رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الخامس والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
يقودنا الخذلان إلى طُرقات لم نرغب بها يومًا، يجعلنا نشعر بالموت بين أحضان الحياة، لا سيما حين يأتي من الجهة التي أدرنا لها ظهورنا آمنين، مطمئنين. تمامًا كأن يقتلع النسيم أوراق الشجر التي أحبته و تمايلت يومًا على انغامه بدلاً من الإعصار الذي لطالما خشيته واختبأت منه.
فالألم لا يُقاس بمدى قوة الضربة بل بمقدار اقترابها من القلب، واليد التي منحتنا الطمأنينة يومًا حين تقسو يكُن الألم مُبرحًا، فالأنسان ينجو من العواصف لأنه يترقب قدومها، ولكن يقتله النسيم حين تتحول نعومته لنصل خنجرٍ بارد يعرف كيف يذبح ببطء، هكذا هو الخذلان لا يقتلنا بعُنف بل يُخمد جذوة الحياة بداخلنا بهدوء، و يتركنا نحدق في الفراغ بأنين صامت لا يسمع له صراخ ولكنه يمتد بنا حتى الموت.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ نجااااة...!
انفجر صوتُ رحيم ممزقًا ضجيج المكان، بينما كانت الدماء تنهمر من كتفه المصاب بغزارة. حاول أن ينتصب على قدميه رغم الألم الذي كان ينهش جسده، يفتش بعينين أكلهما الهلع عن نجاته، وكأن وجع فقدانها قد فاق إحساسه بالألم الناجم عن جرحه النازف.
في تلك اللحظة، كان الدخان الكثيف قد عن أرجاء المكان بأكمله، فحجب الرؤية وبعثر الصفوف، وأغرق الجميع في فوضى عارمة. لتتعالى صرخات الفزع من كل اتجاه حتى اختلطت بأزيز الرصاص وارتباك الحرس، حتى بدا المشهد وكأنه ساحة حرب فقد فيها الجميع القدرة على تمييز الصديق من العدو، وقد كان كل شيء يسير كما خطط له الشيطان منذ البداية. فهذه هي اللحظة التي انتظرها، فمن خلف ستار الدخان، لمع زوج من العينين ببرودة قاتلة، و استقرت فوهة القناصة ببطء فوق منتصف جبهة رحيم، الذي كان يدور في المكان كطائرٍ ذُبح وما زال يرفرف بأجنحته الأخيرة بحثًا عمن يحب. غافلًا عن ذلك الإصبع الذي استقر فوق الزناد لتنطلق رصاصة الغدر وفي نفس اللحظة دوى زئير هز أرجاء المكان:
— رحييييم...!
لم يكد رحيم يلتفت إلى مصدر الصوت، حتى اندفع خالد بكل ما أوتي من قوة، وألقى بنفسه فوقه، ليرتطم الاثنان بالأرض بعنف، بينما شقت الرصاصة الهواء فوق رأسيهما لتستقر في صدر أحد أفراد الحراسة، الذي ترنح للحظة قبل أن يهوي أرضًا غارقًا في دمائه، وقد فارقته الحياة في الحال.
ساد الصمت المكان لثوانٍ كأن الزمن نفسه قد توقف. قبل أن تنفجر الفوضى من جديد، أشد ضراوةً مما كانت عليه، لتتعالى صرخات عمر من الخلف وهو يقول بوحشية:
ـ أمسكوا الكلب دا…
مرت لحظات عصيبة، على الجميع بين هتافات وهرج ومرج انتهى بانتشار الدماء البريئة في أرض المكان، فبعد أن تبدد هذا الدخان الكثيف اتضحت الرؤية و شوهد كم الخراب الذي عن المكان، ولكن عيني خالد كانت متوسعة بفعل الذُعر وهو يرى رحيم يُغلق عينيه بعد أن فقد آخر ذرة مقاومة لديه ليصرخ خالد بجنون:
ـ رحيييم. رد عليا…
اندفع عمر بجانب خالد يمد أصابعه متفحصًا نبض رحيم، ليهتف بلهفة:
ـ لسه فيه النبض..
أنهى جملته وهو يمزق قميصه ليضمد جرحه النازف حتى يوقف تدفق الدماء قبل أن يقول بأنفاس مقطوعة:
ـ لازم ننقله المستشفى حالًا…
مرت الدقائق التالية كأسهم مشتعلة لا يمكن اعتراضها أو إيقاف انطلاقها، فقد وصلوا إلى المشفى في وقت قياسي ليدخل رحيم رأسًا إلى غرفة العمليات، تاركًا الجميع في الخارج كالنمور الجريحة الغضب يتكاتف مع الألم ضدهم في حربٍ من نوعٍ خاص، والحكم فيها ليس عادلًا، ألا وهو الوقت الذي كان الجميع يتوسله حتى يترأف بصديقهم و ابن عمهم الذي سقط في فخٍ مُحكم نُصِب بمصيدة الخديعة للإيقاع به، و هدم وتدًا أساسيًا في بناء هذه العائلات وقد كان هذا ما جعل الغضب يكاد يفتك بخالد الذي ما أن تلقى خبر الهجوم على رحيم حتى صار كالنمر الجريح هو و عمر ليهرولان رأسًا إلى مكان الحادثة، بعد أن اودعوا تأمين المشفى إلى يزيد الذي هاتف ياسر ليحضر في دقائق إلى المشفى، فما أن رأى حالة خالد حتى اقترب يربت بقوة على كتفه وهو يقول بوعيد:
ـ أهدى يا خالد. حقه هييجي متقلقش.
كان غضبه كغضب الملوك حين تُستباح عروشهم يأبى أن يُكتب سقوط الوحش على يد ضبعٍ خسيسٍ لا يعرف المواجهة، فكانت عيناه تقدحان شررًا، وصدره يضج برعبٍ مكتومٍ على ابن عمه، وصديقه بينما الألم ينهش جسده في صمت، لكنه لم يكن من الرجال الذين يسمحون للوجع أن ينحني بهم، بل من أولئك الذين يحولونه إلى بطشٍ لا يُبقي ولا يذر، وقد تجلى ذلك في نبرته حين قال:
ـ هيحصل…
في هذه الأثناء دلف إلى المكان سالم الوزان الذي كان له من الهيبة تفرض سطوتها على المكان، و تبعث الرهبة في النفوذ بقامته المديدة و نظراته الحادة و الثاقبة والتي لانت حين وقعت على خالد الذي اندفع يعانق صديقه بقلبٍ يحترق ألمًا، و يتمزق غضبًا لتأتي المساندة من جانب سالم حين قال بنبرة قوية:
ـ هون على نفسك يا خالد. رحيم راجل وخربوش زي دا ميأثرش فيه…
تراجع عنه خالد وهو يحاول كظم غيظه بشتى الطرق ولكنه نبرته كانت تحمل كمًا هائلًا من الوعيد حين قال:
ـ اطمن عليه بس، وانا وعهد الله لهدفعهم التمن غالي..
سالم مشددًا من أزره:
ـ هيحصل. أن شاء الله هيحصل. بس متنساش انك عندك مزاد كمان كام ساعة، واكيد دي محاولة متعمدة عشان تخسر.
زمجر خالد بأنفاس مُلتهبة:
ـ و مش هتكون الأخيرة… أنا متأكد من كدا.. لكن بردو مش هيهدالي بال غير لما اعرف حصل أي مع رحيم..
سالم بنبرة جافة:
ـ تفتكر حد سلمه؟
كانت الشكوك كوحشٍ ضاري يأكل خلايا عقله بنهمٍ أفقده صوابه ليقول بنبرة قاسية:
ـ أكيد. بس أنا مش هسمع كلامه المرة دي…
سالم باستفهام:
ـ شاكك في مين؟
خالد بنبرة ممتعضة:
ـ مراته…
صمت خالد يسترجع ذلك الحديث بينهم قبل عدة أيام:
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ يعني عرفت انها بتتواصل معاه، و في نفس الوقت مش راضي تجبرها و تاخد منها اللي احنا محتاجينه، أنت بتعمل كدا ليه يا رحيم؟
هكذا تحدث خالد بغضبٍ كان كالجحيم ليقابله رحيم بغضبٍ يتخلله العشق الذي احتل قلبه لأجلها:
ـ عشان دي مرتي، و مش هفرِط فيها يا خالد. لازمن تعرِف حجيجة الكلب ده.
زأر خالد بوحشية:
ـ الوقت مش في صالحك. أنت معادي شيطان حتى بنته معندوش مشكلة يحطها تحت رجليه.
تدخلت صافية في محاولة منها لخفض حدة التوتر:
ـ أهدى يا خالد. أهدى يا جلب عمتك. أن شاء الله مش هيحصول غير كل خير، والكلب ده بأمر الله هنخلوص منيه.
كانت عيني خالد لا تزال على رحيم الذي كان ألمه يوازي غصب خالد الذي قال بعتب قاسي:
ـ أنا معنديش استعداد اجازف بحد منكوا، وانت عارف كدا. خسرنا كتير، و الخسارة لسه مرارتها عايشة في قلوبنا.
صرخ رحيم بنبرة جريحة:
ـ عارف، و عشان أكده مجدرش أخسرها. لو أشجان في مُطرحها كان هيوبجى ده رأيك؟
استقرت الكلمات في منتصف صدره، ولكنه وبالرغم من ثُقل الأمر على قلبه تحدث بنبرة جامدة لم يهتز حرفًا واحدًا بها:
ـ الخيانة عندي تمنها واحد مع الناس كلها، ولما تكون في عيلة كاملة متعلقة في رقبتي، فأنا مجبر احميها حتى لو هدوس على قلبي. أنا معنديش استثناءات يا رحيم…
كاد رحيم أن يتحدث لتتدخل صافية وهي تقول بنبرة كالفولاذ:
ـ واد عمك عِنده حج يا رحيم. لازمن نعرِف عدونا من حبيبنا.
ـ يا عمه..
تحدث رحيم بلوعة قطعتها كلمات صافية الحادة:
ـ وعشان منكونش ظالمين. أني هتحدت وياها، و هحط الحجيجة جدام عينيها. عشان اسهل عليها الاختيار، و لازمن تكون چاهز لكل الاحتمالات يا ولدي…
كان يشعر بالقهر يكاد يفتك بقلبه، ولكنه يعلم بأن معهم كل الحق لذا لم يعارض، ليسمع خالد يقول بجفاء:
ـ وانا موافق، و كدا يا ابن عمي انا اكون عملت كل اللي عليا عشانك. لكن لازم تعرف أن مصلحة الوتايدة هتيجي قبل أي حاجة حتى أنا…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ نطمن عليه الأول، وبعدها يبقى يحلها حلال…
هكذا تحدث سالم بخشونة ليجيبه خالد بنبرة مقتضبة:
ـ خير… أن شاء الله خير..
حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ❤️
★★★★★★★★★
ـ كل مرة بتدخلي عليا بقول هلاقيها جاية تفرحني وتقول أن اللي خططناله حصل. لكن ولا مرة قولتيها. أقدر اعرف ليه؟
هكذا تحدثت سعاد إلى زينة التي كانت تنظر من النافذة بأعيُن يلتمع بهم وميض العشق لتنقبض ملامحها حالما سمعت حديث سعاد، فالتفتت ناظره إليها وهي تقول بجمود:
ـ لسه شوية. متستعجليش…
انكمشت ملامح سعاد بسخرية تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ لسه شوية على أيه بالظبط! هو مش عز بردو طلب إيدك للجواز؟ بيتهيقلي مفروض تكونوا متجوزين دلوقتي؟
زينة بنفاذ صبر:
ـ لا مش مفروض. أنا متفقتش معاكِ اني هتجوز عز..
سعاد بحدة:
ـ اتفقتي انك هتقهري نبيلة، و هتاخدي حق أختك، و دا السبب اللي أنا بعت أجيبك عشانه. لكن أنا معرفش ليه بقيت حاسة أن ليكِ اهتمامات آخرى…
حاولت زينة ألا تسمح لغضبها بالظهور على السطح فتحدثت بنبرة هادئة مصحوبة بابتسامة لم تصل إلى عينيها:
ـ بالظبط دا اللي جيت عشانه، و دا هدفي الأول، والأخير، و نبيلة هتقع هتقع و مش هسكت غير لما أشوفها في السجن، و دي لوحدها قهرة كفيلة أنها تموتها بحسرتها.
سعاد بتخابُث:
ـ طيب و مستنيه أيه؟ ما تروحي تقدمي التسجيل اللي معاكِ للبوليس. مش أنتِ قبل ماتحذفيه من على تليفون أشجان خدتيه عندك؟
كانت إمرأة ذو عقلٍ كالسُم، تُدرك كل ما يُحيط بها و تُجيد فهم الجميع لذا حاولت ألا تسقط في فخها لتقول بنبرة ساخرة:
ـ هو التسجيل دا ممكن يوديها حبل المشنقة؟ دا مجرد حديث ملامحه مش باينه. ممكن يكون خيط في ايدين خالد لكن مش هيتحول للحبل اللي هيقطع راس نبيلة…
التقطت حروف اسمه من بين حديثها لتقول بمكر:
ـ خااالد.. هو دا بقى مربط الفرس.. ليه حاسة أن نظراتك ليه اتغيرت! هو أنتِ صدقتي لعبتك مع نبيلة، و قررتي توقيعه بجد؟ ولا تكوني مفكرة أنه ممكن يحبك في يوم من الأيام؟
نجحت سعاد في جعلها تخرج عن طور الهدوء و تهتف بانفعال:
ـ و ميحبنيش ليه؟ أقل من الهبلة اللي اتجوزها في ايه؟ بالعكس أنا أحسن منها في كل حاجة…
اتسعت ابتسامة سعاد التي أحكمت نصب الفخ حول عنق زينة التي شعرت بفداحة ما تفوهت به، ولكن لم يعد هناك مجال للندم، فقد سبق السيف العزل، فسعاد لن تمرر الحديث هكذا إنما قالت بدهاء:
ـ هي هبلة فعلاً. لكن عندها سلاح مش عندك أنتِ وأختك..
زينة بجفاء:
ـ اللي هو؟
سعاد بهدوء:
ـ ضعفها. ضعفها دا سلاح قوي و السلاح الوحيد اللي قدر يوقع واحد زي خالد. غريزة الحماية دي في كل الرجالة وخصوصًا اللي زي خالد مبيقبلش الظلم، شخصية قوية و مسيطرة. وهي عرفت توريه أنها محتجاله. لا هي فعلًا محتجاله، والحتة دي بتفرق أوي مع الرجالة. طول الوقت شايف الكل أشرار وهي الملاك..
لقد رأت ذلك بالفعل وقد كان هذا الأمر يغضبها كثيرًا ولكنها هبت معارضه:
ـ بس خالد مش كدا، ولا عنده نقص بيعوضه بالطريقة دي؟
سعاد بابتسامة ساخرة:
ـ دا مش نقص يا حبيبتي. قولتلك دي غريزة، طب تقدري تقوليلي مكنش بيقف لسهام ليه زي ما بيقف لأشجان؟ مش هقولك عشان بيحب دي أكتر من دي. لا… دا عشان عارف ان سهام ميتخافش عليها بس أشجان دي البسكوتة بتاعته اللي بيترعب عليها من نسمة الهوا، ودا مخليه عينه في وسط راسه طول الوقت لحد يفكر يقولها حرف يجرحها..
كانت تشدد على جميع حروفها للحد الذي جعل زينة تخرج عن شعورها وهي تقول صارخة:
ـ كلامك مش مظبوط..
سعاد بنبرة هادئة مثيرة للإستفزاز:
ـ لا مظبوط. افتكري زمان، وقارنيه بدلوقتي..
كانت محقة وهي لا تستطيع تكذيب هذا الأمر أكثر من ذلك، فهذه الغبية تجعله طوال الوقت يحميها ولكم أرادت صفعها مرات ومرات وهي تراه يدافع عنها بهذه الطريقة، فاشتعلت جفونها بنيران هوجاء ضاعفتها كلمات سعاد حين قالت:
ـ أغبى حاجة الست تعملها في نفسها هي أنها تعرف جوزها أنها بميت راجل. تبقى كدا مع كل الرجالة. لكن مع واحدة زيها المسكنة هي بتجيب معاهم، فوفري تعبك ومشاعرك اللي ملهاش لازمة دي، وشوفي اللي ورانا. أنا لحد دلوقتي على اتفاقنا. لكن لو حسيت انك بتلعبي من ورا ضهري. ههد الدنيا فوق دماغك.
زينة بجفاء:
ـ أنتِ بتهدديني؟
سعاد بنبرة حادة كنصل السيف:
ـ بعرفك. قدامك بالكتير أسبوع، والاقيكي داخلة عليا و إيدك في إيد عز و بتقولي باركولنا على الجواز..
لن يحدث ليس بعد أن شعرت بهذه المشاعر الجارفة تجاه خالد، فهي أن فعلت ذلك ستخسره إلى الأبد لذا حاولت إيجاد حُجة آخرى قائلة بانفعال:
ـ بس أنا كدا مجبتش حق أختي.. دا ايه علاقته بقتلها لسهام؟
سعاد بهدوء:
ـ دي بداية النهاية، وقولتلك اللي جاي عندي…
ضيقت زينة عينها وقالت بريبة:
ـ تعرفي أيه انا معرفهوش؟
سعاد بجفاء:
ـ ملكيش فيه.
سخرت زينة قائلة بنبرة يتخللها المكر:
ـ حلو. أنا بقى هغير اللعب دا كله، و هقهر نبيلة، لكن من غير ما اتجوز ابنك، عشان أنا مش شايفة غير خالد ..
انفعلت سعاد من غباء تلك المرأة لتصرخ بنفاذ صبر:
ـ بردو! معقول أنتِ بالغباء دا لدرجة أنك مش شايفة حبه لمراته؟
زينة بقسوة تُخفي وراءها الكثير من الغموض:
ـ هيكرهها. لما يعرف اللي أنا عرفاه هيكرهها، ودلوقتي عن اذنك.
خرجت زينة من المكان لتزفر سعاد بحنق، فتلك المرأة تعرقل خططها لذا قامت بسحب هاتفها وإجراء مكالمة عاجلة ومن أن أتاها الرد حتى هتفت بقسوة:
ـ ابعتلي كل الفيديوهات والصور اللي عندك…
اللهم إني أشكو إليك ضعف قلبي، وثقل همي، ووحشة نفسي، اللهم اربط على قلبي، وأنزل على صدري سكينةً من عندك، وأبدل حزني فرجًا، وهمي راحةً، واجعل لي من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل كربٍ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية، إنك على كل شيء قدير ❤️
★★★★★★★★★★
ـ صباح الخير. وحشتني اوي..
هكذا تحدثت آسيا الى سيف وعينيها المتورمة من كثرة البكاء كانت صافية ولأول مرة منذ أن أخبرها بأن هذا الولد ابنه، ولكن الآن صفت سماءها حين علِمت بأنها المرأة الأولى والأخيرة والوحيدة في حياته، ولكن أسعدها هذا الشعور لتمد يدها و تحمل الصغير وهي تضع قبلة دافئة فوق جبهته وهي تتنهد براحة قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ لأول مرة هحضنك، وانا مفيش جوايا نار قايدة. بالرغم من ان لسه في جوايا ألم. بس هو مخانيش. ملمسش واحدة غيري..
بدا الصغير وكأنه يشعر بسعادتها، فأخذ يركل بساقيه بسعادة لتهمس هي بنبرة خافتة:
ـ نفسي اطلع فوق مكان عالي اوي، و أصرخ بأعلى صوت أقول مخانيش. عايزة اتنطط من الفرحة.
أخذت تداعبه وهي تتابع بمرح:
ـ بالرغم من كل دا، بس هو عايز يتعلم الأدب. دا مد إيده عليا. والله وماليك عليا حلفان لسه القلم معلم في كرامتي يا سيفو…
ابتسمت من بين عبراتها وهي تتابع:
ـ معرفش هنعمل ايه هيحصل بيننا قدام. بس أنا عارفة أنه مش واثق فيا لسه، والموضوع دا جارحني. معرفش ايه خلاه يقرر يحكيلي دلوقتي ؟ يمكن صعّب عليه تعبي؟ ويمكن مشاعره غلبته تجاهي؟ بس احنا لازم ناخد فترة نفكر فيها من غير أي ضغط، ولا خناق ولا تعب أعصاب. كل واحد فينا محتاج يفكر هو عايز التاني في حياته ولا لا؟
جذبت كفه الرقيق و وضعته فوق شفتيها تقبله بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بس أنت بره الليلة دي. أنت حبيبي، و هتفضل صاحبي غصب عنه حتى. أنا همشي دلوقتي بس مش هتخلى عنك أبدًا…
لم تكُن وحدها من تبكي ولم يكن الأمر مُقتصرًا عليها هي والطفل، فقد كان هناك زوج من العيون يغشاها الألم وهو يتابعها عبر الجهاز اللوحي الخاص به، الموصل بكاميرات التي وضعها في غرفة الطفل، والتي مكنته من رؤية حديثها معه صوتًا وصورة، ليقرر رغمًا عن كل شيء تركها تغادر حتى تُدرِك ماهية وجوده بحياتها، و لتتخلى عن عنادها، حتى لو كان غيابها سيقتله..
وقف ينظر إلى رحيلها بقلب ينفطر ألمًا، و روح تتوسل للسلام أن يزورها ليرن هاتفه النقال، فمحى قطرات الدمع التي تناثرت من عينيه وهو يجيب على الحارس الذي أخبره باحترام:
ـ عمر باشا بيحاول يكلم حضرتك، و تليفونك مقفول…
قاطع الحارس قائلًا:
ـ حاضر هفتحه وهكلمه حالًا.
وبالفعل قام بفتح الهاتف ليحادث عمر الذي اندفع غاضبًا:
ـ أنت فين يا كمال؟ من امبارح برن عليك مش عارف أوصلك…
كمال بجفاء:
ـ كنت نايم، و قفلت التليفون..
هتفت عمر ساخطًا:
ـ نوم العوافي. في كارثة حصلت. رحيم اتضرب عليه نار و مراته اتخطفت، واحنا في المستشفى..
وقع الأمر عليه وقوع الصاعقة ليندفع رأسًا إلى المشفى حتى يطمئن على رحيم الذي استفاق بعد أن قضى عدة ساعات في العمليات ليستفيق أخيرًا من أثر البنج، وكان أول شيء هتف به هو اسمها:
ـ نچاة…
انكمشت ملامح خالد بغضب حاول قمعه قدر الأمكان وهو يقول:
ـ طمني عليك يا رحيم…
التفت رحيم ناظرًا إلى خالد الذي كان يقف و حوله رباعي الوتايدة كمال، و ياسر، عمر، يزيد ولكنها لم تكُن موجودة وقد تذكر ما حدث ليزمجر بألم:
ـ مرتي يا خالد…
لم يكُن يريد التشعب إلى هذا الحديث أكثر حتى لا يرهقه لكنه قال بنبرة جافة:
ـ مراتك عند أبوها. برضاها أو غصب عنها معرفش. المهم أنها معاه..
كلماته جعلت رحيم يكاد يُجن من فرط الغضب و الألم معًا ليحاول الإعتدال وهو يقول بضراوة:
ـ لازمن ارجع مرتي من الكلب ده، و اشرب من دمه..
التفت خالد ينظر إلى البقية قبل أن يعيد النظر إلى رحيم قائلاً بجفاء:
ـ هيحصل. شد حيلك أنت بس وقوم و هترجعها..
تدخل كمال مُستفهمًا بحنق:
ـ هو طبعًا أنا مش بلومك يا رحيم. بس ازاي تجازف مجازفة زي دي؟ يعني ايه تخرج معاها ومعاك حراسة بسيطة زي دي وانت عارف أن الكلب دا عينه علينا في كل مكان؟
رحيم بانفعال:
ـ مكنش في حد مراجبني أني متوكد من أكده.
ياسر باستفهام:
ـ طيب ازاي وصلك؟
ضيق خالد عينيه مُفكرًا ليستمع إلى حديث عمر الذي قال:
ـ يبقى أكيد هو كان عارف انت رايح فين و مستنيك…
رحيم بحدة:
ـ تجصد اي؟
تولى خالد الإجابة بدلًا عن عمر قائلًا بجفاء:
ـ يقصد أنه بدل مكنش مراقبك يبقى كان عارف انت رايح فين وقاعد مستنيك. الموضوع بسيط يا رحيم… أنت بس الجرح مقصر على تفكيرك…
زمجر رحيم مدافعًا رغم ألمه:
ـ الحديت ده مش صوح. أني عارف أنت تجصد ايه يا خالد، واللي في راسك غلط. أني سامعها وهي بتجوله أنه شيطان، نچاة عرفت حجيجته ولا يمكن تسلمني له واصل…
كان يتفهم مشاعر العاشق بداخله، وقد وضع هذا الاحتمال لذا قال باستفهام:
ـ مين غيرك انت وهي عرف انتوا رايحين فين؟
رحيم باقتضاب:
ـ صافية…
عم الصمت أرجاء المكان، فقط اصوات أنفاس مسموعة و كأنها لهبًا لا تكفي جميع المحيطات لإطفاءه، فالجميع غاضب و محتار و قد كان اجتماع هذين الشعورين أسوأ ما قد يحدث لأي أحد، ولكن جاء صوت رنين هاتف عمر ليبدد ذلك الجو المشحون، فتراجع الأخير إلى الخلف وهو ينظر إلي الهاتف باستغراب حين وجد رقم والدته ليجيب بجمود:
ـ ايوا يا ماما؟
نبيلة بلهفة:
ـ أنت كويس يا عمر؟
عمر باندهاش:
ـ كويس. هيكون مالي؟
نبيلة باندفاع:
ـ أنت ايه اللي خلاك تروح ورا خالد؟ مالك ومال اللي ينضرب بالنار ولا اللي يتحرق؟
كانت ذلة لسان ولكنها أثارت زوبعة من الاستفهامات حولها مما جعله يتراجع إلى خارج الغرفة وهو يقول بقسوة:
ـ أنتِ عرفتي منين أن أنا روحت ورا خالد؟
شعرت بالهواء ينسحب من رئتيها وهي تتذكر ما حدث قبل قليل
عودة لوقتٍ سابق
ـ كيفك يا حلوة؟
هبت نبيلة من مكانها بعد أن غزا الذُعر أوردتها حين سمعت صوت ذلك الرجل لتهتف بلهفة:
ـ أنت أتجننت بتتصل عليا ليه؟
رماح بتهكم:
ـ وه. مش شركه ولا اي؟
نبيلة باندفاع:
ـ لا طبعًا مش شركه.. أنت بتقول ايه؟
سخر رماح قائلًا:
ـ اومال مين اللي سلّم رحيم؟ مش أنتِ إياك…
بللت حلقها الجاف قبل أن تقول بتلعثُم:
ـ أيوا. ايوا أنا عملت كدا. بس. بس أنا قولت لسكينة. مقولتش ليك أنت، ولا ليا كلام معاك.
صاح رماح مُحذرًا:
ـ اتظبطِ يا ولية. معيلدش عليّ شغل الحريم ده. أنتِ خابرة زين أن سكينة بتشتغِل لحسابي. يوبجى تتعدلي أحسنلك، وبعدين لهو أنتِ فاكرة ان مساعدتك ليا هتعدي أكده من غير مكافأة؟
نبيلة بنبرة ترتجف خوفًا:
ـ تقصد اية؟
قهقه رماح بشر قبل أن يُجيبها:
ـ المحروس ابنك. رچعته صاغ سليم. بالرغم من أن راسه كانت جدامي لكن جولت لاه. متبجاش أمه بتشتغِل ويانا و نعملوا معاه الغلط. أيه رأيك بجى! شوفتي اني راچل زين ازاي؟
ـ بقولك ايه؟
قاطعها رماح بحدة افزعتها:
ـ بجولك ايه يا مرة أنتِ بزيداكي نبح. اني عايزك توبجي عيني في الجصر. دبة النملة متخفاش عليّ و اعملي حسابك أن راس الضكتور هدف مكشوف جدامي…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ عرفت وخلاص. المهم ابعد عن المشاكل يا عمر. مواضيع النار والحاجات دي بره عنك..
غضب عمر من حديثها ليهتف مُحذرًا:
ـ لو هتتصلي تقولي الكلام الخايب دا يبقى متتصليش عليا تاني..
أنهى حديثه و اغلق الهاتف في وجهها لتلقي نبيلة بهاتفها فوق السرير وهي تصرخ بانفعال:
ـ الله ينتقم منك يا سكينة الكلب..
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» ❤️
★★★★★★★★★★★
ـ صح يا بت يا غنى الكلام اللي بتقوليه دا؟ يعني ياسر بقى عنده مصنع كبير بتاعه لوحده؟
هكذا تحدثت صابرين بلهفة لتجيبها غنى بسعادة:
ـ صح يا ماما.. الحمد لله ربنا كرمنا من وسع. ماهو بعد الصبر جبر..
التمع الجشع في عيني صابرين التي قالت بتودد:
ـ ياختي الف بركة.والله دعياله من قلبي. أنا عارفة أن قلبه طيب، و حنين ومفيش زيه…
غنى بنبرة تقطر عشقاً:
ـ فعلًا والله يا ماما. ياسر دا مفيش منه. ربنا يباركلي فيه. دا حتى خلاني أختار الفرش بتاع الفيلا الجديدة كله، وقالي هاتي اللي نفسك فيه يا غنى و مستخسرش فيا حاجة..
صابرين بلهفة:
ـ ربنا يباركلك فيه، ويبعد عنك عين هيام يارب.
غنى بلهفة:
ـ يارب يا ماما. يارب..
اقتربت صابرين من غنى وهي تقول بحنو زائف:
ـ طيب يا غنون. مش بردو تقولي للريس يشوف أبوكي كدا. يفتكره بنفحة من نفحاته..
غنى باستنكار:
ـ كلام ايه دا يا ماما؟ هو بابا شحات؟ نفحة ايه وكلام فاضي ايه؟
صابرين بلهفة:
ـ لا لا. طبعًا أنتِ فكرتي ايه؟ دا أبوكي احسن الناس. أنا بقول يعني بدل ما هو ربنا كارمه، وخد ورثه و الدنيا لعبت معاه. يدخل أبوكي معاه شريك.
غنى بصدمة:
ـ شريك! شريك في ايه يا ماما؟ دا مصنع بملايين..
صابرين بجشع:
ـ يا بت اسمعي. ماهو المليون جنية مهرك من ياسر لسه موجودين زي ماهم، وفلوسك كمان المدعوق رأفت لسه بحالها. نشوفهم قد أيه و يدخل أبوكي بيهم ولو بنسبة…
توسعت عينيها من حديث والدتها لتقول بخيبة بحدة:
ـ وكانت فين الفلوس دي يا ماما وبابا في المستشفى؟ دا ياسر كان هيبيع اللي وراه واللي قدامه عشان يعمل العملية لبابا، ولما سألتك عن الفلوس دي قولتيلي صرفناها…
ارتبكت صابرين لثوان قبل أن تحاول تخطي الموقف قائلة بحزنٍ زائف:
ـ أنا بصراحة يا غنى. كذبت عليكِ وقتها. أبوكي كان حالف ما ييجي على قرشك أبدًا وقال حتى لو هموت. دا حتى مكنش راضي أن ياسر يدفع فلوس المستشفى وقالي نبيع المطبعة لحد بقى ما ربنا فرجها و عملها في المستشفى بتاعت قرايب ياسر دي….
غنى بتهكم:
ـ طيب واشمعنى دلوقتي عادي هيدخل بالفلوس شركة مع ياسر؟
صابرين بلهفة:
ـ لا ماهو ياسر مش غريب، وبعدين كله ليكِ وبتاعك في الآخر. هو أبوكي حيلته غيرك؟
صمتت غنى لا تدري ما الذي تقوله لتتابع صابرين بإقناع:
ـ يا بت متتخنيش دماغك. أبوكي غلبان وشقي كتير، و بعدين أنتِ عرفاه طيب وعارف ربنا و كان نفسه في حتة ولد يتسند عليه، واهو ربنا كرمه بياسر. مستكترة عليه أنه يرتاح في آخر أيامه؟
زفرت غنى باذعان قبل أن تقول:
ـ حاضر يا ماما هكلمه و أمري لله ..
قال ﷺ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي ❤️
★★★★★★★★★★
ـ ها يا كمال طمني عملت ايه؟
هكذا تحدث خالد إلى كمال الذي كان يحضر المزاد بدلًا عنه ليقول الأخير بغضب:
ـ خدناه يا خالد بس بأضعاف مضاعفة…
على الرغم من أن ذلك كان متوقعاً ولكنه شعر بالغضب الشديد الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ ملاحظتش أي حاجة غريبة؟
كمال بجمود:
ـ لاحظت طبعًا. الكلب دا كان عايز يضاعف علينا السعر مش اكتر. لأن لما المزاد رسي علينا كان فرحان لو كان يقصد يخسرنا مكنش دا بقى حاله…
صمت خالد يفكر في حديث كمال قبل أن يقول بجفاء:
ـ كل دا متوقع. ربنا يستر من اللي جاي. المهم اللي هقوله دا يتنفذ بالحرف الواحد يا كمال، ومن غير مناقشة..
كمال باستفهام:
ـ اللي هو أي؟
خالد بنبرة آمرة:
ـ هتجيب آسيا والولد وهتيجوا على القصر ومش عايز نقاش. بعد اللي حصل لرحيم لازم نحط عنينا في وسط راسنا، وانا مش كل ما تحصل مصيبة هيطلع عيني عشان أجمعكوا…
صمت كمال لثوان قبل أن يقول بنبرة جريحة:
ـ آسيا مشيت خلاص. مشيت بعد ما قولتلها كل حاجة…
أطلق خالد زفرة قوية قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ دا المتوقع بعد ما تسمع قصة لورا. عمومًا كدا كدا هترجع..
كمال بسخط:
ـ هو أنت بتستفزني؟ يعني ايه دا المتوقع بعد ما تسمع بقصة لورا؟
زمجر خالد بنفاذ صبر:
ـ بالرغم من أن القصة مأساوية و تزعل بس اي واحدة عندها دم مش هتبقى فرحانه وهي عماله تسمع مغامراتك، و جدعنتك وشهامتك مع واحدة تانية غيرها..
كمال بانفعال:
ـ بس أنا مغلطتش ولا قربت منها…
قاطعه خالد بحدة:
ـ يا فرحتي مقربتش منها، وانت مقضيها يومك كله معاها! هو دا مش حرام بردو هي تبقالك ايه أن شاء! هو احنا هنحلل اللي على مزاجنا ونحرم اللي على مزاجنا! كمال أنا على آخري. هات الولد وتعالى، وكدا كدا سوزي هتروح على القصر…
اغلق خالد الهاتف وهو ينظر إلى رحيم الذي كان في وادٍ آخر مليء بالغضب و القهر اللذين يشعر بهم في غيابها. يود لو يذهب الآن و يردها إلى قلبه حتى يعيد إليه هدوئه و اتزانه. يحتاج الوجع بصدره وكأنه لا يجد مكاناً آخر يسكن إليه. لازالت كلماتها تتردد في أذنيه قبل حدوث تلك الفاجعة، وقلبه يهتف ببسالة ليست مخطأة، ولكن بجانب شجاعته في الدفاع عنها هناك توسل صامت داخله بألا تخذله. توسل يتمنى لو يُصرح به بملء صوته ولكن كبريائه يقف بالمرصاد له ولقلبه
كان هذا الصراع الدائر في عينيه يحدث أمام خالد الذي تحدث بنبرة خشنة:
ـ أن شاء الله هنقدر نوصلها. أنت بس أهدى عشان جرحك يلم وتقدر تقف على رجليك زي الأول..
كز على أسنانه حتى كاد أن يطحنها من فرط الغضب لكن جاء صوت هاتفه ليبدد غضبه لثوان وهو ينظر إلى ذلك الرقم الغير مسجل، فقام بإلقاء الهاتف بعيدًا، فلا يريد سماع صوت أحد ليُعيد الهاتف الرنين مرة آخرى ليقترب عمر ناظرًا إلى الهاتف وهو يقول:
ـ ما ترد تشوف في ايه؟
رحيم بغضب:
ـ مطايجش ارد على حد…
تدخل خالد بنفاذ صبر:
ـ ما يمكن حاجة مهمة. رد شوف في أيه؟
أجاب رحيم على مضض ليأتيه صوت نجاة الصارم على الطرف الآخر:
ـ رحيم الوتيدي…
هب رحيم واقفًا على قدميه حين سمع صوتها ليهتف بلهفة:
ـ نچاة… نچاة يا جلب رحيم. طمنيني عليكِ أنتِ بخير؟
قام ياسر بجذب الهاتف من يده وهو يفتح مكبر الصوت، ليبدأ يزيد في تحديد مكان المكالمة، ولكن ما جاء بعد ذلك جمد الدماء في أوردة الجميع وعلى رأسهم هو:
ـ كيف مش هكون بخير يا عمدة واني في داري وبين أهلي و ناسي؟
شقت كلماتها قلبه إلى نصفين، وكأنها لم تكن مجرد حروف بل نصلًا حادًا غاص في أعمق موضع بروحه. فتجمدت ملامحه للحظة، واتسعت عيناه بصدمة لم يستطع إخفاءها، بينما انحبست الكلمات في حلقه، وكأن لسانه قد خانه لأول مرة. ظل يحدق في الفراغ بذهول، يحاول استيعاب ما سمعه، لكن عقله أبى تصديق أن تلك الكلمات خرجت من بين شفتيها، ولأول مرة يخرج صوته خافتًا حين قال:
ـ تجصدي ايه بالحديت ده؟
نجاة بنبرة حادة كالسيف:
ـ أجصد اجولك أن اللعبة خلاص خلصت، وأني دلوق بين أهلي وناسي، واللي حوصول ده مترتبله زين، ولا تكونش فاكر أن بت الوتايدة احسن الهلالية أو عندها ولاء اكتر منيها؟ لاه يا رحيم فوج. واحسنلك تطلجني….
وقف مذهولًا حد العجز، وكأن الكلمات قد سلبته القدرة على التفكير قبل أن تسلبه القدرة على الرد. لم تكن صدمته فيما قالته فحسب، بل في أنها هي من قالته. هي التي راهن عليها يومًا، ووضع ثقته بين يديها، مؤمنًا أنها آخر من قد يغدر به،فكيف استطاعت أن تخدعه بهذا الإتقان؟ لم يتخيل يومًا أنها ستكون الوحيدة التي طعنته في الموضع الذي لا ينجو منه أحد. لكنه عاند نفسه و كل شيء يخبره بخيانتها وهتف بنبرة يتخللها العجز:
ـ نچاة. هو چبرك تجولي أكده صوح؟ جوليلي و متخافيش. جوليلي واني ورب الكعبة ما هخليه يمس شعرة منك..
وقعت عيني نجاة على ذلك السلاح المصوب فوق رأس والدتها لتشتد نبرتها حين قالت:
ـ اليد اللي هتتمد على بوي هجطعها يا رحيم. أوعاك تفكر تجرب منيه، و صدج اني كنت بضحك عليك عشان اوصل للي عايزاه ووصلتله خلاص…
أغلقت الهاتف في وجهه، فسقط من بين أصابعه كأن يده فقدت القدرة على التمسك بأي شيء. ليقف للحظات جامدًا في مكانه، عيناه تحدق في الفراغ بذهولٍ يشبه الصاعقة، وكأن عقله يرفض أن يستوعب أن الحياة تمتلك كل هذا القدر من القسوة لتُعيد طعنه من جديد بنفس الخنجر. لكن هذه المرة كانت الطعنة أعمق؛ لأنها كانت بيد من أقسم يومًا أنه لن يخونه.
تسارعت أنفاسه و ارتجف جسده، فللمرة الثانية يُخان. لكن هذه المرة كانت الخيانة أشد بطشًا؛ لأنها جاءت بعدما دفن شكوكه، وألقى ثقته كاملة بين يديها، بل راهن عليها أمام العالم كله، فإذا بها تضرب بكل ذلك عرض الحائظ دون أن تنظر إلى الوراء لترى نتيجة فعلتها، انعقد فكه حتى برزت عروق رقبته بصورة مخيفة، بينما احمرت عيناه بوجعٍ لم يعد يعرف كيف يحتويه، ولكنه حاول أن يسيطر على نفسه. حاول أن يظل رحيم الذي ترتجف أمامه الرجال، لكن القهر كان أعنف من أن يُحتوى، ليصرخ بزئير دوى في أرجاء المكان وكأنه يخرج من صدر رجل يُنتزع قلبه حيا، ليجتاح المكان حوله كالإعصار. فأطاح بالطاولة بقدمٍ واحدة، لترتطم بالحائط وتتناثر أشلاؤها، ثم قبض على أقرب مزهرية وسحقها في الأرض حتى تناثرت شظاياها تحت قدميه، ولم يتوقف... كان يحطم كل ما تصل إليه يداه، وكأنه يحاول أن يكسر ذلك الألم الذي يسحق صدره ولا يُرى.
فقد كان يزأر لا يصرخ. زئير أسدٍ جريح، أُهينت هيبته وطُعن في موضعٍ لم يسمح لأحدٍ بالاقتراب منه من قبل. لم يكن غضبه من الخيانة وحدها، بل من نفسه.. لأنه صدق واطمأن، وراهن بكل ما يملك على امرأةٍ ظن أنها ستكون الاستثناء، فاكتشف أنها كانت الطعنة التي أنهت ما تبقى من قدرته على الوثوق بأحد. ليندفع خالد نحوه و قلبه يتمزق على صديقه، فهو الوحيد الذي يعلم ما عاناه ليصرخ لأول مرة بلهجة ليست حادة أو خشنة بل متوسلة حين قال:
ـ أهدى يا رحيم. جرحك هينزف تاني…
زمجر رحيم بوحشية وهو يحاول التملص من بين يد خالد:
ـ سيبني. سيبني يا خالد. كلهم خاينين. كلهم خاينين..
كان ياسر هو الآخر يحاول تهدئة رحيم الذي نزف جرحه للمرة الثانية بغزارة ليندفع عمر نحو الثلاجة الصغيرة ويقوم بكذب إبرة ما ثم يقترب من رحيم ويوم بغرسها في عنقه ليبدأ جسد الأخير في التراخي بين يدي خالد الذي كان يتمزق هو الآخر حزناً عليه، فخر على ركبتيه و رحيم بين يديه وهو يخبره بنبرة بقدر الألم الذي يجيش بها بقدر الوعيد أيضًا:
ـ والله لهجيبلك حقك من عنيهم…
و أضاف ياسر بوحشية:
ـ نهاية الكلب دا على أيدي. كدا التار بقى تلاتة يا خالد، وانا ورحمة أبويا وامي ما هسكت…
جاء الليل و الجميع على صفيحٍ ساخن، فقد اتت سوزان على القصر تحت إصرار كبير من خالد، فلم تستطِع رد طلبه، وقد قرر أن يحضر الجميع بما فيهم شروق و جميلة ليستفهم خالد بجفاء تزامنًا مع مجيء كمال ومعه سيف إلى غرفة الجلوس:
ـ فين آسيا؟
التفتت أشجان تناظره بعدم رضى تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ موافقتش تيجي، وقالت إنها هتفضل في بيت سوزي لحد ما ترجع…
ـ أنا هروح أجيبها..
كان هذا صوت كمال الغاضب ليأتيه صوت نبيلة من الخلف:
ـ ايه دا معقول؟ سيف حبيب عمتو هنا؟ ناولني يا كمال اخده في حضني…
لم تستطِع أشجان حجب خوفها الذي جعلها تهب من مكانها لتندفع نحو كمال و تنتزع منه الطفل وهي تنظر إلى نبيلة بحدة لتتوقف جميع أعيُن الحاضرين عليها، و خاصةً عين صافية التي ادهشها ما حدث و كذلك كمال الذي قال:
ـ أشجان…
أشجان بارتباك:
ـ سيبه معايا. أنا بحب الأطفال، ومش هزهق منه. روح انت هات آسيا. بس اوعى تضايقها عشان خاطري…
لم يخفف حديثها من غرابة فعلها لتقرر سوزان التدخل وإنقاذ الموقف قائلة:
ـ يا أشجان يا حبيبتي. ربنا يرزقك بالخلف الصالح على قد ما بتحبي الأطفال كدا..
حاولت أشجان اغتصاب ابتسامة على ملامحها وهي تعود إلى مكانها، ويتراجع كمال إلى الخلف قاصدًا وجهته ثم توجت نبيلة إلى المقعد قرب صافية، وهي من الداخل تغلي من هذا الموقف المُحرِج الذي وضعتها به هذه المرأة الغربية، ليقترب خالد من أذن أشجان قائلًا:
ـ يسلملي الحنين…
التفتت تناظره بارتباك تجلى على ملامحها و احتل نبرتها حين قالت:
ـ أنا. أنا. مقصدش حاجة. بس. بس اتضايقت أنها بتمثل. هي أصلًا مابتحبش حد. ولا حتى كمال. هتحب سيف؟ و بعدين. هي. مش حنينة اصلًا.صح ولا ايه؟
توقعت منه كل شيء إلا أن يقول بجذب كفها و وضع قبلة دافئة فوق راحته وعينيه لازالت تأسران عينيها في نظرات لا تعرف الغوص بهم، فهي لا تجيد السباحة ولا المراوغة، ولا حتى الكذب، لتسمعه يقول بنبرته الخشنة المُحببة:
ـ سيبك أنتِ. مفيش حنان في الدنيا بعد حنانك.
أنهى جملته تزامنًا مع رنين الهاتف ليُجيب على الفور و إذا به يهب من مكانه حالما سمع هذا الحديث القادم على الطرف الآخر:
ـ في حريق كبير في مخازن الخشب اللي استلمناه النهاردة، ومحدش عارف يطفيها….
