رواية الزوجة التانية الفصل الثاني بقلم محمود الأمين
اتحركنا على مستشفى الأمراض النفسية بالعباسية عشان نشوف البلاغ اللي وصلنا من هناك، واللي بيفيد بأن الدكتور عمرو حافظ اتقتل. والدكتور عمرو هو اللي كان مسؤول عن حالة مصطفى، وكان هيكتب تقرير عنه بعد انتهاء المدة اللي حددتها المحكمة، الـ45 يوم.
لما وصلنا هناك، الدنيا كانت مقلوبة. الدكاترة والممرضين كانوا موجودين عند أوضة المكتب اللي كانت فيها جثة الدكتور عمرو حافظ. كان واقع على الأرض ومدبوح من رقبته، وكان في تصوري وقتها إن مصطفى سليمان هو اللي عمل فيه كده، خصوصًا إنه بيتصرف تصرفات عدوانية الفترة الأخيرة. بس أكيد في سبب هو اللي وصله لكده، هو اللي خلاه يقتل الدكتور عمرو حافظ.
وبعد ما اطلعت على الجثة، طلبت من مدير المستشفى إني عاوز أشوف المريض اللي لسه واصل النهارده من المحكمة، واللي اسمه مصطفى سليمان.
وفعلًا بعت معايا واحد من الناس اللي في المستشفى عشان يوريني الأوضة اللي فيها مصطفى سليمان، ولكن لما دخلنا عليه كان نايم، وتراجعت عن إني أصحيه.
في الوقت ده وصل وكيل النيابة، ورجالة من الطب الشرعي والمعمل الجنائي لفحص الجثة ومسرح الجريمة. واتكلم وكيل النيابة وقال:
_ مش ده الدكتور المعالج اللي المفروض هيكتب التقرير عن المتهم مصطفى سليمان؟!
= أيوه بالظبط، الدكتور عمرو حافظ، ومن البلاغ اللي وصلني إن الدكتور عمرو اتقتل بعد ما خلص أول جلسة مع مصطفى.
_ يعني ممكن يكون مصطفى هو اللي قتله؟!
= مش عارف يا باشا، بس أنا طلبت من مدير المستشفى إني عاوز أشوف مصطفى، ولما روحت عنده أوضته كان نايم.
_ أصلها صعب تكون صدفة، خصوصًا إن التحقيقات اللي اتعملت في القضية اللي بتخص مصطفى بتقول إنه كان شخص عدواني في الفترة الأخيرة بالتحديد.
...
كنا بنتكلم وبنحاول نفهم: هل مصطفى سليمان هو اللي قتل الدكتور عمرو حافظ ولا لأ؟ ولكن في الوقت ده سمعنا صراخ جاي من آخر الطرقة، وكان في ممرضة بتجري، وشوفنا واحد خارج من الحمام في إيده سكينة غرقانة دم، وكان بيجري ورا الممرضة. وطبعًا رجالتنا تدخلت بسرعة وقدرنا نمسكه ونقبض عليه.
طبعًا كنت عاوز أفهم هو مين ده، فرد عليا مدير المستشفى وقال:
= ده مريض اسمه سالم، عنده خلل عقلي واضطرابات نفسية، ولسه الدكتور عمرو كان عامله جلسة كهربا من شوية.
_ واضح إنه هو اللي قتل الدكتور عمرو حافظ، بس إزاي يتساب كده؟!
= هو المفروض محجوز في غرفة العزل اللي بتخص الحالات الخطيرة اللي بتوصل المستشفى، ولكن مش عارف إزاي قدر يهرب ويوصل لمكتب الدكتور عمرو حافظ ويقتله.
...
وعرفنا وقتها إن مصطفى سليمان ملوش علاقة بقتل الدكتور عمرو، وإن دي مجرد صدفة. وبعدها بدأنا نخلص الإجراءات اللي بتخص الطب الشرعي والمعمل الجنائي، ونقل الجثة للمشرحة، ورفع البصمات، وجمع الأحراز.
وعرفنا إن اللي هيمسك حالة مصطفى سليمان مكان الدكتور عمرو، الله يرحمه، دكتور اسمه طاهر الكاشف.
********
أنا الدكتور طاهر الكاشف، اللي تم استدعائي وأنا في الإجازة للأسف عشان همسك حالة، والمفروض مطلوب عنها تقرير خلال 45 يوم.
كنت عارف الحكاية من الإنترنت والمواقع اللي منشورة عليها. مصطفى اللي قتل والده ووالدته وأخته، وولع في البيت، والغريبة إنه انتظر في البيت وهو بيتحرق، ومخافش على نفسه، وكمان اتهم مرات أبوه صابرين إن هي اللي قتلتهم، ولكن مكنش في أي دليل على صحة كلامه. بصماته على السكينة وفي مسرح الجريمة، وتصرفاته الغريبة والعدوانية في الفترة الأخيرة كانت بتدعم النظرية إنه هو اللي قتل عيلته، ولكن مصطفى كان بينكر ومصمم على أقواله.
وطبعًا سمعت الفويسات الخاصة بالجلسة الأولى ما بين الدكتور عمرو، الله يرحمه، مع مصطفى سليمان، وفهمت إن الدكتور عمرو لما حاول يضغط على مصطفى عشان يعترف بالجريمة، مصطفى أنهى الكلام وقال إنه محتاج يرتاح.
ولكن أنا متعودتش أكون إنسان تقليدي. في البداية قريت ملف مصطفى وفهمت كل حاجة عن القضية، بس لفت نظري إن الدكتور اللي كان بيعالج مصطفى نفسيًا في المصحة بعد الحادثة اللي تعرضلها هو وأخوه، ومات فيها أخوه التوأم، كان الدكتور كريم الشامي، وأنا أعرفه كويس، كان صديق دراسة.
كلمته، وبعد السلامات، قولتله:
_ عاوزك تركز معايا عشان هسألك عن شخص أنت كنت بتعالجه، والشخص ده متهم دلوقتي في جريمة قتل. وعشان أنا عارف إنك مش بتابع سوشيال ميديا، فأنا عارف إنك متعرفش حاجة عن الموضوع، ولكن جايز تعرف تساعدني.
= أنا تحت أمرك يا دكتور طاهر، اتفضل.
_ المريض ده اسمه مصطفى سليمان. كان عمل حادثة هو وأخوه من فترة كبيرة، وأخوه مات في الحادثة دي، وبالمناسبة كان أخوه وتوأمه، وده اللي خلى مصطفى يدخل في حالة نفسية وحشة، وأهله عرضوه عليك في المصحة النفسية.
= أيوه فعلًا افتكرت المريض ده، ومشيت معاه على علاج، وفعلًا بدأ يتحسن. فين المشكلة؟!
_ قبل ما أقولك المشكلة، هل ظهر على مصطفى أي أساليب عدوانية في فترة العلاج معاك؟ أو كان مثلًا إنسان عصبي ومش بيعرف يتحكم في نفسه؟
= لا خالص، بالعكس. مصطفى كان شخص هادي جدًا، بس هو كان رافض موضوع موت أخوه ده نهائيًا، وده طبعًا من أثر الصدمة، ولكن مع العلاج بدأ يتعافى ويقتنع باللي حصل.
_ طيب، دلوقتي مصطفى ده متهم بقتل عيلته: أبوه، وأمه، وأخته. ده وبعد ما قتلهم ولع في البيت، والكل قال إن مصطفى في الفترة الأخيرة كان تعبان، وبيتعصب من أقل حاجة، وأساليبه عدوانية جدًا.
= لا، يبقى لازم يتعمله أشعة وتحاليل. جايز الموضوع يكون عضوي ويحتاج لتدخل دكتور مخ وأعصاب، لكن أنا بأكد لحضرتك إن الشخص اللي كنت بعالجه كان شخص هادي جدًا، ومش بتاع مشاكل.
...
شكرت الدكتور كريم الشامي، وبعدها قررت أعمل أشعة وتحاليل لمصطفى عشان أفهم المشكلة فين بالظبط.
وفعلًا كلمت مدير المستشفى، اللي كان مش فاهم طلبي في البداية، ولكنه وافق في النهاية، لأنه عارف إن ده كله من أجل إني أعرف حالة مصطفى عاملة إزاي، ومن خلال التحاليل دي هتكون صورة واضحة قدامي عن مصطفى.
وفعلًا عملنا الأشعة والتحاليل لمصطفى بمعرفة النيابة، لأن لازم التحاليل والأشعة تتعمل في معمل خاص بالمعمل الجنائي، وكنت في انتظار النتيجة اللي هيستلمها رئيس المباحث في الأول، وبعد كده هيبلغني بيها.
وبعدها رجعت فحصت ملف مصطفى تاني عشان أشوف في حاجة كانت غريبة ولا لأ، وفعلًا لاحظت حاجة غريبة حصلت قبل الحادثة بأسبوع، والحاجة دي إن الأستاذ سليمان كتب كل حاجة باسم مراته صابرين، ومسبش ولا حاجة لمراته الأولى عفاف وعيالها مصطفى وولاء، وده سبب خلاف كبير ما بين مصطفى وأبوه.
خرجت من المكتب ونزلت أخدت عربيتي، وكنت واخد قرار مجنون شوية، إني عايز أتكلم مع صابرين، زوجة الأب التانية. ووصلت قدام عنوان بيت أهلها، وخبطت على الباب. كانت هي صابرين، عرفتها بنفسي، وإني عاوز أتكلم معاها ضروري.
وفعلًا سمحت ليا بالدخول، وبعد ما قعدت بدأت أتكلم معاها:
_ أنا الدكتور المعالج لمصطفى في مستشفى الأمراض النفسية، وعلى حسب كلام مصطفى كان بيتهمك إنتي بقتل عيلته، وبيقول إنه شافك بنفسه وإنتي بتنفذي الجريمة.
= ومصطفى فين دلوقتي؟ في مستشفى الأمراض النفسية عند حضرتك؟ يعني مجنون، حد ياخد على كلام مجنون برضه يا دكتور؟!
_ لا، حضرتك فاهمة غلط. مصطفى مش مجنون، مصطفى مريض نفسي وبيتعالج في المستشفى، والمفروض إني هكتب تقرير عن سلامة قواه العقلية من عدمها. وبعدين أنا مش بتهم حضرتك بحاجة، جايز مصطفى يكون بيتبلى على حضرتك عشان المعاملة السيئة اللي كنتي بتعامليها ليه هو وأخته ولاء.
= معاملة سيئة إزاي يا فندم؟! أنا كنت بعاملهم أحسن معاملة على فكرة. مصطفى بس ما كانش متقبل فكرة إن في واحدة خطفت والده منهم، وأي راجل بيتجوز جوازة جديدة بيدي اهتمام شوية للزوجة الجديدة، ولا إيه؟!
_ طيب، مش شايفة إنه غريبة شوية إن الأستاذ سليمان يكتبلك جميع ما يملك، وبعدها يتقتل؟ مش صدفة غريبة دي شوية يا مدام صابرين؟
= آه، أنا فهمت تلميح حضرتك دلوقتي، وبصراحة ما عنديش غير رد واحد على حضرتك... المقابلة انتهت يا دكتور.
مكنتش مرتاح للي اسمها صابرين دي، مش عشان طردتني، لا... حاسس إنها بتكذب، وإن هي اللي ورا كل حاجة حصلت فعلًا.
*******
كنت قاعد في مكتبي بخلص شوية شغل، وفي الوقت ده العسكري دخل وقال إن في واحد عاوز يقابلني بره ضروري. قولتله: خليه يدخل.
وفي الوقت ده شوفت راجل في الخمسينات من عمره، واسمه أيوب، واتكلم وقال:
_ أنا جاي أشهد شهادة حق. عارف إنها متأخرة، بس أنا كنت في المستشفى بعاني من جلطة في المخ، وعشان كده مكنتش قادر أجي. أنا جاي أشهد عشان أخلص ضميري قدام ربنا. اللي قتل الأستاذ سليمان وعيلته مش ابنه مصطفى اللي عمل كده، دي الست اللي اتجوزها، اللي اسمها صابرين، وكان معاها واحد مستنيها بعربية. أنا كنت صاحي وقتها وواقف في البلكونة وشوفتها وهي بتهرب، ولكن الأزمة جاتلي وملحقتش نفسي، وعرفت بعد كده إن جالي جلطة في المخ، بس الحمد لله إني فوقت من اللي كنت فيه، وجيت أشهد شهادة الحق قدام ربنا وقدام سيادتك.
...
في الوقت ده رن التليفون، واللي كان بيتصل هو دكتور المعمل الجنائي المسؤول عن الأشعة والتحاليل، واللي قاله في التليفون كان كارثة بجد، لأنه قال...
