رواية دم الورد الفصل الثاني
أحياناً يأخذك القدر إلى أماكن لم تكن تعلم أنها موجودة ويضعك أمام أشخاص لم تكن تتخيل أنهم سيغيرون حياتك إلى الأبد
في صباح اليوم التالي توجهت تاليا إلى منطقة المهندسين حيث كان المكتب يقع في عمارة فخمة بالدور السادس وعلى الباب لوحة أنيقة مكتوب عليها رعاية بلس خدمات مرافقة ورعاية VIP
دخلت فوجدت استقبالاً راقياً وموسيقى هادئة تملأ المكان وقابلتها سيدة في الخمسين من عمرها تُدعى مدام إيمان امرأة شيك شعرها مصفف بعناية وكلامها محسوب بدقة
عرّفت تاليا بنفسها فسألتها مدام إيمان بابتسامة مهذبة أهلاً يا تاليا اسمك حلو بتقدمي على إيه فأجابت تاليا بثقة شغل المرافقة
سألتها مدام إيمان عندك خبرة فردت تاليا لأ بس بتعلم بسرعة وبعرف إنجليزي كويس
نظرت إليها مدام إيمان بتمعن وأعجبها شكل تاليا فهي ليست جميلة بالمعنى التقليدي لكن فيها شيء مختلف عيناها الخضراوان فيهما قوة ووجهها يحمل حكاية تجذب الأنظار
قالت مدام إيمان تمام فيه عندنا طلب من عيلة كبيرة في الزمالك محتاجين مرافقة لست كبيرة
اسمها الحاجة زينب الشناوي هي والدة رجل أعمال مشهور والمرتب ثلاثين ألف في الشهر غير البونص
شعرت تاليا وكأن قلبها توقف عن النبض ثلاثين ألف
أكملت مدام إيمان أيوه بس الشغل مش سهل الحاجة زينب صعبة وطلباتها كثيرة وابنها أصعب
سألت تاليا بفضول ابنها مين
ابتسمت مدام إيمان وقالت آسر الشناوي ما سمعتيش عنه
---
آسر محمد الشناوي رجل في الرابعة والثلاثين من عمره واحد من أغنى خمسين رجلاً في مصر
ورث شركات أبيه الشناوي جروب وضاعف حجمها عشر مرات عقارات وفنادق ومصانع وشحن واستيراد وتصدير
آسر ليس مجرد رجل أعمال إنه أسطورة في عالم البيزنس في عمر الرابعة والثلاثين يملك إمبراطورية كاملة
لكن على المستوى الشخصي فهو كابوس حقيقي
تزوج مرتين الأولى كانت ابنة رجل أعمال خانته مع صديق له فطلقها وانتقم من صديقه
والثانية كانت موديل فرنسية تركته لأنها قالت إنه بارد كالجليد ولا يملك أي مشاعر
منذ ذلك الحين أغلق آسر قلبه تماماً وأصبح يعامل الناس كالصفقات الجميع عنده مجرد أرقام والجميع موظفون حتى النساء
أمه الحاجة زينب هي الوحيدة التي بقي لديه تجاهها شيء من الإنسانية يحبها بجنون وهي أيضاً تحبه لكنها تخاف عليه وتراه يتحول إلى وحش أكثر كل يوم
---
قُبلت تاليا في العمل وأمها أجرت العملية من فلوس السلفة التي أخذتها من المكتب على أن تُخصم من راتبها بأوراق رسمية
ذهبت إلى الفيلا في الزمالك فيلا عتيقة من أيام الملك فاروق بحديقة ضخمة وأشجار قديمة وحراسة على الباب
دخلت فوجدت الجو بالداخل بارداً رغم حرارة الخارج والأثاث من الأنتيكات الثمينة ورائحة المكان تشبه رائحة التاريخ
الحاجة زينب سيدة في السبعين شعرها أبيض بالكامل ووجهها يحمل تجاعيد الزمن لكن عينيها عيناها كعيني صقر ذكية ترى كل شيء
جلست أمام تاليا ونظرت إليها بتمعن وسألتها إنتِ المرافقة الجديدة
أجابت تاليا أيوه يا فندم
قالت الحاجة زينب مدام إيمان قالتلي إنك ذكية صح
ردت تاليا هي قالت كده
سألتها الحاجة زينب وإنتِ شايفة نفسك إيه
صمتت تاليا لحظة ثم قالت أنا شايفة نفسي واحدة بتعمل اللي عليها وأكتر ومش بحب الكلام الكتير
ابتسمت الحاجة زينب أول ابتسامة وقالت عجبتيني اللي قبلك كانوا كلام كتير وشغل قليل تعالي أوريكي أوضتك
---
مر أسبوع وبدأت تاليا تفهم إيقاع البيت الحاجة زينب تصحو الساعة السادسة صباحاً
تصلي الفجر ثم تنزل إلى الحديقة لتشرب شاياً بالنعناع وبعد الإفطار تقرأ القرآن وبعد الظهر تنام ساعتين وبالليل تتفرج على مسلسلات قديمة
أصبحت تاليا ظلها تأكل معها وتحكي لها وتسمعها وبدأت الحاجة زينب تحبها
لكن آسر لم يكن قد ظهر بعد
---
في يوم من الأيام كانت تاليا تمشي في الممر ليلاً ذاهبة لتحضر كوب شاي للحاجة زينب وكان الممر مظلماً وفجأة أحست بشخص واقف أمامها
توقف قلبها رجل طويل بأكتاف عريضة ووجهه غير واضح في الظلام لكن عينيه لمعتا في الضوء الخافت
سألها بصوت كصوت شخص اعتاد أن يأمر لا أن يسأل إنتِ مين
لم تتراجع تاليا وأجابت أنا تاليا المرافقة الجديدة للحاجة زينب
صمت لحظة ثم قال المرافقة
قالت أيوه
سأل ومين جابك
أجابت مكتب رعاية بلس
سأل ومين وافق
قالت الحاجة زينب
اقترب آسر خطوة للأمام ووقع الضوء على وجهه ورأته تاليا لأول مرة بوضوح
وجه كأنه منحوت من الرخام وعينان بنيتان غامقتان فيهما بُعد مخيف وشعر أسود مسرح للخلف وفك حاد وشفتان مرسومتان لكنهما مغلقتان على بعضهما
هذا ليس رجلاً هذا تمثال إغريقي نزل من متحف وقرر أن يعيش لكن التمثال هذا عيناه باردتان باردتان كالثلج
قال آسر أمي ساعات بتستعجل بتقبل ناس من غير ما تسأل بس أنا بسأل
قالت تاليا بثبات اسأل
رفع حاجبه فهو غير معتاد أن يرد عليه أحد هكذا
سألها إنتِ منين
أجابت السيدة زينب
سأل متعلمة
قالت آداب إنجليزي القاهرة
سأل ليه سبتِ الترجمة وجيتي تشتغلي مرافقة
صمتت تاليا لحظة ثم قررت أن تقول الحقيقة أمي تعبت محتاجة فلوس العلاج والشغل ده مرتبه أحسن
نظر إليها آسر وللحظة واحدة تغيرت ملامحه شيء لمع في عينيه لكنه اختفى بسرعة
قال بنبرة حادة خلي بالك من أمي
ثم مشى وتركها واقفة في الممر وقلبها يدق بقوة دون أن تعرف السبب
منذ ذلك اليوم أصبح آسر يظهر باستمرار كان قبلها لا يأتي إلى الفيلا إلا مرة في الأسبوع أما الآن فقد أصبح يأتي كل يوم تقريباً
لاحظت الحاجة زينب ذلك وابتسمت في سرها وتاليا أيضاً لاحظت لكنها لم تفهم شيئاً
كان آسر يراقبها من بعيد يراها وهي تصبّر أمه ويراها وهي تضحك معها ويراها وهي تقرأ لها من كتاب قديم
هذه البنت ليست كالنساء اللواتي قابلهن من قبل كل من قابلهن كن يردن شيئاً منه ماله أو شهرته أو اسمه كلهن
أما هذه فهي لا تنظر إليه أصلاً كأنه غير موجود
وهذا ما جعله يفقد عقله
هل يستطيع قلب تجمد من الخيانة أن يذوب أمام امرأة لا تريد منه شيئاً
وهل ستكون تاليا هي من تكسر جدران آسر الشناوي أم ستتحطم هي على صخرته الباردة؟
