رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم ناهد خالد

 


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الرابع والثلاثون بقلم ناهد خالد

"أقسو عليكَ لكنك لا تهون, ينفُرك عقلي ويضمك قلبي, لا يمكن لأحد أن يفهم العلاقة بين الأم ووليدها, تذمه وتكره من يفعل, تدعو عليهِ وتكره من يؤمن, تضربه وتؤكل قلب أحدهم إن مسه بسوء, علاقة معقدة لكنها دومًا تعود لأساسها ألا وهو حبهما اللامتناهي الساكن قلبيهما, كالوطن رُبما...!
تذمه وتسبه وتقول فيهِ كل العِبر والعاهات, ولكن هناك لحظه لن تتقبل أن تسمع عنه كلمة سوء, لن تتقبل أن يمسه أحد بشَر, هناك لحظه تتحرك فيها وطنية قلبك فتثور, والأساس أن حب الوطن ساكن قلب كل انسان بحق...
هذا الحب المميز يكن فريد من نوعه, وهو ما يدوم ابدًا, مهما حدث.. مهما تشتتنا.. سنعود, ومهما قسينا سنَحِن, ومهما نقمنا سنلين.. والحب في مجمله معنى مفهومه غريب ومعقد!" 
توجه لمعاذ يسأله:
-انتَ هنا من امتى وعرفت ازاي؟
 
نظر له "معاذ" مجيبًا:
-كنت بكلم مازن وقت الحادثة, وبعدين سمعت صوت مش طبيعي والخط فصل بعدها فضلت ارن رد عليا حد من الناس اللي طلعوه من العربية وقالي على المستشفى, وليلى كانت بترن عليه فبلغتها وجت. 
 
-ومبلغتنيش ليه؟ 
جاوبه في ضجر:
-رنيت عليك كتير كان مغلق, كلمت مرسي يوصلك. 
 
زفر بضيق:
-موبايلي فصل شحن, مرسي كلمني على التليفون الداخلي.. 
 
فُتح باب الغرفة ليخرج الطبيب يخبرهم بابتسامة هادئة:
-كده تقدروا تشوفوه, هو فاق والأمور مستقرة.
 
دلفوا جميعًا للداخل ليبصروه فاتحًا عينيهِ عكس خروجه المستكين من غرفة العمليات الذي أوجع قلوبهم, هرولت "ليلى" تجاهه تسأله بلهفة عن حاله:
-طمني عنك يا حبيبي, عامل إيه؟ حاسس بحاجه؟ 
 
أجابها بصوت هادئ:
-الحمد لله انا كويس, اطمني.
 
ورفع كفه يمسك كفها المرتجف, ليطمئنها, فابتسمت له وهي تحتضن طفلها لها بذراعها الحر بينما ملأت الدموع عينيها, لقد عاشت أصعب ساعات مرت عليها في حياتها, الخوف من فقدانه كان أكبر خوف عاشته, واكتشفت انها لا يمكنها العيش بدونه فعلاً, لا يمكنها الاستمرار من غيره, لقد بات محور حياتها التي تدور حوله, لن تدخل في متاهة  الحياة مرة أخرى, يكفي ما عاشته سابقًا, يكفي خسارة وقهر, لقد قاربت ان تموت رعبًا في الساعات القليلة له بغرفة العمليات, والحمد لله انها مرت... 
 
-ياخي خلتني اقطع الخلف من خضتي عليك, ابقي بكلمك في آمان الله وفجأة اسمع صرختك كده..
 
قالها "معاذ" وهو يقف مجاورًا له, يحاول تخفيف حدة الموقف, ليناغشه "مازن" بتعب:
-بطل كدب انا ملحقتش اصرخ حتى...
 
-إيه اللي حصل؟
خرج السؤال من "شاهين" قاطعًا صمته, لينظر له "مازن" بحزن لن ينكره, فمنذُ دخوله لم ينطق بحرف, لم يحاول سؤاله عن حاله والاطمئنان عليهٍ فقط يباشر بسؤال بارد كهذا, أجابه بنبرة منخفضة:
 
-مفيش كنت رايح شغلي, وبكلم معاذ, شكلي مخدتش بالي من العربية اللي ورايا فخبطت فيا قلبت عربيتي. 
 
-ليلى, خدي إياد أكليه بقالكوا كتير هنا, ومعاذ هيكون معاكي لو احتاجتي حاجه.
 
رفضت "ليلى" الخروج وهو تقول:
-لو ممكن بس معاذ يجبلي الاكل هنا, انا مش هسيب مازن. 
 
وبنظرة بين الأصدقاء فهم "معاذ" القصة, فقال بأسف مصطنع:
-الحقيقة انا فاشل في اختيار الاكل, معرفش كمان الأطفال في السن ده ممكن يناسبهم إيه, تعالي ننزل وشاهين معاه اهو مش هنتأخر. 
 
كادت تجيب معترضة مرة أخرى لولا تدخل زوجها يقول بإرهاق وقد فهم رغبة أخيه في الانفراد بهِ:
-ليلى, روحي يا حبيبتي مع معاذ, وكمان انتِ حامل ولازم تاكلي, هاتي اكل ليكي ولإياد وتعالي.
 
طالعته بتردد واضح, جعله يعيد مؤكدًا:
-يلا يا روحي.. متتأخريش عليا. 
 
زفرت باستسلام وانسحبت مع معاذ رغمًا عنها, ومع غلق باب الغرفة خرج سؤال "شاهين" الواضح:
-ماخدتش بالك فعلاً؟ 
 
-كانت مقصودة.. العربية دي كنت لاحظتها ورايا من نص الطريق تقريبًا, وقطعت عليا بغباء.. لو حمار بيسوق مش هيخبطني كده.
اعترف فورًا دون محاولة للمراوغة او التلاعب, مما دفع "شاهين" يسأله مباشرةً:
-شاكك في حد؟
 
أجابه بهدوء:
-بص انا ليا ناس كتير مبتحبنيش في شغلي, بس اللعب بينا يبقى جوه الشغل, مش بره.. محاولوش قبل كده يقتلوني دي جديده.
 
اومأ برأسه عدة مرات والشكوك تترسخ في ذهنه أكثر وأكثر, اقترب منه يربط بكفه على كتفه يقول بتوعد صريح:
-عمومًا اهتم بنفسك وقوم بالسلامة وسبلي انا اللي عمل كده.
 
-انتَ تعرفه؟ 
 
أجاب بنظرة شر:
-شاكك, ولما اتأكد هيدوق لدغة العقرب.  
 
أراد ان يتدلل ويشعر بخوفه عليهِ, فقال بجدية مصطنعة:
-لا يا شاهين انا هجيب حقي بنفسي, بلاش تشغل بالك. 
 
-اشغل ايه يا روح ابوك!
رددها بسخرية واضحة وأكمل باستهزاء:
-ده من امتى بقى؟ مانتَ طول عمرك بتجري عليا اجيبلك حقك.
 
-ده لما كنت صغير, لكن دلوقتي انا ضابط واقدر اجيب حقي بنفسي.
 
رد بتهكم:
-طب اتوكس, ومتفتحش صدرك قدامي انا بالذات, ده انا اللي مربيك يالا وعارف ان مهما كبرت هتفضل خايب, انتَ بتجيب حقك بالشوكة والسكينة, وده ميأكلش عيش يا حضرة الضابط. 
 
ضغط على النقطة التي يريدها فقال بضجر:
-وليه ادخلك في مشاكلي, انا هتصرف.
 
نظر له بسخرية مرددًا:
-هعتبرك ريان وبجبلك حقك. 
 
سأله مستغربًا:
-ريان مين؟ هو انتَ ليك اخ غيري؟
 
أجابه بغرور:
-ريان ابني.
 
ضحك "مازن" بخفوت ومن ثم ابتسم بشوق لقدوم الصغير وأجاب:
-حبيب عمه, لا إن كنت هتعتبرني زيه معنديش مشكلة تجبلي حقي. 
 
ظهر قلق طفيف يحاول إخفاءه وهو يسأله بجبين مقطب:
-انتَ تمام يعني؟ 
 
تلاعب بمشاعره وهو يريده أن يظهرها أكثر, فتأوه وهو يمسك ذراعه المصاب مرددًا:
-لا خالص.. يعني دراع مكسور, وجنبي اللي دخلت فيه الحديدة, والردة اللي في صدري, وهبقى كويس ازاي. 
 
ظهر التوتر على وجهه والخوف يزين نبرته بينما يسأله وهو يعدل له الوسادة من خلفه:
-هنقلك مستشفى تانية بليل, وهكلم دكتور كبير ييجي يشوفك, طب في وجع انادي الدكتور يديك مسكن ولا حاجه؟ 
 
نفى برأسه بفرحة داخلية حقيقية, وقال مبتسمًا:
-لا تمام.. هو اصلاً اداني مسكن قبل ما يخرج, بس قولي خوفت عليا؟ 
 
طالعه "شاهين" متنهدًا, ثم نظر له بعتاب حقيقي مرددًا:
-انتَ عبيط؟ اكيد خوفت.. انتَ متعرفش انا جه في بالي الف فكرة وانا جاي في الطريق, وكلها اسوء من بعض, روحي ردت لما الدكتور طمني عليك.

لمعت عيناه بفرحة طاغية لكلمات بسيطة سمعها من أخيه, وابتسم ثغره يقول:
-يعني لو ماكنش طمنك كنت هتزعل عليا بجد؟ 

اجابه "شاهين" برد بارد:
-صدقني كنت هلبس اسود عليك أسبوع مش 3 أيام بس. 

تجعدت ملامحه يعلق بضيق:
-ياخي مبتعرفش تكمل جملة حلوة للآخر! 

دقات الباب قاطعتهما, وفُتح ليبصرا "المنشاوي" يطل من خلفها بوجه محتقن بالغضب, بينما شخصت أنظار "شاهين" مستغربًا قدومه, وقبل أن ينطق أحدهما انطلق هو بغضبه يقول:
-ده انا لو مربي شوية بقر كانوا نفعوني عنكم.. 

تعجب "شاهين" من غضبه وجملته الغريبة فسأله:
-ليه بس يا جدي؟ 

أشار له باتهام:
-هو وانتَ بتجري بعربيتك عشان تيجي هنا مفكرتش تعدي عليا تعرفني اللي حصل ليه؟ وانتَ ...

قالها موجهًا حديثه ل "مازن" الذي رفع كفه باستسلام متعجبًا:
-وانا إيه؟ انا لسه خارج من العمليات مكملتش ساعه حضرتك اكلمك وانا في العمليات؟ ولا غلطتي اني عملت حادثه قبل ما اقولك؟ 

جملته الأخيرة كانت ساخرة بوضوح جعل "المنشاوي" يضيق عينيهِ بغضب مشتعل:
-بتتريق عليا يا روح ابوك! 

-هو إيه حكاية ابويا معاكوا؟ كل ما حد يكلمني يجيب سيرته, هي مش كانت يا روح امك يا جدعان؟ 

علق "شاهين" ببرود:
-امي متستحقش نجيب سيرتها في عصبيتنا, لكن ابوك يستحق عادي.

أكد "المنشاوي" حديثه يقول:
-بالضبط.. بعدين بعتب عليك انك واقف تتساير معاه مقولتلوش حتى كلم جدي بلغه اللي حصل.

فُتح الباب مرة أخرى ودلف "غسان" يحمل باقة ورد سوداء!

فضيق "شاهين" عينيهِ بشك متسائلاً:
-جدي هو مين اللي بلغك؟ 

أجابه بابتسامة سمِجة:
-انا.. اصل عديت عليه جبته في طريقي وانا جاي. 

نظر له "المنشاوي" بامتنان:
-ارجل منهم ياض يا غسان والله, طمر فيك العيش والملح اللي كلته معايا. 

قال "مازن" بغيظ من بين أسنانه:
-وده عمره طفح عيش وملح! ده كان لحم وبط, بعدين ايه الورد الأسود ده يا بني ادم انتَ؟ 

ابتسم باتساع يرفع الورد بوجه "مازن" مرددًا:
-اصل كنت جاي معرفش انتَ عايش ولا مُت, فقولت اعمل حسابي يمكن فيه حداد. 

نظر "مازن" ل "شاهين" الواقف بملامح واجمة يتوعد للأخير ونطق:
-ضغطي بيعلى... شيل الواد ده من قدامي يا شاهين الله يكرمك... 

ابتسم "شاهين" باصطناع ونظر للجد يخبره:
-كويس انك جيت يا جدي, انا وغسان ورانا مشوار ساعه وراجعين, خليك مع مازن وليلى عشان معاذ راجع الشركة. 

واتجه ل "غسان" يلتقط منه باقة الورد يلقيها بسلة القمامة المجاورة ودفعه للخارج بقوة كادت تسقطه ارضًا فعبر عن نزقه:
-براحه يا عم! 

اقترب "المنشاوي" من "مازن" يربط على كتفه بحزن واضح:
-انتَ كويس؟ تحب انقلك من المستشفى هنا؟ 

نفى برأسه مبتسمًا على نُبل هذا الرجل وحنانه وأجاب:
-انا الحمد لله بخير ماتقلقش يا جدي.. 

----------------- 
أمام فيلا مختار... 
ما إن ترجلا من السيارة حتى فرك "غسان" كفيهِ ببعضهما هاتفًا بحماس:
-اوووه... شكلها هتولع. 

لحق بشاهين الذي هرول بخطواته يدك الأرض تحت قدميهِ حتى وصل للداخل, وفتحت له الخادمة الباب.. ومن وقوف "مختار" بمنتصف الصالة بدى وكأنه كان في انتظاره!

وقف أمامه يجابهه وهو يبرق بعينيهِ كمن يغلي على نار ساخنة:
-كنت عارف إني جايلك!

ابتسم الأخير بابتسامة قاسية ليس بها أي مرح:
-كنت عارف.. ومستنيك, طمني اخوك كويس؟ مات ولا لسه؟ 

كبح غضبه وهو يجيبه بهدوء:
-لا زي الفل, هو بس عَجل باللي هيحصل, صدقني الحادثه دي جت ضدك مش ضدي خالص. 

طالعه "مختار" بغضب وقد اختفت ابتسامته:
-ياه على البجاحه! انتَ اللي بتهددني؟ وكأنك صاحب الحق مش انا, انا اللي ليا حق مش انتَ.. 

طاح بهِ شاهين:
-ياخي يك كسر حقك, انتَ كدبت الكدبة وصدقتها؟ حق مين يابو حق؟ موت بنتك والواد التاني انتَ السبب فيهم بطمعك وجشعك, وغلطاتك, انا مش هشيل شيلة غيري, ولو مصمم... فتمام, دلوقتي انا ليا حق, لانك دخلت اخويا في لعبة ملوش فيها, وانا اللي يمس اللي يخصني يبقى حفر قبره بايده, وموته هيكون بلدغة العقرب. 

نظر "مختار" ل "غسان" الواقف خلفه وسأله باستخفاف:
-وجايب صاحبك معاك يعمل إيه؟ مش خلاص باعني وبقى في صفك؟

رد "غسان" بهدوء:
-انا مبعتش حد, انا كنت من رجالتك وبعدين لاقيتك بدأت تخرف في الشغل فطلبت من البوس ينقلني لحد غيرك, الشغل شغل, لكن انتَ مش خالي عشان يبقى عيب ابيعك!

أردف "شاهين" متدخلاً:
-انا جايبه معايا عشان تعرف انه بقى في صفي, ودلوقتي ليك تعبان جوه شغلكم وبراه, اصل انا مينفعش اظهر قدام الكبار اني برازيك في الشغل, مش من مقامي, لكن هو يرازيك عادي.. 

-إيه ده؟ 
قطب "غسان" حاجبيهِ يتساءل بصدمة عما يقوله الآخر, ولكن لم يلتفت له حتى وهو يكمل بينما ينظر لمختار:
-لآخر لحظة كنت بحاول معاك بالحسنى إكرامًا لجدي, وعشان بس ميزعلش عليك لانك في النهاية للأسف ابنه.. لكن من اللحظة اللي أذيت فيها اخويا, اكرامياتي خلصت وهقفل الفاتورة. 

وانسحب من أمامه يشير لغسان برأسه للخروج لكنه توقف على صوت مختار يقول:
-خاف على جدك من حقيقة ابوك اكتر ما تخاف عليه لو انا جرالي حاجه, احسن ننوس عين ابوه بيتزعل عليه اوي. 

وقد كانت رسالة واضحة بأنه سيكشف المستور... 

اكمل طريقه وخلفه "غسان" يدور برأسه ألف سؤال واولهم ما نطق بهِ فور خروجهم من الفيلا:
-انتَ بتدبسني؟ بتشاركني معاك في اللعبة غصب عني؟ انا مال اهلي, ارازيه ليه؟ 

صوت مزعج صدر من الأخير وهو يقول:
-بس بقى.. بطل رغي. 

سأله بشك:
-ولاه يا شاهين انتَ كنت قاصد تعمل كده بتعاقبني عشان اللي عملته مع جدك؟ 

ابتسم له شاهين ببرود:
-شاطر يا غوس, طلعت بتفهم, ابقي اشتري بقى ورد زي اللي رميته عشان هنحتاجه ليك قريب.

ضرب الباب المجاور له بقبضته مرددًا بصوت عالي:
-يخربيت اليوم اللي عرفتكوا فيه, لكن قولي.. إيه حوار ابوك ده؟ 

-ملكش دعوة. 

----------------- 
منزل مجد شاكر... 
جلس "شاكر" امامها ينهي حديثه بصبر وجلد:
-طول الوقت قولي الحمد لله, القلب بيرضى, وتلاقي نفسك تهدا وتحسي إنك احسن, حتى لما المشاعر والأفكار تتجمع عليكي اقطعيها وقولي يارب.. وربنا هيعوضك خير يا بنتي عشان انتِ تعبتي كتير في حياتك وتستاهلي تفرحي.. 

ابتسمت له بصمت, فنهض يقول:
-يلا هنزل انا اصلي المغرب وانام عشان اصحى على صلاة الفجر. 

-استنى اتعشى معانا يا حاج. 
قالها "مجد" الذي خرج من المطبخ للتو, فرفع كفه معترضًا:
-لأ انا انام خفيف احسن, عشي مراتك عشان تتغذى شوية بدل ما التعب باين عليها كده, يلا سلام عليكم.

-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

اقترب منها حاملاً صينية الطعام يقول بمرح:
-يلا عشان تقيمي الاكل, عملتلك سندوتشات برجر هتعجبك إن شاء الله. 

رددت بتعب مبتسمة:
-أقيم! فاكر نفسك في مسابقة احسن شيف!

التقط السندوتش يقول بجدية مضحكة:
-دي أهم.. يلا قوليلي رأيك كام من 10.

حاولت اخذه منه ليبعد كفه يقول:
-تؤ, انا هأكلك. 

-ليه هاكل انا عشان تاكل انتَ كمان. 

-ياستي انا عايز أأكلك, ادلعك شوية عندك مانع!

نفت برأسها واعينها تلمع بفرحة واضحة, وقضمت لقمة تمضغها ببطء حتى قالت وهو ينتظر رأيها بحماس:
-10 من 10 ونجمة يا شيف. 

واجابته أدخلت السرور اضعاف لقلبها حين وضع كفه على صدره بدراما مبتسمًا:
-دي شهادة فخر ليا يا قلب الشيف. 

------------------
فيلا شاهين... 
خرج لشرفة غرفته, يسمع رنين الهاتف وينتظر الرد على أحر من الجمر, حتى أتاه الصوت على الجهة الأخرى يقول:
-كنت لسه هكلمك, طمني اخوك كويس؟ 

أجابه في تحفز:
-حاليًا اه, بس مش ضامن يفضل كويس كتير. 

-انا فاهم انتَ عاوز إيه, عرفت ان مختار اللي وراها.

انطلق صوته الغاضب:
-باشا انا ساكت بقالي شهور عشان حضرتك كل شوية تقولي اصبر, مش دلوقتي, لكن خلاص مش هفضل ساكت اكتر من كده, انا في ايدي ورق يودي مختار في ستين داهية من الصبح, اسكت لحد ما يأذي اهلي فرد فرد؟ ومراتي اللي منفيه بقالها شهور في بلد غريبة بعيد عن عيني, وابني اللي يمكن يتولد ومشفوش... انا ليه استنى كل ده؟ وحتى حضرتك مش راضي تفهمني انا مستني إيه؟!

اجابه اللواء بهدوء:
-مستني اللي هيحصل بكره الساعة 3 الفجر يا شاهين. 

قطب ما بين حاجبيهِ بعدم فهم:
-اللي هو إيه؟ 

-اكبر شحنة سلاح هتدخل البلد من اكتر من 5 سنين, والاهم بقى, ان هيكون فيها اكبر 3 عناصر في المنظمة, ومعاهم مختار.. هتبقى ضربة قاضية, هنخلص فيها من شحنه ضخمة و4 عناصر كبار للمنظمة دي وغير رجالتهم. 

-حضرتك كنت مستني الميعاد؟

-طبعًا, كنت عارف بالشحنة بس مستني اتأكد من ميعادها, واخيرًا حددوه, ومصدرنا الموثوق منه بلغنا بكل التفاصيل, بكره تكون عندي في المكان السري الساعه 12 بليل.. ومش هأكد عليك ان محدش يلمحك. 

-تمام يا باشا. 

أغلق معه المكالمة وكله حماس للغد, يفصله عن الانتهاء من عدوه ساعات بعد انتظار دام اشهر, ساعات فقط وسيتخلص من مختار للأبد ولن يضيع الفرصة ابدًا, ساعات وستستقر حياته ويمكنه إعادة زوجته وابنه.. إن قال انه لن يستطيع النوم للغد لن يبالغ.. 

اغلق الهاتف السري وازال الخط منه, ومن ثم اتجه لهاتفه, يطلب مكالمة فيديو جديدة... 

-شاهين... 
تسلل صوتها كالمخدر لخلاياه, فهدأ وارتخت اعصابه تمامًا وابتسم ثغره وهو يطالع وجهها بحب واشتياق:
-عيون شاهين. 

سألته بقلق:
-قلقتني عليك بكلمك طول اليوم وببعتلك رسايل مش بترد, وكمان كلمت مازن مردش. 

أجابها بضيق ظاهر:
-مازن عمل حادثه بالعربية وفي المستشفى. 

شهقت بخضة وهي تردد بأعين متسعة:
-يا خبر! طب طمني عليه كويس؟ 

-الحمد لله احسن, انا راجع البيت اغير هدومي وارجعله تاني, هيبات يومين في المستشفى عشان في جرح في جنبه هيطمنوا عليه. 

سألته بخوف مرَ في عينيها:
-هي حادثة طبيعية ولا.... 

قاطعها مبتسمًا بهدوء:
-ولا إيه بس, بقولك حادثة عربية عادي يعني, زي اللي حصلت مع نورهان. 

وجملته الأخيرة تشكلت بوجع طفر على ملامحه, وعلمت أنه بالتأكيد خاض ساعات صعبة, ادمعت عينيها وهي تطالعه بصمت جعله يسألها:
-مالك؟ ليه الدموع دي؟ 

تخيل انها ستخبره بأنها تأثرت بذكرى نورهان, لكنها فاجأته تجيب وقد تهاوت دموعها:
-زعلانه اني ماكنتش جنبك, عارفه إنك اكيد كنت محتاجني.. أنا أسفة. 

ابتسم لها بصفاء مرددًا:
-مش هنكر إني محتاجك جنبي الفترة دي اكتر حاجه, بس بتتأسفي على إيه انا اللي باعدك, المهم عندي تبقي كويسه انتِ وتيم وريان.

لمحت "فيروز" "تيم" ينزل درجات السلم, فنادته تقول:
-تيم تعالى كلم بابا. 

وابتسم "شاهين" باشتياق لرؤية الصغير الذي يملك مكانة خاصة في قلبه, واتسعت ابتسامته حين أبصر وجهه والأخير يبتسم بفرحة:
-بابي ازيك, وحشتني اوي. 

-وانتَ وحشتني اكتر يا حبيب بابا, قولي انتَ كويس؟ 

أجابه بحزن زين ملامحه الصغيرة:
-انا بس عاوز ارجع, عاوز أكون معاك. 

سأله "شاهين" مبتسمًا:
-عيد ميلادك بعد قد إيه؟ 

نظر "تيم" ل "فيروز" بجهل, فاختفت عن الكاميرا تشير له بأصابعها ليجيب الصغير بعدها:
-8 أيام. 

فقال شاهين بوعد:
-عيد ميلادك هتحضره معايا وهعملك بارتي حلوة اوي زي السنة اللي فاتت. 

تدخلت "فيروز" في الكاميرا وسألته بأعين لامعة:
-بجد يا شاهين؟ 

اومأ برأسه مبتسمًا بحب:
-بجد يا حياة شاهين, هانت اوي وهتكونوا معايا, طمني واخد بالك من فيروز وريان كويس؟ 

أجابه تيم بحماس:
-ايوه, وريان كويس اوي, عارف يا بابي امبارح حطيت ايدي عليه وبعدين حسيته بيتحرك تحت ايدي, كان بيلعب معايا. 

أكدت "فيروز" تغمز ل "شاهين" في الخفاء:
-ايوه صح, كل ما تيم يحط ايده على بطني ريان يتحرك ويفضل يلعب معاه, شكله بيحبه اكتر مني يا شاهين, مبيعملش معايا كده. 

وظن "تيم" أنها بالفعل حزينة, فربط على كفها بحنان طفولي يخبرها:
-متزعليش هو لما يتولد هيحبك برضو.

جارته فتصنعت الحزن اكتر تغمغم:
- ولحد ما يتولد مين هيحبني بقى.. 

أجاب باندفاع صادق:
-انا وبابي بنحبك.. مش صح يا بابي.

أجاب بما جعل وجهها يحمر خجلاً تحت مسامع الصغير:
-بنموت فيها مش بنحبها بس. 

صدح صوت "خديجة" تطلب الصغير:
-تيم تعالى يا حبيبي اقعد مع ياسين بيسأل عليك. 

اومأ "تيم" يخبر أبيه:
-بابي هروح اشوف ياسين عشان بيعيط لما مش بيلاقيني وهكلمك بعدين. 

-ماشي يا قلبي باي.. 

-باي.. 

نظرت له "فيروز" تسأله بقلق:
-الدنيا تمام؟ 

تنهد مبتسمًا ليطمئنها:
-هتكون تمام قريب. 

-مش هسألك هتعمل إيه عشان نرجع, لانك اكيد مش هتقول, بس خلي بالك من نفسك يا شاهين ومتعملش حاجه تأذيك, انتَ متعلق في رقابتك ناس كتير مش هيعرفوا يكملوا من غيرك. 

مازحها يسأل:
-كتير اوي؟ 

اومأت بجدية:
-انا وريان وتيم وجدي ومازن وعمي عمران... 

-هنخيب بقى؟ 
قالها مقاطعًا وقد احتدت ملامحه, لتجيبه بإصرار:
-لا مش خيابة, دي حقيقة, ابوك هيتكسر لو جرالك حاجة يمكن تكون مش مقتنع بس صدقني الراجل ده بيحبك فوق ما تتخيل, انتَ السبب الوحيد اللي عايش عشانه لدلوقتي, انتَ أمله الوحيد يا شاهين, ولازم تحس بده عشان تقدر تسامحه, كفاية كده..

-متفتحيش الموضوع ده تاني. 
قالها بصرامة قاطعة, لتنفي برأسها:
-لا هفتحه, لأن الراجل بيحاول بكل الطرق يقرب منك ومن اللي يخصك, على فكرة بيكلمني كل يوم يطمنا علينا. 

طالعها بغيظ:
-مقولتيش يعني!

-عشان انتَ مبتحبش تتكلم عنه, وكنت بحترم رغبتك فمحبتش اقولك, بس عمومًا انا هقولك حاجه واحده... بكره لما تشيل ريان بين ايديك هتفهم إحساس ابوك دلوقتي. 

-إن شاء الله. 
قالها بلامبالاة أغاظتها, لكنها تحكمت في مشاعرها وابتسمت له بهدوء تقول:
-انا ولادتي المفروض بعد أسبوعين. 

سألها بلهفة مهتمة:
-الدكتورة حددت؟ 

اومأت تجيبه بقلق ظهر عليها:
-لسه راجعة من عندها من ساعة, قالتلي ان راسه بقت تحت والرحم فاتح حاجة بسيطة, بس قالتلي لو مودلتش طبيعي قبل يوم 20 في الشهر ده هتضطر تولدني قيصري عشان ميكونش الوضع خطر على البيبي. 

اومأ برأسه يزفر أنفاسه بتوتر هو الآخر وعلق:
-يعني قدامك 14 يوم بالضبط, تمام خير إن شاء الله, انتِ مال وشك اصفر كده ليه. 

اجابته بدموع لمعت في عينيها:
-مرعوبة يا شاهين, أمل ولدت من يومين.. والطفل نزل ميت م... 

جحظت عينيهِ يوقفها بقلب تسارعت دقاته بخوف:
-بس بس, متتكلميش في الموضوع ده.. ربنا يصبرهم بس إن شاء الله ابننا هيكون بخير, بلاش تخليك تفكيرك يوصل للنقطة دي.

بكت وهي تخبره من بين شهقاتها:
-انا من يومها بحلم بكوابيس, وكل مانام بقوم مفزوعة. 

اغمض عينيهِ ماسحًا بكفه على وجهه بتعب, ولعن من بين أسنانه مختار السبب في هذا البُعد القاسي, ثم نظر لها بعتاب:
-يعني انتِ بتعذبيني اكتر؟ بتعيطي قدامي وفاصل بينا بلاد احضنك ازاي انا دلوقتي؟ 

مسحت دموعها تحاول الهدوء وقالت:
-لا خلاص مش بعيط.. 

-اقفلي يا فيروز. 

طالعته بدهشة من جملته الحادة ولم ترد ووجدت المكالمة تنتهي!
حاولت معاودة الاتصال بهِ لكنه لم يجيب فزفرت باختناق قلِقة من تحوله المفاجئ في آخر المكالمة.. 

بينما هو كان يطوف غرفته كالثور الهائج يلعن الظروف التي تضعه كالأسد في قفص مغلق, يثور بداخله ولا يستطيع الوصول لِمَ خارجه, يلعن من أوصله أن يبتعد عن حبيبته وزوجته في أكثر وقت تحتاجه فيه, في ألا يعاصر كل ما مرت بهِ في حملها, ولا يشعر بنمو طفله أمام عينيهِ يوم بيوم, كلما بكت وهي جواره كان يحتضنها, لكنه الآن عاجز, وهو العقرب الذي لم يتقبل شعور العجز يومًا.. 

---------------------------- 
صباح اليوم التالي.. 
لن يترك فرصة لمختار للانتصار بأي شكل كان دومًا سيسبقه بخطوة, وهو يعلم أن خطوة مختار التالية هي جده.. 
لذا اجتمع بهِ بعد الإفطار وهو يخبره:
-انا وصلت للحقيقة يا جدي.

طالعه "المنشاوي" بلهفة مستعرة وهو يسأله:
-حقيقة إيه؟ 

-حقيقة ابويا, إن كان عايش ولا ميت. 

تسارعت دقات قلب الأخير بخفقان لم يحدث سوى حين علم بخبر وفاة عزيز قلبه, وجحظت عينيهِ بترقب ولم يستطع أن يحثه على الحديث بكلمة, ليكمل "شاهين" وهو يمسك كفه يدعمه:
-جاهز تقابل ابنك يا جدي؟ جاهز تحضنه وتكسر عضمه في حضنك؟ 


تعليقات