رواية قلوب لا تعرف الحب الفصل الثالث
تلبّدت سماء القصر بأعمدة من السحب الرصاصية، وكأن الطبيعة تتأهب لعاصفة لا تبقي ولا تذر. كان الصمت الذي يتخلل الممرات لم يعد صمتاً عادياً، بل صمتاً ثقيلاً مشحوناً بالترقب، كالهدوء الذي يسبق الانفجار.
في الجناح الشرقي، كانت "رغد" تقف أمام المرآة الكبيرة. لم تكن ترتدي فستان زفاف أبيض، ولا طرحة مطرزة بالدانتيل؛ بل اكتفت بفستان بسيط بلون الكحلي الهادئ، يلف جسدها بحياء وقوة في آن واحد. كانت نظراتها ثابتة، غاب عنها الضعف والخوف الذي اعتاد الجميع رؤيته في عينيها. أدركت أن دخولها هذا الجناح لم يعد مجرد "زيارة عابرة" أو "عطف لمريض"، بل أصبحت الخط الدفاعي الأول والأخير عن حياة إنسان يُقتل بالبطيء.
دخلت "رنيا" الغرفة، ترتدي فستاناً أنيقاً وكعباً عالياً يُصدر صوتاً متكبراً على الأرضية الرخامية. وقفت خلف أختها، وعيناها ترمقانها بسخرية جافة، وقالت وهي تكتف يديها:
"مبروك يا عروسة.. معلش بقى، مالقتش داعي للزغاريد والفرح، الظروف زي ما أنتِ شايفه.. عريس علي كرسي متحرك وغائب عن الوعي. بس يلا، أهو اسمك بقيتي من عيلة 'الألفي'."بس ياخساره اتجوزتي بدون فرح او زفه
التفتت إليها رغد ببرود، ونظرت في عينيها بثبات أربك رنيا قليلاً:
"الفرح مش بالفستان ولا بالزغاريد يا رنيا.. الفرح لما تكوني داخلة مكان ونفسك طاهرة، مش بايعة ضميرك عشان شوية فلوس وجاه زائف؛
قطعت رنيا حاجبيها بغضب، واقتربت منها بهمس حاد:
"إياكي تصدقي نفسك! أنتِ هنا مجرد لعبة.. خدامة برتبة زوجة، هتقعدي تحت رجلين عاجز، وأنا اللي هحرك القصر ده كله بكلمة مني ومن عامر. خليكي في المسكنات بتاعتك يا رغد، وعيشي الدور، بس لو فكرتي تدخلي في اللي مالكيش فيه.. صدقيني هتدفعي التمن غالي."
ابتسمت رغد ابتسامة هادئة، مليئة باليقين، وقالت وهي تتخطاها متجهة نحو الباب:
"الأيام بيننا يا رنيا.. والظالم بيفتكر إنه ملك كل حاجة، لحد ما ربنا يوريه إن كل اللي بناه كان من قش."
في الأسفل، وفي مكتب "عامر"، كانت الدكتورة "نجوى" تقف أمام طاولة صغيرة، تضع أنبوبة زجاجية بها سائل شفاف، وتسحب منه كمية محددة بداخل سرنجة معقمة. كان عامر يقف بجوارها، يحتسي قهوته ببرود ويداعب الخاتم الألماسي في إصبعه.
قالت نجوى وهي ترفع السرنجة لتفرغ هواءها:
"الجرعة دي مضاعفة يا عامر بيه.. هتبدأ تشتغل بعد ساعة من الحقن. هتخلي ضربات قلبه هادية جداً، وأعصابه متخدرة تماماً. رغد لو قعدت تعيط جنبه للسنة الجاية مش هيحس بوجودها، ولما يجوا أطباء من بره يفحصوه، التقارير هتأكد إن مخه بيدخل في حالة ضمور تدريجي."
دخلت شاهيناز الغرفة، ترسم على وجهها ابتسامة نصر خبيثة، وقالت:
"ممتاز يا نجوى.. المهم صالح بكرة يقتنع إن سليم خلاص مفيش منه أمل، ويوقع على التنازل النهائي لعامر عن إدارة الشركات بحجة إن إدارة الأموال محتاجة يد قوية."
ضحك عامر بثقة وقال:
"صالح خلاص اتكسر.. وبوجود رنيا معايا في الملعب، ورغد اللي فاكرة نفسها بطلة الرواية، اللعبة اتقفلت صح. يلا يا نجوى.. أطلعي اديله الجرعة عشان العروسة تبدأ وردية العناية!"
المواجهة الأولى.. والقوه الخفيه التي تحيط رغد
صعدت الدكتورة نجوى إلى جناح سليم، تحمل حقيبتها الطبية الواسعة. فتحت الباب ببرود، لتفاجأ بـ "رغد" تقف بجوار الفراش، تمسك بفوطة مبللة وتمسح بعناية وجه "سليم" المجهد.
سليم كان مستلقياً، أنفاسه متقطعة، وعيناه المحاطتان بالهالات السوداء تتابعان حركة رغد بضعف شديد. وعندما سمع صوت خطوات نجوى، ظهرت في عينيه اتساعة ذعر خاطفة، وانقبضت عضلات فكه كأنه يحاول الصراخ ولكن بلا صوت.
قالت نجوى بنبرة تحكم جافة:
"ممكن تبعدي يا مدام رغد؟ جه معاد الحقنة اليومية المهدئة بتاعته.. عشان يقدر ينام وما يجيلوش تشنجات."
تقدمت نجوى بالسرنجة، لكن رغد لم تتحرك من مكانها. بل وقفت حائلاً بينها وبين سليم، وقالت بصوت هادئ ولكن قوي كالجدار:
"حقنة إيه دي يا دكتورة؟"
ارتبكت نجوى للحظة، لكنها استعادت قناع الجدية سريعاً:
"دي عقاقير مهدئة ومقوية للأعصاب.. مكتوبة في الجدول الطبي بتاعه من شهور. أظن مش حضرتك اللي هتراجعي ورايا في العلاج؟"
نظرت رغد إلى عيني سليم.. رأت فيهما توسلاً صريحاً، رجاءً ينبض بالرعب، كأنه يقول لها: "لا تدعيهم يحقنونني بهذا السم مجدداً!"
سحبت رغد نفساً عميقاً، وقالت بصلابة:
"سليم مش محتاج مهدئات دلوقتي.. سليم نبضه مستقر، وشه بدأ يرتاح أول ما قعدت جنبه. هاتي الملف الطبي والدوا، وأنا هخلّي دكتور تاني يلقي نظر عليه قبل ما يتأخد."
تغيرت ملامح نجوى وصاحت بغضب:
"أنتِ اتجننتي؟! أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنتِ حتة بنت جايبينها عشان تراعيه مش عشان تتأمري! ابعدي عن وشي بدال ما أطلب الأستاذ عامر يرميكي بره القصر!"
في تلك اللحظة، ظهر عامر عند الباب مزمجراً:
"في إيه هنا؟! صوتكم طالع ليه؟"
دخل عامر بغرور وقسوة، ونظر إلى رغد بتهديد:
"أنتِ بتعطلي الدكتورة عن شغلها ليه يا هانم؟ فاكرة عشان بقيتي مراته بجد هتمشي كلامك علينا؟ الدوا ده بياخده بأمر من بابا ومن الأطباء، وحقنته هتتاخد يعني هتتاخد!"
اقترب عامر بحجمه الضخم ليُبعد رغد بالقوة، لكن رغد أخذت خطوة للأمام ورفعت يدها بثبات، وصرفت نظرتها نحوه مباشرة دون أن ترمش:
"لو قربت خطوة واحدة كمان، أو لمستني، هصرخ بأعلى صوتي وأجيب عمي صالح بكرة القصر كله هنا! وهقوله إنكم مصممين تدوه دوا بالقوة وهو خايف منه! تفتكر عمي صالح هيسكت لما يشوف المنظر ده؟ ولا هيطلب لجنة طبية فورية تفحص الدوا وتفحص دم سليم؟"
تجمّد عامر في مكانه. سقطت كلماتها كالصاعقة على رأسه ورأس نجوى. كانت نقطة ضعفهما الوحيدة هي كشف السر لـ "صالح بيه".
تراجع عامر خطوة للخلف، وعيناه تشتعلان بالغل والشر، وضحك بقلة حيلة مصنعة:
"ماشية بعقلية الحارة والتهديد؟ ماشي يا رغد.. بلاش الحقنة النهاردة. بس لو جاله تشنج ولا حالته اتدهورت بالليل، أنتِ اللي هتشيلي المسؤولية قدام بابا!"
أشارت نجوى بعصبية وحزمت حقيبتها، ثم خرجت برفقة عامر الذي ألقى على رغد نظرة وعيد قاتلة قبل أن يغلق الباب بقوة خلفهما.
ساد الصمت الغرفة مجدداً.. صمت مختلف هذه المرة، يحمل طعم الانتصار الأول.
التفتت رغد نحو الفراش، لتجد أنفاس "سليم" قد بدأت تهدأ شيئاً فشيئاً. كانت عيناه الواسعتان مثبتتين عليها بذهول الشديد.. لم يكن يصدق أن هناك من وقف في وجه هذا الشيطان الشرس لأجله!
اقتربت رغد من الفراش، وجلست على المقعد القريب. انحنت عليه، وابتسمت ابتسامة دافئة كشعاع شمس يخرق ظلام السجن. رفعت يدها النحيفة، وأمسكت بيده الباردة التي كانت ترتجف ببطء.
قالت له بنبرة همس ملؤها الأمان:
"خلاص يا سليم.. مش هيدوك السم ده تاني طول ما أنا حية. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنك حاسس بينا، وإن عقلك صاحي، وإن عينيك هي اللي بتتكلم."
انسكبت دمعة واحدة، دافئة وثقيلة، من عين سليم اليمنى، وجرت على خده الباهت. لم تكن دمعة حزن، بل كانت دمعة أمل.. دمعة إنسان كان يحترق في قاع بئر مظلم، وفجأة امتدت له يد حنونة لتنتشله.
حاول سليم أن يتحرك.. جمع كل ما بقي في جسده النحيل من قوة محتبسة. اشتدت عضلات ذراعه ببطء شديد، وبصعوبة بالغة، تحركت أطراف أصابعه الخدرة، لتضغط بنعومة ورجفة على يد "رغد".
كانت ضغطة خفيفة للغاية، كنسيم خفيف، ولكن بالنسبة لـ "رغد"، كانت أقوى من ألف كلمة صريحة.. كانت تعني: "شكراً لكِ.. أنا معكِ، لا تتركيني."
اتسعت عينا رغد بالدموع، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها بالكامل. ابتسمت بين دموعها وقالت وهي تشد على يده بالحنان كله:
"مش هسيبك يا سليم.. والدوا ده هينسحب من جسمك واحدة واحدة. بكرة ترجع تصحى، وترجع تتكلم، وترجع تاخد حقك من كل اللي ظلموك."
في تلك الليلة، لم ينم سليم بفعل السموم المهدئة، بل نام أعمق نومة حظي بها منذ سنوات.. نومة الأمان المستقر.
بدات خيوط المؤامرة تنكشف
في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، عندما خفتت أضواء القصر تماماً، تسللت رغد بخفة من الغرفة. كانت تعلم أن الدكتورة نجوى تركت حقيبتها أو بعض أوراقها في المكتب السفلي بعد الشجار.
تسللت رغد كالظل عبر الممر، ودخلت المكتب الرئيسي بخطوات حذرة. فتحت درج المكتب بحذر شديد، واستعانت بضوء هاتفها المحمول. وبعد بحث قصير، وجدت الملف الطبي الخاص بسليم، وبجواره علبة دواء فارغة مكتوب عليها اسم العقار الكيميائي: (Neuro-Paralyzer X).
التقطت رغد هاتفها وسارعت بتصوير كل ورقة في الملف، وصورت علبة الدواء بوضوح، ثم أعادت كل شيء كما كان بدقة متناهية قبل أن تخرج مسرعة.
عادت إلى جناحها، وأغلقت الباب ببطء. أخرجت هاتفها وأرسلت الصور فوراً إلى صديق والدها القديم، الدكتور "مراد"، وهو طبيب مخ وأعصاب متقاعد وموثوق فيه في حارتهم القديمة.
كتبت له في رسالة مستعجلة:
"يا دكتور مراد.. أرجوك شوف الصور دي ضروري. الدوا ده بياخده شخص قريب مني، وبيقولوا إن حالته تدهور طبيعي.. هل الكلام ده صح؟"
لم تمضِ سوى عشر دقائق، حتى أتاها الرد من الدكتور مراد، بكلمات جعلت الدماء تتجمد في عروقها:
"يا بنتي الدوا ده مش علاج! ده مركب مهدئ للأعصاب الحركية بنسب عالية جداً، بيستخدموه بجرعات صغيرة في حالات الهستيريا الحادة فقط! كثرة استخدامه بتعمل شلل مؤقت في العضلات وبتمنع الكلام، والاستمرار عليه بيميت خلايا المخ بالبطيء! اللي بياخد الدوا ده بيتم تسميمه عمداً.. الحقيه فوراً ووقفيه!"
وضعت رغد يدها على فمها لتمتع صرخة الصدمة. امتلأت عيناها بشرار الغضب والوعد.. لم يعد الأمر مجرد شكوك، بل أصبح حقيقة مثبتة بأدلة قاطعة.
طلائع الصباح.. واشتعال الحرب
مع إشراقة الصباح الجديد، كانت رغد تقف بجوار نافذة الجناح، تنظر إلى الحديقة الواسعة، وعقلها يخطط لخطوتها القادمة.
انفتح باب الغرفة فجأة، ودخلت "شاهيناز" برفقة "عامر" و"رنيا". كانت شاهيناز ترتدي نظاراتها الشمسية الفاخرة وتطالع الغرفة بتقزز، بينما كان عامر ينظر لـ "رغد" بنظرة تحدٍّ واستعلاء.
قالت شاهيناز بصوت حاد متكبر:
"صباح الخير يا عروسة.. أظن أخدتي وقتك وزيادة. صالح بيه نزل تحت، وعايز يشوف الموقف. والدكتورة نجوى جهزت الجرعة الجديدة اللي هتاخد في حضورنا كلنا عشان نتأكد إن مفيش لعب."
تقدمت نجوى خلفهم حاملة السرنجة المجهزة مجدداً، وقالت بابتسامة خبيثة:
— "الحقنة دي لازم تتاخد دلوقتي يا مدام رغد.. عشان سلامة المريض."
نظر عامر إلى رغد، وقال بنبرة مليئة بالتهديد الخفي:
"يلا يا رغد.. بلاش تعملي مشاكل قدام طنط شاهيناز.. افهمي مصلحة جوزك كويس!"
التقطت رنيا أنفاسها وهي تقف بجوار عامر، ونظرت لأختها بنظرة تقول: "انتهي الأمر، لا يمكنكِ الوقوف أمامنا."
لكن رغد لم تفزع.. لم ترتجف.. بل التفتت إليهم ببطء شديد، وارتسمت على شفتيها ابتسامة وثوق باردة جمدت الدماء في عروقهم جميعاً.
خطت رغد خطوة نحوهم، وسحبت هاتفها المحمول من جيبها، ورفرفعته في وجوههم، وقالت بصوت نقي، حاد، يتردد صداه في أرجاء الغرفة كالرعد:
"الجريمة انتهت يا عامر بيه.. والدوا ده مش هيلمس جسم سليم تاني! التقارير وصور العلبة المسمومة دي بقت مع دكتور متخصص، ومعايا التحليل الكيميائي للسم اللي بتسقوهوله كل يوم!"
اتسعت عيون الشياطين جميعاً بذهول مرعب، وسقطت السرنجة من يد نجوى لترتطم بالأرض وتتشمشام زجاجاتها!
تابعت رغد بقوة زلزلت المكان:
"وعمي صالح على وصول حالا للجناح بعد ما طلبت منه ييجي يسمع الحقيقة بنفسه.. والنهاردة يا عامر.. القناع هيتقلع عن وشك أنت وأمك والدكتورة بتاعتكم!"
وفي تلك اللحظة بالذات، ومن على الفراش خلفهم..
تحركت يد "سليم" بوضوح، وصدرت من حنجرته حشرجة صوت قوية محتبسة لأول مرة منذ سنوات.. وكأنه يبدأ بالاستيقاظ من الموت!
