رواية لست قاسية الفصل الثاني
تجلس بداخل السيارة المزينة، وبجانبها عريسها وزوجها خالد، ويلتف حول السيارة الكثير من السيارات التي تصدر أصواتًا عالية، وسط فرحة خالد.
أما غادة، فكانت في عالم آخر، تنظر من شباك السيارة شاردة، وتعود بالزمن إلى الوراء.
---
تجلس غادة في غرفتها، ممسكة بالهاتف، وتطلب رقم منزل خالتها.
غادة:
- ألو، أيوه يا خالتي.
فوزية:
- إزيك يا غادة يا بنتي؟
غادة:
- الحمد لله، كويسة. خالتي، هو أحمد موجود؟
فوزية:
- لا يا بنتي، أحمد لسه مجاش، بيتأخر في الكلية اليومين دول، وعلى طول مشغول.
غادة:
- طب ممكن يا خالتي، لما ييجي يكلمني؟
قالت فوزية في حزن:
- حاضر يا بنتي.
أغلقت فوزية الهاتف، ثم حدثت نفسها بحزن:
- دي البت مقهورة يا عين أمها... الله يجازيك يا أحمد.
أما غادة، فبعد أن أغلقت الهاتف، وضعت يديها على رأسها في ضيق، قائلة:
- برضه مش موجود! بقالي أكتر من شهر بحاول أوصله، وعلى طول مش موجود... هي إيه الحكاية بالظبط؟!
---
في كلية الطب...
يقف أحمد ومعه فتاة جميلة في مثل عمره، ممسكة بمعطف طبي أبيض. يميل أحمد نحوها ويهمس لها في أذنها، فيضحكان سويًا، لكنه يتوقف عن الضحك حين يرى غادة تقف أمامه، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الصدمة.
أحمد:
- غادة!
قالت غادة بسخرية يملؤها الحزن:
- إزيك يا أحمد؟ بقالي كتير مشوفتكش.
قال أحمد بتردد:
- معلش يا غادة، إنتِ عارفة الكلية صعبة إزاي.
نظرت غادة إلى الفتاة الواقفة بجانبه، وقالت:
- عارفة يا أحمد... عارفة.
الفتاة:
- مين دي يا أحمد؟
وقبل أن يجيب، قاطعته غادة، والدموع محتبسة في عينيها:
- أنا غادة... بنت خالته.
الفتاة:
- أهلًا وسهلًا، اتشرفت بيكي، وأكيد هنتقابل تاني.
نظرت غادة إلى أحمد في ألم، وقالت:
- أكيد.
تركت غادة المكان، ودموعها حبيسة عينيها. ظلت صامدة، تحبس بداخلها صرخات وبكاءً مريرًا، لكن كرامتها منعتها من الانهيار.
جلست على محطة المترو تنتظر قدومه، وهي شاردة، حتى إنها لم تشعر بمرور أكثر من قطار أمامها.
ظلت غارقة في أفكارها، حتى فوجئت بمن يضع يده على كتفها.
رفعت عينيها، لتتفاجأ بأنه أحمد.
أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى حتى لا تنظر إليه، فنظرة واحدة منه كانت كفيلة بأن تنهار أمامه.
تماسكت، واستجمعت قواها، وقالت:
- خير يا أحمد؟ عايز إيه؟
أحمد:
- غادة... عايز أقولك... أنا...
ابتسمت له ابتسامة حزينة، وقالت:
- عايز تقولي إيه يا ابن خالتي؟ إني مبقتش أنفعك؟ وإنك دلوقتي بقيت طالب في كلية الطب، وكلها كام سنة وتبقى دكتور، ومن حقك ترتبط بدكتورة زيك... مش كده؟
أحمد:
- لا يا غادة، مش كده، صدقيني. بس غصب عني، الموضوع مش بإيدي. إنتِ غالية أوي، ده إنتِ عمري اللي فات كله. صدقيني يا غادة، إنتِ أكتر من أختي.
ضحكت غادة في ألم، وقالت:
- أختك؟! يعني لما كنت بتقولي يا حبيبتي، وإنك نفسك أبقى جنبك العمر كله، كان قصدك إني أختك؟! يعني لما كنت بتيجي ترمي في حضني همومك وأوجاعك، وتخليني أشاركك أحلامك، كان عشان أنا أختك؟! يعني سهري جنبك، وأنت عيان، وخوفي عليك أكتر من نفسي... ده عشان أنا أختك؟! يعني حبك ليا كان...
لم تستطع غادة إكمال حديثها، وشعرت بصوتها يختنق بداخلها.
همَّ أحمد بالكلام، لكنها رفعت يدها أمامه، توقفه، وقالت:
- كفاية يا أحمد... كفاية وجع لحد كده. أنت دبحت قلبي بسكينة، ومش من السهل حد يداويه.
همَّت غادة بالمغادرة، لكن أوقفها صوت أحمد:
- غادة.
نظرت إليه.
فأكمل:
- ممكن ماما متعرفش موضوع نهى، غير لما أقولها في الوقت المناسب؟
نظرت إليه في ألم، ثم تركته وغادرت، بينما كانت صرخات قلبها تعلو بداخلها، ولا تستطيع الوصول إلى فمها.
انقطعت علاقة غادة بأحمد تمامًا، وانقطعت كذلك عن زيارة خالتها، بحجة انشغالها بالدراسة، حتى إنها لم تعد تهتم بمعرفة أخباره.
---
أفاقت غادة من شرودها على صوت خالد، يدعوها إلى النزول من السيارة، والتوجه إلى القاعة المقام بها حفل الزفاف.
أمسكت بذراع خالد، وسارت معه أثناء الزفة، وهي تشعر وكأنها داخل فيلم تشاهده، وسينتهي في وقت ما، وأنها ليست البطلة، بل مجرد مشاهد.
ظلت تنظر إلى الرجل الجالس بجوارها.
من هذا الغريب الذي أصبحت مكتوبة على اسمه؟
من هذا الذي اختارته ليكمل لها مسيرة العذاب التي توالت طوال حياتها؟
من هذا الرجل الذي ائتمنته على نفسها، وهي تعلم تمام العلم أنه لا أمان مع رجل؟
ظلت على هذا الحال حتى انتهى حفل الزفاف، وذهبت إلى منزلها الجديد، برفقة من يدعونه زوجها.
---
جلست غادة على سريرها خائفة.
فما زالت تشعر أنها مع رجل غريب في مكان واحد، وأن كل من حولها شاركوا في تلك الخطة للتخلص منها، وإلقائها في حضن رجل سيكمل مسيرة عذابها.
اقترب خالد منها بحنان، فانتفضت حين لمسها.
فأشفق عليها، وقال:
- بس يا حبيبتي، متخافيش... ده أنا.
نظرت إليه في قلق، دون أن تجيب.
فأمسك يدها برفق، وقال:
- بصي يا غادة، أنا عارف إن جوازنا جه بسرعة، وإنك ملحقتيش تاخدي عليَّ، بس أنا عايز أطمنك. عمري ما هخليكي تعملي حاجة غصب عنك، ومش عايز في يوم أشوف نظرة الخوف في عينيكي. إنتِ مراتي، يعني على اسمي، وواجبي ناحيتك إني أعيشك في أمان، وأخليكي متخافيش من أي حاجة.
شعرت غادة بشيء من الارتياح لكلامه.
يا لك من رجل طيب، تبدو على ملامحك المحبة والحنان.
هل يمكن أن يكون القدر قد بعثك إليَّ لتعوضني عما عانيته في حياتي؟
هل يمكن أن يكون ما أراه في عينيك حبًا صادقًا؟
ولكن... لا.
أنت رجل.
والرجال ما أسهل عليهم تمثيل الحب ببراعة، حتى يسقط القناع عن وجوههم، ليظهر الوجه الحقيقي، المغطى بالخداع والكذب... والخيانة.
أكمل خالد حديثه:
- إيه يا غادة؟ هتفضلي ساكتة؟
غادة:
- خالد... ممكن أطلب منك طلب؟
خالد:
- طبعًا يا حبيبتي.
غادة:
- ممكن ننام النهارده؟ أنا حاسة إني قلقانة، ومش واخدة على المكان... ولا...
ابتسم خالد، وقال:
- ولا واخدة عليَّ... مش كده؟ على العموم، زي ما تحبي يا غادة. أنا قلتلك، مش هغصب عليكي في أي حاجة. إنتِ مراتي، ولازم أحطك تاج فوق راسي.
نظرت إليه غادة، وهي تحاول إقناع نفسها بأنه يتظاهر بالطيبة والحب.
بدّل الاثنان ملابسهما، ثم ناما.
وسرعان ما غرق خالد في نومه.
أما غادة، فلم يستطع عقلها أن يتوقف عن الرجوع بالزمن إلى الوراء من جديد.
---
تجلس غادة على أحد المقاعد في الجامعة، تحتسي مشروبها، ويبدو على ملامحها الحزن، الذي أصبح رفيقها منذ ابتعادها عن أحمد.
تجلس بجوارها رحمة، صديقتها التي تعرفت إليها في الكلية، وأصبحت في وقت قصير أقرب صديقة إليها، تلقي بين يديها أوجاعها وهمومها.
رحمة:
- وبعدهالك يا غادة... لحد إمتى هتفضلي حزينة كده؟ فات كذا شهر من ساعة اللي حصل... انسي بقى.
غادة:
- أنسى؟! أنسى إيه يا رحمة؟ أنسى عمر ضيعته بحب إنسان أناني، واخدني استبن؟ ولا أنسى إني بسببه مدخلتش الكلية اللي كنت عايزاها، لمجرد إني فضلته على نفسي؟ لو النسيان سهل، مكنش حد بات موجوع.
حاولت رحمة التخفيف عنها، وقالت في مرح:
- يا ستي، ده كتر خيره إنه عمل كده، عشان تدخلي الكلية وأعرفك، وإلا كان زمانك في هندسة، وبتبصي للغلابة اللي زيي من فوق لتحت.
ضحكت غادة على كلامها.
رحمة:
- أيوه يا ستي، اضحكي... محدش واخد منها حاجة.
ثم نظرت إلى شخص يقترب منهما، وقالت:
- أووووبا... حظك في رجليكي يا غدغد، المعجب الولهان جه.
غادة:
- قصدك مين؟
رحمة:
- هيكون قصدي مين يعني؟ هو في غيره؟
غادة:
- سيف؟!
