه كان أشبه بخروج السمكة من البحر، تختنق حتى الموت دون أن تنطق، عيون ثابته وسكون تام، هكذا مضت الأيام السابقة، وعلى مثيلاتها القادمة أن تفعل أيضًا، فقط يمر الوقت المتبقي من عدتها ثم تطالبهم بالرحيل.

وضعت طبقها فوق صينية بالمطبخ حين فاجئتها "جميلة" من خلفها:
- يا "زهرة"، إنتِ فين؟ مش تكلمي مرات عمي، بقالها كتير أوي بتنادي عليكِ، إنتِ مش واخده بالك ولا إيه؟!

إتسعت عينا "زهرة" بإندهاش، فهي بالفعل لم تنتبه لنادئها:
- معقول!!! مسمعتش خالص، طيب أنا حروح لها على طول.

- أيوه شوفيها كانت عايزه إيه، هي في أوضتها...

بإيمائة خفيفة عقبت "زهرة" قبل أن تخرج من المطبخ متجهة لغرفة "فردوس"، طرقت الباب بخفة لتطل برأسها من خلفه، وجدتها تصلي العشاء لتعتدل بوقفتها بداخل الغرفة في إنتظار إنتهائها من أداء الصلاة أولًا لترى فيما كانت تريدها.

إنتظار قليل حتى إنتهت "فردوس" لتسألها "زهرة" بهدوء:
- كنتِ بتنادي عليا يا ماما؟

تطلعت "فردوس" بملامح "زهرة" البريئة بإبتسامة بسيطة، ثم اجابتها بلطف:
- لا يا حبيبتي متحرمش منك.

رفعت "زهرة" كتفها قليلًا ثم أهدلته، وبحسن نية ظنت أن "جميلة" ربما إختلط الأمر عليها لتردف بتقبل:
- يمكن "جميلة" إتهيئ لها بقى ولا حاجه.

تظل الخديعة خديعة حتى لو لم يدرك من غُم عليه الأمر، فلا تظن أنك لم تفضح مهارة منك، بل لغاية يعلمها الله، فهو يحسن التدبير.

بتلك الأثناء انتهزت "جميلة" غياب "زهرة" وأخرجت عبوة صغيرة من جيبها لتسكب محتواها بالكامل فوق طبق "زهرة" الذي أعدته منذ قليل، وضعت العبوة الفارغة بجيبها مرة أخرى لتسرع بخطوات متسارعة للخروج من المطبخ حتى لا تأتي "زهرة" وتكشف خطتها.

لكن خطواتها السريعة حين إستدرات بشكل مفاجئ جعلها تصطدم بإبنتها "إسراء" لتزمجر بإنفعال:
- خضتيني، تعالي معايا.

سحبتها "جميلة" من ذراعها لتعود للغرفة الصغيرة حيث تلعب إبنتها الصغرى قبل أن يكشف أمرها، وبدأت تطعم إبنتيها مدعية الإنشغال بإطعامهم منذ بعض الوقت.

عادت "زهرة" لتحمل طبقها وتتناول طعامها ثم إتجهت لغرفتها مباشرة قبل عودة "محمود" و"زاهر" من الخارج.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مع ترك سهم الهوى ثغرة بقلب المحب فعليك إستغلالها للعبور من خلالها، فإنها فرصتك للنجاة، إسترد زمام حياتك قبل أن يفوت الأوان، فالخطوة الأولى هي الأصعب لكنها الوحيدة التي تصنع الفارق.
رشا روميه 

مستشفى هايدلبرغ - ألمانيا..
خرج "نور" من غرفة أحد المرضى بعد مرور دام لأكثر من نصف ساعة، عاد لغرفة "عزت" الذي إستلقى فوق سريره الأبيض مستغرقًا بالنوم بعد حصوله على جرعة مكثفة من الدواء المعالج والمسكنات أيضًا.

وقع بصره بالتأكيد حين دلف للغرفة بتلك الجالسة إلى جواره، فمازالت تخطف نفسه وعيناه حينما تكون متواجدة بمكان ما، فلها طاقة استثنائية رائعة، لكن تلك المرة إستوقفه تلك النظرات الحزينة التي إستوطنت سوداوتيها بقوة، إبتلع كلماته وهو يقف بصمت، فما عادت كلماته الملطفة لها معنى، فحالته واضحة للجميع، لكنه مشفق للغاية على تلك الوحيدة، التي تتمنى أن يعود لصحته وقوته مرة أخرى.

لكنه بالنهاية همس برجاء:
- أرجوكِ يا "ليلى"، بلاش الحزن إللي إنتِ فيه ده.

أطلقت لحزنها العنان دون إخفاء، لتجيبه وهي تنظر نحوه والدها بتحسر:
- هو كل إللي باقي ليا في الدنيا، ماليش غيره ولا هو كمان له غيري، أيوه كان قاسي أوي، وبعيد عني أوي أوي طول عمري، بس هو في الآخر والدي وماليش غيره في الدنيا.

دارت عيناه بين عينيها الحزينتين، لتنطلق كلماته دون حساب أو تفكير، فيكفيه ما يقيد به نفسه، فعليه التحرر من أغلاله التي يضعها ويترك العنان لقلبه بأن يتحرك هذه المرة، فليس العقل على دراية دائمًا، فبعض الأحيان علينا التخلي عن الحذر والخوف، لنُقبِل على الحياة ونستمتع بها، ليجد نفسه قائلًا بهيام:
- إنتِ مش لوحدك، أنا معاكِ.

لم تصدق ما سمعته أذنيها للتو!! هل نطقها أخيرًا؟! 
رفعت عيناها بتفاجئ تحاول التأكد مما يقصده بالضبط، فلعله يقصد المؤازرة لا أكثر، لكنها قرأتها بعينيه بالفعل، فقد لفظ الكلمة من قلبه بالفعل.

هل تتبسم العيون؟ فما كانت من نظراتها نحوه بعد أن كانت حزينة منكسرة لأخرى مفعمة بالحياة والسعادة، كانت كإشارة خفية بأن يكمل حديثه، ضوء خافت من ثغرة معتمة بدأ بالظهور، ليجد نفسه يهمس بشكل تلقائي:
- ما تسيبيه يرتاح شويه، وننزل الكافيه بتاع المستشفى، أنا كنت عاوز أتكلم معاكِ في موضوع مهم.

أومأت "ليلى" بإستجابة وهي تنظر لوالدها لمرة أخيرة كما لو كانت تستأذن منه للمغادرة:
- تمام.
بقلم رشا روميه 

دقائق قليلة ترقب بها كل منهما الوصول لتلك القاعة الجانبية بالمستشفى والتي كانت تضم عدد قليل بهذا المساء من روادها، أشار "نور" نحو طاولة هادئة قائلًا:
- تعالي هناك، عشان بعيد عن مدخل الكافيه، ونقدر نتكلم براحتنا.

أجابته "ليلى" بإبتسامة بسيطة، ثم إتجها نحوها، إلتفت "ليلى" نحو أحد المقاعد لتجلس أولًا، فما تشعر به من إضطراب جعلها تتوتر للغاية، فقد دار بمخيلتها حديث سيدور معهما كانت بالفعل تتوق لسماعه.

جلس "نور" بالمقعد المقابل لها وهو يسحب شهيقًا طويلًا ليستعد لما إتخذ القرار بشأنه، فيكفيه تراجع وخوف، يجب أن يصارحها بشكل مباشر بمشاعره، وعليها الإختيار.

حاولت بالبداية أن تُظهر رزانتها وقوتها اللا مبالية، لتنتظر أن يبدأ حديثه مدعية عدم إدراك ما وراء ما سيخبرها به، لن توضح لها أنها تنتظر بشوق سماعها لإعترافه لها، لتتشكك بالأمر مرة أخرى، فربما يريدها لشئ آخر.

رفعت وجهها دون إظهار أي تعبير على ملامحها ليبدأ "نور" حديثه بشكل مباشر، ودون تردد:
- بصي بقى يا "ليلى"، أنا مش من النوع بتاع المقدمات والشرح، أنا عندي أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، عشان كده، أنا حدخل في الموضوع على طول.

طريقته الجدية جعلتها تتراجع عن ظنها، لتجيبه بجدية مماثلة، وإنتظار لما سيخبرها به:
- سمعاك، إتفضل.

حاول التهرب بالبداية من عيونها ذات النظرة القوية، تلك النظرة التي تسبب له التيهة وعدم التركيز، لكن للوهلة الأولى التي بدأ بها حديثه معها، تسلطت عيناه على خاصتيها بقوة، كما لو أن هناك جسر ما يوصل بينهما من مجرد نظرة عين:
- مش حكدب عليكِ، أنا بصراحه شوفت فيكِ أكتر من اني بشوف بنت جميله وبس، أنا أعجبت جدًا بأخلاقك وبتصرفاتك، وبصراحه أكتر أنا بتمنى إنك تكوني بالنسبه لي أكتر من مجرد زميلة عمل.

نعم سيقولها، سيطرب بها أوتار قلبها المشتاق، كتائهة بالصحراء ووجدت بئر ماء عذب سيروي عطشها وينبت الأزهار بحياتها القاحلة، إبتلعت ريقها بإضطراب شديد، فقد تعالت ضربات قلبها بقوة.

ألم تكن تتوقع ذلك؟! فما الذي تبدل لترتجف بتلك الدرجة؟! فيبدو أن وقع كلماته على أذنيها في الواقع أجمل بكثير مما حلمت به. 

حاولت إخفاء هذا التوتر وتوقع ما سيقول لتسأله بما تدرك إجابته، لكنها تريد سماعه وبشدة:
- مش فاهمه، تقصد إيه؟

تناسى "نور" ما كان يفكر به، تلاشت تمامًا صراعاته بين قلبه وعقله التي أرهقته منذ رؤيتها، أطلق العنان لمشاعره أن تتحرر من قيود سجن كتمانه المؤلم، نظراته العاشقة نطقتها قبل شفتيه، لكنها تتوقت لسماعها من بينهما:
- "ليلى"، أنا عايز أرتبط بيكِ وأتقدم لك، عايزك تكوني معايا في كل لحظه تمر بحياتي، "ليلى"، أنا بحبك وعايز اْتجوزك.

يا لقسوة الحياة التي تعطيك درسًا مجانيًا ببهتانها، حتى يأتيك من يبهج الكون بألوان لم تكن تظن بوجودها، لقد قست وكادت تشق النفس لشطرين لتأتي كلمة "أحبك" لتضمد جراح ما كان يُظن ألا شفاء لها.

بكلمة نطقها أعاد الروح ونبض القلب لمن كانت تحيا بلا روح، لقد علمت كيف هو الإحساس بكلمة يتراقص فرحًا، إنها تشعر بأن قلبها ينتفض بقوة داخل صدرها، يتمنى لو يشق طريق عتمته ويتراقص من فرط السعادة، زاد بريق وميض عينيها السوداوتين، لقد فتح أمامها الطريق وعليها خطو أول خطوة به، ستتقدم ولن تتراجع.

لملمت إبتسامتها التي إتسعت لحظة إعترافه المتأخر، لتجيبه ببعض الخجل:
- أنا كمان.

أطرق "نور" بأذنيه وهو يميل قليلًا للأمام محاولًا حثها على الإفصاح عما تخبئه بداخلها أيضًا:
- وإنتِ كمان إيه؟

نكست رأسها بخجل وقد توهج وجهها بقوة لتجيبه بأنفاس متلاحقة من شدة إضطرابها:
- أنا كمان، اااا، أنا كمان بحبك، لكن!!!!

إقتطبت جبهته بتوجس مما ستقوله ليسأله بتخوف:
- بس إيه؟ فيه حاجه تمنع إرتباطنا؟؟!!!!

حركت رأسها بالنفي لتوضح مقاصدها:
- لأ، أنا قصدي بابا، لازم بابا يوافق الأول.

زفر "نور" بقوة، فقد أثارت أكثر مخاوفه، ليس رفض "عزت"، بل سوء حالته وتدهورها:
- تعرفي إن عم "عزت" هو أكبر سبب إني إتأخرت في اني أصرح لك باللي جوايا، كنت مستني على أمل إن حالته تتحسن شويه، لكن حالة باباكِ دلوقتِ وخوفي إنه يتعب أكتر، خلاني مقدرش أستنى أكتر من كده، كمان كان جوايا شوية لخبطه وأسئله ملهاش إجابات، لكن مقدرش أقعد أفكر وبس، كان لازم آخد خطوه وأطلب إيدك، وأشوف رأيك بصراحه، "ليلى" أنا عايزك جنبي وعايز أبقى جنبك، ومقدرش أستنى أكتر من كده، ها قولتي إيه؟

واضح عقلاني ومرتب للغاية، طلب لا يمكن رفضه، بل عليها إقتناص فرصتها والعبور ولو من ثغرة ضئيلة لتخرج إلى النور، إلى السعادة التي تأمل بها، أومأت "ليلى" برأسها عدة مرات:
- أنا موافقه، بس لازم أعرف رأي بابا الأول.

تهلل وجه "نور" بإشراقة مبتهجة ليتنفض واقفًا:
- خلاص، أنا حطلع له حالًا دلوقتِ.

لحقته "ليلى" وهي تبتسم بعذوبة أطاحت بثباته قائلة:
- إستنى بس، أنا عايزه أقوله الأول.

عادت روحه المرحة التي غابت عنه منذ تفكره بأمر "ليلى"، ليردف بتعجب رغم مزاجه اللطيف:
- أفندم!!! يعني إيه؟! حتيجي إنتِ تطلبي إيدي ولا إيه؟!!

تعالت ضحكتها الرقيقة التي سلبت عقله وكاد قلبه يخترق صدره من عفويتها وسحرها الإستثنائي وهي تجيبه بنبرة ضاحكة يسمعها لأول مرة:
- أكيد لأ.

- يبقى خلاص، لازم أنا إللي أكلمه، لو تعرفي كنت مستني اللحظه دي بقالي قد إيه، ده أنا مستنيها بفارغ الصبر من يوم ما شوفتك.

دفعت كتفها الأيمن بحركة طفيفة، لكنها ناعمة للغاية، خيالية كحلم لم يكن يظن أنه سيحصل عليه، حتى بأبسط ردود أفعالها هي فريدة من نوعها، آخاذة للقلوب بنعومة وعذوبة رغم الظروف المحيطة بها، مالت برأسها برقة قائلة بنبرة مبتهجة:
- خلاص، زي ما تحب، طالما إنت عاوز كده.

- ده اليوم إللي بتمناه بجد، إننا نكون لبعض، ومنتفرقش عن بعضنا تاني.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت عائلة مكاوي (غرفة زهرة)...
الآلام تتوالى دون حساب، فبعض الآلام تأتي يمكن تحملها، وبعضها نتغاضى عنها، وبعضها تقتلنا، لكن أشدها فتكًا التي تأتي غدرًا دون أن نحسب لها حساب.
رشا روميه 

إعياء شديد جعل "زهرة" تلتقط أنفاسها المتقطعة بصعوبة، حالة غريبة من الدوار وبردوة الجسد جعلتها تجلس بموضعها تتحامل ألم تلك التقلصات المتزايدة منذ تناولها للطعام، حاولت لأكثر من مرة إيهام نفسها بأنها بخير، وأن ما تشعر به مجرد تقلصات عابرة وسوف تنتهي.

كل دقيقة تمر كانت أوجاعها تتزايد، شعرت بأن روحها تسحب منها بالبطئ، زاغت عيناها هنا وهناك تبحث عن شئ يخفف هذا الألم وهذا الشعور بإنطفاء الروح، زاد الأمر برغبة شديدة بالتقيؤ.

حاولت إبتلاع ريقها وإجبار نفسها على التحمل لبعض الوقت، لكن يبدو أن الأمر أشد من إستطاعتها، وقفت من جلستها تتجه نحو المرحاض وهي تئن من الألم الذي أصبح كطعنات الخناجر بمعدتها، وضعت كفيها فوق بطنها وهي تتسارع بخطواتها نحو المرحاض لترفع كفها نحو فمها تمنع نفسها من التقيؤ.

خرجت من الغرفة تجاه المرحاض القريب وقد إرتعش جسدها بقوة إثر ذلك الإحساس بالبرودة الشديد، لحظات دارت بها الأرجاء من حولها، لينطفئ هذا الشعاع الوحيد الذي كان ينير حياتها، لتضمحل رؤيتها ويغشى الظلام على عينيها تمامًا، لتسقط فجأة أرضًا فاقدة للوعي.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى هايدلبرغ - ألمانيا...
صعد "نور" لغرفة "عزت" مباشرة، فقد إتخذ خطوة لا يمكنه التقاعس بعدها، فعليه ألا يتأخر بطلبه للزواج من "ليلى" فهو لا يدري ماذا يخبئ لهم القدر.

تقدم "نور" نحو "عزت" ليطمئن على صحته أولًا، ومن حسن حظه أنه قد استيقظ للتو من نومه، تأهب لأن يبدأ حديثه معها بشكل مباشر وواضح، حتى لا يرهقه بالحديث المطول:
- عم "عزت"، أنا عارف إنك تعبان بس، أنا جيت عشان أطلب منك طلب مهم أوي بالنسبه لي، ومقدرش أأخره اكتر من كده.

حرك "عزت" رأسه بإعياء شديد كإيمائة منه لحثه على الاستكمال، ليكمل "نور":
- عمي أنا طالب منك إيد "ليلى"، وأتمنى إنك توافق.

تجلت شبح إبتسامة باهتة فوق ثغر "عزت"، فيبدو أن القدر يأخذ بيده ليطمئن على إبنته الوحيدة، حاول التحدث لكنه بالكاد إستطاع تحريك عينيه بالموافقة مع جفل جفنيه لوهلة، فقد أضاء له "نور" عتمة ما بقي من حياته ليدب السكينة بقلبه، فقد وجد من ينتبه لإبنته من بعده.

موافقته المتعبة كانت هي الحياة لـ"نور" الذي إبتهج بسعادة حقيقة ليهتف بحماس:
- ألف شكر يا عمي، أنا أوعدك إنها ستكون في قلبي وعيني، وبإذن الله ربنا يتمم شفائك على خير يا رب ونفرح كلنا سوا.

أسرع "نور" يطوي الأرض تحت أقدامه للحاق بـ"ليلى" ويزف إليها خبر موافقة والدها، لكنه تذكر أنها تركته منذ قليل لتعود للمسكن، ليعود أدراجه نحو غرفة الأطباء خاصته ليستكمل عمله.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت عائلة مكاوي...
تسير الأقدار كما كتب لها، سواء إرتضيت بذلك أو رفضته، فالقاء قدر، والفراق قدر، والخسارة قدر، والمكسب أيضًا قدر، فكل يسير وفق خط مرسوم بدقة مهما حاولنا تجنبه.
رشا روميه 

بعد تناول وجبة العشاء وجلس "زاهر" برفقة ولده وزوجته بغرفة المعيشة، في حين أعلت "جميلة" من صوت التلفاز تتصنع الإهتمام بهذا البرنامج المعروض بالخصوص، وحين وجدت الجميع منتبه له، سحبت إبنتيها وصعدت لشقتها، أمر متكرر في إنتظارها لنتيجة خطتها المُحكمة هذه المرة، فاليوم لن تخطئ ولن تفشل ككل مرة.
بقلم رشا روميه 

ضيق "زاهر" جبهته متسائلًا بإستغراب:
- سمعتوا حاجه؟!!

أمسكت "فردوس" بالريموت كنترول الخاص بالتلفاز لتخفض من صوته العال قليلًا وهي تتسائل بعدم فهم:
- حاجه زي إيه يا "أبو محمود"؟

نظر "زاهر" تجاه الباب يطالع الفراغ:
- مش عارف، زي ما يكون حاجه هبدت على الأرض.

أنصتت "فردوس" قليلًا قبل أن تجيب:
- مفيش حاجه، مسمعتش أي حاجه، صوت التليفزيون كان عالي أوي.

كما أنصت "محمود" بتركيز فربما ينتبه لأي صوت كما يقول والده:
- مش سامع حاجه، كان جاي منين الصوت يا حاج؟

- من ناحية الحمام إللي جوه.

نهض "محمود" ليطمئن على الأوضاع، وأن كل شئ على ما يرام:
- حروح أشوف فيه إيه.

مر أولًا بغرفة "زهرة" ليجد بابها مفتوحًا وهي خاوية، ليلتفت نحو المرحاض القريب الذي أُغلق بابه، ليدرك بما لا يستدعي الذكاء، بأن "زهرة" بداخل المرحاض، أمر عادي وارد الحدوث.

إستدار ليعود لغرفة المعيشة لكن صوتًا ما جعله يقف بموضعه، صوت كإنذار إلهي بأن هناك شئ ليس طبيعيًا، فلكل شئ قدر، وربما يسخر لنا الله بعض الأشياء والأشخاص لينفذ قدر محتوم، فحين يقدر لك الأذى لن يحميك برجك العالي، وإن كتبت لك السلام سينقذك الله حتى لو كنت بداخل بطن الحوت.

أنين ضعيف إستمع له "محمود" بالصدفة أثناء عودته، صوت لا يكاد يُسمع، دنا برأسه يستمع برفق من خارج باب المرحاض، ليشك بالأمر بالبداية، فهل بالفعل إستمع لصوت ما، أم أن ما سمعه هو ضرب من الخيال.

لم يستمع لشئ مرة أخرى، لكن هاجس بداخله جعله لا يشعر بالراحة، ليسأل برفق:
- "زهرة"، إنتِ كويسه؟

تلك اللحظات الصامتة كانت قاتلة، سكون دي بقلبه الفزع ليعيد سؤاله بنبرة متخوفة:
- "زهرة"!!!! ردي عليا، إنت بخير؟

عاد السكون مرة أخرى، لتتسارع دقات قلبه المتمردة بتخوف، لتتخبط الأفكار برأسه ويثير الشيطان بنفسه القلق، ليعلي من صوته وهو يطرق باب المرحاض لتنبيهها، فلن يكتفي بمجرد نداء:
- "زهرة" لو سمحتِ ردي عليا، عايز أطمن عليكِ، إنت كويسه؟

لم يتردد بالركض تجاه والدته فقد تعمق القلق بقلبه، فبالتأكيد قد أصابها مكروه ما، هتف "محمود" بوالدته بوجه شاحب وصوت مرتجف:
- إلحقيني يا أمي، "زهرة" في الحمام وشكلها فيها حاجه، ومش بترد عليا خالص.

أسرعت "فردوس" بخطواتها رغم بطء حركتها صارخة:
- بنتـــــــــي!!!

ما لحظها العثر الذي يوقعها بألم بعد آخر، ومصيبة تلو الأخرى، كما لو أن بينها وبين الحظ العثر رابط لا يمنحها به القدر راحة.

وقفت "فردوس" أمام المرحاض تطرق الباب عدة طرقات متتالية بتوتر، وهي تهتف بتخوف:
- "زهرة" إفتحي يا بنتي، طمنينا بس!!!

طرقات وهتاف وطلب للإطمئنان، لكن لا جدوى، الصمت هو من يتحدث بتلك اللحظة، لتنظر "فردوس" تجاه ولدها بنظرات قلقة تطالبه بأن يدلها على التصرف السليم، نظرات فهمها "محمود" على الفور ليشير تجاه الباب بدون تردد:
- إفتحي يا أمي الباب، مش حنفضل واقفين بالشكل ده!!! أكيد تعبانه جوه.

تمنى لو كان له الحق بتحطيم هذا الباب الذي يقف عازل بينهما ليطمئن عليها، فما كان سيتردد للحظة بكسر كل الحواجز التي تفصلها عنه، فقط لو كان له الحق، لكان أطبق عليها جفناه ولم يتركها للحظة من دونه، فقط لو له الحق.

لكنه قصير اليد مكبل الأطراف، لا يمكنه أن يقتحم هالتها فهي مازالت غريبة عنه، تعالت أنفاسه وهو يتراجع نحو زاوية لا تكشف ما بداخل المرحاض تاركًا والدته تفتح الباب أولًا، لكن عيناه المترقبتان من بعيد تنتظر فقط إشارة منها لتطلب منه العون.

صرخة والدته بإسم "زهرة" كادت أن توقف دقات قلبه بالفعل، لم يقوى على التحرك لخطوة واحدة حتى صاحت والدته:
- يا "محمود"، تعالى بسرعه إلحق "زهرة".

عبارة كان متأهبًا لسماعها، ينتظر أن تتفوه لها والدته لتسمح له بالقدوم، أسرع نحو المرحاض لتتسع عيناه بهلع وهو يرى "زهرة" ملقاة أرضًا بسكون تام للمرة الثانية.
بقلم رشا روميه 

هوى قلبه أرضًا حين تطلع نحو جسدها الساكن ووجهها الشاحب، إقترب منها بتلهف وتخوف يناديها بنبرته المرتجفة:
- "زهرة"، "زهرة"!!!!!

لم تستجب ولم تستفيق، بل بقيت غائبة عن الوعي، حاول "محمود" إفاقتها بقلب متلهف، لكن بدون فائدة، لم يجد بُد سوى أمر واحد، وسيتغاضى لأجله عن كل شئ لأجل إنقاذها.

وقبل أن يتسائلا ويندهشا، دنا "محمود" تجاه "زهرة" ليحملها بين ذراعيه القويتين كعصفورة صغيرة، فلن ينتظر لأكثر من ذلك حتى تسوء حالتها أكثر، وربما يفقدها، فلن يسمح لنفسه بأن يتوانى عن اللحاق بها.

حملها بخفة ليخرج على الفور من البيت ليضعها بالسيارة، لحقت به "فردوس" و "زاهر" لينطلق دون تباطؤ نحو أقرب مستشفى لفحصها ومساعدتها فلا يدرون ما حل بها الآن.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

صفقات بخسة، تلك التي يقدم بها النفيس مقابل اللاشئ، أن تبيع اللؤلؤ مقابل الحصى، بل وتزهد من ثمنه أيضًا.
رشا روميه 

شقة خليل زيدان...
ترحيب حار مبالغ به، ابتسامات مزيفة تمامًا كمشاعرهم وقلوبهم، هؤلاء من تجمعوا بهذا المساء ببيت "خليل" و"سمية"، وبكرم وحفاوة لم تمر بهم من قبل هللت "سمية" بلطافة حديثة عليها ترحبيًا بضيفهم:
- والله ده بيتنا نوّر النهارده يا "أبو نصار".

إعتدل هذا الرجل الخمسيني الممتلئ، ثم أكمل بعنجهية لا تناسب ملامحه الفظة أو طريقته السوقية، فهو رجل ذو ثراء ومال، تاجر له سيط ذائع وفقر تعليمي، رجل يعلم أن للمال قوة لا يقوى عليها أصحاب العضلات المفتولة، يستطيع شراء كل ما يتمناه، ولا شئ يقف قباله أو يعارضه، فحين يأمر يطاع، وحين يريد يدفع بسخاء ويحصل على ما يريد.
بقلم رشا روميه 

وضع كوب العصير فوق الطاولة وهو يسمح كفيه السميكان بعضهما البعض كمن يتمم بيعة بكلمته النهائية بعد إتمام التفاوض:
- متشكرين يا ست "سمية"، ها قولت إيه، نقرا الفاتحه؟

أنهى عبارته وهو ينظر نحو "خليل" بأعين ممتلئة بنظرات آمرة، وليس طلبًا أو رجاء، فيما إضطرب "خليل" للحظات، فقد شعر بالتعجل من هذا الأمر، خاصة وأن "زهرة" مازالت بعدتها ولم تنتهي منها بعد، ليجيبه بنبرة مترددة:
- بس، مش لما تيجي "زهرة" هنا البيت الأول، نبقى نقرا الفاتحه، ولا إيه؟

حدجت "سمية" زوجها بنظرات لاذعة حادة للغاية، فتخوفه وتردده هذا سيفقدها مكسبها الجديد، إنها الثغرة التي ستعبر من خلالها لطريق الثروة بعد عنائها مع "خليل" وإبنته بحياتها المعتمة، عليها إستغلال هذا المعبر المظلم لتصل لغايتها، لكن يبدو أن "خليل" سيفسد الأمر عليها مرة أخرى، ألا يكفيها أنها لم تنال من ميراث "زهرة" بعد موت "أنور".

ما بين نظرة حادة غاضبة وإلتفاتة تملؤها الإبتسامة الصافية والسعادة المزيفة تجاه "أبو نصار"، هتفت "سمية":
- جرى إيه يا "خليل"، وهي "زهرة" حتكسر كلامك برضه!!!! الراجل جه لحد عندنا عشان ياخد كلمه، وبيدفع لك المهر مقدم أهو، تقوم تكسفه كده!!!

نظراتها القوية جعلته يتراجع ليعدل من كلماته برضوخ تام:
- لا لا طبعًا، وأنا أقصد برضه، بس كنت بقول لما تيجي كنا نقرا الفاتحه يعني.

رفع "أبو نصار" حاجبه وهو يرمق "خليل" بنظرة دونية رغم أنه أكمل بإبتسامته المزيفة أيضًا، فلأجل تلك الجميلة سيتغاضى عن أهلها الطامعين، ليردف بمجاملة متكلفة:
- إنت الخير والبركه بقى.

ليرفع ورقة الضغط الرابحة التي يستغلها بمهارة مستكملًا حديثه وهو يضع كفيه فوق الأوراق المالية الموضوعة فوق الطاولة، كتهديد بالإنسحاب:
- ولا آخد المهر وأتكل أنا على الله دلوقتِ!!!

أسرع "خليل" بوضع يده فوق النقود الموضوعة أمامه فوق الطاولة، فتردده كاد يخسره هذا المال:
- وده كلام برضه، "زهرة" ليك يا بيه، وأدي الفاتحه، إقري يا "سميه".

رفعت كفيها بإبتسامتها المائلة وسعادة حقيقية تلك المرة، فلقد حظيت بمال وفير، ومازالت ستحصل على أضعافه من وراء تلك الزيجة التي لم تخطر لها على بال.

كيف تُدنس تلك الكلمات الطاهرة بهذا الإتفاق المجحف، لأسيرة لا علم لها بما يبيعون ويشترون بها، هي ثمن لمقايضة خاسرة، سيبيعون بها جوهرة نفيسة بحصى بخس.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الأمل...
توقف "محمود" بسيارته أمام المستشفى ليهرع المسعفين نحوهم ليضعوا "زهرة" فوق أحد الناقلات المتحركة، ليدفعوا بها لغرفة الطوارئ بدون تأخير.

قلق دب بقلوب ثلاثتهم فحين وصلت "زهرة" للمستشفى وتم فحص النبض الخاص بها قد ضعف للغاية، حتى وجهها الشاحب وشفتيها إكتسبا لون أزرق بشكل مفجع.

أخذت "فردوس" تتمتم بتخوف:
- أسترها يا رب، أسترها يا رب.

أخذ "محمود" يطقطق بأصابعه بقلق وهو ينظر نحو باب غرفة الطوارئ دون أن يحيد بعينيه عنها، لعل الطبيب يخرج ويطمئنهم عن حالها الغير مطمئن بالمرة.

مرور الوقت أصبح بطئ للغاية، قاتل لنفوسهم المنتظرة بترقب، حتى فُتح باب غرفة الطوارئ ليظهر هذا الطبيب الذي إمتعض وجهه بقوة، تطلع به "محمود" بأعين فزعة لتتسارع أنفاسه فقد شعر بأن الهواء إنسحب من رئتيه بقوة، خاصة عندما نكس الطبيب رأسه قائلًا:
-...................ـ

تعليقات