رواية لهيب الكبرياء الفصل الثالث
الوقوع في الهاويه 🔥🔥
خرجت يارا من مبنى الشركة والرياح بتطير طرف جكيتها الأسود وعينيها بتلمع بنصر مؤقت هي عارفة كويس إنه بداية البركان مش نهايته. حطت نظارتها الشمسية على عينيها وركبت عربيتها، وبمجرد ما لفت الدريكسيون ورنت نغمة عربيتها برقم مجهول، ضغطت زرار السبيكر وقالت بثبات:
"كنت عارفة إنك مش هتحتمل تستنى للصبح يا فارس بيه."
جاء صوته عبر السماعات هاديء بشكل يرعب، هدوء يسبق العاصفة، وقال ببطء:
"اركني على جنب يا يارا.. ولا تحبي أقفلك الطريق برجالي وأخلي المقابلة الجاية في مكان ما يعجبكيش؟"
ابتسمت يارا وبصت في المراية وشافت العربية الجيب السوداء اللي ماشية وراها من لحظة ما خرجت، هدت السرعة ووقفت على كورنيش النيل في مكان شبه فاضي، نزلت من عربيتها ووقفت تسند على السور الحديدي والرياح بتلعب بشعرها. وقفت العربية الجيب وراها ونزل منها فارس بكل هيبته، مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف جنبها، وعينيه بتتأمل وشها في ضلمة الليل.
قالت يارا من غير ما تبص له:
"جاي تطلب الهدنة؟ ولا جاي تتأكد إن الحريق اللي في المينا وصل لأسهمك في البورصة؟"
لف فارس جسمه ليها ومال برأسه بثقة وقال بصوت واطي ومخيف:
"أنا ما بطلبش هدنة من خصم بيلعب بالنار يا يارا. الحركة اللي عملتيها في المينا حركة عيال.. فاكرة إنك لما تبلغي عن الشحنة هتلوي دراعي؟ الشحنة دي كانت متأمن عليها بمليارات، والبلاغ المجهول ده أنا عرفت مين اللي زقه ومين القبض التمن، وفي ظرف ساعتين المسئول الكبير اللي مشيتيه وراكي هيبصم على ورق اعترافه إن البلاغ كاذب."
تجمّدت يارا مكانها لثانية لكنها لفت بوشها له وبصت في عينيه بثبات وقالت:
"عارفة يا فارس.. وعارفة كمان إنك تقدر تطلع منها زي الثعبان. بس أنت نسيت حاجة مهمة أوي.. الإعلام مش هيستنى الساعتين دول! الصحافة الاقتصادية نازلة بكره بمانشيت عريض عن التحقيق مع مجموعتك، وبكره الصبح لما البورصة تفتح، المستثمرين مش هيستنوا لما تطلع ورق اعتراف المسئول، الأسهم هتوقع.. وحلفاؤك يهربوا!"
قرب فارس منها خطوة واحدة، المسافة بينهما بقت معدومة، عينيه اتثبتت في عينيها وقال بنبرة مليانة تحدي وشغف مجنون:
"أنتِ ليه مصرة تتعاملي معايا كأني مجرد رجل أعمال خايف على فلوسه؟ أنتِ بتهدي معبد أنا ببنيه بإيدي من سنين، وبتقوليلي الأسهم هتوقع؟ الأسهم تروح وتيجي يا يارا.. إنما الكبرياء اللي في عينيكي ده، والتحفيز اللي عملتيه جوايا الليلة دي، ده التحدي الحقيقي اللي أنا مستنيه من زمان. أنتِ مش بس ضربتي شغلي، أنتِ صحيتي الوحش اللي كان نايم جوايا."
ردت يارا بنبرة حديدية وصوت ناعم في نفس الوقت:
"يبقى ياريت تخليه صاحي يا فارس بيه! عشان أنا مش جاية أكسر نفوذك بس.. أنا جاية أثبت لك إن الست اللي استهترت بيها وقلت إنها هتبكي على شركة أبوها، قادرة تسحب عرشك من تحت رجليك وأنت واقف بتفرج. اللعبة دي مش لعبة فلوس.. دي لعبة بقاء، واللي هيستسلم الأول هو اللي هيدخل القفص."
ضحك فارس ضحكة مكتومة يملأها الثقة، وقرب أكتير وهو بيهمس جنب أذنها:
"تفتكري مين فينا اللي بيدخل القفص برجليه؟ الورق اللي أخدتيه من مكتبي واللي حطيتيه في إيد رجالك، كان فيه شفرة صغيرة جداً تتبع إلكتروني، ودلوقتي رجالي في طريقهم للمقر السري اللي أنتِ مخبية فيه أصول وثائق شركة أبوكي عشان يحفظوا عليها كضمان للضرر اللي سببتيه للمينا الليلة."
اتسعت عيون يارا بصدمة حقيقية، وحست بضربات قلبها بتزيد، وقالت بصوت متهدج:
"أنت بتلعب دنيء يا فارس!"
رد فارس بابتسامة نصر ساحرة وبص في عينيها بثبات:
"في الحرب والمشاعر ما فيش لعب دنيء ولعب نظيف يا يارا.. في بس مين بيحسب الخطوة الجاية صح. والدلوقتي الشروط اتغيرت.. يا إما تعترفي بالهزيمة وتيجي تقعدي على مكتبي بشروطي أنا، يا إما بكرة الصبح مش بس أسهمي اللي هتتهز.. شركة أبوكي بالكامل هتبقى ملكي بقوة القانون!"
وقفت يارا مشدودة القامة، وعينيها بتولع بشرار الغضب لكنها رفضت تنكسر، قربت وشها منه جداً وقالت بنبرة خلت الهوا يتجمد بينهما:
"لو فاكر إنك لعبت الكارت الأخير تبقى غلطان يا فارس.. المقر السري ده ما كانش غير طعم تاني عشان استدرج رجالك بنفسي، وفي اللحظة اللي هيدخلوا فيها، الشرطة هتكون مستنياهم بتهمة الاقتحام والسطو المسلح على ممتلكات خاصة! وريني بقى هتنقذ سمعتك وسمعة رجالك إزاي قدام الرأي العام لما يكتشفوا إن فارس بيه بيبعت عصابات بالليل؟"
اتغيرت ملامح فارس بالكامل وظهر الذهول في عينيه لأول مرة بجد، وبص لها بكثير من الإعجاب والذهول المجنون، وارتفع صوته بنبرة حاسمة هزت هدوء الليل:
"أنتِ مجنونة يا يارا! أنتِ بتلعبي بحياتك وبمستقبلك كله على تكّة!"
ابتسمت يارا ابتسامة انتصار ساحرة ولفت وشها وفتحت باب عربيتها، وبصت له قبل ما تركب وقالت بثبات ملكي:
"أنا ما بلعبش بحياتي يا فارس.. أنا بغير قواعد اللعبة كلها. والميدان لسه مفتوح.. أشوفك بكره في صالة البورصة عشان تشوف بعينك مين اللي بيعرف يحسب الخطوة الجاية صح!"
دخلت عربيتها ودورت المحرك وانطلقت بسرعة في ضلمة الليل، وسابت فارس واقف في مكانه ينظر لأثر عربيتها وعينيه بتشتعل بنار غير مسبوقة، نار تجمع بين غيظ الشديد من الهزيمة الشبه محققة، وشغف أعمى بالمرأة اللي قدرت تحديه وتهز كيانه لأول مرة في حياته!
شقت يارا صمت الليل بعربيتها بسرعة جنونية، وعينيها مثبتة على الطريق وبصمات الحوار الأخير مع فارس لسه بتتردد في أذانها زي طنين مكتوم. كانت عارفة إنها بتلعب على الحبل المشدود، وإن غلطة واحدة بالسمتي الأخير كفيلة بإنها ترميها في الهاوية، بس لذة التحدي ونار الانتقام كانوا بيجروا في دمها زي المصل الشافي.
على الناحية التانية، فضل فارس واقف في مكانه على الكورنيش، الهواء البارد بيخبط في وشه وهو بيبص لأثر عربيتها المختفي في الضلمة. طلع تلفونه بأصابع مشدودة وضغط على رقم "كريم" اللي رد بعد أول رنة وهو بيلهث:
"فارس بيه! الرجالة وصلوا للعنوان اللي خرج من التتبع، بس..."
سكت كريم لحظة وتردد، فصرخ فيه فارس بنبرة أرعبت الليل من حوله:
"أنطق يا كريم! بس إيه؟!"
"المكان فاضي يا فندم! ما فيش غير جهاز لابتوب مفتوح في نص الصالة، وشاشة العرض مكتوب عليها رسالة واحدة بس: (كنت عارفة إنك هتيجي يا فارس.. استمتع بالضيافة)."
غمض فارس عينيه وبسط إيده المضمومة بقوة، وضحت في دماغه الصورة كاملة. كانت بتلعب بيه، استدرجته عشان تشغله بالخطوة دي وتكسب وقت. فتح عينيه وعينيه بتلمع بشرار متأكل، وقال بصوت واطي ومخيف:
"اسحب الرجالة فوراً يا كريم قبل ما أي قوة شرطة تقرب من المكان. الهانم كانت حاسبة كل حاجة بالملي.. بس اللعبة دي مش هتخلص غير لما أنا أقول إنها خلصت."
قفل الخط وركب عربيته وانطلق بغضب، الدريكسيون في إيده كأنه رقبة خصمه.
في نفس الوقت، كانت يارا قاعدة في مكتبها الخاص في برج الإدارة، النور طافي وما فيش غير ضوء الشاشات الأزرق يعكس على وشها المجهد والثابت في نفس الوقت. دخل سكرتيرها الخاص "تامر" وهو ماسك ملفات ورقية وبيترعش:
"يارا هانم.. الأخبار بدأت تتسرب. الصحف الاقتصادية نزلت الأخبار الأولية عن الشحنة المضبوطة في المينا، والجروبات الاستثمارية بتغلي. بس في مشكلة ثانية ظهرت دلوقتي!"
رفعت يارا رأسها بثبات وقالت بنبرة صلبة:
"مشكلة إيه؟ أتكلم يا تامر."
"فارس بيه.. حرك كارت ما كناش عاملين حسابه. هو ما استنهاش للصبح، أصدر بيان صحفي عاجل من ساعتين بيعلن فيه إنه استحوذ على 30% من مديونيات شركتنا المباشرة للبنوك الوطنية، وبكده بقى له الحق القانوني إنه يطالب بجدولة فورية أو وضع حراسة قضائية على الشركة خلال 24 ساعة!"
شعر رأس يارا وقفت، والدم هرب من وشها لثانية. كانت عارفة إنه دهقاني ذكي، بس ما اتوقعتش إنه يقدر يحرك سيولة المليارات دي في نص الليل عشان يمسك الشركة من رقبتها بالسرعة دي!
وقفت يارا بخفة وسندت إيديها على المكتب، وعينيها بتلمع بتصميم مرعب:
"فاكر إنه بيلوي دراعي بالفلوس؟ يبقى لسه ما عرفش يارا كويس."
سحبت هاتفها الشخصي وضغطت على رقم مباشر، ورد الطرف التاني بصوت حذر:
"أهلاً يا يارا هانم.. توقعت اتصالك في الوقت ده."
"دكتور عادل.. الملف السري اللي سلمته لك الأسبوع اللي فات، حان الوقت إنه يخرج للنور. عاوزة طلب انعقاد طارئ لمجلس إدارة البنك المركزي الصبح الساعة تمانية.. قبل ما البورصة تفتح بدقيقة واحدة."
"بس ده كارت حرق شامل يا يارا! ده معناه إنك بتفتحي التحقيق في التمويلات الأجنبية كلها، وشركتك ممكن تضر!"
ابتسمت يارا ابتسامة ساحرة ومظلمة، وقالت بصوت هادي زي الموت:
"اللي يحرق بيته عشان يقتل الثعبان اللي جواه، ما يبكيش على الرماد يا دكتور. نفذ المكتوب."
قفلت الخط، ولفت تبص للمدينة المنورة تحتها من الشباك الزجاجي الكريستالي. كانت عارفة إن الصبح مش هيعدي على خير، وإن المواجهة الجاية مش هتبقى في المكاتب المغلقة ولا في الكواليس.. هتبقى في الميدان المفتوح، قدام كاميرات الصحافة وأسهم البورصة اللي بتغلي.
وفي الجانب الآخر من المدينة، كان فارس قاعد في مكتبه، كاس القهوة في إيده والعرق نازل على جبهته وهو بيبص للشاشات اللي بتعرض حركة الأسهم التمهيدية. كان بيحس بشيء غريب جواه.. مزيج من الغضب الساطع والشغف الأعمى. الست دي ما كانتش مجرد منافسة، دي كانت زلزال بيهز كيانه ورغبة مجنونة جواه إنه يكسر كبرياءها ويملك عقلتها قبل فلوسها.
رفع سماعة التلفون وقال بصوت حاسم هز أرجاء الأوضة:
"كريم.. جهز العربية الرسمية. الصبح هكون أول واحد يدخل مبنى البورصة بنفسي.. وعاوز يارا هانم تعرف إن القفص قفل عليها خلاص."
الشمس بدأت تطلع على سماء القاهرة، لونها أحمر زي الدم، والكل مستني الدقيقة الأولى من الدخلة الصباحية..
