رواية استثنائية في دائرة الرفض الجزء الثاني الفصل السادس والثلاثون بقلم بتول عبد الرحمن
حسام بلع ريقه بصعوبة، وشه فقد لونه في ثانية، إيناس أول واحدة لاحظت تغييره، قربت منه وهيا مستغربة وقالت
"حسام؟"
مردش، فضل باصص للكارت كأنه مش مستوعب اللي مكتوب، فريدة لاحظت ملامحه وابتسامتها اختفت تدريجيًا، قالت بقلق
"حسام..."
رفع عينه ببطء ولسه الصدمة مرسومة على وشه، رمى البوكيه وخرج من الأوضة بسرعة متجاهل قلقهم وندائهم.
بعد حوالي نص ساعة... كانت عربيته واقفة قدام العمارة القديمة اللي كانت داليا ساكنة فيها، نزل منها بسرعة وطلع السلم وهو بياخد درجتين مرة واحدة، وقف قدام الشقة وخبط بعنف بس مفيش رد، خبط تاني أقوى بس مفيش رد، فضل يخبط كام ثانية وبعدها رجع خطوتين لورا، رفع رجله وزق الباب بكل قوته، الباب اتفتح بعنف، دخل الشقة وهو بيبص حواليه بجنون، دور عليها في كل مكان بس مفيش أي أثر ليها.
وقف في نص الصالة وأنفاسه كانت سريعة، وعينيه بتلف في المكان، بص حواليه مرة أخيرة وبعدها خرج من الشقة بسرعة.
نزل السلم تقريبًا جري، وخرج قدام العمارة وهو بيلف بعينيه في الشارع يمين وشمال، ركب عربيته بسرعة وداس بنزين من غير ما يفكر مرتين، الطريق كله كان سايقه بعقل غايب وصوت الرسالة بيتردد في دماغه كل ثانية
"دلوقتي تقدر تتأكد إن البنت دي مش بنتك."
وصل المستشفى اللي داليا شغالة فيها، وقف العربية بعشوائية ونزل منها بسرعة، دخل المستشفى بخطوات سريعة وعينيه بتلف في كل مكان يدور عليها، سأل واحدة من الممرضات بسرعة
"داليا الممرضة فين؟"
الممرضة شاورت ناحية أوضة التمريض
"جوه."
اتجه للأوضة فورًا وفتح الباب بعنف، داليا كانت واقفة جوه ومعاها اتنين ممرضات، أول ما شافته اتخضت للحظة من شكله، حسام بص للممرضات وقال بصوت حاسم
"سيبونا لوحدنا."
الاتنين بصوا لداليا باستغراب، داليا هزت راسها بخفة فخرجوا بهدوء، حسام استنى لحد ما الباب اتقفل وبعدها لف المفتاح بنفسه، لف ناحيتها تاني، قرب منها خطوة، داليا قالت باستغراب حاولت تخفي وراه توترها
"في إيه؟!"
حسام ابتسم ابتسامة باهتة وقال
"كل خير..."
سكت ثانية
"طبعًا كل خير."
داليا رجعت خطوة لورا وهو قرب خطوة وقال بهدوء مخيف
"يلا... بكل هدوء كده، قوليلي... قصدك إيه بالرسالة اللي بعتيها؟"
داليا عقدت حواجبها واتصنعت إنها مش فاهمة
"رسالة إيه؟ أنا معرفش حاجة عنكوا أصلًا."
حسام فضل باصصلها كام ثانية وبعدها قال
"طيب... أنا دي آخر مرة هتكلم فيها بهدوء، لو عملتي فيها هبلة... أنا مش مسؤول عن تصرفاتي."
داليا قالت بسرعة
"بس أنا فعلًا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه، إيه اللي حصل؟"
حسام قرب منها أكتر، رفع إيده ومسك رقبتها ببطء وهو لسه سايبلها مساحة تتنفس وقال بصوت واطي
"يعني... مصممة تلفي وتدوري."
وفجأة شد إيده بقوة وقال بصوت جهوري
"كل اللعب اللي لعبتيها قبل كده... حاجة... ودي... حاجة تانية."
ضغط أكتر وهو بيقول
"انطقي وقولي تقصدي إيه بكلامك، عايزة إيه؟"
داليا حاولت تبعد إيده وقالت بصعوبة
"أنا... معرفش... بتتكلم... عن إيه..."
حسام ضغط أكتر وعينيه كلها غضب
"كل حاجة عندي في كفة... والبنت اللي كنت بتمناها من ربنا... في كفة تانية."
سكت لحظة وكمل من بين أسنانه
"أقسم بالله...أقتلك دلوقتي وأقضي عليكي وأدخل بسببك السجن... وأنا راضي."
داليا كانت بتحاول تاخد نفسها بس هو كمل بنفس القهر
"الثقة اللي بتطلبي مني بيها أشوف البنت دي بنتي ولا لاء... هيا نفس الثقة اللي جيتي قولتيلي بيها إن اللي في بطنك ابني."
داليا وشها احمر وأنفاسها بقت متقطعة وكانت بتحاول تبعد إيده بكل قوتها، قالت بصوت مخنوق
"حسام..."
لكنه كان في حالة غضب عمياء، ضغط أكتر وهو بيقول
"متحاوليش، إنتي عايزة تخربي حياتي، وأنا موافق إنها تتخرب... بس بعد ما أقضي عليكي، وأخلص فريدة وولادي من شرك."
داليا كانت خلاص بتطلع في الروح، بصت في عينيه وشافت إنه مش بيهزر، حاولت تتكلم لكن صوتها كان بالكاد بيطلع
"ه... هقولك... بس... سيبني..."
حسام قال من غير ما يفك إيده
"مش هسيبك...قبل ما تنطقي."
داليا حاولت تاخد نفس بأي طريقة ولما حست إن نفسها بيتسحب منها قالت بصعوبة شديدة
"بنتك..."
وقفت لحظة وهيا بتحاول تتنفس
"اتبدلت... مع بنت تانية..."
رفعت عينيها ناحيته وهيا بتلهث
"اللي معاكوا دلوقتي ...مش بنتك."
أول ما الكلمات خرجت من بوقها إيد حسام ارتخت فجأة، داليا وقعت على الأرض وهيا بتكح بعنف، بتحاول تاخد نفسها وإيديها على رقبتها، أما هو ففضل واقف مكانه متحركش ولا اتكلم، ملامحه كانت فاضية تمامًا، كأنه سمع حاجة عقله رافض يستوعبها، فضل ساكت كام ثانية، بنته... اتبدلت، يعني البنت اللي كان شايلها من شوية... مش بنته.
يعني بنته... لحمه ودمه... دلوقتي مع ناس تانيين، ناس ميعرفهمش، يمكن بيعاملوها كويس... ويمكن...لا.
الفكرة نفسها كانت كفيلة تخليه يحس إن قلبه بيتقطع، داليا رفعت عينيها تبصله، أول ما شافت النظرة اللي في عينه اتجمد الدم في عروقها، كانت أول مرة تشوف حد بالشكل ده، مكانتش فاهمه حالته بس نظراته خلتها تحس إنه لو فضل واقف قدامها ثانية كمان ممكن يقتلها فعلًا، بسرعة قامت من على الأرض، فتحت الباب وخرجت تجري من غير ما تبص وراها.
وحسام كان لسه واقف مكانه لحد ما استوعب فجأة، خرج من الأوضة بسرعة واخدها جري لحد عربيته، كل اللي في دماغه كان بنته، ركب عربيته وضغط على البنزين بعنف، كان سايق بطريقة عمره ما ساق بيها قبل كده، كان خايف ومرعوب ميلاقيهاش، وصل المستشفى، وقف العربية بعنف ونزل منها، دخل المستشفى بخطوات سريعة وصوته سبق دخوله
"فين مدير المستشفى؟!"
كل اللي في الاستقبال بصوا عليه باستغراب، الموظف اتخض من طريقته، حاول يحافظ على هدوءه وقال
"اهدى يا فندم... إيه مشكلة حضرتك؟"
حسام كان صدره بيطلع وينزل من سرعة أنفاسه، وبعدين لفله بعصبية وقال بصوت أعلى لفت انتباه الكل وهو بيخبط على الكاونتر
"كلامي مش معاك... أقسم بالله لأقفلكوا المستشفى دي."
الموظف بلع ريقه ولسه هيتكلم بس في نفس اللحظة كان مدير المستشفى خارج من الممر بعد ما سمع الصوت، وقف قدام حسام وقال باستغراب
"في إيه؟! إيه الدوشة دي؟"
حسام بصله مباشرة وقال
"فين المدير؟"
الراجل رد بهدوء
"أنا المدير... اتفضل."
حسام قرب منه خطوة وقال من غير أي مقدمات
"تمنعلي أي حد يخرج من المستشفى من دلوقتي."
المدير قطب حواجبه باستغراب
"ليه؟"
حسام قال وصوته كله غضب
"مراتي ولدت هنا... وبنتي اتبدلت ببنت تانية."
سكت لحظة وكمل وهو باصص في عينه
"وعمدًا."
المدير فضل باصصله ثواني، وبعدها قال بعدم تصديق
"مستحيل... المستشفى دي من أكبر مستشفيات البلد، ولا يمكن حاجة زي دي تحصل أبدًا."
حسام هز راسه بعصبية وقال
"وحصل، وأنا بقول محدش هيخرج من هنا قبل ما ألاقي بنتي... والموضوع مش هيعدي."
المدير قال وهو لسه بيستوعب حجم اللي بيسمعه
"حضرتك متأكد من الكلام ده؟"
حسام رد من غير لحظة تردد
"أكتر ما متأكد إنك واقف قدامي."
المدير سكت لحظة، أخد نفس وقال بسرعة
"طيب... حضرتك اهدى، وهنراجع كل حاجة."
حسام هز راسه برفض وقال بحدة
"لاء، انا عايز الأطفال اللي اتولدوا النهارده كلهم... دلوقتي، واللي خرج من المستشفى يرجع،واللي لسه موجود يتجاب، وأي ممرضة كانت موجودة وقت الولادة تتحققوا معاها."
المدير لف بسرعة ناحية الموظفين
"اقفلوا قسم الولادة، محدش يخرج، استدعوا كل طاقم النبطشية اللي كانوا موجودين وقت الولادة."
رجع بص لحسام وقال بهدوء مزيف
"ولو كلامك صح... اللي غلط هياخد جزاءه كامل."
سكت لحظة وبص حواليه
"بس لو سمحت... متكبرش الموضوع قدام الناس بالشكل ده."
حسام ضحك بسخرية، بصله وقال
"لاء أنا لسه معملتش حاجة."
قرب منه أكتر وصوته بدأ يعلى من جديد
"أنا كان ممكن أربي بنت مش بنتي... وأسيب بنتي تتربى مع ناس يا عالم هيعاملوها إزاي..."
آخر جملة خرجت منه وهو بيحاول يسيطر على نفسه بالعافية لكن صوته خانه في الآخر
" وتقولي متكبرش الموضوع؟"
المدير فضل ساكت لحظة وبعدين قال وهو بيحاول يحتوي الموقف بأي شكل
"طب... اديني ساعة."
حسام بصله من غير ما يتكلم، المدير كمل
"ساعة واحدة بس، لو بنتك مرجعتلكش... حقك تعمل اللي إنت عايزه، وأنا بنفسي هعمل كل اللي تؤمر بيه."
المدير أول ما خلص كلامه لف بسرعة ناحية الأمن ورئيسة التمريض
"اقفلوا كل بوابات المستشفى، أي حد يخرج أو يدخل من دلوقتي يبقى بإذني أنا."
لف ناحية رئيسة التمريض وقال بجدية
"هاتولي كشف بكل الأطفال اللي اتولدوا النهارده... حالًا، وأسماء كل الممرضات والدكاترة اللي كانوا موجودين في النبطشية."
بعد أقل من خمس دقايق رجعت رئيسة التمريض وهيا شايلة ملف وناولته للمدير، المدير فتح الملف بسرعة وقلب في الأوراق وهو مركز وبعدها رفع عينه وقال
"النهارده كان عندنا خمس حالات ولادة..."
بص في الورقة تاني وكمل
"منهم تلات بنات."
حسام كان واقف، إيده مقبوضة بقوة وحاسس بعجز الدنيا كله في اللحظة دي ، المدير فضل ماسك الملف في إيده، وعينيه بتتنقل بين الورق وبين حسام، حسام قال
"يعني... أنا بنتي واحدة من الاتنين، واللي بدلتها هيا اللي تعرف."
المدير رفع عينه من الملف وسأله بهدوء كأنه لسه بيدور على احتمال ينفي اللي بيحصل
"وحضرتك متأكد إن ده مش سوء تفاهم؟"
حسام بصله نظرة كلها قهر وقال
"أنا متأكد إنها اتبدلت عمدًا."
المدير أخد نفس وحاول يتكلم بهدوء
"يبقى لو كده نعمل تحل..."
قبل ما يكمل حسام قاطعه بعصبية واضحة
"وإنت متخيل إني هقبل بحاجة زي دي؟"
صوته بدأ يعلى وهو بيكمل
"هقبل إن بنتي تتعرض لحاجة زي دي وهيا لسه عمرها ساعات؟"
المدير حاول يسيطر على الموقف وقال
"ده الحل حاليًا عش..."
لكن حسام قاطعه للمرة التانية وكان واضح إنه مبقاش عنده أي استعداد يسمع كلمة زيادة، افتكر فجأة لما الممرضة خرجت من اوضة العمليات وكانت متوترة ومرضيتش تخليهم يشوفوا البنت، قرب خطوة وقال بسرعة
"الحل إن الممرضة اللي بدلتهم تيجي تقول بنتي مين في البنتين دول، اه انا افتكرت، اكيد هيا اللي بدلتهم."
ساد صمت للحظة قبل ما يرد المدير
"بيتم التحقيق مع طاقم التمريض."
حسام هز راسه وقال بسرعة
"بس أنا عارف مين اللي بدلتها."
المدير بصله باستغراب
"إزاي؟"
حسام رد
"شوفتها كويس... لما منعتني أشوف بنتي أول ما خرجت من العمليات."
ملامح المدير اتغيرت وقال فورًا
"اتفضل معايا... وقول هيا مين."
خرج بسرعة من المكتب وحسام مشي وراه بخطوات سريعة وعينيه مليانة إصرار وهو متشبث بأمل واحد... إن الممرضة دي تكون لسه جوه المستشفى، وإنها تكون المفتاح الوحيد اللي هيرجعله بنته.
خرج المدير بسرعة يتقدمه حسام لحد ما وصلوا، رئيسة التمريض كانت مستنياهم قدام أوضة التحقيق، وما إن شافت المدير قالت بتوتر إن كل الممرضات اللي كانوا في النبطشية موجودين جوه، المدير فتح الباب ودخل وحسام دخل وراه، عينيه كانت بتلف على الوشوش بسرعة لحد ما وقفت فجأة على ممرضة كانت واقفة آخر الصف، اتجمد مكانه لحظة وملامحه اتبدلت تمامًا
"هي... هيا دي."
كل اللي في الأوضة بصوا عليها، والممرضة نفسها ارتبكت واتغير لون وشها وقالت بسرعة
"أنا؟! أنا عملت إيه؟"
حسام مكنش سامعها أصلًا، في ثانية واحدة اندفع ناحيتها بكل قوته، مد إيده ناحيتها وهو بيزعق بصوت رج المكان
"إنتي! إنتي اللي بدلتيها"
الممرضة صرخت بخوف ورجعت لورا، قبل ما حسام يوصلها كان اتنين من الأمن ومعاهم اتنين من العاملين مسكوه من دراعاته بالعافية، حسام كان بيحاول يفلت منهم بكل قوته وبيشد نفسه ناحيتها
"سيبوني! والله ما هسيبها! هيا دي... هيا اللي عملتها... سيبوني!"
الأمن كانوا حرفيًا متعلقين فيه، وكل ما يحاولوا يرجعوه خطوة كان هو يندفع اتنين لقدام وعروقه بارزة في رقبته وعينيه كلها غضب وقهر.
المدير زعق هو كمان
"اثبت يا أستاذ حسام! لو سمحت اهدى!"
لكن حسام بصله بعيون كلها وجع وقال وهو بيحاول يفلت منهم
"أهدى إيه؟! مش هسيبها"
بص للممرضة اللي كانت واقفة بتترعش من الخوف وقال بصوت هز الأوضة كلها
"انطقي! بنتي فين؟! عملتي فيها إيه؟! انطقي!"
الممرضة كانت دموعها نازلة وهيا بتهز راسها بعنف
"والله ما أعرف... والله..."
حسام قاطعها وهو بيصرخ
"متكدبيش! إنتي آخر واحدة شوفتها ماسكة بنتي... إنتي اللي منعتيني أشوفها... إنتي اللي بدلتيها! انطقي... بنتي فين؟! بدلتيها مع مين؟!"
الممرضة كانت مرعوبة، جسمها كله بيترعش ولسانها اتعقد من الخوف، بصت حواليها كأنها بتدور على أي حد ينقذها، بس في الآخر قالت بصوت متقطع
"أن... أنا..."
حسام زعق فيها بعنف وهو بيحاول يفلت من اللي ماسكينه
"انطقي! بدلتيها بأنهي بنت؟!"
الممرضة شهقت وهيا بترتجف وقالت بالعافية
"ب... بنت اسمها ليليا."
حسام بطل يقاوم للحظة وبصلها كأنه بيستوعب الاسم، كرر ببطء
"ليليا..."
قال بصوت عالي
"فين ليليا؟!"
فك إيده من الأمن بالعافية وخرج من أوضة التحقيق بخطوات سريعة وصوته سابق خطواته وهو بيقول
"مين أهل البنت دي؟!"
المدير خرج وراه بسرعة وهو بيحاول يلحقه وقال
"اهدى يا أستاذ حسام... متقلقش."
لكن حسام مكانش سامعه، لف ناحيته بعصبية وقال
"مين أهل البنت؟!"
المدير رد بسرعة
"الممرضة هتجيبها حالا"
حسام فضل واقف مكانه، صدره بيطلع وينزل من شدة توتره، وكل ثانية كانت بتعدي كانت بالنسباله عمر كامل، قال وهو بيهز راسه بعصبية
"مش هستنى أنا."
ولسه هيتحرك... لكن عينه وقعت على ممرضة جاية من آخر الممر، كانت شايلة طفلة صغيرة ملفوفة في بطانية وردي.
وقف مكانه، عينيه اتعلقت بيها، الممرضة كانت بتقرب وهو كان بيقرب هو كمان بخطوات سريعة، وقف قدامها ومد إيده ببطء وهو بيبص لوشها، ولأول مرة... شاف وش بنته بوضوح، فضل باصصلها كام ثانية من غير ما ينطق، كل ملامحه اتغيرت.
الغضب... والقهر...والصريخ... اختفوا فجأة، محلهم بقا ذهول ممزوج بلهفة عمرها ما اتوصفت.
شالها من بين إيدين الممرضة بمنتهى الحذر كأنها أغلى حاجة في الدنيا، فضل يبصلها وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة خرجت منه غصب عنه، همس بصوت مبحوح
"هيا دي..."
عينه دمعت وهو بيقربها من صدره أكتر
"أكيد هيا دي."
كان حاسس بيها، من غير تحليل...ولا دليل... ولا أي حاجة، قلبه كان بيقوله إنها بنته، ضمها لصدره بقوة، لكنه كان حريص ميضايقهاش، باس راسها أكتر من مرة وهو مغمض عينه كأنه بيحاول يعوضها عن كل دقيقة كانت بعيدة عنه، وبصوت كله ارتياح خرج منه من غير ما يحس قال
"بابا جه يا صوفيا... بابا مش هيسيبك تاني أبدًا."
فضل يبصلها كأنه بيحاول يحفظ كل تفصيلة فيها، ملامحها الصغيرة، ابتسم ابتسامة صغيرة، ودموعه نزلت من غير ما يحس، قربها من وشه وباس جبينها برفق، همس بصوت مبحوح
"حقك عليا... حقك عليا والله انا اسف، محدش هيبعدك عني تاني."
شدها أكتر لحضنه بحنان، كان حاسس إن قلبه رجع يدق من أول وجديد، الممرضة بصت للمدير بتوتر وبعد ما اتأكدت إن حسام مبقاش مركز معاها قالت بصوت واطي
"أنا قولتلهم إننا محتاجين نعمل للبيبي فحص روتيني إضافي قبل التسليم... عشان محدش يقلق أو يشك."
المدير هز راسه بتفهم وقال
"تمام، ارجعي كملي شغلك... وأنا هتصرف."
الممرضة هزت راسها بسرعة ومشيت، والمدير وقف يفكر هيعمل ايه، لأن بعد ما رجعت صوفيا لأبوها، بقا لازم يواجه أهل الطفلة التانية بالحقيقة، أو على الأقل يعرف إزاي هيحتوي الموقف من غير ما يسبب كارثة أكبر، المدير فضل واقف يراقبه ثواني وبعدها قرب منه بهدوء وقال
"يا أستاذ حسام..."
حسام رفع عينه ليه بتوهان، المدير قال بنبرة هادية
"محتاج البنت التانية."
حسام قطب حواجبه باستغراب، المدير كمل
"لازم ترجع لأهلها... هيا كمان ملهاش ذنب في أي حاجة حصلت."
حسام بص لبنته اللي بين إيديه وبعدها هز راسه بهدوء
"أكيد."
بص لصوفيا مرة تانية، عدل البطانية حواليها بحرص وبعدها قال بصوت هادي
"يلا."
مشى جنب المدير في الممر، وكل خطوة كان بيقرب بيها من أوضة فريدة، قلبه كان بيدق أسرع، محدش يعرف حاجة عن اللي حصل وهو مش عارف هيواجهم ازاي، بالذات فريدة، مش عارف هيقولها إيه، ولا هيحكيلها إزاي اللي حصل.
وقف قدام باب الأوضة وبص للمدير لحظة، وبعدها مد إيده وفتح باب الأوضة ببطء.
دخل حسام وهو ضامم بنته لصدره بحرص شديد، أول ما دخل، كل اللي في الأوضة بصوا ناحيته، كانوا مستنيينه من وقت ما خرج فجأة من غير ما يقول كلمة، لكن أول حاجة شدت انتباههم... البنت.
فريدة رفعت عينيها على حسام وبعدها نزلت تلقائيًا على الطفلة اللي بين إيديه، قلبها دق بقوة، خوف غريب دخل قلبها فجأة... خوف هيا نفسها مش فاهمة سببه.
مني بصت باستغراب وقالت
"مين دي يا حسام؟"
حسام رفع عينه عليها وبعدها بص لفريدة وقال بهدوء
"صوفيا..."
سكت لحظة وهو بيبصلها
"بنتي."
الصمت اللي نزل بعد الكلمة كان تقيل، كل اللي في الأوضة اتصدموا، فريدة بصتله بعدم استيعاب وبعدين بصت للبنت اللي مع مامته ورجعت بصتله تاني وقالت بصوت مهزوز
"يعني إيه؟... مش فاهمة، اومال دي مين؟"
حسام فتح بقه عشان يتكلم بس معرفش، الكلام وقف في زوره، المدير هو اللي أخد خطوة لقدام واتكلم
"بعتذر لحضراتكم... بس حصل سوء تفاهم، وتم تبديل البنتين بالغلط."
شهقوا بصدمة وفريدة فضلت باصة للمدير وعينيها مليانة عدم تصديق، حركت شفايفها بالعافية وقالت
"إيه؟"
عينيها فضلت متعلقة على صوفيا كأنها بتحاول تستوعب اللي اتقال، دي... دي بنتها؟! يعني البنت اللي كانت في حضنها من شوية مش بنتها؟! وبنتها الحقيقية كانت طول اليوم بعيدة عنها؟
فضلت باصة لصوفيا من غير ما تنطق والدموع بدأت تلمع في عينيها، وباقي اللي في الأوضة مكانوش أقل صدمة منها.
أبو حسام بص للمدير بعدم تصديق وقال
"إزاي مستشفى كبيرة زي دي يحصل فيها غلطة شنيعة كده؟"
المدير نزل راسه لحظة وبعدها قال بجدية
"بعتذر جدًا... والسبب في ده هياخد جزاءه، ده وعد مني."
حسام مكانش مركز مع أي حد، كان كل همه فريدة وصوفيا، قرب منها بهدوء وقعد جنب السرير، مد إيده بالبنت ناحيتها وقال بصوت هادي مليان مشاعر
"بنتنا."
فريدة رفعت إيديها بالعافية، كانت بتترعش بشكل واضح وعينيها مبتفارقش وش صوفيا، أخدتها منه بمنتهى الحذر وأول ما استقرت بين إيديها حضنتها ودموعها نزلت، حسام حط إيده على كتفها برفق وقال وهو بيحاول يهديها
"خلاص... رجعت."
فريدة هزت راسها وهيا لسه مصدومة، وباست راس صوفيا أكتر من مرة وهيا بتضمها ليها بقوة.
في اللحظة دي اتكلم المدير بهدوء وقال
"بعد إذنكوا، البنت التانية... أهلها منتظرين."
فضلت فريدة باصة للبنت اللي في حضنها، وبعدها رفعت عينيها للبنت التانية بحزن، المدير مد إيده وأخد الطفلة التانية بمنتهى الهدوء وبص لفريدة وحسام باعتذار قبل ما يلف ويخرج من الأوضة وقفل الباب وراه بهدوء.
في نفس اللحظة، الكل اتجمع حوالين فريدة وكل العيون كانت متعلقة بصوفيا، منى قربت تبصلها وهيا مبتسمة وبابا حسام نفس الشئ، أما إيناس فكانت عينيها بين حسام وفريدة ولسه بتحاول تستوعب اللي حصل
إيناس بصت لحسام وقالت
"إنت عرفت إزاي؟"
حسام رفع عينه ليها وبعدها بص لصوفيا اللي في حضن فريدة وقال بهدوء
"مش مهم... المهم إنها رجعت."
سكت لحظة وكأن مجرد التفكير في اللي كان ممكن يحصل بيوجعه
"كان ممكن معرفش أوصلها... وأربي بنت تانية."
فريدة رفعت عينيها عليه وقالت بهدوء
"مين اللي بعت الورد؟"
كل اللي في الأوضة لفوا يبصوا لحسام وهو بصلها من غير ما ينطق، مجرد نظرته كانت كفاية، فريدة غمضت عينيها بوجع وقالت بصوت مكسور
"هيا السبب... صح؟"
حسام أخد نفس طويل وبص لبنته وبعدها قال
"المهم دلوقتي إن صوفيا معانا... وده اللي يهمني حاليًا."
فريدة حضنت صوفيا أكتر وقالت وهيا بتحاول تمنع دموعها
"أنا... قلبي واجعني."
منى بصتلهم باستغراب واضح وقالت
"ما تفهمونا في إيه؟"
حسام قام من مكانه بهدوء وحاول يخفي اللي جواه وقال
"مفيش يا ماما."
فريدة نزلت بعينيها على صوفيا وابتسمت ابتسامة صغيرة كلها وجع، مدت صباعها تلمس خدها برقة ودموعها كانت بتنزل في صمت، إيناس قربت منها، حطت إيدها على كتفها وطبطبت عليها بحنان.
حسام خرج من الأوضة، قفل الباب وراه بهدوء، أول ما بقا في الممر اختفى الهدوء ده كله، وقف لحظة وهو بياخد نفس عميق، حط إيده على وشه كأنه بيحاول يلم نفسه بعد اللي حصل كله، بعد ثواني، باباه خرج وراه، وقف جنبه وبصله شوية قبل ما يقول
"نفس البنت اللي كانت بتتبلى عليك قبل كده!"
حسام لف يبصله، كانت ملامحه كلها إرهاق وغضب، قال بصوت واطي مليان قهر
"مش عارف عايزة مني إيه..."
هز راسه بضيق وكمل
"مش راضية ليه تسيبنا في حالنا؟"
باباه فضل ساكت لحظة وبعدين قال
"في ناس لما الحقد يتمكن منها مبتبقاش عايزة تكسب، كل اللي بيهمها إن غيرها يخسر وخلاص."
حسام قال بوجع
"كانت هتضيع بنتي..."
بلع ريقه بصعوبة وهو بيكمل
"لو الرسالة مكانتش وصلت كان زماني دلوقتي جوا الأوضة دي فرحان ببنت... مش بنتي."
سكت، نزل بعينه على الأرض
"وزمان بنتي...كانت مع ناس معرفش هيعاملوها إزاي."
باباه قرب منه، حط إيده على كتفه وقال بهدوء
"بس ربنا سترها."
حسام هز راسه ببطء وقال
"سترها... بس مش هعدي اللي حصل، مش عارف مين اللي وراها، وإزاي اصلا خرجت من السجن، بس انا عارف شغلي معاها كويس"
داليا كانت قاعدة في بيتها جسمها كله بيترعش، كل شوية تبص على الباب، نفسها كان متلخبط وإيديها بيلعبوا في بعض من غير ما تحس، عمرها ما كانت متخيلة إن حسام يوصل للدرجة دي، أول مرة تشوفه بالشكل ده، أول مرة تحس إنه كان فعلًا مستعد يموتها بإيده، كانت فاكرة إنها مسيطرة على كل حاجة، وإن خطتها هتمشي زي ما رسمتها، لكن كل اللي خططتله وقع في لحظة، يمكن... أحمد كان معاه حق من الأول، أكيد حسام مش هيسيبها بعد اللي حصل، أكيد خلاص مبقاش ينفع تظهر قدامه تاني.
قاطع كل تفكيرها خبط الباب، اتخضت وقامت بسرعة ناحية الباب، فتحته من غير حتى ما تسأل مين.
أول ما شافت أحمد قالت بسرعة من غير مقدمات
"أنا مش هروح المستشفى تاني."
أحمد دخل وقفل الباب وراه، بصلها باستغراب وقال
"هببتي إيه؟"
داليا بلعت ريقها وقالت بصوت واطي
"متخصش المرضى... تخص حسام."
أحمد زفر بضيق، رمى المفاتيح على الترابيزة وقال
"عملتي إيه؟... قولي، ما أنا مش ورايا غير مصايبك."
داليا بصتله لحظة وبعدها قالت
"بدلت بنته في المستشفى... ولما عرف... كنت على شوية وهموت في إيده."
أحمد فضل باصصلها ثانيتين كاملتين كأنه بيستوعب اللي سمعه، وبعدها قال بذهول
"بدلتي بنته؟... اللي لسه مجاتش؟"
سكت لحظة وهز راسه وهو بيقول بسخرية
"أممم... يعني كنتي كل ده مستنية فريدة تولد، عشان تبدلي البنت ويبقى كده انتقمتي."
بصلها نظرة طويلة وقال
"لاء شاطرة."
سكت ثانية، عقد حواجبه وسأل
"وعرف إزاي؟"
داليا نزلت بعينيها الأرض وسكتت، أحمد رفع صوته شوية وقال
"ما تخلصي."
داليا اترددت وبعدها قالت بصوت خافت
"بعتله ورد على المستشفى... معاه رسالة... بشككه فيها إن البنت مش بنته."
أحمد فضل باصصلها كام ثانية من غير ما يرمش وبعدين ضحك بغيظ، فضل واقف قدامها، باصصلها بنظرة كلها استياء وبعدها قال وهو بيهز راسه
"وإنتي كده فاكرة نفسك ذكية؟"
قرب منها خطوة وكمل بنبرة كلها سخرية
"بتلعبي عليه بنفس الطريقة يا غبية، ما إنتي طالما واثقة أوي كده، يبقى الموضوع فيه إنه."
بصلها بقرف وكمل
"يعني حتى يا غبية... لو كانت فريدة بتخونه، ففي احتمال كبير إن البنت تكون بنته."
داليا عضت على شفايفها وقالت بتوتر
"معرفش بقا... اللي جه في دماغي."
سكتت لحظة وبعدها قالت وهيا بتحاول تبرر لنفسها
"المهم إني مش هروح المستشفى... مش هيسيبني، ده كان هيموتني."
أحمد زفر بضيق، أخد مفاتيحه من على الترابيزة ولسه بيبص في شاشة موبايله وهو بيقول ببرود
"ياريته كان موتك... وخلصنا من غباءك."
داليا رفعت صوتها وهيا مصدومة
"بتتمنالي الموت في وشي؟!"
أحمد مكانش مركز معاها أصلًا، عينيه كانت ثابتة على شاشة الموبايل، وملامحه اتبدلت فجأة، رفع عينه بسرعة وبصلها وقال بحدة
"لمي حاجتك."
داليا استغربت وقالت
"ليه؟... إيه اللي حصل؟"
أحمد اتحرك بسرعة ناحية باب الشقة وهو لسه ماسك الموبايل وقال من غير ما يبصلها
"اخلصي... مفيش وقت."
لف ناحيتها وهو ماسك مقبض الباب وقال
"خمس دقايق... لو منزلتيش همشي وأسيبك."
فتح الباب... وفي نفس اللحظة، اتجمد مكانه، قدامه مباشرة كانت قوة كبيرة من الشرطة واقفة في مدخل العمارة، يتقدمهم ضابط، ووراه أفراد الشرطة منتشرين على السلم.
الضابط رفع عينه لأحمد وقال بهدوء
"أحمد الجارحي... مطلوب القبض عليك."
