رواية الفرار من العشق الفصل الثاني
تقف ألحان محتارة وسط الزحام، وقبل ما تتحرك خطوة ناحية الرجالة، تقرب منها الست اللي جابتها، وتمسك إيدها براحة وتهدّي خطوتها)
الست (بحنان): رايحة فين يا بنيتي؟ ما ينفعش تخشي عند الرجالة والزحمة دي واصل.. تعالي معايا لداخل عند الحريم وهناك هتلاقي كل اللي عيزاه.
تأخذها الست وتدخل بيها لقلة الحريم، حيث الزغاريد والبهجة، وأول ما تدخل ألحان بلبسها الأسود وشنطتها، العيون كلها تلتفت ليها باستغراب، وتقرب منها الحاجة هانم وعلامات التساول على وشها)
هانم (بفضول ونبرة آمرة): أنتي مين يا بنتي؟ وإيه اللي جابك هنا وسط الفرح بزيّك ده؟
ألحان (بتوتر وهي بتبص حواليها): أنا ضيفة.. وجاية للحاج زهران، قالوا لي إنه هنا في الدوار.
في اللحظة دي، تقف فردوس "مرات الشيخ زهران" من وسط الحريم، وتقرب عليها بوش مستغرب، لكن أول ما تسمع الاسم ملامحها تتغير تماماً وتأخدها الحنية، وتقرب هي وبنتها نعمة والابتسامة مالية وشهم)
فردوس (بحنان ولهفة وهي بطبطب عليها): ألحان؟! يا مرحب يا بنتي.. يا ألف مرحب.
نعمة (بابتسامة بشوشة وطيبة): نورتي البلد كلها يا خيتي..
ألحان (براحة بعد ما شافت حنيتهم): هو أنا ينفع أقابله دلوقتي؟
فردوس: لا يا حبيبتي مش هينفع واصل دلوقتي، الراجل هو اللي بيكتب الكتاب جوة المندرة مع المأذون والرجالة.. استني شوية وبعد كتب الكتاب إن شاء الله هخليكي تقابليه.
ألحان (بإحراج): طب.. أنا ممكن أستناه بره؟
هانم (مرأة العمدة): لا طبعاً يا بنتي واصل! تخرجي بره فين في وسط الرجالة والزحمة دي؟ خليكي قاعدة مكأنك إهنه، ثواني هنعمل معاكي الواجب ونضايفك، لحد ما الرجالة تخلص.
أما بره في المندرة..
قاعد رحيم بكامل هيبته وقاره، وقصاده بدر، وإيديهم في إيدين بعض والمنديل مغطيها والشيخ زهران هو اللي بيكتب الكتاب وبيلقنهم الكلمات.. وبعد دقايق مفيش غير كلمة "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير
فجأة.. ضرب النار يشتغل في الساحة بره بقوة وصوت يرج المكان كعادات الصعيد في الأفراح
جوة عند الحريم..
ألحان تتخض خضة شديدة من صوت ضرب النار المفاجئ، ملامحها تتملي رعب وتمسك شنطتها بقوة لدرجة إن إيديها ترتعش وهي ضماها لصدرها
فردوس (تقرب منها بسرعة وتحضن كتفها بحنية): اهدي يا حبيبتي واصلي.. اهدي ما تخافيش، دي عوايدنا إهنه في البلد، لازم نضربوا النار في الفرح.. كتب الكتاب خلاص خلص والرجالة بتبارك.
هانم (تلتفت لفردوس بنبرة عتاب خفيف): إيه يا فردوس؟ مش هتباركي للعروسة ولا إيه عاد؟
فردوس تبتسم لهانم، وتمسك إيد ألحان براحة وحنية عشان تطمنها، وتاخدها في إيدها ونعمة ماشية جنبهم، ويروحوا عند رقية العروسة ويباركوا ليها والفرحة مالية الأوضة)
بره في الساحة..
(وسط ضرب النار وصوت المزامير الصعيدية، يقف رحيم في وسط الرجالة والكل عمال يبارك له ويهنيه. في اللحظة دي، يقرب منه المعلم عوض وبابتسامة لئيمة ونبرة واطية يقول):
المعلم عوض: هاه.. اتكلمت في موضوع الأرض ولا لسه يا عمدة؟
رحيم (يبص له بنفاذ صبر وضيق حقيقي وعينيه بتطق شرار): هو ده وقته يعني يا معلم عوض؟! ما أنت عارف إن دلوقتي كتب كتاب أختي!
(المعلم عوض يبتسم بسماجة وبرود، ويهز راسه من غير ما يرد، ويسيب رحيم ويروح يقف مع الناس وسط الزحمة)
(رحيم يتحرك بكل شموخ وقوة نحو الحصان الفاخر بتاعه.. يركب عليه زي الفارس، ويمسك اللجام بقوة ويبدأ يرقص بيه في وسط الساحة بكل مهارة وهيبة، والناس كلها بتصقف وتهتف باسمه)
(جوة عند الحريم، كانت الأجواء لسه قايدة فرح.. واقفة هدير وهي عاملة ميك اب كامل ولابسة فستان مجسم ومفصل جسمها، عمالة ترقص قدام الحريم بكل احترافية ودلع وسط تشجيعهم، وفجأة شدت إيد العروسة رقية عشان ترقص معاها، ورقية كانت مكسوفة ومحرجة جداً من حركاتها)
(في الناحية التانية، كانت نعمة قاعدة جنب ألحان، بتبص لها بطيبة وفضول)
نعمة (بصوت واطي وهي مقربة منها): وأنا ممكن أعرف أنتي تعرفي أبويا منين يا خيتي؟
ألحان (تنهدت بحزن): أنتي أكيد هتستغربي.. بس أنا ما اعرفش أبوكي شخصياً، أنا أقرب له عن طريق أمي الله يرحمها.
نعمة (بحنية): طب يا حبيبتي.. بس شكلك كده لسه صغيرة واصل على الحزن ده كله.
(ابتسمت ألحان بوجع ولسه هتتكلم وتوضح لها، فجأة انقطع صوت الزغاريد ودخلت الخدامة تجري ووشها أصفر ومخطوفة)
الخدامة (بفزع وصوت عالي): الحقي يا ست هانم! الحقي يا حاجة العمدة جوه قاطع النفس واصل!
(هانم قامت تجري برعب وهي بتلطم على صدرها، ورقية سابت هدير وجريت ورا أمها، ودخلوا أوضة العمدة بسرعة وهو مستلقي ومش حاسس بحاجة)
هانم (بصريخ ودموع للخدامة): اطلعي بسرعة يا بت نادي لرحيم بره خليه يجيب الدكتور حالاً!
(خرجت الخدامة تجري بره، وفي الأوضة الحريم متجمعين بيعيطوا، وألحان واقفة وراهم بحرج وبتوجس، حست بواجبها المهني فقررت تتدخل)
ألحان (بتردد وصوت هادي): أنا.. أنا ممكن أساعده لو تحبوا؟
نعمة (التفتت لها بلهفة وأمل): هو أنتي دكتورة يا حبيبتي؟
ألحان: أيوه.. أنا دكتورة.
(نعمة ما كدبتش خبر، مسكت إيد ألحان بسرعة وعدت بيها وسط الحريم وراحت ناحية سرير العمدة وهي بتنادي على رقية)
نعمة: يا رقية.. الدكتورة أهي! خليها تشوف أبوكي بسرعة!
رقية (بدموع وانهيار): طب بسرعة.. بالله عليكي الحقيه يا دكتورة!
(دخلت ألحان وبدأت تكشف عليه بكل هدوء وثبات مهني، قاست النبض وبصت في عينيه، ولمحت علب العلاج اللي على الكومودينو)
ألحان (بثقة عشان تطمنهم): اهدوا يا جماعة، ما فيش حاجة تقلق قوي.. هو شكله كده أكل سكريات كتير وضغطه مع السكر علي فجأة.
(مسكت علبة العلاج بتاعته وعرفت الجرعة، وسحبت حقنة الانسولين بسرعة وبكل خفة ودقة إديتهاله..
في نفس اللحظة دي، انفتح الباب بقوة ودخل رحيم وعلامات الخوف والغلظة على وشه وهو بينهج)
رحيم (بصوت جهوري): في إيه؟! عشر دقايق بالظبط والدكتور هيكون هنا، أنا كلمته!
هانم (تتنفس الصعداء وتمسح دموعها): خلاص يا ولدي.. الحمد لله، الدكتورة اتصرفت وعملت الواجب.
رحيم (عقد حواجبه باستغراب وداق خلق وعينيه نزلت على ألحان، بص لها بقوة وحدة وهيبة تخوف): دكتورة؟! دكتورة إيه دي واصل؟! (خطى خطوة ناحيتها ونبرته بقت أشد): أنتي مين؟ وبتعملي إيه هنا في أوضة أبويا وفي دواري؟!
ألحان (خافت من هيبته وصوته، رجعت خطوة لورا وبلعت ريقها ومعرفتش ترد من التوتر..)
هانم (تتدخل بسرعة عشان تهدي الموقف): دي قريبة الشيخ زهران يا رحيم يا ابني.. هي اللي لحقت أبوك.
(وقبل ما رحيم ينطق بكلمة ثانية أو يستجوبها بعينيه الصقر، انفتح الباب ودخل الدكتور بسرعة..)
(دخل الدكتور وبدأ يكشف على العمدة بدقة، وعلامات الدهشة ظهرت على وشه وهو بيبص للجرعة ولحالة العمدة اللي بدأت تستقر)
الدكتور (بالتفاتة إعجاب وذهول للكل): بسم الله ما شاء الله.. العمدة كويس والحمد لله، اللي اتعمل معاه دلوقتي لحقه في الوقت المناسب من غيبوبة سكر محققة! لولا الجرعة دي والتصرف السريع ده، كان زماننا في وضع تاني خالص.
(رحيم وقف وبص لأبوه بارتياح، وبعدين لف وشه وبص لألحان بنظرة فيها غيبوبة من الاستغراب الممزوج بالاحترام لأول مرة، خطى خطوتين ناحيتها وصوته الجاد هدي شوية)
رحيم: ماشي يا دكتور، شكراً ليك.. (التفت لألحان وعينيه مركزة عليها بقوة): شكراً ليكي يا دكتورة.. لحقتي العمدة في وقتها.
ألحان (بصوت رقيق وناعم، رفعت وشها لأول مرة وبصت في عينيه بثقة طبيب): ما فيش شكر على واجب.. ده واجبي ناحية أي مريض، وما عملتش غير اللي المفروض يتعمل.
وفي اللحظة دي، العمدة بدأ يتحرك ببطء، وفتح عينيه بتعب وإرهاق وهو بيبص حواليه في الأوضة
أول ما العمدة فتح عينيه، عينه جت على ألحان مباشرة.. بربش كذا مرة وهو مش مصدق، وشاف صورة نادية الله يرحمها قصاده بالملّي.. ابتسم بكسرة وحنين غريب، ومد إيديه المرتعشة ناحيتها وصوته طلع ملهوف
العمدة: أنتي رجعتي يا حبيبتي..؟!
الكل اتصدم صدمة عمره، والأوضة سادها ذهول رهيب، وألحان اتكسفت جداً ونزلت عينها في الأرض ومش فاهمة حاجة
هانم (بغضب وغيرة عميا وقربت منه بسرعة): إيه يا عمدة! إيه الكلام ده عاد؟! أنا جنبك أهو.. واصل مين اللي رجعت!
(العمدة ما سمعلهاش، واتعدل على السرير بكل قوته ولسه عينيه منزلتش من على ألحان):
العمدة: يعني أنتي موجودة هنا؟ ما بعدتيش عني؟ تعالي.. تعالي يا نادية يا حبة القلب!
(ألحان برقت عينيها واتصدمت صدمة هزت كيانها.. إزاي الراجل ده عارف اسم أمها بالظبط؟! التفتت وبصت لرحيم بخوف)
رحيم (بقلق وعقد حواجبه): إيه يا عمدة الكلام ده؟ استهدى بالله أنت لسه تعبان وداخل على غيبوبة!
العمدة (اتعصب جداً وشد الغطا وعينيه شررت): أنا مش تعبان! واصل ما فيا الشفا!
(وفجأة.. العمدة قام وقف على رجليه من السرير! والكل اتصدم وشهق بصوت عالي.. العمدة بقاله 15 سنة مش بيتحرك من مكانه ولا بيقوم واصل! خطى خطواته وقرب من ألحان بكل لهفة ومسك إيدها بقوة):
العمدة: مش عايزة تقولي لي كنتي فين السنين دي كلها يا نادية؟ وحشتيني قوي..
ألحان (بصوت يرجف من الذهول والخوف): هو.. هو حضرتك تعرف ماما منين؟!
(الصدمة نزلت كالصاعقة على كل اللي في الأوضة، وأولهم الحاجة هانم اللي وشها جاب ألوان من الصدمة والغل):
هانم (بصريخ): أنتي بنت نادية؟!
ألحان (التفتت لهانم بحيرة): حضرتك تعرفي ماما؟!
فردوس (اتدخلت بسرعة وعينيها دمعت وقربت من ألحان): تعالي يا بنت الغالية.. تعالي في حضني، أمك فين يا ألحان؟ أمك فين يا بنتي؟
ألحان (والدموع نزلت من عينيها كالشلال وصوتها اتخنق): الله يرحمها.. ماتت من أسبوع!
العمدة (بإنكار وكسرة هزت كيانه): لاه! ما تقوليلش كده واصل! نادية لسه عايشة أنا متأكد.. قلبي حاسس بيها!
رحيم (قرب من أبوه يحضنه): اهدى بس يا عمدة.. اهدى عشان صحتك احسن تتعب تاني.
ألحان (صعب عليها منظر الكسرة اللي في عين العمدة، مدت إيدها التانية وبحنية طبطبت على إيديه اللي ماسكاها): اهدى يا عمو.. اهدى أنت كويس والحمد لله.
العمدة (ابتسم برياحة وأمان كأنه طفل لقى أمه): أنا هبقى كويس طول ما أنتي جنبي يا حبيبتي..
(مسك إيدها ومشي معاها بالراحة ناحية السرير، ونام تاني وهو لسه متبت في إيدها ومصمم ما يسيبهاش، وألحان قعدت جنبه على طرف السرير وصعب عليها حاله جداً ودموعها لسه على وشها)
هانم اتضايقت ضيق عمري ما حسته، واتعصبت على الآخر، لفت وشها وخرجت بره الأوضة وهي بتبرطم بغل، وخرج وراها الحريم كلهم من الأوضة مفيش غير رحيم اللي فضل واقف، وراح قعد على الكرسي وعينيه الصقر مركزة على ألحان وعلى إيد أبوه اللي ماسكاها، وعقله عمال يودي ويجيب في ألف فكرة
بره في الطرقة..
الحريم متجمعين في وش هانم اللي واقفة بتغلي، وقربت منها هدير بفستانها والميك اب وبتتكلم بدلال وخبث
هدير: هي مين دي يا مرات عمي؟ ومين نادية دي اللي خلت العمدة يتحرك من على السرير بعد 15 سنة ويتمسك بيها بالمنظر ده؟!
(هانم وشها مقلوب وما ردتش عليها واصل من كتر الغيظ والتفكير)
فردوس (التفتت لبنتها ونطقت بصوت واطي ومخطوف): نعمة.. اتصلي على أبوكي الشيخ زهران وقولي له يجي الدوار هنا حالاً!
نعمة (بقلق): حاضر ياما.. من عيوني.
