رواية حرب سقطت راءها الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم نور زيزو

 

 

 

 

 رواية حرب سقطت راءها الفصل السابع والثلاثون بقلم نور زيزو



بعنـــوان " "حيـــن تبــدّلت الأقـــدار 🧚🏻‍♀️🕊" 

[[ ليس كل انتصارٍ يُقاس بمن بقي واقفًا...
فهناك من انتصر لأنه غادر، بعدما دفع ثمن أخطائه كاملًا.
وهناك من انتصر لأنه تمسك بالحياة رغم الألم، واختار أن يمنح قلبًا صغيرًا فرصةً ليبدأ من جديد.
وبين النهاية والبداية... يكتب القدر عدالته بطريقته، فلا ينجو إلا من تعلّم أن الحب الحقيقي لا يبنى على الخوف، بل على التضحية، والرحمة، والحياة. 🌼🫀 ]] 

وقف "الجارحي" أمام باب المكتب للحظات، والملف البنى لا يزال بين يديه، وكأنه يحمل ثقل العالم كله لا مجرد أوراقٍ طبية. رفع يده ليطرق الباب، لكنه تراجع، ثم زفر ببطء ودخل، كان "هادي" يقف أمام النافذة المطلة على الحديقة، يضم يديه خلف ظهره، يتابع حركة أحفاد الجيران فى الشارع بشرودٍ غريب، وكأن قلبه أخيرًا بدأ يصدق أن العائلة تنفست قليلًا بعد سنوات من الحروب
التفت عندما شعر بدخول ابن أخيه، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال:-
_ خير يا جارحي؟ شكلك عايزنى فى حاجة

لم يُجبه وظل واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بالملف الذى بين يديه فتلاشت ابتسامة "هادي" شيئًا فشيئًا اقترب منه خطوتين وقال بقلق:
_ فى حاجة حصلت؟

رفع "الجارحي" رأسه أخيرًا، لكن الكلمات رفضت الخروج، كم مرة وقف أمام رجال أعمال وخصوم ومحاكم ومواقف كادت تُسقط إمبراطوريته، ولم يتلعثم.... أما الآن فقد عجز لسانه أمام رجل ينتظر خبرًا عن ابنته ابتلع ريقه بصعوبة وهمس:-
_ اقعد يا عمى.

ازدادت دقات قلب "هادي"، لكنه جلس ببطء، وعيناه لا تفارقان وجهه أما "الجارحي" فلم يجلس ظل واقفًا، كأن قدميه لا تعرفان كيف تحملانه ثم قال أخيرًا بصوتٍ خافت:
_ ليان...

ابتسم "هادي" دون وعى وهتف:-
_ مالها؟... تعبت من الحمل؟ ولا عشان موضوع جوازها من القاتل دا 

أغمض "الجارحي" عينيه للحظة ثم خرجت الجملة التى مزقت صدره قبل أن تصل إلى أذن عمه وهتف بشجاعة لا يحتمل الوقت التردد والتعلثم:-
_ المرض... رجعلها

ساد صمتٌ مطبق لم يرمش "هادي"، لم يتحرك بقى ينظر إليه وكأنه لم يسمعثم هز رأسه رافضًا التصديق:-
_ لا...

كررها، هذه المرة بثقة أكبر بصدمة ألجمته:-
_ لا... مستحيل.

اقترب "الجارحي"، ووضع الملف بين يديه وهتف بهدوء شديد مُدركًا حجم الصدمة:-
_ دى التحاليل

تناولها "هادي" بأصابع مرتجفة، وبدأ يقلب الصفحات سريعًا، حروف إنجليزية، مصطلحات طبية، أرقام لم يفهم معنهاها ولا أي شيئًا، رفع رأسه بعجز وعينيه تكاد تلتهم الورق:-
_ أنا... مش فاهم

جلس "الجارحي" أمامه لأول مرة، وأخذ يشير إلى السطور واحدًا تلو الآخر وقال:-

_ الأشعة، وتحاليل الدم...

ثم توقف قليلًا وشعر أن الكلمة التالية ستكسر الرجل أمامه وتابع:-
_ كلها بتأكد إن الورم رجع تانى.

ارتخت أصابع "هادي"، وكاد الملف يسقط من يده، ظل يحدق فى الفراغ طويلًا ثم همس:
_ بس... هى كانت خفت

لم يجد "الجارحي" جوابًا لأن الحقيقة لا تملك تفسيرًا وهذا القدر، أطبق الصمت عليهما من جديد، قبل أن يخرج صوت "الجارحي" منخفضًا:-
_ فى حاجة كمان

رفع "هادي" عينيه إليه ببطء قالها بصعوبة شديدة:-
_ ليان حامل

فى تلك اللحظة، انكسر كل ما حاول "هادي" أن يتمسك به، أسند مرفقيه فوق ركبتيه، وأخفى وجهه بين كفيه، بينما خرجت منه زفرة طويلة، موجوعة، كأنها تحمل عمرًا كاملًا من الندم تمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_ يا رب...

ثم رفع رأسه، وعيناه تغرورقان لأول مرة متمتم:-
_ أنا... لسه متعلمتش أفرح إنها بتنادينى "بابا"..... كل مرة أحاول أقرب منها الحياة تسبقنى وتاخدها منى

نهض "الجارحي" دون تردد، ووضع يده على كتف عمه بقوة وقال بثبات، رغم الألم الذى يسكن صوته:-
_ لا يا عمى... المرة دى مش هنقف نتفرج

نظر إليه "هادي"، فتابع:-
_ المرة الأولى كانت طفلة، ومحدش قدر يحميها وكنا فصدمة أنها عايشة وجاية تأخد جتة من قُدس وتمشي مش جاية لأهلها لكن دلوقتى ليان عندها عيلة كاملة واقفة ضهرها اب زى حضرتك، وأنا وأبويا ويزيد وكل ست فى البيت دا، كلنا، أقسم بالله... هنحارب المرض ده قبل ما ينتصر عليها وربنا معانا وهيقدرنا بمشيئته توكل عليه وهو قادر على كل شيء

انحدرت دمعة صامتة على خد "هادي"، فأغمض عينيه، ثم قال بصوتٍ متهدج:-
_ وآخر حاجة متقولوش لحد دلوقتى، أنا لازم أعرف إزاى هقول لبنتى إنها بتحارب الموت مرة تانية وهى بقت أم قبل ما تفرح حتى بخبر حملها

__________________________ 

كان دفء الصباح يملأ شقة "وصيفة" برائحة الخبز الساخن والسمن البلدي، بينما كانت الأخيرة تتحرك بين السفرة والمطبخ كعادتها، تصب الشاي لهذه، وتزيد قطعة جبن لذاك، وكأنها تحاول أن تُطعم العائلة شيئًا من الطمأنينة قبل الطعام، جلست "قدس" على المقعد تمسد بطنها الصغيرة بين الحين والآخر، وقد بدأت شهية الحمل تفرض قوانينها عليها، فأخذت قطعة من الخبز تغمسها فى العسل وهى تبتسم قائلة:
_ والله يا صفصف... الأكل عندك ليه طعم تانى؟

ضحكت "وصيفة" وهى تضع أمامها كوب اللبن وقالت بحنان:-
_ كلى يا حبيبتى... إنتِ وابنك اللى فى بطنك أهم من الدنيا كلها

أما "ليان"، فكانت تجلس على الطرف الآخر من السفرة، ترتدى ملابس منزلية بسيطة، وشعرها مرفوع بعشوائية، تتناول إفطارها فى هدوء غير معتاد، راقبتها "وصيفة" بطرف عينها، ثم دفعت نحوها طبقًا آخر وقالت بحنان يغمر قلب الفتاة التى افتقدت حنان العائلة ودفئها:-
_ وإنتِ كمان... الأكل بالعافية يا دكتورة.

ابتسمت "ليان" ابتسامة خافتة وتقول:-
_ حاضر يا طنط وصيفة

هزت "وصيفة" رأسها معترضة وقالت:-
_ طنط إيه؟... من النهارده تقولى يا صفصف، أنا مش طنط ولا بنطنط

توقفت "ليان" عن المضغ للحظة ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة دافئة وقالت:-
_ حاضر يا صفصف

اتسعت ابتسامة "وصيفة"، بينما تبادلت "قدس" النظرات معها وضحكت بخفة ولأول مرة منذ سنوات، بدا المشهد كأنه عائلة حقيقية لكن لم يدم السلام طويلًا انفتح باب الشقة بهدوء ورفع الجميع أبصارهم، دخل "هادى" كان وجهه شاحبًا بصورة أرعبت "قدس" فورًا خطواته بطيئة وعيناه حمراوان، كأنهما لم تعرفا النوم وقف عند مدخل الصالة دون أن ينطق تأملت "ليان" ملامحه، ثم عقدت حاجبيها وسألت "قُدس" بقلق على والدها:-
_ فى إيه؟

لم يجب ابتلع ريقه بصعوبة ثم تقدم حتى وقف أمامها مباشرة، لاحظت "قدس" ارتجافة أصابعه ونهضت من مقعدها بقلق تقول:-
_ بابا... مالك؟

ظل صامتًا كانت الكلمات تخنقه أما "ليان" فقد وضعت قطعة الخبز من يدها وقالت بنبرة أكثر جدية:
_ حصل إيه؟

نظر إليها طويلًا جدًا كأنه يحاول أن يحفظ ملامحها قبل أن يكسر قلبها، ثم جلس أمامها ببطء ومد يده وأمسك يدها بين كفيه لأول مرة منذ عادت إليه كانت يدها دافئة أما يده فكانت باردة ترتجف همست بدهشة:-
_ بابا...

ارتعش قلبه عندما سمعها تناديه بها لكن الكلمة التى انتظرها عمرًا كاملًا جاءت فى أصعب لحظة انخفض رأسه قليلًا وقال بصوت خرج مكسورًا:-
_ ليان أنتِ قوية أنا عارف وعارف أن الدنيا ظلمتكِ كتير وجت عليكِ أكتر ومفرحتش لا بأهلها ولا بجواز بس إحنا مؤمنين وبنقول الحمد لله صح 

عينيها تتراقص بين ملامح وجهه بدهشة من هذه المقدمة وقالت بتوتر وعدم فهم:- 
_ هو في اى؟ لازمته اى الكلام دا 

ابتلع لعابه بصعوبة وقال بكلمات تعتصر قلبه:-
_الدكاترة... لقوا فى التحاليل بتاعتك المرض تاني 

ساد صمتٌ ثقيل، لم تتحرك "ليان" ظلت تحدق فيه دون أن ترمش ثم ابتسمت، ابتسامة صغيرة مرتبكة وقالت وكأنها لم تسمع جيدًا:-
_ مرض إيه؟

رفع رأسه إليها وكانت الدموع قد سبقت الكلمات:-
_ الورم رجع يا ليان.

فى اللحظة نفسها شعرت "قدس" وكأن الهواء اختفى من الشقة وضعت يدها فوق فمها تلقائيًا واتسعت عيناها بصدمة تُتمتم:-
_ لا...

همست بها وهى تنظر بين أختها ووالدها أما "وصيفة"، فقد سقطت الملعقة من يدها لترتطم بالأرض، وظلت تنظر إلى "ليان" فى ذهول، غير قادرة على استيعاب أن تلك الفتاة التى عادت إلى بيتها منذ أيام قليلة ستُختبر بهذا البلاء مرة أخرى أما "ليان" فظلت صامتة وشاحبة، لا تبكى، لا تصرخ، وكأن عقلها توقف عن العمل ثم خرج سؤال واحد بصوت بالكاد سُمِع:-

_ وأنا حامل.. صح؟ رجع يحاربني أنا وابنى 

أغمض "هادى" عينيه بوجع وأومأ برأسه فى تلك اللحظة فقط، انهار الجدار الذى بنت به "ليان" قوتها طوال عمرها، وضعت كفيها فوق بطنها دون وعى، كأنها تحاول أن تحمى صغيرها من خبر لم يولد بعد ليسمعه وانحدرت أول دمعة ثم الثانية ثم رفعت عينيها المرتعبتين إلى والدها، ولم تكن تخاف على نفسها هذه المرة، همست بصوت اختنق بين شهقاتها:-
_ ابنى... هيحصله حاجة؟

خرج السؤال ممزقًا، سؤال أم، لا مريضة، فلم يجد "هادى" جوابًا واكتفى بأن احتضن ابنته بقوة، بينما انفجرت "قُدس" بالبكاء، وأسرعت "وصيفة" تضم الفتاتين إلى صدرها، كأنها تحاول بجسدها العجوز أن تصنع لهما حصنًا يحميهما من قسوة القدر 

___________________________ 

كان مكتب المحامي هادئًا والجدران الخشبية، وصفوف الملفات الممتدة حتى السقف، ورائحة الورق القديم، كلها منحت المكان هيبةً ثقيلة، وكأن كل ورقة هنا تحمل نهاية حكاية، أو بداية أخرى.
جلست "هدير" مستقيمة الظهر، حقيبة يدها فوق ساقيها، وكفاها متشابكان بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها، بينما جلس "فؤاد" إلى جوارها، يراقب شقيقته بصمت، لم تكن تبكي والغريب أن الدموع انتهت فحين يجف البكاء، يبدأ القرار، رفع المحامي نظارته، ونظر إلى الأوراق أمامه ثم قال بهدوء:
_ أفهم من كلام حضرتك إنكِ مصرة على الطلاق؟

أجابت دون تردد، وصوتها ثابت على غير عادتها:-
_ أيوه... مصرة

أطرق المحامي رأسه وهو يدون بعض الملاحظات:-
_ وحقوقك الشرعية؟

هزت رأسها بهدوء وقالت بقوة:-
_ متنازلة عنها كلها 

رفع رأسه إليها بدهشة يكرر كلمتها:-
_ كلها؟

ابتسمت ابتسامة باهتة، لا حياة فيها فقال "فؤاد" بجدية:-
_كل حاجة، أنت ناسي هى بنت مين؟، هتحتاج منه اي 100ألف جنيه مؤخر مش عايزينه، هى تملك أضعافه، إحنا عايزين قسمية طلاق تديها حريتها ونخلص من الربطة دى وبس

ساد الصمت لحظات ثم قال المحامي بنبرة عملية:

_ واجبي أعرفك، حضرتكِ عارفة إن القانون بيكفل ليكي حقوق كتير... مؤخر، ونفقة، ومستحقات...

قاطعته بهدوء أشد تأكد حديث أخيها:-
_ أنا مش جاية آخد فلوس

ثم تنهدت، وكأنها تُخرج من صدرها عامًا كاملًا من التعب.

_ أنا جاية آخد حريتي 

ارتخت ملامح المحامي قليلًا، وأغلق الملف أمامه وقال:-
_ طالما ده قرارك النهائي... هنبدأ الإجراءات

ثم أضاف:_
_ بما إن الزوج مقيم فى إنجلترا، هنتواصل معاه رسميًا، ولو لزم الأمر هيكون التواصل عن طريق السفارة المصرية هناك، علشان الإجراءات تتم بأسرع صورة ممكنة.

أومأت هدير برأسها، لم تسأل عن المدة ولم تعد تهتم، يكفي أنها أخيرًا تحركت للأمام أغلق المحامي الملف قائلًا:-
_ أول ما يجيلنا الرد هبلغ حضرتكم فورًا

نهض "فؤاد" يصافحه، بينما بقيت "هدير" جالسة لثوانٍ أخرى، تنظر إلى الورقة الموضوعة أمامها، ورقة واحدة، قد تُنهي سنوات كاملة، خرج الاثنان من المكتب، وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى توقفت "هدير" فى الممر أخذت نفسًا طويلًا وكأنها تتعلم التنفس من جديد، التفت إليها "فؤاد"، فرأى شحوب وجهها، لكنه رأى أيضًا شيئًا غاب عنها منذ زمن هدوءًا صغيرًا، اقترب منها ووضع يده فوق رأسها كما كان يفعل وهى طفلة وابتسم قائلًا برقة:-
_ زعلانة؟

أطرقت رأسها قليلًا وقالت بثبات:-
_ الزعل مش عشان الطلاق... الزعل إنى اكتشفت متأخر إن الإنسان ممكن يعيش مع حد سنين وهو فى الحقيقة عايش لوحده.

شعر" فؤاد" بوخزة فى قلبه فشد على كتفها برفق وقال:-
_ متقوليش كدة... إنتِ مش لوحدك

نظر إليها بعينين امتلأتا بحنان الأخ الأكبر وقال:-
_ طول ما إحنا عايشين، ليكي بيت، وليكي سند، وليكي إخوات يشيلوا عنك الدنيا كلها

ارتعشت شفتا "هدير" ومنذ عودتها إلى مصر لم تشعر أنها امرأة هُزمت؛ بل شعرت أنها أخت، عادت أخيرًا إلى عائلتها، سارت بجوار "فؤاد" خارج المكتب، بينما كانت شمس الظهيرة تغمر الطريق أمامهما ربما انتهى زواج، لكن الحياة، للمرة الأولى منذ زمن طويل بدأت تفتح لها بابًا جديدًا

____________________________ 

داخل الشقة، كانت "ليل" تجلس فوق الأريكة، تضم قدميها أسفلها، وبين كفيها كوب الشيكولاتة الساخنة الذي كانت ترتشفه ببطء لكن، لا طعم للشوكولاتة اليوم كلما تذكرت صوت "قدس" وهي تقول
( كارما كانت هتموت عليه...) 

عادت تشعر بحرارة غريبة تشتعل داخل صدرها فنفخت بضيق وهي تتمتم لنفسها:-
_ يا رب... البنت الرخمة دي.

ارتشفت رشفة أخرى، ثم هزت رأسها بعناد بتمتمة أكبر:-
_وكمان بتناديه باسمه!

وفى تلك اللحظة فُتح باب غرفة "يزيد" خرج وهو يغلق أزرار أكمام قميصه الأسود بهدوء، مرتديًا بنطالًا جينز داكنًا، وساعته فى معصمه، بينما يمرر أصابعه بين خصلات شعره استعدادًا للذهاب إلى العمل رفع رأسه نحوها مبتسمًا ابتسامة صباحية هادئة وقال:-

_صباح الخير

لم تجبه كانت تحدق فيه تحديدًا فى ذلك القميص الأسود وفجأة، قفزت إلى رأسها غزل "كارما" للون الأسود به وكم يليق به فضاقت عيناها ثم وضعت الكوب بعنف فوق الطاولة حتى اهتز قليلًا وتناثرت منه قطرات الشيكولاتة على الطاولة، التفت إليها "يزيد" باستغراب وقبل أن ينطق خرج صوتها حادًا على غير عادتها تقول:-
_ لا

رمش بعينيه ولم يفهم فسأل:-
_ نعم؟

أشارت بإصبعها نحو صدره وهي تقف من مكانها تسير نحوه:-
_ القميص ده وحش جدًا 

نظر إلى نفسه بدهشة، ثم إليها ولم يستوعب الكلمة فسأل:-
_ ماله؟

عقدت ذراعيها أمام صدرها وهى تحاول اختلاق أى سبب وقد وقفت أمامه مباشرة:-
_ مش عاجبني

ظل ينظر إليها عدة ثوانٍ، غير مستوعب، هل هذه هي "ليل" نفسها؟، "ليل" التي كانت تهرب إلى غرفتها بمجرد سماع صوته؟ "ليل" التي كانت ترتجف إذا اقترب منها خطوة؟ أما الآن فتقف أمامه بكل هذه الجرأة تعترض على ملابسه! ابتسم دون أن يشعر فسأل بهدوء يخفي دهشته:-
_ أغيره؟

هزت رأسها بقوة وعينيها تكاد تلتهمه بنظراتها الثاقبة:-
_ أيوه، اللون الأسود كئيب.

نظر حوله فى الشقة، ثم عاد إليها مبتسمًا وقال:-
_ بلبسه بقالى سنين أول مرة يطلع كئيب النهاردة

عضت شفتها بغيظ وقالت:-
_ خلاص... متلبسهوش تاني مش عاجبني اى القرف دا وكمان شعرك أنت مستشوره ليه؟ أنت رايح فرح حضرتك دا أنت يا دوب نازلة الغورية يعنى العتبة مش كدة 

اقترب خطوة، وعيناه تلمعان بمرح لم تعرفه فيه منذ زواجهما ومُندهشًا من كم الاعتراضات التى نزلت على هيئته اليوم وقال بتلعثم من التوتر:-
_ هو القميص زعلك فى حاجة؟ طب أنا عملت حاجة بطلعي ضيق خُلقكِ عليا؟! 

تنحنحت وهى تحاول التماسك وهتفت ببرود تحاول السيطرة على انفعالها حتى لا يشعر بشيء:-
_ لا

_أمال؟

نفخت بضيق طفولى من مماطلته فى الحديث وفكت ذراعيها تضرب الارض بقدميها غاضبة وتصرخ به:-
_ قولت غيره يعنى غيره ولا عجبك معاكسة البنات ليــ.... 

صمتت للحظة وقد أوشكت أن تفضح أمرها وتعلن غيرتها أمامه، ظل يراقبها لحظات، ثم فجأة اتسعت ابتسامته، ابتسامة فهم معها كل شيء وقد أردك أنها تغار عليه حقًا، خفض رأسه قليلًا وهو يكتم ضحكته وقال:-
_ هو... الموضوع له علاقة بكارما؟

تجمدت "ليل" مكانها واتسعت عيناها بصدمة وتحدث بانفعال غاضبة جدًا منه:-
_ ما شاء الله دا أنتِ حافظ اسمها كمان تحب أجبلك رقمها، لا متجاوبش أنا هجبهولك 

استدارت لكي تذهب تحصل على هاتفها حقًا وتعطيه الرقم لكنه منعها حين مسك معصمها بلطف، ولم يستطع منع ضحكته هذه المرة ضحكة صافية خرجت من قلبه حتى إنه أدار وجهه قليلًا حتى لا يراها وقال:-
_ خلاص

ازدادت هى غضبًا، وضربت ذراعه بخفة قائلة:-
_متضحكش!

نظر إليها بعينين امتلأتا بالحنان وقال وهو يحاول السيطرة على ابتسامته:-
_حاضر...

ثم فك الزر الأعلى من القميص باستسلام، واستدار نحو غرفته قائلًا:-

_ هغيره، عيني يا ست البنات

توقفت "ليل" عن الكلام رمشت عدة مرات بعدم تصديق وقالت:-
_ بجد؟

التفت إليها من عند باب الغرفة وقال بمكر:-

_ ما أنا بفك الزراير اهو أجي اغيره قصدك، أو تعالى اختارى أنتِ قميص يعجبك 

غمز لها بإثارة فابتلعت لعابها بخجل شديد من جراءته وطلبه لقدومها إلى غرفته فهربت عينيها منه، ابتسم بابتسامة دافئة جعلت قلبها يقفز داخل صدرها وقال:-
_ طالما مراتى مش عاجبها... يبقى أكيد هغيره.

واختفى داخل الغرفة أما هى فظلت واقفة فى منتصف الصالة، تحدق فى الباب المغلق ثم لم تستطع منع ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها، ابتسامة انتصار وامرأة بدأت، دون أن تشعر، تمارس حقها الطبيعى فى الغيرة على الرجل الذى صار زوجها

أما داخل الغرفة فكان "يزيد" يقف أمام خزانته، يخرج قميصًا آخر وهو يبتسم لنفسه وهمس ضاحكًا:
_ الحمد لله...

شعر برفرفة قلبه ولأول مرة شعر أنها عادت لطبيعتها وقد بدأت تحيا من جديد 

___________________________ 

على الجانب الآخر لم يكن قصر الصياد صاخبًا كما اعتاد الجميع، غابت الأوامر، وسكتت أصوات الحراس، وحتى المكتب الذى كان يمتلئ بالاجتماعات والصفقات بدا مهجورًا منذ أيام أما "جلال" فكان حبيس غرفته يجلس على حافة الفراش، مرفقيه فوق ركبتيه، وبين أصابعه هاتفه الذى لم يفارقه منذ رحيلها ضغط على اسمها مرة أخرى "ليان." رن الاتصال ثم انتهى كما انتهت عشرات الاتصالات قبله لا رد، أغلق عينيه وزفر ببطء، ثم فتح نافذة المحادثة بينهما، كانت آخر رسالة منها ما تزال تتوسط الشاشة، كأنها سُطرت بالنار لا بالحروف 

(لو جربت تقرب مني تاني... أو تتواصل معايا... والله يا جلال لأحرق قلبك على ابنك.) 

توقفت عيناه طويلًا عند كلمة "ابنك" الكلمة الوحيدة التى كانت تمنحه الحياة، وأصبحت فى الوقت نفسه أكبر قيدٍ حول عنقه لو كانت تهدد حياته لذهب إليها دون تردد، لو هددته بالسجن لابتسم، لو وقفت فى وجهه بعائلتها كلها لأخذها بالقوة كما اعتاد أن يأخذ كل ما يريد، أما الآن فقد كانت تحمل بين أحشائها قطعةً منه وأقسمت أن تحرق قلبه بها إن اقترب لأول مرة فى حياته يشعر أن قوته كلها لا تساوى شيئًا وأن زعيم المافيا الذى ترتعد منه المدن يعجز عن طرق باب امرأة يحبها ألقى الهاتف بجواره، وأسند رأسه إلى ظهر الفراش كانت الغرفة واسعة لكنها بدت فارغة بصورة مؤلمة، فارغة منها ومن صوتها ومن عنادها الذى كان يثير جنونه ثم يسرق ابتسامته همس بصوت مبحوح، كأن الكلمات خرجت من قلبٍ أنهكه الفقد:-
_ وحشتينى يا ليان...

وأغمض عينيه مستسلمًا ليس لعدو، ولا لسلاح؛ بل لخوفٍ لم يعرفه يومًا الخوف على ابنه ومن جنون المرأة الوحيدة التى استطاعت أن تهزم جلال الصياد دون أن ترفع فى وجهه سوى كلمة واحدة

______________________________

مرَّ شهرٌ كامل...

شهرٌ لم يكن يُقاس بالأيام، بل بعدد التحاليل، وغرف المستشفيات، والدعوات التى لم تنقطع، داخل أكبر مراكز علاج الأورام فى ألمانيا، كانت الحياة تسير بإيقاعٍ مختلف؛ رائحة المعقمات تملأ الممرات، والأجهزة لا تتوقف عن إصدار أصواتها الرتيبة، بينما الوجوه جميعها تحمل الأمل والخوف فى الوقت نفسه كانت "ليان" تجلس فوق السرير الأبيض، ترتدى ثوب المرضى الواسع، وقد اختفى جزء من شحوبها خلف ابتسامة صغيرة حاولت أن ترسمها من أجل والدها، أما "هادى" فلم يغادرها لحظة، رجلٌ تجاوز الستين، لكنه كان يدخل معها كل غرفة فحص، يحفظ مواعيد أدويتها أكثر مما يحفظ أسماء أولاده، ويتحمل هو الآخر عشرات الفحوصات حتى أعلن الأطباء أخيرًا أنه المتبرع الأنسب بالنخاع لم يتردد ولم يسأل عن نسبة النجاح كل ما قاله للطبيب فقط انقاذ ابنته بجملة واحدة:-
_ لو فى فرصة تنقذ بنتى... اعملوها وعلى تعاهد مني

فى صباح العملية
سارت "ليان" فوق الممر الطويل بخطواتٍ بطيئة، بينما يدها تستقر فوق بطنها بحركةٍ غريزية لم تعد تخاف الموت لكنها أصبحت تخاف أن يسبقها إلى طفلها توقفت العربة أمام باب غرفة العمليات، اقترب "هادى" منها، وربت فوق رأسها بحنانٍ أبوى افتقدته سنوات طويلة، ابتسم لها وهو يُخفى ارتجافة صوته وقال:-
_ هتقومى بالسلامة يا بنتى... بإذن الله وهنخرج سوي من هنا

ابتسمت له ابتسامة متعبة، ثم همست:-
_ هقوم بإذن الله عشان فيه حد مستنينى

وانزلقت كفها ببطء فوق بطنها فاغرورقت عينا "هادى" بالدموع انحنى يقبل جبينها طويلًا، ثم قال وهو يجاهد حتى لا ينهار:-
_ وهتشوفى ابنك فى حضنك... أوعدك.

أُغلقت أبواب غرفة العمليات خلفهما ليدخل الأب وابنته معركتهما الأصعب وودعا "هدير" التى تنتظر وحدها خارجًا، جلست "هدير" وحدها فوق أحد المقاعد تضم حقيبتها إلى صدرها، وعيناها لا تفارقان الضوء الأحمر المشتعل أعلى باب العمليات مرت الدقائق ثم الساعات، وكل دقيقة كانت أثقل من التى قبلها شبكت أصابعها ببعضها حتى ابيضت مفاصلها، وهمست بين شفتيها:-
_ يا رب...

رن هاتفها فجأة يقاطعها من قراءة القرآن الكريم، ارتجفت يدها قبل أن تلتقطه ظهر اسم "الجارحي"، فتحت الرسالة سريعًا فكانت صورة واحدة فقط، صورة لوثيقة رسمية تحمل ختم المحكمة وقسيمة الطلاق، حدقت فيها طويلًا ثم قرأت الرسالة القصيرة أسفلها 
(خلصت يا عمتى... من النهارده إنتِ حرة) 

توقفت أنفاسها للحظة أعادت النظر إلى الصورة مرة ثم مرتين قبل أن ترتجف شفتاها وانهمرت دموعها فى صمت لم تكن تبكى على زواجٍ انتهى؛ بل على سجنٍ خرجت منه أخيرًا، أغلقت الهاتف، وضغطته إلى صدرها، ثم رفعت رأسها نحو باب غرفة العمليات ابتسمت وسط دموعها وهمست:-
_ الحمد لله... ربنا واقف معانا يا ليان وهتشوفي مش هيسيبنا أبدًا طول ما إحنا متوكلين عليه وبنقول يارب، أنا رجعت حرة وأنتِ هترجعلى سالمة... يااااارب مالناش غيرك 

وعاد الصمت يفرض نفسه فوق الممر الطويل بين امرأةٍ استردت حياتها أخيرًا وأخرى كانت فى الداخل تحارب الموت، من أجل حياةٍ صغيرة تنبض تحت قلبها.... 
فى اللحظة نفسها التى كانت فيها" ليان" تصارع الموت لتتمسك بالحياة كان رجلٌ آخر، على بُعد آلاف الكيلومترات، يركض بنفس السرعة نحو نهايته، فى عمق الصحراء توقفت عدة سيارات سوداء وسط مساحة قاحلة لا يقطع سكونها سوى هدير المحركات، هبط "جلال" من سيارته بخطوات ثابتة، يرتدى بدلته السوداء، ونظرته الجامدة تمسح المكان بعين رجلٍ عاش عمره كله لا يثق بأحد وقف "كريم" بجواره، وقال بصوت منخفض:-
_ يا باشا... أنا مش مرتاح للمكان دا، دا شبه عملية انتحارية لينا وخطر

لم يحول "جلال" بصره؛ بل قال:-
_ وأنا كمان مش مرتاح، بس جنان بعيد عنك

قطب "كريم" حاجبيه وقال:-
_ يبقى نرجع

ابتسم "جلال" ابتسامة باهتة وهتفت بجدية:-
_ فات أوان الرجوع ولو عايز ترجع لوحدك أتفضل

كانت الشاحنة تقف على بعد أمتار قليلة، تحمل واحدة من أكبر شحنات المخدرات التى خرجت من إمبراطورية الصياد، اقترب الطرف الآخر صافحات قصيرة وكلمات أقل لكن قبل أن تكتمل الصفقة دوى صوت طلقة واحدة ثم الثانية ثم انفجرت الصحراء كلها بالنيران

_كمين!
صرخها أحد الرجال وفى ثوانٍ تحولت الرمال إلى ساحة حرب طلقات من كل اتجاه، رجال يسقطون، وسيارات تحترق أخرج "جلال" سلاحه، وتحرك بخبرة رجل عاش نصف عمره بين الدم، أصاب أكثر من مهاجم لكن العدد كان أكبر وأكبر بكثير سقط أحد رجاله بجواره ثم الثانى، ثم رأى "كريم" يترنح بعد أن اخترقت رصاصة كتفه صرخ فيه:
_ امشى يا كريم!

_ مستحيل أسيبك! الهواري عملها فينا 

لكن رصاصة أخرى شقت الهواء واستقرت فى صدر "جلال"، تراجع خطوة ثم ثانية ووضع يده فوق مكان الإصابة كانت الدماء تتدفق بحرارة بين أصابعه حاول الوقوف لكن رصاصة أخرى أصابت جانبه فسقط أخيرًا فوق الرمال سادت الأصوات من حوله لكنها بدأت تبتعد شيئًا فشيئًا أخرج هاتفه بصعوبة كانت الشاشة ملطخة بالدم فتح محادثة اسمًا واحدًا فقط" ليان" ظل ينظر إليه طويلًا ثم ضغط على رسالةٍ صوتية كان قد سجلها منذ أيام يوم أدرك أنه ربما لن يراها مرة أخرى انطلقت الرسالة تلقائيًا إليها يُحدثها ث أغلق التسجيل وبقيت رسالة أخيرة فتح لوحة الكتابة ولم يكتب إلا كلمة واحدة...
"بحبك."

ضغط زر الإرسال وفى اللحظة التى وصلت فيها الرسالة ارتخت أصابعه وسقط الهاتف من يده فأغمض "جلال" الصياد عينيه للمرة الأخيرة مُفارقًا للحياة 

وفى ألمانيا انفتح باب غرفة العمليات فى اللحظة نفسها، خرج كبير الجراحين، وقد ارتسمت فوق وجهه ابتسامة ارتياح وقفت "هدير"بتوتر ابتسم الطبيب وقال باللغة الإنجليزية:-
_ العملية نجحت.

فأكمل الطبيب و" هدير"تفهم ترجمته:-
_ استطعنا استئصال الورم بالكامل.

ثم ابتسم ابتسامة أوسع وهو يضيف:
_ والأهم الأم والطفل بخير.

وضعت يديها فوق وجهها، وأطلقت شهقة امتزج فيها البكاء بالضحك، نجت ابنة أخيها لقد نجت عاد الضوء إلى حياتها وبينما كانت الممرات تمتلئ بعبارات التهنئة والدعوات كانت رسالة قصيرة تعبر القارات فى صمت لتصل إلى هاتف ليان النائم فوق الطاولة بجوار سريرها رسالة لم ترها بعد رسالة من رجلٍ انتهت حياته فى اللحظة نفسها التى بدأت فيها حياتها من جديد لطفل من نسله ومحبوبته فهناك لحظاتٌ لا يغيّر فيها القدر طريق إنسانٍ واحد، بل يعيد ترتيب حياة الجميع، في اللحظة نفسها التي يمدّ فيها الموت يده ليأخذ روحًا، تكون الحياة قد اختارت روحًا أخرى لتمنحها فرصةً جديدة وبين الفقد والنجاة، لا ينتصر الأقوى، بل ينتصر من يملك الشجاعة ليبدأ من جديد، مهما كان الثمن........ 


تعليقات