رواية هوس الريان الفصل الخامس والثلاثون
خرجت ليل من المشفى بعدما تلقت جلستين من العلاج الطبيعي و كان في أوج سعادتها الخروجها من بين تلك الجدران البيضاء التي ظلت محاضرة داخلهم لفترة ليست بالقليلة، كانت تستند على ذراع ريان و هم متجهين إلى سيارته المصفوفة أمام المشفى، نظرت له بمقلتين برینتین تری جمود محياه و وجهه الذي فقد معاني الحياة مؤخرا، قطبت حاجبيها تنظر أمامها بضيق و قد مقتت صمته الدائم و حزنه الغير مبرر بالنسبة لها، صعدت معه السيارة تتأفف ... و فورما صعد حتى انفجرت به تخرج ما كتمته لمدة اسبوعا كاملا:
- هو في إيه بقى إنت مبقتش طبيعي طول الوقت سرحان و مش معايا و يحتاج أعيد كلامي مرتين ثلاثة عشان حضرتك مبتبقاش مركز في اللي بقوله إنت مش راضي تقولي في إيه و أنا تعبت من الأسئلة اللي بتدور في دماغي ... أنا مش قادرة أبرر تصرفاتك غير إنك مبقتش عايزني في حياتك يا ريان
قاد السيارة بوجه متصلب و كأنه لم يسمعها رغم أنه فعل و شعر بنغزات في قلبه عندما وصلت اليه كلماتها الحادة، غلت الدماء بعروقها وأستزفت أكثر لتضرب على التابلوه أمامها هادرة به بعنف:
أنا بكلمك يا زبان زد عليا
صرخ بها محتدا أكثر يضرب المقود بـ راحة يده:
أنا مش عايز أسمع صوت في ودني!
طالعته مصدومة، و انكمشت في المقعد فندفسة تكتم شهقات بكاءها .. حتى صوتها لم يعد يطبق سماعه، إنفلتت منها شهقة رغما عنها جعلته يزيد في سرعة السيارة و هو يشعر بـ قبيلة كاملة من الجن تتقافز امام عيناه، لم يتخطى موتها و لن يفعل، سيبقى ذلك المشهد و السكين منغرزة في جسدها محفورا في ذاكرته طيلة حياته، وها هي تضغطه أكثر .. هو يعلم يجهلها عن دواخله، وكيف يتمنى لو أن يغرز ذات السكين في قلبه ويذهب لأمه الذي أدرك بعد وفاتها كم هو يحبها و متعلق بها، كيف للإنسان أن يكن أعمى البصيرة للدرجة التي تجعله لا ينتبه لأهميتها لتلك الدرجة في حياته، كم من مرة تجاهل مكالمات لها لأنه كان منشغلا خصيصا عندما كان مغتربا، كم من مرة ضاق صدره من نصائحها وتدخلاتها في حياته، كيف لهذه المشاعر أن
تتحول لمشاعر إحتياج بعد موتها!
التفت إلى ليل وقد رق قلبه لها، صف السيارة جانبا لكي يهدئ من إرتجافة جسدها و هي تكنم بكائها حتى احمر وجهها، جاء ليضع كفه على جانب وجهها في ابتعدت تطالعه بحدة قائلة بعنف: - متلمسنيش ! متقربش مني!
- أنا أسف
قالها بأسى، في تمسكت يعندها أكثر تحجر جسدها فلصقة إياه في المقعد، تنظر أمامها و الدمعات التسلل على وجنتيها زفر بإرهاق أكبر و كأنها تزيد عليه تعبه، أغمض عيناه يفركهما به سبابته. إبهامة مستندا بمرفقه على المسند الذي يفصل بينهما طالعته بـ جانب عيناها بـ ضيق لتمتم و لم تكن تعلم أن الأمر سيسقط كالصاعقة على رأسه: أنا عايزة أنطلق يا ريان
و بعنف ضرب على المسند جواره فورما التقطت أذنيه جملتها التي ذبحته في انتفضت هي مغمضة عيناها تزدرد ريقها و هي تعلم أن رد فعله ستكون قاسية، لكنها لم تكن تتخيل أن يقول و هو يسير بالسيارة - ماشي ...
قالها بكل هدوء بعدما أخذ أنفاس يهدئ بها جهازه العصبي، طالعته مصدومة .. لتمتم بصوت مهتز
- ماشي ؟ .. ماشي إيه ؟
قطبت حاجبيها عندما نطق بيسر:
- أطلقك !
أخذت الكلمة و إبتلعتها كغصة في حلقها، ولن تبالغ إذا قالت أن ألم جانب معدتها ضرب
بجسدها فجعلها تفرز أسنانها في شفتيها، رفضت الظهور بمظهر الضعيفة و رغم أن قلبها كان ينزف .. إلا أنها غمغمت بهدوء:
تمام
ساد الصمت بينهما لدقائق شردت هي بهم نهشت الأسئلة عقلها كما ينهش السرطان الجسد.
توالت عليها أسئلة من قبيل: أهو لا يحبني ؟ لم يحبني بالأساس ؟ أكانت أفعاله وكلماته المعسولة ليست سوى سراب صدقته و سارت خلفه دون فهم؟ أم أنه مل منها؟ أم أنه أحب امرأة أخرى، جميعها أسئلة كالموس مزقت قلبها و إجاباتها بالنسبة لها لا تهم .. فـي هو بالفعل ألقى
القنبلة في وجهها و إنتهى الأمرا
لا تعلم كيف شعرت ببرودة في جسدها و أن الدماء قد غادرته بالكامل، حتى أنها شعرت بدوار قاس لتشدد يكفيها على ثيابها تحاول أن تتماسك قدر الإمكان سألته بصوت متعب و كأنها كانت في ماراثون
- ممكن أبقى أقعد في شقة مطروح .. عشان إنت عارف إني ماليش مكان أقعد فيه! قال على الفور:
- ماشي
قالها مسرعًا ليبتر عبارة لو كانت أطالت بها لكان جذبها لأحضانه، هو من المحال أن يتخلى عنها ... هو فقط يربها أن كثرة ترديد تلك الكلمة من الممكن أن تودي بعلاقتهما للهلاك، نظرت أمامها و
از دردت ريقها تردد بهدوء لا يماثل أبدا ما في داخلها:
هلم هدومي الأول و هخلي حد من عندكوا يوصلني!
تمام
كان يجاريها بتلك الكلمة في وجهت عيناها للنافذة لكي تسمح لدمعاتها بالهبوط دون أن يلاحظها، وصلا للبيت و فورما صف السيارة حتى اندفعت هي خارجها تضغط على زر الجرس بإنفعال مرة تلي الأخرى حتى فتحت لها الخادمة، سألتها بهوجاء:
- ماما دليلة فين؟
طالعتها الخادمة مصدومة، في مرت ليل تركض إلى عصام الذي نزل الدرج يطالعها بابتسامة حزينة
وحشتيني يا حبيبتي
ركضت له ليل و ارتمت بأحضانه، عانقها عصام و لا يعلم كيف ذكرته بـ دليلة .. رائحتها و كأنها رائحة دليلة بالضبط، بكت ليل تريد أن تشكو له معاملة ريان معها، و دلف ريان على هذا المشهد ليقطب حاجبيه متضايقا وقد ضربته الغيرة و لا يعلم كيف غار من أبيه عليها، حتى أنه هدر
يصوت عال:
ليل !!
انتفضت ليل على صوته و خرجت من بين ذراعي عصام الذي نظر إلى ريان يقول متضايقا إيه يا ريان ... بالراحة على البنت
طالعه زیان بهدوء ظاهري يقول:
عايزها بس يا حاج !
هتفت ليل بحدة
و أنا مش عايزة أقعد معاك عايزة أقعد مع بابا و ماما!
- هو إنت مقولتلهاش
وجه عصام سؤاله و هو مصدوم إلى ابنه الذي نفى برأسه، في طالعتهما ليل بعدم فهم تغمغم :
مش فاهمة .. مقاليش على ايه يا بابا؟
ريت عصام على مكتبها يقول بحزن تمكن منه:
مافيش يا حبيبتي .. إطلعي مع جوزك إرتاحي إنت خارجة من المستشفى و أكيد تعبانة ولازم ترتاحي
جتى تلك اللمسة لكتفها لم يتحملها، في ساقته قدميه لها ليجرها من ذراعها يبعدها عن مرمى يد أبيه في طالعته بحدة من طريقته معها تنفض ذراعها من ذراعه، تعود وتنظر لأبيه قائلة برجاء:
بابا إنتوا مخبيين حاجة عليا صح ؟
از درد عصام ريقه ينظر إلى ربان الذي سمح له بنظراته أن يخبرها، في هتف عصام ينظر بعيدا عنها بألم:
- دليلة .. تعيشي إنت!
تسمر جسد المسكينة تناظر عصام مصدومة، وتلتفت إلى ربان الذي كان واقفا بظهرها مباشرة ينظر أمامه بأعين جامدة لكن لمعت بها الدمعات، اقشعر جسدها تزدرد ريقها و هي تقول بخفوت و لا تعلم كيف جمعت الأحرف لتكون كلمة واحدة و هي: امتى ؟
ثاني يوم الحادثة بتاعتك ...
هتف عصام يسترجع تلك الذكرى المأساوية، في وضعت كلها على قلبها الذي إنقبض يؤلمها، و خانتها قدميها في كادت تنهار أرضا لولا ذراعيه اللذان أحكما القبض على ذراعيها يقربها من صدره و هي تجهش بالبكاء و تقول بصوت بالي:
ماتت من غيرم أحضنها ؟ من غير م أقولها إن بحبها أوي!
أغمض ريان عيناه يرفع رأسه لأعلى محاوط ذراعيها، بينما لم يتحمل عصام سماع كلماتها في العلم المتبقي منه وصعد إلى جناحه ينزوي على نفسه و يبكي كالطفل الصغير تابعت ليل و هي تضع كفيها على ذراعي زبان المحاوطان جسدها:
ليه تموت بالسرعة دي يا ربان .. ليه فجأة كدا
- ليل كفاية .
قال و هو بات لا يتحمل كلماتها عن أمه، بكت الأخيرة أكثر تبعد ذراعيه تقترب من الدرج بالكاد تحملها قدميها تتمتم باسمها بألم و خفوت راقبها بنظراته و هي تتعرج في صعودها الذي لم يكن متوازن، صعد خلفها يحميها بذراعه حتى وصلت للجناح و ما إن دلفت لغرفتها حتى ألقت بجسدها فوق الفراش تدفن وجهها في الوسادة وتبكي بأقوى ما لديها، وقف هو ينزع عنه قميصه بأعين شديدة الجمود، ألقى بالقميص و خرج إلى الشرفة يغلقها عليه يخرج من جيب بنطاله علبة سجائره لينفت بها عن غضبه وحزنه، حتى أنه لم يلاحظ انفتاح باب الشرفة و خطواتها التي اقتربت بها منه لم يستفيق سوى على ذراعيها اللذان التفا حول خصره، أبعد الفافة التبغ عن مرمى ذراعها حتى لا تتساقط على ذراعها، يسمعها تقول بصوتها الدافئ الحزين:
متزعلش مني .. أنا عارفة إني ضغطت عليك أوي
أغمض عيناه و لم تجد منه ردا، في إبتعدت تلفه لها وتحاوط وجنتيه هامسة برفق:
- حبيبي .. حقك عليا !
نظر في عيناها الثانيتان قبل أن ينظر بعيدا، في تلبس اليأس محياها تقول بحزن:
أنا معنديش مشكلة نطلق مدام انت موافق على كدا .. أنا !!!
آخر ما توقعته أن يحاوط وجنتيها محاصرا السيجار بين سبابته وأوسط أنامله يندفع ليأخذ رحيق شفتيها في قبلة بث بها ألمه و وجعه طيلة ذلك الإسبوع، تفاجأت بفعلته لكن حاوطت هي الأخرى وجنتيه تقبله بإشتياق إلى آخر نفس في رئتيها، ألقى بالسيجار و حملها بين ذراعيه يضعها على الفراش، و كم كان متألقا و كم حاولت هي أن تحتوي ألمه، لم تشعر بأنه ريان زوجها، شعرت به طفل صغير يبكي أحيانًا في أحضانها في تعانقه و تمسد على خصلاته، و أحيانا أخرى رجل مكتمل الرجولة يعلم ثغراتها، مرة يقوده عنفوانه إلى جنون يؤذيها به ... و مرة يقوده حنان إلى تقبيل باطني كفيها و يعتذر لها، حالة من الإضطراب عاشتها معه، حتى إنتهى بهما الأمر يحتضنها هو بدلا من أن تفعل هي مسحت على خصلاته في أغمض عيناه يقول بنبرة لا حياة بها: - لقيت السكينة مغرزة فيها لما دخلت .. كان في بركة سم حواليها ، حاسس من ساعتها إن
حياتي .. وقفت
کنمت شهقتها و سيطرت على قشعريرة جسدها تقول بصوت مهتز
مين .. مين عمل كدا؟
این الوسخة .. سيف!
هتف بغل، في جحظت بعيناها و لم تستطع إكمال كلماتها، في دفن أنفه في جسدها مغمضا عيناه يقول بألم:
يمكن لو انت مكنتيش في حياتي .. أنا كان زمان موثه و قبلت أقعد في السجن باقي حياتي ...
مافيش حاجة أطلع عشائها!
مسحت على وجهه تقول بحنان
انت لو جرالك حاجة أنا ممكن أموت
صمت في رفعت وجهه لها تقبل جبينه، إستلقى على ظهره جواره في إقتربت هي منه تثبت طرف الغطاء على صدرها تميل عليه وتمسد على وجنتيه و خصلاته تهمس:
- أنا أكثر حد ممكن يحس بيك .. عشان أنا كمان ماما و بابا ماتوا في عارفة وجعك يا حبيبي ألقت رأسها على صدره في تناثرت خصلاتها عليه تردف:
أنا جنبك .. و معاك .. و بحبك !
أنا حاسس إن جوايا نار يا ليل
قال و هو ينظر لها يعبث بخصلاتها، رفعت رأسها له تقول :
- قلب ليل .. أنا مش عايزاك تكتم جواك حاجة
لو اللي جوايا طلع ... هيحرق العالم باللي فيه
قالها ينظر بعيدا عنها، اقتربت منه تحاوط عنقه و تدفن وجهها في تجويف رقبته تحاول تغيير
مجرى الحديث لكي تخفف عنه مغمغمة:
أهون عليك تقول ماشي لما قولتلك تطلق ؟
نجحت في فعلتها، مسحت على خصلاتها الطويلة مستمتعا يكون الغطا قد إنزاح من عليها
مظهرها ظهرها المشدود و المخفى بخصلاتها، يقول بهدوء:
أنا قولت ماشي و أنا عارف إني مستحيل أتخلى عنك!
- طب قولتها ليه !
قالتها بأسى، في هتف يضمها بذراعه القوي :
عشان أعلمك إنك مينفعش تقولي عايزة اتطلق عمال على بطال، و إني ممكن في مرة أوافق و
لا أنا هعرف أعيش من غيرك ولا انت يا ليل يبقى ليه من الأول يا حبيبتي
تنهدت و لم تجيب، في مسح على ظهرها العاري بعدما أزاح خصلاتها جانتا يرسم بطرف سبابته
خط طويل على ظهرها يسألها بحنان
- زعلانة مني ؟
- شوية
قالت بعبوس و هي تنظر له، في إبتسم و قلبها أسفله يقول بمزاح:
- قوليلي بس فين شوية الزعل دول و أنا هقتلهم!
ابتسمت مغمغمة و هي تضرب أنفه بسبابتها في حركة يعشقها:
ريان بطل
قال متخابنا
طب تصدقي بالله .. أنا لولا إني حاسس إنك كفاية عليكي كدا مكنتش سيبتك
شهقت يخجل مغمغمة
ریان
- قلنه
قال بوله يقبل عظمة الترقوة الخاصة بها في غمغمت يخجل
- إوعى عايزة أقوم طيب
هتف بذات النيرة الماكرة:
لا إستني بس .. أصل أنا عايز أعوض الواد اللي راح ده
