رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثامن والثلاثون 

بسم الله الرحمن الرحيم

من أقسى المشاعر التي يختبرها الإنسان في حياته هو الشعور بالظلم، أن يُغتيل حقه أمام عينيه، وأن يسلب منه ما يستحق أو يتحمل ما لم تقترفه يداه. فالظلم ليس فعلًا هينًا وتبعياته ليست أمرًا يمكن تجاوزه، خاصًا حين يرتدي ثوب العدل لتتضاعف قسوة الأمر وينتج عنه قهرًا يفتك بالقلوب دون رحمة ويقتل الطمأنينة بداخلها. ومهما حاول الإنسان خنق الحقائق وإحراقها فإن لها رمادًا حرًا يملك ذاكرة لا تنسى الألم.

فالظلم هو جرحًا لا تراه العين ولكن تحيا به الروح التي يظل أنينها ينخر كالسوس في عرش كل من بغى، أنين يصل صوته إلى السماوات السبع دون أن يستطِع بطش الظالم اعتراضه، فمهما نجح في إخماد صوت العدالة في الدنيا فلن يصمد أمام عدالة السماء.

ولأن الله جل في علاه لا يرتضي الظلم لعباده، فقد جاء وعده الحق، الآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42] صدق الله العظيم. وهذا أصدق الوعود لكل شخصٍ تجرع مرارة هذا الشعور وخابر قسوته لكي لا ييأس من رحمة الله وليعلم أنه سيأتي يوم تُرد فيه المظالم إلى أصحابها…

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁

ـ زينة ممكن تهدي شوية ؟ خلاص أنتِ في أمان دلوقتي و عز مش هيقدر يقرب منك أبدًا..

هكذا تحدث كمال إلى زينة بعد أن وضعها فوق مخدعها و لكنها كانت لاتزال ترتجف، فأضاف ليطمأنها:

ـ مفيش حاجة خلاص يا زينة. اهدي بقى..

اومأت برأسها بصمت وعبراتها تنساب بغزارة فوق وجنتيها ليتقدم كمال منها وهو يمد يده بكوب من المياة تناولته منه دون حديث لترتشف منه بعض القطرات ثم ناولته إياه وهي تهمس بنبرة خافته:

ـ ميرسي…

تنحنح كمال قبل أن يقول باستفهام:

ـ ممكن تهدي كدا و تحكيلي اللي حصل عشان نعرف هنتصرف ازاي؟

زاغت عينيها و هي تقول بنبرة هامسة:

ـ خالد سابني وراح راح فين؟

رفع كمال احد حاجبيه و هو يقول بجمود:

ـ راح يصالح مراته عشان طبعًا زعلت لما شافتك جريتي اترميتي في حضنه..

مرت لمحة من الغضب في عينيها سرعان ما انمحت لتتساقط العبرات الزهيدة من عينيها مرة آخرى وهي تقول بنبرة مُلتاعة:

ـ هي ازاي معندهاش قلب و أنانية كدا! مش شايفة حالتي عاملة ازاي؟ مفروض تلتمسلي مليون عذر..

هتف كمال بنبرة ساخطة:

ـ  لا هي مش أنانية و معندهاش قلب. دا شيء طبيعي أي واحد هتعمله لو شافت اللي حصل، فزي ما أنتِ عايزاها تعذرك اعذريها أنتِ كمان..

شعرت بأن حديثها عن تلك المرأة سيجعل كمال ضدها و هي لا تريد ذلك لتحاول احتضان جسدها بكلتا يديها و هي تقول بنبرة مرتجفة:

ـ كمال أنا بجد خايفة، أنا شوفت لحظات صعبة و مرعبة لأي بنت في الدنيا. انا اتعرضت لحادثة اغت…

بترت الكلمة في منتصفها لتعض على شفتيها و هي تبكي بحرقه قبل أن تصرخ قائلة:

ـ أنت مش متخيل انا جوايا ايه

اقترب كمال من سريرها وهو يقول بنبرة أهدأ:

ـ لا طبعًا متخيل و مقدر قد أية أنتِ بتتألمي، و أكيد الموضوع مش هيعدي كدا بسهولة. اللي عمله عز النهاردة دا هيتحاسب عليه حساب كبير أوي، و كلنا هنقف جنبك مش خالد بس، و عشان كدا انا في شوية حاجات عايز أعرفها منك…

في الخارج كان الأمر على صفيح ساخن، فقد كانت نبيلة تنظر إلى عز بسخط بعد أن اسقطت من على كاهلها كل أنواع المشاعر الزائفة التي كانت تغدق عليه منها، لتهتف بنبرة مغلولة:

ـ بقى بتمد إيدك عليا! أخس عليك. نسيت كل اللي عملته معاك! نسيت وقفتي جنبك؟ دا أنت من غيري كان زمانك و لا حاجة. بس أهو أنت رجعت و لا حاجة. بعد ما خالد هزقك و ردلك القلم اللي ادتهولي عشان تعرف حجمك الحقيقي..

ـ ماما..

هكذا هتف عمر وهو يحدجها بنظرات مُحذرة لتخترق الكلمات عقل عز الذي كانت الضربات تتكالب عليه من كل الجهات تارة تصيب قلبه وتارة تارة كبريائه، و خاصةً تلك الصفعة التي كانت كالطعنة التي أصابت كرامته في مقتل، ليشعر بأن الكون بأكمله يضيق الخناق حوله للحد الذي جعله يدفع عمر من أمامه بغل و يندفع نحوها لينهال عليها بالضربات تارة بيده و تارة بقدمة، وهو يصيح بنبرة محتقنة بالغضب و الحقد:

ـ اخرسي يا حيوا... يا كذابة يا حقي… أنا هوريكي أنتِ و خالد بتاعك دا، و أيوا بحبها. عشان هي ست بحق وحقيقي مش مقرفة زيك.. فاكرة نفسك ست بجد.!!! دا أنتِ أبوكي رماكي ليا زي الكلبة، و لا اكنه عايز يخلص منك، وانا اللي عملتك بني آدمة…

كان الأمر مُفزع و غير متوقع بالنسبة للجميعؤ فاقتربت شروق تحتمي بآسيا لا أراديًا و الذهول كان التعبير الوحيد في عيني كلًا منها، و على الجانب الآخر تراجعت هايدي إلى الخلف بذُعر يمتزج بالصدمة لتسقط حقيبتها أرضًا، وكان أول من تغلب على صدمته عمر الذي اندفع يجذب عز إلى الخلف وهو يصيح بصراخ:

ـ كفاية بقى. بتعمل ايه؟ 

كانت نبيلة ترتجف أرضًا وهي ترتجف من شدة الألم و الفزع، و الدماء تتساقط من فمها و أنفها تخالطهم عبرات الخزي و الانكسار، ولكن ذلك لم يعد يؤثر به، فقد انقشعت غمامة العشق من على قلبه وعينيه لتصبح أمامه مجرد إمرأة يمقتها، فبسببها تجرد من كبريائه وكرامته أمام الجميع ليحاول تخطي عمر حتى يعاود ضربها من جديد ليدفعه الأخير بقوة وهو يصرخ بصوت انتفضت له الأبدان:

ـ قولتلك كفاية. أنت ايه ؟ أتجننت؟

برقت عيني عز من صراخ عمر و كلماته ليهتف بنبرة مغلولة:

ـ أنت بتقولي أنا كدا؟ يا حقير…

أنهى جملته و قام برفع يده ليصفع عمر، ليمسك الأخير بكفه قبل أن تصل الصفعة إلى وجنته ليتقابل كُلًا من الأب و الابن في مواجهة حامية، وحرب نظرات جعلت عز يُصدم وهو ينظر إلى نظرات الكُره التي تنبعث من عينيه ولده لتعصف به الذاكرة وتقوم بعرض ومضات من الماضي البعيد، وهو ينظر إلى ارتجافة شقيقته و ألمها الذي تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ حرام عليك. ظلمتني وافتريت عليا من غير حتى ما تسمعني، معملتش حساب لأني وصية بابا الله يرحمه ليك، وكل دا عشان مراتك. يارب تدوق على ايديها كل اللي دوقتهولي. يارب يكسرك اغلى الناس عندك، و تتقهر قهرتي..

الآن فقط شعر بما جعلها تشعر به، فهاهي تكسره تلك التي كسر الجميع لأجلها، و هاهو ولده اغلى شخص على قلبه ينظر إليه بكراهية انكسر قلبه أسفل وطأتها، الآن تحققت دعوتها، فها هو مُتهم بجريمة لم يرتكبها، ومع من؟ مع المرأة التي يعشقها، و الجميع ينظرون إليه باحتقار، الجميع يراه مغـ.تصب لعـ.ين، شعر بألم حاد في أعماق قلبه، و كز على أسنانه بغضب حارق، وهو ينظر إلى عمر الذي كان الكره و الحقد ينبعثان من نظراته، ليخترق حرب النظرات الدائرة تدخل يزيد ليقف بينهم، و يدفع عمر عدة خطوات إلى الخلف وهو يقول بحدة:

ـ ايه يا جماعة في ايه صلوا على النبي.. في ايه يا عمر أنت أتجننت ولا ايه؟ 

ما كاد عمر أن يجيبه حتى تفاجيء بيد من الخلف تقوم بنزع السلاح حول خصره، وصوت نبيلة المبحوح من فرط الألم يصرخ من خلفه:

ـ بقى انت مش شايفني ست، و حقيرة وابويا رماني ليك، و بتحبها! بتحبها يا شايب!! طب أنا بقى هحسرك عليها..

لم تردعها شهقات الجميع، فقد كانت تتجرع أفظع إهانة يمكن أن تنالها امرأة، لا لأن الألم كان يفوق احتمالها، بل لأنه لم ينل اي شخص من كبرياءها المريض بهذه الطريقة من قبل. فقد اعتادت أن ترى نفسها فوق الجميع، وأن تجعل من حولها درجاتٍ تصعد عليها، حتى جاءها اليوم الذي انقلبت فيه الصورة فأصبحت هي المهانة أمام الأعيُن التي طالما حاولت إخضاعها و النيل منها. وكان ذلك الأمر بالنسبة لامرأة بهذا القدر من النرجسية والشر، أشدَّ فتكًا من الموت، فلم تهتم لكلمات عمر الذي هتف بأنفاس مقطوعة:

ـ ماما حبيبتي اهدي. اهدي وهاتي السلاح، وانا هجبلك حقك منه. 

تشدقت ساخرة:

ـ لا متقلقش. أنا أعرف اجيب حقي كويس، واول حاجة لازم اعملها. اني أحسره على حبيبة القلب اللي جوا، وبعد كدا هخسف بيه الأرض. بس بعد ما احرق قلبه الأول. 

حاول عمر الاقتراب منها، فلوحت مُهددة بالسلاح وهي تهتف بتحذير:

ـ خليك عندك…

تشارك الجميع مشاعر الذهول والذعر؛ فلأول مرة يرونها بهذه الحالة من الجنون، فاحتبست الأنفاس في الصدور، وجحظت الأعين ترقبًا لما ستُقدم عليه تلك المجنونة، التي أخذت تتراجع إلى الخلف وهي تلوّح بسلاحها في وجوههم باندفاعٍ هستيري.

وفي خضم الفوضى، كان كمال قد سمع أصوات الجلبة بالخارج، فاندفع إلى المكان، ليصطدم بالمشهد أمامه. وما إن أدرك أنها على وشك ارتكاب جريمة قتل، حتى اقترب منها بخطواتٍ حذرة وصامتة من خلفها، متسللًا إليها دون أن تشعر به، حتى أصبح على مقربة منها.

وفي اللحظة المناسبة، انقضّ عليها من الخلف، فأحاط خصرها بذراعٍ محكمة، بينما قبض باليد الأخرى على يدها التي تحمل السلاح، محاولًا انتزاعه منها قبل أن تضغط الزناد، مباغتًا إياها، ولكنها قاومته بقوة، لتضغط على الزناد عن طريق الخطأ، فخرجت رصاصة طائشة لحسن الحظ لم تُصيب أحد، ولكنها اضرمت الذُعر في نفوس الجميع، فأخذت الشهقات تتعالى من حولهم، فاندفع عمر نجاة نبيلة التي كان جسدها يرتجف بقوة، وهو يصرخ بجنون:

ـ أنتِ عايزة تعملي فينا ايه؟ واخد مغتصب و واحدة مجرمة! انتوا عايزين مننا أيه؟ كفاية بقى. كرهتونا في نفسنا و في حياتنا…

ـ اهدي يا عمر..

هكذا تحدث كمال الذي أشفق على عمر من أبوين مثلهم، ليأتيهم صوت خالد القاسي من الخلف و بجانبه أشجان التي ترتجف ذعرًا:

ـ حصل ايه؟ و ايه صوت ضرب النار دا؟

التفت الجميع ناظرين اليه ولكنه لم يرى سوى نظرات عمر الغاضبة من الجميع وأولهم هو، ليجيبه كمال بغضب:

ـ طلقة طايشة يا خالد. المهم أنها مصابتش حد..

تجاهل خالد حديث كمال حالم وقعت أنظاره على نبيلة التي كان مظهرها مُذريًا لتتفرق أنظاره بينها وبين عز بغضب مرعب، ولكنها تعثرت بنظرات عمر الذي كانت عينيه كبركة من الدماء ليهتف خالد بصوت كان كالرعد في قوته:

ـ خرجه من هنا احسنله، واعرف اني مش عامل خاطر لحد غيرك يا عمر…

لم يتحدث عمر إنما اندفع نحو عز الذي كان يود لو يحرقهم جميعًا أحياء ولكنه اكتفى بكلمة واحدة وجهها إلى نبيلة بكره عظيم:

ـ أنتِ طالق…

أنهى جملته وتراجع إلى الخلف قبل أن يصل إليه عمر ليغادر كالسهم الذي انطلق هاربًا من قوس الجحيم الذي تمثل في تلك العائلة، وما أن وطأت قدماه خارج المشفى حتى تفاجيء بسعاد التي بدا و كأنها كانت تنتظره ليُصدم حين رآها وخاصةً حين رأى تلك الابتسامه الشامتة فوق شفتيها تليها كلماتها الساخرة حين قالت:

ـ ياااه. أخيرًا الغشاوة اتشالت من على عينيك، و شوفت أنت ايه بالنسبالهم؟

كانت كلماتها آخر ما يريد سماعه في هذه اللحظة لتنكمش ملامحه بغضب مُستعِر شاب نبرته حين قال:

ـ حتى أنتِ جاية تشمتي فيا؟ 

سعاد بتهكم:

ـ دا سبب من ضمن الأسباب، ماهو اللي عملته في أختك كان لازم هيتردلك، عارف ليه؟ عشان دي دعوة مظلوم، وهي متظلمتش وبس! دي اتقهرت بكل ما للكلمة من معنى.

لم يستطِع الحديث،ولا حتى النفي، ولا حتى الصراخ، فقد كانت محقة لدرجة أن الكلمات ماتت على شفتيه لتعيد إحيائها من جديد حين قالت:

ـ ما علينا..سيب الكلام دا لبعدين. خلينا دلوقتي في حقك اللي لازم تاخده منهم، ولا انت مفكر عشان طلقتها كدا أنت رديت كرامتك!

عز باندهاش:

ـ انتِ عرفتي منين؟ 

سعاد بغموض:

ـ أنا مفيش حاجة معرفهاش. ها. أساعدك عشان تاخد حقك ولا هتفضل تندب حظك كدا كتير؟!

اللهم فرّج همّي، واشرح صدري، ويسّر أمري💔

★★★★★

مرت لحظات مشحونة بالتوتر من جانب الجميع، وخاصةً تلك التي كانت تجلس في غرفتها تنتفض ليس خوفًا ولا ألمًا كما ادعت! بل غضبًا و ترقب لما حدث بالخارج، فقد أشعلت الفتنة اليوم بين الجميع لتبدو بنظرهم المرأة الضعيفة المقهورة التي لا تملك شخصًا واحدًا في هذه الحياة لحمايتها، وقد ظنت أن هذه هي الخطوة الأولى في طريقها إلى قلبه، ولكن تلك المرأة جعلت مخططاتها تبوء بالفشل ببضع عبرات لعينة جعلته يترك الجميع وعلى رأسهم هي. ليهرول خلفها كالمجنون، متجاهلًا الجميع من حوله، وكأن أولئك المتواجدين لم يكونوا سوى ظلال لم يعطهم حتى التفاتة، وكأن هيبته التي لطالما أرعبت الجميع، ومكانته التي جعلته كبيرًا على هذه العائلة، قد سقط عند قدمي هذه اللعينة، فلم يأبه لنظرات أحد، ولم يلقي بالًا لما قد يقال عن اندفاعه خلفها أمامهم ولم يتذكر للحظة واحدة أنه الرجل الذي اعتاد أن يُهاب ولا يهرول خلف أحد. فقد خابرت الكثير من الصدامات بينه وبينه شقيقتها، ولكنها لم تراه يذهب خلفها ولو لمرة واحدة، لذا لم تحتمل ما رأته منذ دقائق، فكيف لتلك النكرة أن تنتزع منه كل ذلك الكبرياء في لمح البصر لتجعله لا يرى غيرها. فبسببها انقلبت نشوة انتصارها إلى مرارة خانقة وغضب مقيت فكل خطوةٍ أسرع بها نحو تلك اللعينة كانت تُشعل في صدرها نارًا جديدة، لقد أرادت أن تكون دموعها جسرًا إلى قلبه، فإذا بها تكتشف أن دموع تلك الملعونة كانت أسرع منها، ولكنها لم تصمت أبدًا، فهي الأحق بهذه المكانة من ابنة الخادمة التي تنوي أن تُعيدها إلى المكان التي أتت منه وهي تجر أذيال الخيبة خلفها..

تبدد الحقد في عينيها حالما سمعت صوت الباب يُفتح لتنكمش ملامحها بألم زائف وهي تدير وجهها إلى الجهة الأخرى مغمضة عينيها و عبراتها تنساب بسلاسة من عينيها، فسمعت صوت حمحمة قوية عرفت مصدرها لتطلق تنهيدة قوية و آنة خافتة قبل أن تستدير لتنظر إليه، ولكن الضعف في عينيها تجمد لوهلة متحولًا إلى صدمة حين شاهدته يدلف إلى الغرفة يشبك أصابعه بأصابع تلك المرأة، وكأن مشهدهم أصابها بمنتصف صدرها، ولكنها سرعان ما تداركت ما تشعر به و عادت إلى تلك التمثيلية الحقيرة مرة آخرى، لتبكي بصمت، فتحدث خالد بنبرة خشنة:

ـ عاملة ايه دلوقتي؟ 

اومأت برأسها وهي تهمس بخفوت:

ـ كويسة…

شعرت أشجان بالحزن عليها، فبالرغم من غضبها و غيرتها و ريبتها في سلوكها إلا أنها لا تتمنى لأي فتاة أن تتعرض لهذا الحادث مما جعلها تقول بنبرة تعاطف:

ـ ألف سلامة عليكِ يا زينة. أن شاء الله هتبقى زي الفل، و هتتجاوزي اللي حصل. أنتِ قوية…

داخليًا ودت لو تقوم بتمزيق وجهها و تلك النظرة المتأثرة، فهي بالتأكيد تتصنع الحزن لأجلها، و لكنها ظاهريًا تعمدت جعل نبرتها واهنة و مليئة بالألم حين قالت:

ـ أن شاء الله…

أنهت جملتها و أدارت وجهها إلى الجهة الآخرى، وكأنها لم تحتمل نظراتهم ليزفر خالد بغضب مكتوم من هذا الموقف، الذي جاء في أكثر توقيت خاطيء من وجهة نظره، ولكنه لا يستطِع غض البصر عن ما حدث، ليقول بنبرة جافة:

ـ عايزك تعرفي أن اللي حصل دا مش هيعدي من غير ما يتعاقب على اللي عمله، وانا بنفسي اللي هعلمه الأدب. 

تعالت شهقاتها وعلا نحيبها وهي تقول باندفاع:

ـ خالد لو سمحت اسكت. مش هقدر اتكلم في الموضوع دلوقتي، وقدام أي حد…

خرجت كلماتها وهي تجُر خلفها عبرات غزيرة جمدت الحروف على شفتيها للحظات، ليهتف خالد بجفاء:

ـ زينة…

ـ هستناك بره يا خالد. 

هكذا تحدثت أشجان بهدوء أصابه بالصدمة للحظات، تجاوزها وهو يقول باستنكار:

ـ أشجان…

قاطعته أشجان بنبرة رقيقة خافتة:

ـ خلاص يا حبيبي. زينة عندها حق. الموقف محرج، و مهما أن كان أنا وهي مش قريبين عشان تتكلم قدامي براحتها.

كان موقفها نبيلًا في عينيه ولكنه رأى في نظراتها ما جعله ينوي وضع حد لهذا الأمر لذا مد يده خلف عنقها يقربها منه واضعًا قبلة حانية فوق جبهتها، ردًا على موقفها لتبتسم بعذوبة قبل أن تغادر دون أن تعطي إلتفاته لزينة التي كاد الغضب أن يفترسها وهي ترى كل ما تفعله ينقلب ضدها، ولكن حالها كحال كل حاقد، لا يرى أبعد من مخططاته الدنيئة وحين تنقلب ضده لا يلتفت إلى مدى غبائه بل يطغى أكثر، و يزداد حقدًا على الآخرين… 

ـ هتقدري تتكلمي دلوقتي ولا لا ؟

هكذا تحدث خالد بجفاء لتحاول الاعتدال جالسة، وقد تعمدت إطلاق آنة متألمة عله يندفع لمساعدتها، ولكنها تفاجئت من جموده حين قال:

ـ ثواني هبعت للممرضة تيجي تساعدك. 

كم كان جموده قاسيًا بالنسبة إليها و كذلك جملته ولكنها تابعت مخططها قائلة:

ـ مالوش لزوم. أنا كويسة..

أومأ برأسه وهو يضع سماعه الهاتف الجانبي في مكانها ليقول بنبرة جافة:

ـ طبعًا اللي حصل دا إدارة المستشفى مينفعش تسكت عليه، ولازم هيبلغوا البوليس…

غزى الذعر أوردتها لتهتف بلهفة:

ـ بس أنا مش عايزة ابلغ البوليس…

اندهش خالد من حديثها و اندفاعها ليهتف بحدة:

ـ نعم! يعني ايه مش عايزة تبلغي؟ واحدة واحد حاول يغتـ.صبها مش عايزة تبلغ عنه؟

كانت فرصة ذهبية بالنسبة إليها لتبدأ حديثها بتنهيدة قوية قبل أن تقول بخفوت:

ـ عشان هو مش اي واحد يا خالد….

خالد بجفاء:

ـ لا. وضحي عشان مفهمتش…

رفعت عينيها لتشمله بنظرات مغوية وهي تذم شفتيها قبل أن تقول بخفوت:

ـ عشان هو وتيدي يا خالد، وانت عايش عمرك كله تبني في الاسم دا وتحافظ عليه، وأنا مش هقدر أهد اللي انت بنيته. حتى لو هتنازل عن حقي… 

كانت تناظره بحُب ممزوج بالضعف و هي ترفرف برموشها و شفاهها ترتجف لتجده يتحمحم بخشونة قبل أن يقول بجمود:

ـ والله هو موقف يُحترم منك. 

التمعت عينيها من حديثه فقد ظنت أنها أصابت هدفها جيدًا، ولكنه صدمها حين قال:

ـ بس أنا مطلبتش منك دا. اللي يغلط يتعاقب، وتيدي بقى ولا عفريت مش هتفرق. 

جف حلقها من حديثه و خاصةً وهي لا ترى أي لمحة تعاطف في نظراته لتحاول استجداء مشاعره حين قالت:

ـ أنت متضايق من عز عشان اللي عمله معايا و لا عشان اللي عمله مع نبيلة…

خالد بنفاذ صبر:

ـ موقفه في الحالتين زفت، ومع ذلك دا مش موضوعنا. خلينا نتكلم في المهم. أنا معنديش مشكلة انك تبلغي عنه، و تاخدي حقك بالقانون. إلا اذا الكلام اللي قاله صح…

ارتجف بدنها من حديثه لتهتف بنبرة مبحبوحة:

ـ كلام ايه؟ 

خالد بنبرة حادة كالسيف:

ـ انكوا بتحبوا بعض ومتفقين على الجواز….

شهقة قوية خرجت من جوفها لم تكن عفوية، ولكنها سمعت ما قاله عز في الخارج عن علاقتهم، وقد أرادت أن تبدي تفاجئها بهذا الحديث لتهتف مستنكرة:

ـ ايه الكلام دا يا خالد؟ أنت بتقول ايه؟ 

خالد باستفهام:

ـ معنى سؤالك دا أن الكلام دا محصلش…

زينة باندفاع:

ـ لا طبعًا محصلش.. أنا. أنا كنت بشتغل معاه..

قاطعها خالد بنفاذ صبر:

ـ أنا عارف انك كنتِ بتشتغلي معاه. اللي عايز أعرفه الكلام دا أكيد مش صح…

بللت حلقها وهي تقول بنبرة أتقنت تزييف الألم بها:

ـ أنت مش مصدقني يا خالد؟

خالد بقسوة:

ـ أنا دلوقتي قدام موقف زي الزفت. عايز أعرف أوله من آخره. دلوقتي هو بيقول انكوا بتحبوا بعض و متفقين على الجواز، طبعًا دا ميبررش اللي عمله، و بالمناسبة أنتِ بردو عليكِ غلط كبير..

ـ أنا يا خالد؟

خالد بحدة:

ـ أيوا طبعًا. تقدري تقوليلي ازاي قاعدة معاه لوحدك في مكتب طويل عريض مقفول عليكوا؟ دي تصرفات واحدة عاقلة و بتحافظ على نفسها؟

برقت عينيها من استفهامه الذي لم تجد له إجابه قد تقنعه، فحاولت قلب الدفة إلى جهة آخرى لتصرخ من بين عبراتها:

ـ أنت بتزعقلي كدا عشان أشجان زعلت لما جريت اترميت في حضنك، وانا في عز خوفي و وجعي صح؟

ناظرتها ساخطًا من تلك الترهات التي تتفوه بها ليحتل الغضب نبرته وهو يُجيبها:

ـ بالرغم اني مابحبش الطريقة دي. بس انك تجري تترمي في حضن واحد لا هو أخوكي ولا أبوكي ولا جوزك دا غلط، و غلط كبير كمان

أوشكت على الحديث فلم يعطها الفرصة ليتابع بحدة:

ـ أيًا كان بتعتبريه أيه. هو غلط، و ان أشجان تتضايق من حاجة زي دي دا حقها أي واحدة مكانها هتزعل..

ـ معلش يا خالد هو أنا ممكن أعرف ليه هي زعلت؟  يعني مصعبتش عليها بنت زيي تتعرض لحاجة بشعة زيي الأغتصا، ب، ولا يمكن عشان أنا أخت سهام فأي حاجة ناحيتي بتضايقها ؟

هكذا تحدثت زينة بنبرة محرورة  وهي تحاول قلب الأمور لصالحها بشتى الطرق وهي تطلق عبرات غزيرة تجاهلها خالد كُليًا فقد ثار قلبه دفاعًا عن حبيبته ليهدر بقسوة:

ـ لا لحظة عشان أنتِ كدا بتخبطي. أشجان عمرها ما تفكر بالطريقة دي، و أنا واثق أنها اتضايقت عشان اللي حصلك و دا لأنها بطبيعتها رقيقة جدًا و مبتتمناش الأذى لأي حد بالإضافة لأنها شخص بريء جدًا و نقي حتى لما زعلت معملتش أي رد فعل غير أنها انسحبت بهدوء لا انفعلت و لا حتى صوتها طلع، حتى في عز ماهي متضايقة و موجوعة اتصرفت برُقي. 

كادت أن تصرخ في وجهه بأن تذهب تلك المرأة إلى الجحيم ولكنها ابتلعت باقي كلماتها بصعوبة بالغة، فإن تحدثت الآن وهي في هذه الحالة من الغضب، فسوف تخسر كل شيء لذا اكتفت بنظرات متألمة تتمنى لو تؤثر به ليزفر خالد بقوة قبل أن يقول بنبرة جافة:

ـ اسمعيني كويس. أنا عمري ما هتخلي عنك عشان أنتِ خالة رنا. لكن…

قاطعته باستنكار:

ـ معقول مش قادر تقول عشان أخت سهام. للدرجادي عامل لمشاعرها حساب..

لم تتوقع ردة فعله المرعبة حين زمجر بوحشية أفزعتها:

ـ زينة… اياكِ تتجاوزي حدودك معايا تاني. فاهمة ولا لا؟ 

فزعت للحد الذي جعلها تتراجع إلى الخلف خطوتين فقد كان مظهره مرعبًا و هو غاضب بهذا الشكل يطالعها بنظرات جمدت الدماء في أوردتها، فلم يستطع صوتها الخروج، فاومأت برأسها بالموافقة دون حديث ليتابع هو بحدة:

ـ هتفضلي هنا لحد ما الدكتور يكتبلك على خروج، لو عايزة تبلغي بلغي مش عايزة أنتِ حرة. دا حقك ولو فرطي فيه تبقى مشكلتك، وبالنسبة لعز، فمش هسمحله يقرب من مكان أنتِ فيه، و دا عشان هو زي ما قولتي وتيدي..

أنهى كلماته وغادر الغرفة ليتركها تصارع جيوش حقدها الكبير و غيرتها النارية التي جعلتها تتوعد تلك المرأة بالهلاك…

استغفرك ربي و اتوب إليك ❤️

★★★★★

ـ ازيك يا شروق…

هكذا تحدث يزيد موجهاً حديثه إلى شروق التي كانت تقف بجانب آسيا في حديقة المشفى لتجيبه بهدوء:

ـ الحمد لله يا يزيد. ازيك أنت؟

ـ الحمد لله تمام. ممكن اتكلم معاكي في موضوع ؟ 

هكذا تحدث يزيد لتتبادل الفتاتين كلا النظرات قبل أن تقول آسيا بحرج:

ـ طيب يا شروق أنا همشي عشان ورايا شغل، ونبقى نتقابل بالليل… 

يزيد بتهكم:

ـ لا أنتِ فهمتيني غلط خالص. أنا مرتبط..

آسيا بسخط:

ـ ما مرتبط ولا مش مرتبط هو أنا بقولك راحة اطلب ايدك!

تحمحم يزيد بحرج تجلى في نبرته حين قال:

ـ ايه يا آسيا في ايه؟ أنتِ عاملة زي القطر كدا ليه؟ أقصد يعني اني مش هحب فيها أنا هكلمها في موضوع عمر. يعني عادي تقفي… 

آسيا بملل:

ـ قولتلي. موضوع عمر.. تصدق بالله انتوا عيلة تقرف. 

يزيد بتهكم وهو يضع يده فوق صدره:

ـ الله يكرم اصلك..

شروق بملل:

ـ بطلي هري أنتِ وهو. قول يا يزيد عايز تتكلم معايا في أيه؟

يزيد بوضوح:

ـ عمر حالته النفسية يا شروق، و اللي أنتِ شوفتيه النهاردة دي عينة على العيلة اللي هو اتربى فيها. بالرغم كل اللي عرفته عن ممتك واللي شافته بس انتوا ربنا بيحبكوا عشان كبرتوا بعيد عن الناس دي.. عمر محتاجلك، وفعلًا بيحبك. 

ارتجف قلبها لحديث يزيد، ولكنها حاولت البقاء هادئة حين قالت:

ـ طبعًا أنا زعلانه عشانه جدًا، لكن احنا انتهينا خلاص..

قاطعها يزيد قائلًا:

ـ بس أنتِ بتحبيه. اسمعيني كويس. عمر خد درس عمره الفترة اللي فاتت دي. مش دا عمر اللي كان من سنتين تلاتة بيبص للناس بقرف. عمر عرف قيمتك، ودفع تمن كل لحظة ألم عيشهالك، عمر دلوقتي شايف نفسه اقل بكتير من أنه يليق بيكِ ودا في حد ذاته إحساس بشع بالنسبة لواحد زي عمر.متلوميهوش هو كان غبي ايه.بصي لأهله و أنتِ تعرفي. دي منظر أسرة هتطلع شخص سوي! و مع ذلك. هو فعلًا اتغير. 

ارتج قلبها لدى سماعها كلمات يزيد، فقد اشفقت عليه في الأعلى من كل هذا الألم الذي كان يتجلى في عينيه وملامحه، فمن يكون في هذا الموقف ولا ينفطر قلبه. 

ـ اسمعي كلام يزيد يا شروق. 

هكذا تحدثت آسيا موجهه حديثها إلى شروق التي قالت باندهاش:

ـ أنتِ اللي بتقولي الكلام دا يا آسيا؟ 

آسيا بتأكيد:

ـ أيوا أنا. عمر عاش في جحيم أب و أم زي دول حرفيًا مفيش فيهم ميزة. هو بيحبك دا كدا كدا. بس الاهم أنه فعلًا محتاجلك، و عرف قيمتك.

شروق بنبرة تجاهد حتى تبقى ثابتة، فقد كانت تتألم من الماضي والحاضر و لا تخشى أن تتألم في المستقبل أيضًا:

ـ عمر جرحني اوي. الموضوع صعب جدًا.

جاءهم صوت كمال من الخلف وهو يقول ساخرًا:

ـ ايه دا أنتوا بتتفقوا على عمر؟ 

انكمشت ملامحها بألم وهي تتذكر مشهده حين حمل زينة ودلف إلى داخل الغرفة دون أن يلتفت إلى وجودها لتتعمد تجاهله وهي تقول مشددة كل حرف تتفوه به:

ـ عمر غلط و جرحك أنا عارفة. مش هقولك ارجعيله عشان بيحبك، ولا عشان هو محتاجلك. لكن هقولك ارجعيله عشان هو انسان قوي لما عرف مشكلته وقف و واجه واعترف بغلطه. مكابرش، مبررش. اتأسف مرة واتنين وعشرة، حاول يصلح غلطه مرة واتنين وعشرة. كنت أقولك اقطعي صفحته وأرميها من حياتك لو مكنتش شوفت بعيني طبيعة البني آدمين اللي ربوه. 

صمتت لثواني قبل أن تقول بقسوة:

ـ في ناس تستاهل فرصة تانية وناس أصلًا مكنتش تستاهل حتى فرصة اولى.. 

شعر كمال و كأن الجملة اخترقت منتصف صدره لينظر يزيد إلى صدمته فاومأ برأسه وهو يأكد ما شعر به:

ـ اه اه. هي تقريبًا تقصدك أنت..

لفت انتباه شروق خروج أشجان من المشفى لتهتف بلهفة:

ـ ايه دا هي أشجان خارجة لوحدها ليه؟ اومال فين خالد؟ 

استدارت آسيا بلهفة لتشعر بأن شقيقتها ليست بخير، فتوجهت إليها على الفور، و ما أن اقتربت منها حتى هتفت مستفهمة:

ـ أشجان. رايحة فين؟ 

أشجان بنبرة جافة وهي تحاول قمع عبراتها قدر الإمكان:

ـ مروحة..

ـ حصل ايه؟ وفين خالد؟ حد ضايقك؟ 

هكذا امطرتها آسيا باستفهامات عديدة جميعها تحمل طابق القلق لتجيبها أشجان بنبرة حادة:

ـ مكنش مفروض آجي أصلًا، ولو بتسألي عن خالد هو فوق عند زينة…

آسيا بحنق:

ـ أنتِ بتستعبطي؟ سبتيه معاها و نزلتي؟ 

اندفعت العبرات من مقلتيها و كذلك الكلمات حين قالت:

ـ أيوا عشان دي مشكلته. هو اللي لازم يحلها. هو اللي لازم يحطلها حدود، أنا مش هحط نفسي في الموقف دا.

آسيا بسخط:

ـ دا جوزك…

ـ يبقى دوره انه يحافظ على كرامتي، لما يبقى يعمل كدا وقتها ييجي دوري. أنا همشي هتيجي معايا؟ 

آسيا بلهفة:

ـ طبعًا هاجي معاكِ اومال هسيبك؟ 

أشارت آسيا إلى شروق بأنها ستغادر دون أن تلتفت لكمال الذي شعر بالغضب العارم من تجاهلها له، ليسخر يزيد وهو ينظر إلى شروق قائلًا:

ـ شكل مش عمر اللي هيصعب علينا…

ـ كمال..

هكذا صاح خالد ليلتفت إليه كمال الذي منع نفسه بصعوبة من الذهاب خلفها ليضع حدًا لتلك المناوشات التي تحدث بينهم دائمًا، ولكن الوقت ليس مناسبًا الآن:

ـ مشوفتش أشجان؟ 

هكذا تحدث خالد بقلق قابله كمال بالجفاء حين قال:

ـ روحت مع آسيا…

عض خالد علي شفتيه من فرط الغضب الذي جعل عروقه تنفر حتى كادت أن تخترق جلده ليُتابع كمال بملل:

ـ على فكرة زينة مش سالكة أنا مش مرتاحلها…

سخر خالد قائلًا:

ـ سالكة! هو في حد في المحيط بتاعنا دا سالك اصلًا؟ المهم. أختك فين؟ 

كمال باختصار:

ـ روحت هي و هايدي..

خالد بغضب:

ـ عملوا خير. أنا مش طايق ابص في وشها أصلًا.

ـ مش مهم هي. المهم عمر. عمر حالته صعبة أوي.

هكذا تحدث كمال بنبرة مهمومة و كذلك اجابه خالد الذي قال:

ـ للأسف ميستحقش يكونله أب و أم زي دول. هو راح فين؟ 

كمال باختصار:

ـ معرفش.

زفر خالد بنفاذ صبر قبل أن يقول:

ـ بقولك أيه؟ هكون برخم عليك لو قولتلك خليك هنا لحد ما تشوف هيحصل ايه؟ 

كمال ساخرًا:

ـ مش هتفرق. هي كدا كدا خربانة. روح انت وانا لو حصل حاجة هكلمك..

خالد بجمود:

ـ مش هطول عليك. هخلي عابد يظبط الدنيا هنا عشان الغبي دا لو فكر يرجع تاني. 

أومأ كمال برأسه قبل أن يستفهم قائلًا:

ـ بالنسبة لمناقصة الخشب عايزين نظبط الدنيا..

خالد بنبرة خشنة:

ـ هشتغل عليها أنا وآسيا النهاردة، ولما تيجي نبقى نكمل سوى…

كمال باستنكار:

ـ هنشتغل في البيت؟

خالد باختصار:

ـ أيوا. دا انسب وقت.

على الناحية الأخرى دلفت نبيلة إلى غرفتها وهي تغلق الباب خلفها، لتهرول إلى خزانة الملابس و تجذب أحد الهواتف النقالة لتقوم بفتحه و أجراء مكالمة هاتفية ليأتيها صوت رماح الساخر على الطرف الآخر:

ـ وه. بت الوتايدة بتتصل عليا! ايه الشرف الكبير ده!

تجاهلت نبيلة سخريته لتهتف بغل:

ـ لو قولتلك تقتلي حد. تقتله! 

حَسْبِيَ اللهُ لا إلهَ إلا هو، عليه توكَّلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم❤️

★★★★★

ـ بعطلك عن حاجة؟ 

هكذا تحدثت شروق وهي تطل برأسها إلى داخل مكتب عمر الذي كانت ملامحه واجمة، والحزن يتلئلئ في عينيه كما تتلئلئ قطرات الندى على أغصان الزيتون بعد ليلة شديدة البرودة كما جاءت نبرته حين قال:

ـ لا أبدًا اتفضلي…

تركت باب الغرفة مواربًا ودلفت إلى الداخل بأقدام سُلحفية، لتجلس على المقعد أمام مكتبه تنظر إليه فإذا بها تلمس توسل صامت يفسح لنفسه المجال بين كل هذا الضياع والألم، لتبدأ حديثها قائلة بنبرة هادئة:

ـ من هسألك عامل أيه؟ عشان عارفة انك مش كويس. لكن عايزة أقولك. أني لما ببص لنفسي دلوقتي وافتكر من سنتين او اكتر وانا متمرمطة و متبهدله عشان أقدر اصرف على نفسي وعلى جميلة بتيجي في بالي الأية دي 

﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ سورة الطلاق.. الأية دي سمعتها وأنا واقفة بشتغل في محل حلويات، كنت مجهدة ورجلي مكنتش شيلاني من التعب، ولما سمعتها لقيتني بسأل نفسي. هو ممكن الدنيا تضحكلي في يوم و حالي يتغير؟ و أديني أهو قدامك.. متيأسش يا عمر. ربنا قادر يبدل الأحوال في لمح البصر، و يرفع البلاء عننا. بس لازم يشوف أننا راضيين بكل اللي يجيبه، و صابرين..

اومأ عمر برأسه وهو يقول بنبرة مريرة وكأن أحدهم غرس صبارًا في جوفه:

ـ ونعم بالله. أنا راضي، و كنت متوقع أن اللي جاي هيكون صعب. يمكن مكنتش اتخيل أنه يكون بشع للدرجادي. 

احتارت للحظات كيف تهون من وقع الأمر  عليه، فلفت انتباهها ذلك الشاش الموضوع خلف عنقه لتقول باهتمام:

ـ ايه اللي في رقبتك دا؟ أنت اتعورت؟ 

انقبضت ملامحه بغضب، تشعب إلى نبرته حين غمغم قائلًا:

ـ اهي دي كار.ثة تانية ربنا يستر منها…

شروق باستفهام:

ـ بتقول ايه يا عمر؟ 

عمر بجمود:

ـ لا مفيش حاجة. دانا بس اتخبطت في باب العربية وانا بركب..

كانت تشعر بالخجل، فلم تعرف بماذا تتحدث، فقد طال الصمت وهي أمام عينيه التي تطالعها بغموض، مما جعلها تهم بالرحيل وهي تقول:

ـ طيب. أنا كنت عايزة اطمن عليك بس، و هسيبك تكمل شغلك. عن اذنك…

كان الرفض يتجلى بوضوح في عينيه، ولكن شفاهه لم تعبر عنه، لتنهض وهي تتوجه إلى باب الغرفة، ولكن سرعان ما تجمدت في مكانها حين سمعت صوته المُعذب خلفها:

ـ شروق…

تقاذفت دقات قلبها بقوة، و شعرت بحفنة من الوخزات تجتاح سائر جسدها حين شعرت به يقف خلفها مُباشرةً، فها هو العشق يجبرها على التخلي عن جميع قراراتها بالابتعاد عنه، لتجد نفسها لا تريد أي شيء في العالم الآن سوى محو ذلك الألم الذي يغتال ملامحه بقسوة ونبرته حين قال باستفهام:

ـ حسيتي أن حق عمتو رجعلك النهاردة صح؟ 

طالعته بشفقة كبيرة ولكنها أجابت باتزان:

ـ لو تقصد اني كنت شمتانه في اللي حصل النهاردة، فأنت غلطان. أنا عمري ما شمت في حد، ولا هعمل دا. تربيتي هي اللي بتحدد تصرفاتي مهما أن كان اللي قدامي أيه أو مين؟

كانت كلماتها تطعنه بخنجر مسموم بالخزي الذي يلاحقه و يريه الفرق بينه وبينها، بين عمته التي تلقت جميع أنواع العذاب على يديهم، وبين والدته  التي شعر اليوم بأنه يكره انتمائه لها، وبين والدها الذي ذاق الويلات على يد عائلته ورغم ذلك لم يؤذي أطفاله كما فعلوا معه على النقيض تمامًا من والده الذي قتل كل ما هو جميل بداخله، وشوه جميع المشاعر النبيلة في قلبه. ليرى الحب ضعفًا و ذلًا صار يمقته وكأنه وباء يخشى أن يصيبه في أي وقت..

ـ بتصعبيها عليا اوي يا شروق… بتعملي فرق شاسع ما بيني و ما بينك..

هكذا تحدث عمر بنبرة جريحة لتقول شروق بلهفة:

ـ ليه بتقول كدا يا عمر؟ 

تسربت مرارة الوجع إلى نبرته، فغدت كلماته مثقلة بألمٍ عجز عن إخفائه حين قال:

ـ عشان كل يوم بتأكديلي انك أحسن مني بكتير، وان أنا اللي مليقش بيكي.

شعرت بلسعة بالعبرات في مقلتيها لتخرج نبرتها متحشرجة حين قالت:

ـ بلاش الكلام دا يا عمر…

اتشحت نبرته هذه المرة بالندم حين قال:

ـ أنا ظلمتك و أذيتك زي ما ماما أذت عمتي و يمكن اكتر… أنا وحش زيهم. غبي. ربنا أداني نعمة واتكبرت عليها.. 

لم تحتمل أن ترى كل هذا الوجع في عينيه و على ملامحه لتتحلى بالشجاعة لتمد يدها و تمسك بيده وهي تقول بنبرة خافتة:

ـ بس انت وقفت جنبي كتير، و قدرت تحميني منهم. مشكلتك معرفتش تحمي نفسك من منهم. 

اهتزت جفونه بالعبرات التي يأبى كبريائه الإفصاح عنها و لكنها جعلت نبرته مُلتاعة حين قال:

ـ صح. سبتهم يلعبوا بيا. تخيلي لما الإنسان يكون ضايع و مشتت و يلجأ لأكتر إنسانة مفروض أنها بتحبه وخايفة على مصلحته في الدنيا، وهي اللي بإيديها تخليه يروح للنار برجليه…

اندفعت الكلمات رغمًا عنها من بين شفتيها:

ـ أنا مسمحاك يا عمر.. 

رأى في عينيها شيئًا افتقده منذ تلك الأيام التي كانوا معًا شيء أخبره بأنها كلماتها صادقة وليست بنية تعذيبه. ليهتف بأنفاس مقطوعة:

ـ أنتِ قولتي ايه؟ 

ابتسامة جميلة غافلت تلك العبرات التي تنساب فوق خديها و خرجت كالشمس لتضيء ملامحها وهي تقول بنبرة متحشرجة:

ـ قولت أن أنا مسمحاك. أنت كنت ضحيتهم زي ماما بالظبط. يمكن الطريقة مختلفة. بس انتوا اللتنين اكتر اتنين اتأذيتوا منهم. عشان كدا بقولك مسمحاك. مبقاش أي زعل أو أي حاجة وحشة ليك… 

كانت يديها لاتزال بين يديه ليجذبها تجاهه بقوة، ينوي عناقها، ولكنها وضعت كفها فوق صدره تمنعه من ما أراد فعله. لتهمس بنبرة خافتة:

ـ مش هينفع تقرب اكتر من كدا يا عمر….

كانت لحظة خاطفة وعينيه أمام عينيها مُباشرةً يشكو لها وجعًا أثقل كاهله وهي تواسيه بنظرات صامتة ولكنها حملت الكثير في طياتها، وقد كان هناك أعيُن آخرى تراقب ما يحدُث من بعيد بل و توثقه صوتًا و صورة…

لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين💔

★★★★★

بعد مرور أسبوع كانت غنى تتقدم إلى داخل الغرفة لتستمتع الى صوت هيام الخافت وهي تتحدث إلى روضة قائلة:

ـ قومي اعمليلي كوباية شاي يا روضة. أحسن شاي غنى يغُم النفس..

روضة باستنكار:

ـ ليه بتقولي كدا يا ابلة هيام؟ دي غنى وقفالك طول النهار!

هيام بسخط:

ـ ما تقف يا حبيبتي. ماهو فرض عليها تقف. اومال مين اللي هيقف يشوف طلبات الناس؟ أنا هسيب العزا والناس اللي جيالي و اقوم اعمل شاي و قهوة! 

روضة بإندهاش:

ـ مقولتش أن أنتِ تقومي. بس على الأقل أنتِ مبتخليش البنات يساعدوها..

هيام باندفاع:

ـ البنات ليهم شغلهم وهي ليها شغلها. دي مرات الريس ياسر. يعني لازم تقف و تسد في الظروف اللي زي دي والناس تشوفها وهي شايلة عزا جوز عمتها، وبعدين بطلي تناهدي معايا، وقومي فزي اعملي اللي قولتلك عليه…

تراجعت غنى الى الخلف، وهي تشعر بغضبٍ حارق، وهي تظن بأنها استطاعت تخطي تلك العقبات التي بينهم، و ظنت بأن هذه المرأة قد تحمل لها ولو بعض الامتنان لوجودها بجانبها في مصابها، ولكن اتضح أن كل ما تفعله بنُبلها و كرم أخلاقها. تراه هي بالمقابل حق مُكتسب. لذا توجهت إلى المطبخ وهي تلقي بأكواب الشاي في حوض الأطباق، ثم نظرت إلى الخادمة لتقول بجمود:

ـ أنا طالعة اريح شوية في أوضتي محدش ييجي يخبط عليا، ولو أم حمادة سألت عني قوليلها غنى طالعت أوضتها ترتاح ونبهت علينا محدش يزعجها…

تفاجيء الخدم من طريقة غنى الحادة، ولكن لم يجرؤ أحد على الاعتراض لتمر ساعة قبل أن ترسل هيام خادمة آخرى لتطلب من غنى أن تُعِد الشاي إلى أحد الجارات التي أتت لتطمئن على هيام، لتقترب منها الفتاة و تُخبرها ما قالته غنى، فاستشاطت هيام غضبًا مما جعلها تقول بحدة:

ـ طيب روحي أنتِ اعملي الشاي…

خرجت المرأة تزامنًا مع دخول صافية إلى القاعة الكبيرة لتجلس بجانب هيام التي كانت تغلي من شدة الغضب فقالت الأولى باستفهام:

ـ مالك يا هيام حاچة حوصلت ولا اي؟

هيام بغل:

ـ شايفة يا صافية غنى هانم اللي كنت عماله أقول عليها بت أصول. احرجتني وحطتني في موقف زي الزفت قدام جارتي ازاي؟ 

ـ ليه حوصول أيه؟ 

هيام بحدة:

ـ بعتلها تعمل شاي للست اللي جاية تعزيني. تقول تقول للبنات في المطبخ يقولولي أنها طالعة ارتاح ومحدش يخبط عليها. يرضيكي؟

صافية بتعقل:

ـ ما يمكن البنتة تعبانه صوح. ديه طول النهار واجفة على حيلها. 

هيام بانفعال:

ـ يعني ايه تعبانه دي! هي عزقت الأرض ولا حلبت الجاموسة! دي واقفة في المطبخ و تحت ايديها تلت اربع بنات. ايه ظروف زي دي متقفش جنب عمتها! 

صافية بحدة:

ـ خلاص يا هيام. اعتبريها تعبت. كل الناس بتتعب كبري راسك، و بعدين اديكي جولتيها البنات كتير في المطبخ. يعملوا هما. 

قمعت هيام غضبها بداخلها وقررت انها لن تجعل الأمر يمر هكذا ليأتي الليل، و يدخل ياسر إلى باب البيت، فمنذ أن انتهت أيام العزاء وهو يقوم بتخليص جميع الأوراق المطلوبة حتى يبدأ مشروعه، وها قد انتهى من كل تلك الإجراءات الروتينية ليستطِع البدء في العمل ليزفر براحة وهو يجلس بجانب هيام قائلًا باهتمام:

ـ عاملة ايه يا هيام؟ 

هيام بحنو:

ـ الحمد لله يا حبيبي. أنت عامل ايه؟ شكلك تعبان؟ 

تمطى ياسر وهو يقول بتعب:

ـ تعبان بس! دانا مش شايف قدامي. بس الحمد لله خلصت كل الورق، و من بكرة أن شاء الله هنبتدي الشغل..

ـ أن شاالله يوفقك، ويباركلك ويبقى فتحة خير عليك يا حبيبي. يارب…

هكذا هتفت هيام بحُب، تزامنًا مع دخول يزيد الر المكان والذي تجاهل ياسر وهو ينظر إلي هيام قائلًا باهتمام:

ـ ازيك يا هيام؟

هيام بابتسامة هادئة:

ـ ازيك يا نور عيني. كويس انك جيت عشان نتعشى… 

يزيد بجمود:

ـ مش قادر عايز أنام. تصبحي على خير. 

شعرت بأن هناك خطب ما بينهم، وقد تأكدت شكوكها حين تحدث ياسر بنبرة جافة:

ـ استنى عشان عايزك…

توقف يزيد ولكنه لم يلتفت لينصب ياسر عوده وهو يتوجه إليه ليخرجا سويًا إلى أحد الشرف، فتبعتهم هيام بخفة حتى تستمع إلى حديثهم لمعرفة ما الأمر، لتسمع ياسر يقول بعتب:

ـ بذمتك دي مش حركات عيال صغيرة؟ هو أنت مخاصمني يا يزيد؟ 

يزيد بجفاء:

ـ مش مخاصمك يا ياسر. بس مش موافق على اللي انت عملته، و مستغرب ازاي وافقت تعمل كدا؟

ياسر بحدة:

ـ يزيد.. اعملك قفلة.. هو أنا عملت جريمة ولا حاجة؟ كل دا عشان دخلت ابو غنى معايا شريك بنسبة؟ ايه المشكلة ناس كتير بتعمل كدا و بتدخل معاهم ناس غُرب، وبعدين قولتلك مش عايز ازعل غنى. 

يزيد بغضب:

ـ أنت كدا هتزعل الكل.. أنا عارف انك بتحب غنى ومش عايز تزعلها. بس الناس دي أذتك كتير، و كمان الفلوس اللي دخلوا معاك بيها دي تبقى فلوسك. مش دا مهر غنى اللي انت دافعهولها! طيب بلاش كدا. أنت عارف أن هيام لو عرفت هتتجنن، والحرب هتقوم. مكنش له لازمة من الأول…

تراجعت هيام إلى غرفتها إثر هذه الكلمات التي جعلت الجنون يغزو عقلها وهي تدور حول نفسها وتهتف كالممسوسة:

ـ اه يا حرباية أنتِ و أمك! بقى ضحكتي عليه وخلتيه يدخل أبوكي شريك معاه! و بفلوسه كمان! والله لهوريكوا. أما وريتكوا يا كلاب يا حرامية….

على الناحية الآخرى كان ياسر يدلف إلى غرفته فهرولت غنى إليه لتعانقه بقوة، فقد اشتاقته طوال اليوم ليبادلها العناق بأقوى منه وهو يعبأ رئتيه من رائحتها التي افتقدها طوال اليوم ليقول بشوق:

ـ وحشتيني يا غُريبة…

غنى بنبرة عاشقة:

ـ و أنت كمان وحشتني يا قلب الغُريبة…

تراجع عنها واضعًا قبلة دافئة فوق خصلاتها ثم قال بنبرة متعبة:

ـ حضريلي الحمام و جهزيلي لقمة اكلها عشان مش قادر…

غنى بلهفة:

ـ من عنيا اللتنين…

شملها بنظرت عاشقة، وكأن قلبه هو من يطالعها وليست عينيه، وكأنه لا يصدق أنها معه وبين يديه بعد طول عناء ليمد يده و يجذبها مرة آخرى الى صدرها في ضمةٍ قوية وهو يردد دعائه المفضل بصمت:

ـ الحمد لله الذي رزقني هذا من غير حول لي ولا قوة " أنا بقول الدعاء دا على كل حاجة حلوة في حياتي، وانتوا كمان قولوله حلو اوي❤️"

مر بعض الوقت ليأخذ حمامًا مُريحًا ويتوجه إلى الطاولة ليتناول طعامه، لتقوم غنى بمد يدها لتطعمه وهي تقول بحنو:

ـ هأكلك بإيدي النهاردة…

ابتسم ياسر قبل أن يشاكسها قائلًا:

ـ أنا موافق. اكليني دلوقتي، وانا هاكلك كمان شوية…

لم يتناول بعض لقيمات حتى سمع طرق على باب الغرفة، فتقوس حاجبيه باستفهام، قبل أن يتوجه إلى الباب لمعرفة من الطارق ليتفاجئ بهيام التي قالت بابتسامة عريضة:

ـ خلصت عشا يا قلب أختك؟ 

ياسر باختصار:

ـ قربت. في حاجة ولا اي؟

هيام بنبرة حانية:

ـ طيب يا حبيبي. خلص أكل بألف هنا وشفا وتعالى عشان عيزاك…

و بالفعل ما هي إلا دقائق حتى توجه ياسر إلى غرفة هيام التي اجلسته على الأريكة التي تتوسط المكان ليبدأ ياسر بالحديث بنبرة متعبة:

ـ قلقتيني يا هيام. خير عيزاني في أيه؟

هيام بنبرة ناعمة:

ـ هو موضوع مهم بفكر فيه من قبل اللي حصل ما يحصل، وبعدين اتلهيت بقى في العزا، و بعدين قولت مبدهاش يا بت. فاتحيه في الكلام وشوفي رأيه ايه؟ 

ياسر باستفهام:

ـ رأيي في أيه؟ 

هيام بترقب:

ـ عايزة ادخل شريكة معاك في مصنع الكيماويات بتاعك….

حسبي الله ونعم الوكيل💔

★★★★★

كانت تُحدِّق عبر نافذة السيارة بملامحٍ خامدة، كأن شعلة الحياة انطفأت بداخلها، بينما كانت عيناها تُسقِطان الحزن قطرةً بعد أخرى، حتى بدا وكأنهما غيمتان مثقلتان بالمطر لا تعرفان سبيلًا للهطول. فلم تكن تشعر بالطريق الذي كانت السيارة تلتهمه، ولا بالأميال التي تتوارى خلفها، فقد انحصر عالمها كله في رجلٍ واحد. ذلك الفارس الذي استوطن قلبها حتى صار نبضه، وتغلغل في روحها حتى غدا جزءًا منها، ثم حُرِم عليها بقرار شيطاني، وكأن القدر اقتلع نصفها وترك النصف الآخر يتنفس العذاب.

انتشلها من غياهب أفكارها صوت والدتها، التي زفرت في ضيق وقالت:

ـ وه... إيه الزفة دي؟ كن الانتخابات جربت ولا إيه؟

رفعت نجاة رأسها بفتور، لتجد الطريق أمامها وقد اكتظ بعشرات السيارات، وإلى جوارها يسير جمعٌ غفير من الفلاحين يحملون أواني نحاسية ضخمة تفيض بما لذ وطاب من أصناف الطعام المطهو والنيء، وفوق الرؤوس تتمايل صواني الفاكهة والحلوى والهدايا، بينما كانت أبواق السيارات تعلو في صخبٍ كأنها تعلن عن عرسٍ تهتز له الأرض حولهم.

تنهدت نجاة بمللٍ من عمق قلب أنهكه الوجع، بينما أنزلت بدرية زجاج نافذتها لتتبين الأمر عن قرب.

وما هي إلا لحظات حتى شقّ ذلك الموكب فارسٌ يمتطي جوادًا عربيًا أصيلًا، فانسابت الأبصار نحوه كما تنجذب الإبرة إلى المغناطيس لقد كان رحيم الوتيدي بكل جبروته و قوته وهو يرتدي جلبابه الصعيدي الناصع، تعلوه عباءة فاخرة تتراقص أطرافها مع حركة الجواد، بينما جلس فوق صهوته بشموخٍ يليق برجلٍ وُلد ليكون فارسًا يخترق الصفوف بثباتٍ وهيبة، حتى استقر في مقدمة الموكب، وكأنه أمير يشق طريقه بين رعيته مما جعل بدرية تشهق بعُنف حين رأته ثم لكزت ابنتها في كتفها وهي تقول بلهفة:

ـ نجاة... شايفة اللي أني شيفاه؟

لكن نجاة لم تلتفت، وظلت تستند برأسها إلى المقعد، وقالت بصوتٍ أرهقه الانكسار:

ـ معيزاش أشوف حاجة... بعدي عني.

صرخت بدرية بانفعال:

ـ يا بت شوفي... ده رحيم الوتيدي!

لم تكد الكلمة تبلغ أذنها حتى ارتجف قلبها ارتجافةً عنيفة، كطائرٍ ذُبح جناحه وهو على وشك التحليق.

التفتت إليه في لهفةٍ فاضحة، وما إن وقع بصرها عليه حتى اشتعل صدرها بنيرانٍ لم تخمد لحظة واحدة، لكنها كانت مجرد جمر ينتظر نسمة هواء واحدة ليحيل روحها إلى رماد ها هو. حبيبها، زوجها، فارسها، والرجل الذي لم يخرج من قلبها يومًا، رغم أنه خرج من حياتها قسرًا.

كان يفصل بينهما بضعة أمتار فقط، لكنها شعرت وكأن بينهما قارات من الوجع، وبحارًا من الفراق، وأسوارًا شُيِّدت من الجبروت والظلم، ولأول مرة أدركت أن أقسى أنواع البُعد ليس أن يفصل بينك وبين من تُحب آلاف الأميال. بل أن يكون أمام عينيك، وتُحرَّم  حتى من نظرةٌ تطفئ ظمأ قلبك.

تلألأت عيناها بعشقٍ كبير يعج به صدرها ثم سرعان ما غمرتهما غشاوة الدموع، بينما انقبض قلبها حتى خُيِّل إليها أن أحدهم يعصره بين قبضتيه بلا رحمة.

أما عن بدرية، فقد ارتابت في أمر ذلك الموكب، فالتفتت إلى السائق قائلة:

ـ بجولك إيه؟ ما تعرفلنا في إيه؟ والناس دي رايحين فين أكده؟

أنزل السائق زجاج نافذته الذي كان يحجب عن من بالخارج رؤية من بداخل السيارة، ثم نادى على أحد الفلاحين الذي كان يحمل قدرًا نحاسيًا كبيرًا فوق كتفه:

ـ ألا جولي يا واد عمي... هو في إيه؟ ورايحين على فين أكده؟

توقف الرجل لحظة، ثم أجاب ببساطة، غير مدركٍ أنه لم يكن ينطق كلمات. بل كان يُلقي فوق قلب امرأة قذائف لا تُبقي ولا تذر:

ـ العمدة رحيم بيه الوتيدي رايح يخطب بنت جابر بيه الزناتي... وديه شيلة العروسة.

ما إن انتهت الجملة حتى شعرت نجاة وكأن السماء سقطت فوق صدرها دفعةً واحدة.

تجمد الدم في عروقها، وانطفأ كل ضوء كان يقاوم داخلها، بينما دوت الكلمات في رأسها كأجراس مأتم لا ينتهي.

ـ رحيم رايح يخطب؟ 

بضعة كلمات فقط لكنها كانت كفيلة بأن تقتلع قلبها من بين ضلوعها، ثم تسحقه تحت حوافر الجواد الذي طالما حلمت أن يحملها إليه، فإذا به اليوم يمضي به إلى امرأةٍ أخرى. لم تشعر بشيءٍ بعدها سوى أن روحها، التي ظلت تتشبث بخيطٍ واهٍ من الأمل، قد انقطع أخيرًا، فسقطت في هوة لا قرار لها.

تعليقات