رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل التاسع والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل أن التقي بك، كنت أخاف من جميع الطرق التي لا اعرفها، و المدن التي لم أزورها، و الأبواب التي أجهل ما خلفها، و معك صرت أجوب كل الطرقات و أزور جميع المدن و أطرق كافة الأبواب، دون أن يجرؤ الخوف على المساس بقلبي، فقد جعلتني احتضن الأمان كحقيقة لا يمسها شك. لكنك دون أن تدري تركت في قلبي خوفّا آخر لم تستطِع أن تجعلني اتجاوزه أو اتغلب عليه، و هو الخوف من فقدانك، الآن بعد ما علمتني ألا أهاب شيء صِرت أنت الشيء الوحيد الذي أخشاه. أخشى أن أستيقظ بيوم من الأيام ولا أجدك بجانبي، و أخشى على قلبي من قسوة هذا الشعور، فغيابك يجعل هذا العالم بكل اتساعه أضيق من أن يتسع لوجعي.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ بطلي عياط يا بتي والله ما يستاهل كل اللي بتعمليه في نفسك دا.
هكذا تحدثت بدرية إلى نجاة التي منذ أن علِمت بخطبته لإمرأة غيرها و هي على هذة الحالة من الانهيار الجسدي و النفسي فآخر ما توقعته في هذه الحياة أن يتخطاها بهذه السرعة، فهي لم تهرُب بإرادتها و لكنها عادتها مع الحياة التي دائمًا تضعها في اختبارات أقوى من قدرتها غلى المواجهة ثم تتركها وحيدة أمام تبعيات هذه الضربات ليُضاف جُرحًا آخر إلى حقيبة جراحها، ولكن هذه المرة كان الجُرح غائرًا للحد الذي لا يوجد شيء في هذا العالم قادر على إيقاف نزيفه
شعرت بدرية بالأسى على طفلتها التي منذ أن وعت إلى هذه الحياة و حالها من سيء لأسوأ خصوصا مع أب يشبه الشيطان في جميع صفاته، بللت حلقها الجاف و توجهت إلى باب الغرفة تغلقه أولًا ثم اقتربت من نجاة الملقا فوق مخدعها كالجثة الهامدة لتهمس بدرية قائلة:
ـ نجاة. اتعدلي و اسمعيني زين جبل ما حد ياجي و يدخل علينا
اعتزلت نجاة و هي تنتظرها بتركب قائلة:
ـ في أيه ياما؟
بدرية بخفوت:
ـ انا جلبي حاسس إن رحيم عِمل اكده عشان يجهرك و يوجعك بعد ما كلمتيه المكالمة المنيلة بنيلة دي. ماهو مش معجول جدر يشيل عشجك من جلبه و جري يتجوز بالسرعة دي!
نظرت نجاة للبعيد و هي تفكر في حديث والدتها الذي كان أقرب إلى الصواب من وجهة نظرها لكنها لا تملك القدرة عن التحري عنه أو حتى الاقتراب من رحيم حتى لا يطاله بطش والدها التي علِمت مقدار حجوده و شره، و هي لم تعد تثق بأي شخص في هذا العالم حتى والدتها لترفع رأسها تطالعها بسخرية مريرة امتدت مرارتها إلى نبرتها حين قالت:
ـ بتجوليلي أكده ليه؟ و لا يكون جوزك اللي موصيكي تجوليلي أكده لجل ما أروح أجري عليه و أسلمهوله؟
صُدِمت بدرية من حديث ابنتها و لكنها تعطيها الحق في جميع شكوكها، فما رأته منهم يجعلها ترتاب في كل ما يصدر منها لذا اقتربت منها لتجلس بجانبها و هي تقول بنبرة يتخللها الندم:
ـ ليكِ حج تجولي اكتر من أكده، و ليكِ حج تكرهيني كمان، اني اللي اخترتلك أسوأ راجل في الدنيا و حبيته و خلفتك منيه، .بس أني حاولت أصلح غلطي في حجك و احميكي منه و من شره و جولت مفيش غير رحيم الوتيدي اللي هيقدر يحميكي منيه.
هبت نجاة من مخدعها تصرخ بنبرة مُلتاعة:
ـ تصلحي غلطك في حجي و لا تنتجمي منيه! لو كنتي عايزة مُصلحتي صوح كنت على الأقل عرفتيني الحجيجة، لكن روحتي بليتيه بيا، بعتيله بنت الراجل اللي مبيكرهش في حياته كده، و مش بس أكده دا أنتِ جبرتيه يتجوزني، رمتيني في بير مالوش جرار. حرمتيني و حرمتيه أننا نختار حياتنا، بجينا بين نارين نار العشق و نار التار اللي بيناتنا
بدرية باندفاع:
ـ أنا جولت هتعوضيه عن مرته اللي خانته مع عمك….
نجاة بصدمة:
ـ أيه؟ كلام أيه اللي بتقوليه دا؟
بدرية بارتباك:
ـ عمك كان على علاقة بحنان مرت رحيم، و في ليلة كان رحيم و مطاوع واد عمه أخو حنان راجعين من مصر شافوها وهي بتجابله في عشه على أول البلد و مطاوع جتلهم التنين.
تسارعت أنفاسها من فرط الصدمة، لتمر ثوان و هي تحاول استيعاب الأمر قبل أن تقول بمرارة:
ـ و عشان أكده رمتيني عليه، كنتِ مفكرة أيه؟ هنتجوز و نعيش حياة طبيعية زي باقية الخلق! و لا عشان ما رحيم مبيخلفش! فكرتي فيا ياما و أنتِ بتجوزيني لراجل مبيخلفش! افرض مكنتش عشجته! كنت هعيش عمري كله محرومة من كل حاجة حلوة في الدنيا دي. لا أب حنين و لا أم حنين و لا حتى حتة عيل يطبطب عليا!
هنفت بدرية باندفاع:
ـ بس أنتِ حبتيه…
هتفت نجاة بنبرة مشتعلة بالقهر، حتى خُيل لها بأن الكلمات تفر عبر شفتيها من ذلك الحريق المتقد بداخلها:
ـ حبيته، عارفة حبيته ليه؟ عشان هو الوحيد اللي طبطب عليا، الوحيد اللي عاملني اني انسانة.
تهدلت اكتافها وهي تتابع بمرارة:
ـ بس أنا من كتر الوجع اللي شوفته مصدجتش أني ممكن أتحب أكده، كنت عايشة في حلم جميل فوجت منيه على كابوس أني معاكِ أنتِ و جوزك، بس أني استاهل، أني اللي كنت بدوِر عليكي، اني اللي ضعفت جدام جوزك المجرم لما جعد يتمسكنلي، جلبي الغبي طمع انه ممكن يكون أبوي بني آدم عِنديه دم و أحساس، بس طلعت غبية، و خسرت الحاجة الحلوة الوحيدة اللي في حياتي.
كانت تشعر بأنها تقف عارية أمام ابنتها، مجردة من كرامتها و كبريائها و أي عُذر تستر به قُبح أفعالها لكن نجاة لم تعطيها الوقت للتفكير بل تابعت بقسوة مفزعة:
ـ بس أني مش هقدر لوحدي، و مش هسمي على حد، ابجي روحي دوري على حد ينجدك منيه، مش هكون كبش الفدا ليكي تاني…
انهت جملتها و تركتها لتتوجه إلى الأسفل بينما رحيم كان يدلف إلى البيت الكبير لتقابله سكينة التي قالت بسخرية:
ـ مبروك يا عمدة، مش واجب عليك تعزمنا بردك على فرحك، دا احنا أهلك و ناسك.
رحيم بنبرة غليظة:
ـ لو جه معاد الفرح و خلجتك العفشة دي لساتها في وشي هبجى اعزمك…
كانت إهانه بالغة و لكنها تداركتها قائلة بنبرة مغلولة:
ـ أه صحيح، داني سمعت ان السنيورة اللي اتجوزتها بت رماح الهلالي، و كانت أمها بعتاها تتجسس عليك، اكده و لا أي؟
كز على أسنانه من فرط الغضب الذي جعل نبرته حادة حين قال:
ـ جفلي على الموضوع ده يا ولية أنتِ، و شوفيلك حاجة مفيدة تعمليها. أجولك، روحي جيبي على كفنك من دلوجتي عشان لما تموتي مش هبجى فاضيلك عريس بجى هبجى أرميكي عالجسر..
كانت تكرهه بكل ما تحمل الكلمة من معنى مما جعلها تقول بنبرة متوعدة:
ـ و دي تيجي أموت جبل ما أشيل عيالك مش أني ستهم و لا اي!
كان يعلم إلى ما تشير بحديثها ليسود وجهه وهو يقول بشراسة:
ـ لا متجلجيش ستهم موجودة و هتشيلهم انما أنتِ هندفنك جار بتك و نولع في تربتكوا، يمكن تنضف..
لم تستطع منع الكلمات من التدفق عبر شفتيها حثن قالت بنبرة حادة:
ـ تجصد صافية اكده و لا اية؟
سقطت في فخٍ مُحكم لم تراه من شدة غبائها أو أن الغل بصدرها أعماها ليقترب منها رحيم باعين تنذران بالشك وهو يقول بنبرة باردة كالثلج:
ـ صافية! و انتِ بجى عرفتي أن صافية هي اللي أنا اجصدها منين؟ هي مش صافية ماتت و لا اي؟
نظراته المرعبة جردتها من كامل ثباتها، فلم تعد تعرِف ما للذي عليها ان تقوله لتبلل حلقها و هي ترتجف أمامه و كذلك ارتجفت حروفها حين قالت:
ـ لاه، ماهي طلعت عايشة…
رحيم بنبرة جافة متوعدة:
ـ و عرفتي منين أنها لساها عايشة؟
كادت ان تسقط أمامه من فرط الذعر، فجميع الإجابات تُدينها لتهتدي الى إجابة كانت كارثية حين هتفت باندفاع:
ـ نجاة…. نجاة حكتلي جبل ما تمشي..
كانت ذلةٍ أخرى لم تنتبه لها ليبتسم رحيم بخُبث قبل ان يرن هاتفه لينظر الى اسم المتصل، ثم ينظر الى سكينة قائلًا بجفاء:
ـ طب اتفسحي من اهنه يالا عايز أرد على عروستي…
كان هذا أكثر ما تتوق إليه هو الهروب من أمامه لألا تفسد الأمور أكثر ليتراجع هو إلى الخلف مُجيبًا:
ـ كيفك يا غالية؟
صافية بحنو:
ـ بخير يا نور عيني. طمني عليك…
ـ الحمد لله يا عمة. طمنيني هيام عاملة أيه دلوق؟
صافية بتبرم:
ـ هيام هي هيام مر الحزن عليها و راح لحاله، و أني رجعت الجصر. انت فينك اكده بره الدار و لا جوا؟
رحيم بنبرة يشوبها التأثر:
ـ جدام الباب، في نفس المكان اللي كنت بجري اترمي على حضنك فيه و اني عامل مصيبة و عايز أهرب من أبوي..
اطلقت أنينً متألم اتبعته بكلمات مشجبة:
ـ ياااه، وحشني البيت و ناسه.. منه لله اللي كان السبب..
عندما اتت على ذكر رماح هتفت بلهفة:
ـ بجولك أيه؟ الاسطبلات لساتها كيف ما كانت و لا المكان اتغير؟
رحيم بابتسامة عريضة وهو يتوجه الى حظائر الخيول:
ـ كل حاجة كيف ما سبتيها يا غالية، و غزال ولدت و جابت فرسة سميتها صافية..
تناثرت عبراتها تأثرًا و لكن ذلك لم يكن الوقت المناسب لذا هتفت بلهفة:
ـ طب ما تكسب ثواب في عمتك و تروح تصورهالي، اتوحشتها جوي…
رحيم بحنو:
ـ أنتِ تؤمري يا غالية. أني داخل على هناك أهو..
دلف رحيم الى مكان أحد الفرس، فسمع صوتًا يأتي من الجهه المقابلة تحديدًا في أحد الكبائن الخالية، ليقول بريبة:
ـ طب بجولك أيه هقفل معاكي أصورلك الفرس و ارجع..
اغلق الهاتف و توجه الى مكان الصوت ليفتح باب الكبينة الذي كان الظلام يخيم عليها بالكامل، فإذا به يستمع الى صوتٍ ساخر يعرفه قلبه حق المعرفة:
ـ أهلًا بالعريس…
ما أن سمع صوتها خلفه حتى شعر و كأن زلزالًا ضرب سائر كيانه مرورًا بقلبه الذي انتفضت نبضاته بقوة و تبخرت الأنفاس بصدره و كأنها ضلت الطريق إلى رئتيه، ليشعر بالزمن يتوقف به لثوان وهو يستدير ببطء يحمل خوفًا ضاريًا من أن يلتفت و لا يجدها لم يصدق أنها بالفعل خلفه بدا الأمر أكبر من أن يستوعبه الواقع، وأقرب إلى معجزة يخشى أن تتبدد إذا استدار، ولكن ملامحها التي أنارها ضوء القمر كانت تجسيدًا حيًا أن معجزته قد تحققت بالفعل.
ـ أيه يا عمدة شوفت عفريت ولا ايه؟ اجمد كدا يا راجل.. دا أنت عريس..
هكذا تحدثت نجاة ساخرة ليحاول رحيم السيطرة على جنون شوقه، و نيران غضبه، و لوعة قلبه، ليقول بنبرة جافة رغم انقطاع انفاسه:
ـ أيه اللي جابك يا بت رماح؟
آلمتها جملته التي تذكرها بانتسابها لهذا الرجل لتقول بمرارة ساخرة:
ـ جيت أبارك، ماهي بت رماح ميفوتهاش الأصول..
طافتي عينيه على ملامحها، فرأى الألم الذي تسرب الى جمالها، فأنهكه، و رأى تلك الشعيرات الحمراء التي اغتالت صفو جرار العسل في حدقتيها لكنه تجاهل كل شيء قائلا بجهامة:
ـ الأصول أن الحريم تروح تبارك للعروسة مش للعريس…
جملته كانت كنصلٍ اُثقِل ببراعة ثم سُدد إلى قلبها، فبحت نبرتها وهي تقول بألم:
ـ ماهو أني مش أي حُرمة بردك! اني بت رماح الهلالي..
رحيم بتخابُث:
ـ واللي جاي يبارك لحد بيكون عيونه مورمة من البُكى عاد، ده جواز يعني تاجي بالزغاريد مش بالبُكى و النواح..
نجح في إغضابها، مما جعلها تقول باندفاع:
ـ الزغاريد دي لما اطلع عليك القرافة ان شاء الله…
حاول قمع ضحكته بصعوبة ليتحمحم بخشونة قبل أن يقول بجفاء:
ـ بطلي طولة لسان، و جولي عايزة أيه؟
نجاة بحدة:
ـ أنت اللي عايز، و أني جيت أديك اللي أنت عايزه..
لمعت عينيه بطريقة خاطفة وهي تشملها بنظرات عميقة مما جعل حلقها يجف من فرط الارتباك خاصةً حين قال:
ـ و أيه هو اللي انا عايزه و أنتِ جاية تديهولي؟
أغضبتها طريقة حديثه و نظراته التي أرسلت حفنة من الوخزات الى سائر جسدها لتهتف بحدة:
ـ عينك يا عريس. اني جاية اتفج معاك اتفاج. هدلك على طريج الوكر و أنت تنفذلي طلبي…
رحيم بترقب:
ـ و أيه هو طلبك؟
احتبست الأنفاس بصدرها و هي تقول بنبرة جافة:
ـ تطلجني…
مرت ثانية، تلاها ثانية أخرى، وثالثة وهو على حالته من الصمت وملامحه ساكنة على نحوٍ أربكها. ولكن ما إن همت بالحديث، حتى امتدت يده فجأة، و جذبتها إليه بقوة باغتتها، فاختل توازنها لترتطم بصدره، فهربت من بين شفتيها شهقةٌ مكتومة لم تدري أكانت من أثر الاصطدام أم من هول المفاجأة؟
ـ جاك طلجة في نافوخك، بجى جاية لحد أهنه برجليكي عشان تجوليلي طلجني!
أيقظت كلماته حمية العشق بداخلها، و لكنها حاولت التملص من بين يديه وهي تقول بانفعال:
ـ مش رايح تتجوز عايز مني أيه؟ و لا العروسة قابله تاجي على ضُرة عادي! و لو هي معندهاش دم و جبلت أني مش قابله.
كان ضائع في تفاصيلها، يروي شوقه من عينيها و ملامحها و يشبع ظمأه لأنفاسها العطرة مما جعل نبرته تخرج مبحوحة حين قال:
ـ مش مهم تقبلي. المهم أنك اهنه…
كانت تود أن تصرخ في وجهه أن يكذب هذا الأمر، فقلبها يحتضر منذ تلك اللحظة التي سمعت بها ما حدث، لكنه كان بوادٍ آخر غارق في حضورها الذي أستأثر بجميع حواسه مما جعل غضبها يهتاج بداخلها لتصرخ بحدة:
ـ بعد يدك دي عني و طلجني….
لم تعد تنهي جملتها حتى قتل الكلمة فوق شفاهها، فقد قضى أيامًا بل و أسابيع غارقًا في الجحيم هو و قلبه دونها، و عقله يجلده بسياط استفهامات قاتلة لا يملك لها إجابة واحدة من شأنها أن تريحه، و لكنها هنا الآن عينيها المتورمة، و حزنها و غيرتها ، و غضبها جميعها إجابات شافية أخرست عقله، الذي أفسح المجال لقلبه بالتنعم بقربها قدر الإمكان، فأخذ يعمق اقترابه منها حتى سلب منها أنفاسها و لم يرتوي، فهذه المرأة تحمل بين شفتيها نبيذًا مسموم، يجعل المرء يغرق في السُكر رغمًا عنه و لا يعرف طريقة للتوقف عن إرتشافه، و هذا ما كان يشعر به في هذه اللحظة، فقد كانت على وشك الهلاك بين يديه ليتركها على مضض، ولكنها لازالت أسيرة بين براثن عشقه، لينتفض جسده حين سمعوا نحيبها و شهقاتها التي تردد صدرها بقلبه، ليضمها برفق إلى صدره و يديه تربت بحنو فوق خصلاتها الناعمة مما جعل نحيبها يعلو أكثر ليقول رحيم بنبرة رغم هدوئها و لكنها كانت خطرة:
ـ عِمل فيكِ أيه الكلب ده؟ هددك بأيه لجل ما تجولي اللي جولتيه ده؟
استفهامه أعاد المشهد إلى ذهنها مرة آخرى بقسوته و ألمه لتشعر بقشعريرة تغشى سائر جسدها بقوة ليشدد من احتضانها يبثها أمان وجوده، لتخرج الكلمات من فمها مبحوحة من فرط التأثر:
ـ حط السلاح على راس أمي….
اللهم فرّج همي، واصرف عني ما أثقل قلبي، وبدّل خوفي طمأنينة، وضيق صدري سعةً ونورًا. اللهم إن كان في قلبي ما لا أستطيع حمله فاحمله عني، وإن كان في نفسي ما يرهقني فخففه برحمتك، وإن كان في طريقي ما يعجزني فسهّله بقدرتك. ❤️
☆☆☆☆☆☆☆ ☆☆☆
أنهت زينتها و ألقت نظرة على مظهرها في المرآة لتجد الباب يُفتح و يطل كمال عليها بجسده الضخم و ملامحه الخشنة الغاضبة التي تجاهلتها كُليًا مما أثار غضبه أكثر ليهتف ساخرًا:
ـ سيادتك مش ناوية ترجعي أوضتك و لا أيه؟
رفعت أحد حاجبيها قبل ان تقوله باستنكار:
ـ أوضتي! هي فين أوضتي دي؟
اغتاظ من حديثها ليهتف بجفاء:
ـ أوضتنا يا آسيا…
التفتت إليه تناظره بجمودٍ زاد من ضيقه، فوقع بصره عليها، ولم يملك إلا أن يتأمل جمالها الآسر في ذلك الثوب الكريمي الذي زادها رقة وأناقة. كان ثوبًا محتشمًا، لا يكشف شيء من جسدها غير أن فتنتها لم تكن تحتاج إلى ما يكشفها فقد كانت حاضرة بقوة كافية لأن تجعل من أبسط تفاصيلها شيئًا يستوقف النظر ويخضع أعتى القلوب.
ـ أوضتنا دا أيه؟ لا معلش أنا ماليش أوضة هنا.. انت تقريبًا فاهم غلط..
هكذا تحدثت بنبرة جافة مما أبار غضبه ليقول بنبرة حادة:
ـ هو أحنا تقريبًا مش رجعنا…
ـ تحب أفكرك الطريقة اللي رجعنا بيها كانت عاملة ازاي؟
هكذا صاحت بتهكم ليحاول احتواء غضبها قائلًا:
ـ طيب ممكن نقعد نتكلم. أنا عارف انك اتضايقتي من اللي حصل من المستشفى، و عشان كدا مردتش اضغط عليكِ لما لقيتك جيتي تقعدي مع سوزي في أوضتها…
تصدقت ساخرة:
ـ أه كويس انك فكرتني أشكرك. عشان سبتني مع نفسي أهدى أنا فعلًا هديت..
كمال بهدوء:
ـ طيب كويس عشان نعرف نتكلم…
كانت تحاول التحكم على غضبها بقدر الإمكان و لكنه تخلل نبرتها حين قالت:
ـ نتكلم. أه.. لا معلش انا بصراحة الموضوع انتهى بالنسبالي، يعني لما سبتني لوحدي أهدى عرفت أن الموضوع أصلًا مكنش يستحق أني أقف عنده..
زفر كمال بتعب تجلى في نبرته حين قال:
ـ آسيا احنا بعد كل اللي مرينا بيه دا و لسه بردو بنعاند قصاد بعض؟
تسربت المرارة إلى نبرتها حين قالت:
ـ طب معلش خليني أسألك كل اللي مرينا بيه دا أنت اتعلمت منه أيه؟
اندفعت الكلمات من أعماق قلبه لتمر عبر شفتيه متقدة بلهيب العشق:
ـ اني مقدرش أعيش من غيرك!
تزعزعت أوصالها جراء إجابته لكنها احكمت الطوق حول تدفق المشاعر بداخلها لتقول بجفاء:
ـ بس انا اللي اتعلمته كان غير كدا…
ـ اللي هو أية؟
تهدجت نبرتها حين قالت بألم:
ـ أني ماليش غير نفسي…
رأى بعينها الجميلتين مقدارًا هائلًا من الألم الذي تحاول بشتى الطرق حجبه عن عينيه ليقول برفق:
ـ آسيا أنا عارف انك متضايقة، بس أنتِ عارفة أن عمري ما هشوف واحدة تانية غيرك..
حاولت قمع عبراتها بصعوبة قبل ان تقول بسخرية مريرة:
ـ لا اللي انا شايفاه انك حنين زيادة عن اللزوم..
ضاق ذرعًا من حديثها ليهتف بحدة:
ـ أنتِ شوفتي اللي حصل..
قاطعته بانفعال:
ـ شوفت، أنت بقى شوفت أن أنا شوفتك!
كانت تود أن تسأله هل رأيتني و أنا أتألم؟ هل رأيت وقع الأمر عليّ؟ هل خانتك عيناي و منحت وجودي إلتفاته أم أن حضوري كان أقل من أن يثير انتباهك؟
رأى بعينيها ماهو أبعد من تلك البساطة التي يرى بها الموقف لكنه واصل الدفاع عن نفسه قائلًا:
ـ الموقف كان غصب عني و أنتِ عارفة دا . كل حاجة حصلت فجأة…
طفح كيلها و فاض به القلب لتهتف بقسوة:
ـ و موضوع لورا كان فجأة بردو؟
تفاجيء من تطرقها لهذا الموضوع ليستفهم بسخط:.
ـ أنتِ عايزة توصلي لأيه؟
عجزت عن إخفاء ألمها و كشفت الستار عن جُرحًا ظنت انه طاب ذلك اليوم حين علِمت بأنها لم يخونها، و لكن للأمر توابع مؤلمة في أول موقف مشابة تعرت الجراح و أصبح ألمها ضاريًا للحد الذي جعلها تندفع قائلة بنبرة تتضور وجعًا:
ـ أنت شايف ايه؟طلقني و سافرت سبتني سنة كاملة، ولما رجعت عاملتني اسوأ معاملة، هنتني وضربتني، و اتجوزتني غصب عني، و كذبت عليا جبت طفل و قولت عليه ابنك عشان تقهرني أو عشان تختبرني مش هتفرق. خدت حقك مني الطاق عشرة، و لما شوفت آخرة اللي عملته فيا كان عامل ازاي، جيت على نفسك وحكيتلي سرك العظيم مع الست لورا، اللي بالمناسبة أنا متعاطفة معاها جدا لكن مش معنى كدا أني مفروض أسقفلك على بطولتك معاها…
كانت تتألم و قد رأى ذلك مما أذهله فلم يتخيل وقع الأمر عليها بهذه الطريقة لتتابع هي بجفاء:
ـ مش مفروض أقولك برافو عشان كنت هيرو و وقفت جنب الست في محنتها و كنت بتواسيها و تخلي بالك من ابنها و هي مجروحة، انا كنت بموت هنا و ملقيتكش، أخوك الكبير كتر ألف خيره مقصرش معايا كان بييجي يجري بيا على المستشفيات و أنت قاعد جنب الست لورا بتطبطب عليها.. مش هسقفلك لا.. هي المفروض تعمل دا مش أنا..
ارتعب من أن تسقط بين يديه مرة آخرى مما جعله يقول بحنو:
ـ طيب ممكن تهدي؟
فاجأته حين خمدت عاصفتها فجأة و هي تقول بنعومة:
ـ أنا هادية.. أنت مش سبتني مع نفسي أسبوع اهدى، هديت، و فكرت كويس. و هفكرك بكلمة قولتهالك يوم ما أهلي أجبروني ارجع معاك، أنت زمان كان ليك، بس دلوقتي عليك كتير أوي..
رأى جانبًا كبيرًا من وجعها، و قد أعطاها الحق في ذلك ليقرر سلك طريقًا أكثر وضوح معها مما جعله يقول بنبرة يغلب عليها الندم:
ـ عندك حق، و قبل أي حاجة عايز أقولك أنا أسف، الكلمة دي أتأخرت كتير بس أنا فعلا أسف..
لم يكن اعتذاره مُجديًا في حالتها الآن و لكن دائمًا ما يكون للقلب رأيًا آخر إذ شعرت بدقات قلبها تضرب بقوة تجاهلتها و هي تقول بقسوة:
ـ حلو انك اعتذرت. لان دا المفروض انك تعمله من زمان. أما أنا بقى اقبل الاعتذار أو مقبلوش دي حاجة ترجعلي..
في شريعته تجاوزت حدود المسموح به مما جعله يقبض بقوة حول رسغها ليقربها منه بعُنف وهو يحذرها قائلًا:
ـ مش كمال الوتيدي اللي يتعامل بالطريقة دي...
كانت روحها ثائرة لا تقبل الخسارة أو الخضوع مما جعلها تقرب رأسها أكثر منه وهي تقول بتحدي:
ـ دا لما يكون بيتعامل مع أي حد غير آسيا عزام. تمام!
نجحت في التأثير به كثيرًا و إخراج شياطينه من جحيمها ليحذرها قائلًا:
ـ تمام التمام. بس خليكي فاكرة انك بتصعبي كل حاجة بيننا.
آسيا بجفاء و هي تنزع يدها من يده:
ـ لا أنا مبنساش وانت عارف… عن اذنك
ما أن استدارت حتى أوقفتها كلماته الحادة:
ـ استني عندك. رايحة فين؟
أجابته باختصار:
ـ عندي حفلة خيرية…
طافت عينيه على مظهرها مرة أخرى لتهتاج وحوش الغيرة بداخله، فوجد نفسه يقول بنبرة آمرة:
ـ استني هوصلك، و هبقى ارجع اخدك.
اندفعت الكلمات من شفتيها:
ـ لا متجيش، ابعت الحرس لو قلقان لكن لو سمحت متجيش معايا، أنا مش عايزاك معايا.
جملتها الأخيرة كانت قاتلة لقلبه و كبرياؤه معًا لكنه يرى بعينيها كمًا هائلًا من الألم مما جعله يقول باقتضاب:
ـ و انا هتجاوز عن جملتك الأخيرة عشان عارف انك زعلانه، و هبعت معاكِ الحرس عشان مزعلكيش أكتر، لكن خلي بالك أن مهما كان زعلك مني مش مسموحلك تنجاوزي حدودك في الكلام معايا..
في هذه اللحظة كادت ان تبكي شعرت بلسعة العبرات في مقلتيها تحرقها و الألم في صدرها يكاد يفتك بها، و لكنها كما هي عادتها تقاوم ضعفها لآخر ذرة في كيانها مما جعلها تقول بنبرة متحشرجة:
ـ أوكية، و أنا هحترم دا جدًا بس أنت كمان ياريت متتجاوزش حدودي و تحترمها، معلش يعني طمعانه في شوية حنية و تفهم من اللي ماشي تدلدقهم في كل مكان، و تتفهم أني انسانه ليها حدود و أنت مجبر تتفهم دا.
رأى بعينيها كم تعاني، فقد كان هناك رجفة تجتاح جسدها، و آخرى تسكن شفاهها، كما أن جفونها كانت تهتز من ثقل العبرات التي تحملها، و سيكون ملعونًا لو تركها تغادر وهي في هذه الحالة لذا اقترب منها لبناني نحوها و كفوفه تحتوي وجهها بحنو تجلى في نبرته حين قال:
ـ عارفة يا آسيا، أنا مُدرِك إني عندي أخطاء كتير أوي، و فيا عيوب أكتر، بس أنا لأول مرة في حياتي يكون عندي الجرأة أني اعترف بكدا.
صمت لثوان قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ عشان بحبك، أو المعنى الأدق أنا مجنون بيكِ.
شعر بجسدها يرتجف بين يديه ليتابع بصوتٍ أجش:
ـ أنا بحبك لدرجة أني ممكن أقف قدام الدنيا كلها و ادخل مليون حرب عشان خاطر ييجي اليوم اللي أخدك فيه في حضني و تكوني راضية…
مد يده ليمسك بكفها و ينحني بجسده الفارع ليضع في منتصف راحته قبلة دافئة قبل أن يرفع رأسه ليتابع بنبرة عاشقة:
ـ ازعلي قد ما تحبي، بس متقفليش في وشي الباب لما أجي اصالحك..
خرجت الكلمات مندفعة من بين شفتيها تعاتبه:
ـ بعد أسبوع صح!
أخذ يمرر يده فوق خدها الناعم وهو يقول بابتسامة عذبة:
ـ عرفت أني كنت غلطان لما سبتك كل دا، بس المهم أني اعترفت بغلطي، و مش ناوي أكرره تاني..
كادت أن تذوب أمام عينيه في هذه اللحظة، فقد عاد كمال حبيبها الذي كان يغدق عليها من حبه و حنانه، لتحاول التغلب على هذا الضعف الذي يسري في أوردتها فتراجعت إلى الخلف و هي تقول بنبرة متحشرجة:
ـ لا دا احنا عايزين وقت كبير أوي عشان نصلح أخطائك، و على رأسهم الحنية المفرطة…
ابتسم بعبث شاب نبرته و هو يقول:
ـ كنتِ غيرانه عليا؟
نجحت في إخماد جميع ثورات قلبها ضدها لصالحه لتقول ببساطة أذهلته:
ـ انا عندي شغل و أتأخرت عن اذنك…
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. ❤️
☆☆☆☆☆☆☆☆☆
ـ ما شاء الله وضع البيبي سليم، و دخلنا كدا في آخر الشهر الرابع..
هكذا تحدثت الطبيبة وهي تمرر جهاز الموجات فوق بطن أشجان التي كانت تنظر في الجهاز أمامها و بجانبها خالد الذي كان قلبه يتضخم من فرط اللهفة و السعادة و هو ينظر إلى أمنيته التي لطالما تمناها لتمتد يده الحانية و تمسك بيد أشجان التي كانت تراقب انفعالاته بسعادة و تأثر و قلبها يتمنى لو أن جنينها صبي حتى يتحقق حلمه، و حلمها بأسعاده، لتحاول أن تتحلى بالشجاعة لتسأل الطبيبة بترقب:
ـ أقدر اعرف نوع الجنين و لا لسه مابنش؟
ما أن أوشكت الطبيبة على الحديث حتى أوقفها خالد عن الكلام قائلًا بحزم:
ـ خلينا نأجلها للولادة. ولد أو بنت مش هتفرق كل اللي يجيبه ربنا خير..
كانت ترى في عينيه لهفة قوية لم تخطيء في فهمها مما جعلها تضغط على يديه الممسكة بيديها و هي تقول بخفوت:
ـ بس أنا عايزة اعرف دلوقتي..
كانت عينيها ترجوه، و هو لن يرد رجاءها ابدًا لذا تحمحم بخشونة قبل أن ينظر الى الطبيبة قائلًا بخشونة:
ـ باين اذا كان ولد و لا بنت؟
الطبيبة بابتسامة هادئة:
ـ اه باين. ولد إن شاء الله
ارتج قلبه من شدة الفرح الذي ظهر جليًا في عينيه و ملامحه ليتمتم بخفوت:
ـ الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه. الحمد لله يارب.
كانت الدنيا بأكملها لا تسع أجنحتها من شدة السعادة و هي تنظر إلى سعادته و تلك النظرة التي خصها بها و كأنها السبب الوحيد الذي يبقيه حيًا بل انه لا يتنفس براحة سوى في وجودها.
انتهت الطبيبة من فحصها و وصف العقاقير المناسبة لها لتخرج معه يدًا بيد إلى الخارج و منه إلى السيارة التي كانت في موقف السيارات أسفل البناية، فما أن استقر كليهما في مقاعدهم بالسيارة حتى تفاجئت أشجان عندما أدارها خالد إليه ليباغتها حين اقترب يعانق ثغرها بخاصته و كأنه يخبرها على طريقته كم هو سعيد بهذا الخبر الذي جعل الفرحة تطرق باب قلبه بعد طول انتظار، فظل يرتوي من رحيقها حتى أسكرته خمرة الهوى ليتراجع عنها و هو ينثر عشقه فوق وجهها و ملامحها ليعود و يخص ثغرها بالنصيب الأكبر من عشقه الضاري لها إلى أن شعر بأنه ارهقها ليتراجع عنها وهو يسند جبهته فوق خاصته و كفوفه لازالت تحتوي وجهها ليهسهس بأنفاس مقطوعة:
ـ كنت عارف ان معجزتي هتتحقق على إيديكي، كنت متأكد أنك هتكوني سبب فرحتي و سعادتي في الدنيا دي.. بحبك..
لم تكن تحبه كما تحب النساء رجالهن عادةً كان حبها له شيئًا أشبه بالذوبان الكامل، كانت تذوب بين يديه كما يذوب الثلج بين أحضان الشمس، دون أن يخشى الفناء، بل انه ممتن لأن شيئًا دافئًا أخيرًا استطاع أن يذيب برودته، كانت تشعر بجانبه وكأنها عثرت أخيرًا على المكان الذي خُلقت لتستريح فيه. فقد كان أمانها الوحيد يتمثل به ذلك الرجل الذي كان هو وطنها الذي احتواها بعد طول غربة. لم يكن أمانها لأنه حماها من الحياة، بل لأنه جعلها تتجرأ على جميع مخاوفها، أمسك بيدها، وفتح أمامها الأبواب التي أخافتها طويلًا، حتى نسيت كيف كانت تخشى العبور من أمامها، معه، تعلمت أن تحيا. أن تخطو نحو الأشياء التي أخافتها طويلًا، وأن تصدّق أن للحياة وجهًا آخر غير الذي عرفته. وأعاد إلى قلبها طمأنينتها التي ظنت أنها فقدتها إلى الأبد. و لكن الخوف الوحيد الذي لم تستطع كفوفه الحانية أن تمحوه من قلبها هو خوفها من خسارته، فقد كانت تشعر وكأن سعادة العالم بأكلمه صُبت في قلبها حين تحققت أمنيته على يدها و لكن يبقى الخوف ينخر كالسوس بقلبها لذا واصلت ما بدأته منذ ذلك اليوم في المشفى لتصمت عن اعترافه المثير بالحب ليمد خالد يده أسفل ذقنها ليرفع وجهها إليه وهو يقول معاتبًا:
ـ مش هتردي عليا ؟ لسه بردو زعلانة مني؟
تراجعت عنه لتحاول الحديث بهدوء حين قالت:
ـ أنا مش زعلانة منك يا خالد. أنا زعلانة من المواقف اللي بنتجبر أننا نتحط فيها، زعلانه عشان مش قادرة احمي نفسي و لا أحميك من كل اللي بيحصل اللي حوالينا.
ادارها لينظر إليها وهو يقول بخشونة:
ـ مش مطلوب منك تعملي كدا، عشان دا دوري أنا، و أنا مش هسمح لحد يفكر يقرب منكوا..
أشجان بنبرة مُلتاعة:
ـ عارفة انك تقدر تحمينا من أي خطر برا، لكن الخطر اللي جوا. هتعمل فيه أيه؟ قولتلك مرة و اتنين انا مش مرتاحة لزينة، انا بحب و عارفة الست لما بتحب عيونها بتلمع ازاي لما بتشوف اللي بتحبه، الموضوع دا واجعني اوي، هتقدر تحميني من الوجع دا؟
خالد بحزم:
ـ هقدر، و بعترف ان عندك حق، بس مكنش ينفع اني اخد أي رد فعل تجاهها غير لما تغلط، انتِ عارفة هي ايه بالنسبة لرنا، يمكن كنت أناني و جيت عليكي…
قاطعته بلهفة:
ـ انا مش زعلانه انك جيت عليا. بس عايزة حل جذري للموضوع دا، مش هتحمل اشوفها قريبة منك، و كل شوية تجري ترمي نفسها عليك كدا…
ربت فوق يديها بحنو يتنافى مع الصرامة في نبرته حين قال:
ـ الموضوع ده مش هيتكرر تاني أبدًا. أنا بوعدك بكدا، هي المفروض تخرج من المستشفى النهاردة، رنا و صاحبتها معاها، و دا هيكون آخر تعامل مباشر بيني و بينها.
أشجان بلهفة:
ـ هتطلع من المستشفى تروح على فين؟
أدار سيارته وهو يجيبها بنبرة خشنة:
ـ على بيتها، اقصد بيت أهلها هي و سه… بيتهم يعني…
لم يرِد أن يذكر اسم زوجته الراحلة خشية أن يجرح مشاعرها وهذا آخر شيء يريده ان يراها حزينة، و لكن على العكس فقد لمح ابتسامة خجلة فوق شفتيها مما جعله يقول بنبرة عابثة:
ـ تعرفي ان غيرتك حلوة أوي؟
تحمحمت قبل ان تقول بنبرة حادة:
ـ على فكرة بقى انا بحاول اتحكم فيها عشان معملش مشكلة..
التفتت تنظر إليه لتجده يضحك بصمت ثم أعطاها غمزة عابثة من عينيه اليمنى و هو يقول بمكرر:
ـ طب ما تجربي تسبيها كدا عشان أشوف أيه المشاكل اللي هتعملها؟
أشجان بخفوت:
ـ لا أنا أصلًا مابحبش المشاكل…
خالد بنبرة خشنة و هو يمد يده ليحتضن كفها:
ـ بس انا بقى بحبها و بموت فيها..
أشجان بدلال:
ـ هي أيه دي؟
غازلتها عيناه وهو يقول:
ـ المشاكل و صاحبتها…
صاحت بخجل:
ـ خالد بطل بقى..
جذب كفها ليلثمه برقة، ثم قال بنبرة عابثة:
ـ يا باشا أنت تعمل كل اللي أنت عايزه هد الدنيا و أنا ابنيها عشانك من جديد…
أشجان باستفهام:
ـ دا عشان انا حامل في ولد ؟
خالد بسخرية:
ـ عرفتي منين؟
أشجان بدلال:
ـ بطل رخامة بقى..
كانت عينيه على الطريق أمامه وهو يجيبها بتهكم:
ـ مانا هقولك أيه طيب يعني انتِ مش عارفة انك في كفة و الدنيا كلها في كفة؟
قال جملته الأخيرة بصوتٍ أجش:
ـ عارفة
صمت و هو يتابع الطريق أمامه لتشعر بأن هناك خطبٍ ما مما جعلها تقول باستفهام:
ـ هو انا ممكن اعرف انت بتفكر في أيه؟ حاساك قلقان من حاجة؟
خالد باقتضاب:
ـ عندي مناقصة بكرة مهمة أوي.. ادعيلي ترسي عليا..
ـ دي اللي كنتوا بتشتغلوا عليها انت و آسيا و كمال الأسبوع اللي فات ؟
هكذا استفهمت ليجيبها باختصار:
ـ هي..
تحدثت بنبرة حانية لامست شيء ما في أعماقه:
ـ إن شاء الله ربنا مش هيضيع تعبك. انا و ريان هندعيلك..
أجابها بنبرة عاشقة:
ـ أنتِ و ريان أحلى حاجة في حياتي…
وصلا الى القصر أخيرًا ليأتيه اتصال من رنا، فسرعان ما اجاب:
ـ حبيبة بابي. انا بوصل ماما البيت و جايلكوا على طول.
رنا بلهفة:
ـ براحتك يا بابي. أنا اصلًا كنت متصلة عشان اقولك أن نانا سعاد هنا مع خالتو…
خالد باستنكار:
ـ نعم! سعاد عند زينة بتعمل أيه؟
رنا بعفوية:
ـ أكيد عرفت ان خالتو عملت حادثة و جت تطمن عليها…
تبادل خالد النظرات مع أشجان التي صُدِمت حين سمعت بأن سعاد ذهبت لرؤية زينة لتسمع خالد يقول:
ـ طيب يا بابا أنا مش هتأخر عليكِ…
أنهى مكالمته مع رنا لتهتف أشجان باستفهام:
ـ تفتكر راحتلها ليه؟
زفر خالد بحدة و هو يجيبها ساخطًا:
ـ عشان احنا فاضيين مورناش غير قرفهم و مشاكلهم.
حاولت تهدئته قائلة:
ـ طيب أهدى يا حبيبي و روحلهم أنا هدخل…
قاطعها خالد بجفاء:
ـ هطمن عليكِ و أبقى أروح….
ما أن ترجلا من السيارة حتى سمعوا صوت صرخات استغاثة قادمة من الداخل ووووو
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل أن التقي بك، كنت أخاف من جميع الطرق التي لا اعرفها، و المدن التي لم أزورها، و الأبواب التي أجهل ما خلفها، و معك صرت أجوب كل الطرقات و أزور جميع المدن و أطرق كافة الأبواب، دون أن يجرؤ الخوف على المساس بقلبي، فقد جعلتني احتضن الأمان كحقيقة لا يمسها شك. لكنك دون أن تدري تركت في قلبي خوفّا آخر لم تستطِع أن تجعلني اتجاوزه أو اتغلب عليه، و هو الخوف من فقدانك، الآن بعد ما علمتني ألا أهاب شيء صِرت أنت الشيء الوحيد الذي أخشاه. أخشى أن أستيقظ بيوم من الأيام ولا أجدك بجانبي، و أخشى على قلبي من قسوة هذا الشعور، فغيابك يجعل هذا العالم بكل اتساعه أضيق من أن يتسع لوجعي.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنت أيه اللي دخلك بيتي؟
هكذا صاحت نبيلة حين شاهدت عز يدلف من باب القصر ليحدجها الأخير بنظرة غاضبة ثم تجاهل حديثها كُليًا، و صرخ في الخدم ليهرول الثلاثة أمامه، فصاح بصوتٍ جهوري:
ـ عايز أوضت سعاد هانم تتنضف و تتهوى، و بعد ما تخلصوها تروحوا تجيبوا كل حاجتها من الملحق و ترجعوها في أوضتها، و كمان الجناح بتاع نسمة هانم الله يرحمها يتنضف
انتقلت عينيه الى نبيلة المذهولة من حديثه ليتابع بتشفي:
ـ بناتها هيقعدوا فيه…
صاحت نبيلة بذهول:
ـ أنت بتقول أيه؟
لم يمهلها الفرصة لاكمال جملتها بل تابع بنبرة أحد و اقسى:
ـ و الجناح بتاعي بقى.. الحرس هيطلعوا يفضوه و يرموا كل الزبالة اللي فيه بره و تنضفوه كويس أوي و تبخروه كمان، عشان العروسة الجديدة هتفرشه على ذوقها…
أخذت الخادمات يتبادلن النظرات و يختلسن النظرات الى نبيلة التي انتفضت غاضبة، بعد تلك الإهانة الكبيرة التي تلقاها كبريائها:
ـ استنى عندك. أنت أتجننت؟ سعاد مين و عروسة أيه؟ دا بيتي انا و بيت ولادي و مفيش ست هتحط رجليها فيه غيري، و إلا هكسرهالها….
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يتوجه إليها بخطوات سُلحفية، بثت الذُعر إلى صدرها، و قد كان قاصدًا اللعب على ثباتها، حتى يتفنن في تعذيبها أكثر ليقف أمامها مُباشرةً وهو يتطلع إليها بنظرات تحمل وعيدًا اضرم الرجفة في جسدها و خاصةً حين قال بفظاظة:
ـ البيت دا بيتي، و أنا اللي عملتك هانم فيه، و زي ما رفعتك سابع سما دلوقتي هنزلك سابع أرض..مش كنتِ بتقولي عليا مش راجل، و أنتِ اللي عملتيني! أنا هوريكي مقامك عامل ازاي؟
لم تكد تستوعب حديثه حتى وجدته يجذبها من خصلاتها و يجرها خلفه وسط نظرات الذهول المتبادلة من الخدم الذين لم يتحرك أيًا منهما لنجدتها، ولم يتأثر أي شخص من المتفرجين بصرخاتها التي جذبت أسماع الجميع و على رأسهم أشجان و خالد الذي هرول الى مصدر الصوت ليقوم عز بدفع نبيلة أسفل قدميه، وهو يقول بتشفي:
ـ معلش بقى يا كبير أختك مبقتش تلزمني، حاولت أفهمها بالذوق أني مبقتش عايزها، مفهمتش، و بصراحة أنا راجل عريس و العروسة الجديدة مش قابله تيجي على ضُرة، و بالنسبة للربع جنية مؤخرها أنا جدعنة مني هديهولها ١٠٠ جنية…
ـ أيه يا بابا اللي أنت بتعمله دا؟
هكذا صاح عمر القادم من الخلف ليسمع صوت خالد الذي زمجر بوعيد:
ـ مشي أبوك من قدامي يا عمر، بدل ما أدفنه مكان ما هو واقف..
تهكم عز الدين قائلًا:
ـ أنا و أنت عارفين انك مش بتطيقها، لكن مجبر تدافع عنها عشان هي أختك..
خالد باحتقار:
ـ مش بالضرورة، أنا أعرف واحد أخته الصغيرة هربت منه بسبب غبائه، و هيافته، وأن مراته ممشياه، لجأت للغريب عشان يحميها منه، و اللي يتجبر على واحدة أضعف منه أيًا كانت هي مين يبقى ميبقاش راجل..
التمعت عيني عز بالحقد، و لكنه لم يستطع الحديث، فصرخت نبيلة من بين شهقاتها:
ـ شوفت بهدلة أختك الكبيرة يا خالد؟ خدلي حقي منه، اطرده من بيتي، قوله أن دا بيتي يا خالد، هو اللي يمشي هو و القذرة اللي معاه دي، مش أنا اللي امشي…
لأول مرة يرى في عينيها عبرات حقيقية، لأول مرة يرى انكسارها بهذا الشكل، و قد عاد به الزمن الى الخلف و هو يتذكر تلك الفتاة الضعيفة التي ارتمت بين يديه ذلك اليوم وجسدها يرتجف من فرط القهر و الخوف وهي تطالبه ان يرحمها:
ـ مشيني من هنا يا خالد، عز هيموتني، نبيلة قالتله أني بحب صابر، و هو عايز يموتني، أنا مش عايزة منهم حاجة أنا متنازلة عن كل حاجة يسيبوني أعيش بس… قولها تسيبني أعيش يا خالد..
انتشله من ضجيج تلك الذكرى المؤلمة صوت هايدي وهي تصرخ في والدها:
ـ أنت أيه اللي بتعمله دا؟ عايز ترمي ماما في الشارع عشان الزبالة اللي عايز تتجوزها؟
و تدخل عمر هو الأخير معترضًا:
ـ دا بيتنا احنا عايز تتجوز روح اتجوز في أي مكان بعيد عننا…
ـ عمر…
هكذا صاح خالد قبل أن تتثنى الفرصة لعز بالحديث ليُتابع بصرامة:
ـ هات والدتك على بيت أبوها، أحنا أحسن من أبوك مبنرميش بناتنا…
اندفعت هايدي بانفعال:
ـ بس دا بيتنا احنا يا خالو..
خالد بحدة:
ـ بيتك أنتِ و أخوكي مش بيتها…
اندهشت نبيلة من حديثه حتى برزت عينيها فكادت أن تخرج من محجريها، و لكن خالد لم يمهلها الوقت للحديث فقد استدار يقبض على ذراع أشجان المبهوتة مما تراه ليجذبها خلفه و هو يقول بنبرة آمرة:
ـ يالا…
ما أن دلفوا الى داخل القصر حتى صاحت نبيلة بقهر:
ـ ازاي تسكت عن اللي عمله فيا يا خالد؟ ازاي تسيبه يخرجني من بيتي ؟ بأي حق تسمحله يعمل كدا!
استدار خالد بحدة و هو يزأر بوحشية ارتعدت لها أبدانهم:
ـ مش بيتك، بتتكلمي عن الحق! كان فين الحق دا لما خلتيه رمى أخته في الشارع؟ هي مش نسمة بردو ليها في البيت دا و لا أنا غلطان؟
خرج الجميع على صوت خالد الجهوري لتشعر نبيلة بأنها عارية أمام نظراتهم المتشفية لتحاول استعطافه قائلة:
ـ أنت اللي بتقولي كدا يا خالد ؟ دا بدل ما تقف في ضهري؟ لو كان بابا الله يرحمه عايش كان هيقدر يعمل فيا كدا؟
فاجأها حين قال بجمود:
ـ لا، مكنش هيقدر يعمل كدا، بس معلش بقى مفيش حد زي الأب….
لم تفوتها رنة السخرية في صوته لتهتف باستفهام:
ـ يعني أيه؟
تولى كمال إجابتها بدلًا عن خالد حين قال بحدة:
ـ يعني مفيش حد فينا فاضي يحل مشاكلك، جوزك طلقك، و احنا كل اللي نقدر عليه أننا نفتحلك بيتنا، و دا كرم مننا كمان، متستغربيش، احنا عمر ما حد فينا احتاجك و لقاكي…
تجمد الدمع في عينيها من حديثهم، و قد أعماها الحقد عن حقيقة حديثهم، و بدلًا من أن تحاول مراجعة حساباتها تحول كل القهر بداخلها إلى وعيد بالإنتقام لتتوجه خلف خالد الذي ذهب إلى مكتبه وهي تقول بانفعال:
ـ يعني انت هتسيب أخت مراتك تخرب بيت أختك و تاخد مكانها و هتقف تتفرج؟
خالد بجفاء:
ـ الله يرحمها الوحيدة اللي كانت ممكن تقف لأختها أما أنا ماليش كلمة عليها، تتجوز جوزك تتجوز غيره ميخصنيش…
جن جنونها من حديثه لتصرخ بهياج:
ـ يبقى انا بقى اللي هقفلها و هطربق الدنيا على دماغها، و زي ما جبتها لحد هنا هرجعها على ضهرها…
احتبست الأنفاس في الصدور، و تجمد الهواء حولهم لدى انتهائها من الحديث، ليرفع خالد رأسه و هو يناظرها بأعيُن تلتمع بهم القسوة، و شيئًا آخر يشبه شعور وحشٍ متعطش للدماء لتأتي نبرته الآمرة التي جعلت الكون من حولها لا يتسع لأنفاسها:
ـ اقفلي الباب، و تعالي هنا…
بأقدام مُرتعِشة توجهت لتغلق باب الغرفة، و هي تستجدي الهواء حتى يمر إلى رئتيها، فحتى دمائها هربت من عروقها من فرط الخوف أمام تلك النظرات المرعبة التي تطل من عيني خالد الذي أمرها بصرامة أفزعتها:
ـ بقى أنتِ اللي جبتي زينة هنا؟
حاول أن تنحي الخوف جانبًا حتى يستطيع عقلها العمل لإيجاد أي فرصة للهرب من هذا المأذق، فارتبكت الحروف فوق شفتيها حين قالت:
ـ لا، أنا، إنت فاهم أيه؟ أنا مجبتهاش بالمعنى الحرفي، أنا، أنا، كنت هنا و التليفون رن رديت لقيتها هي، سلمت، سلمت عليها، و قالتلي أنها عندها مشاكل يعني، و كانت محتاجة فلوس تيجي، فبعتلها، تذكرة الطيارة… صعبت عليا لما عرفت أن اهل جوزها بهدلوها و أنها مش عارفة تنزل مصر
كانت عينيه تطالعها بطريقة توحي بأنه يرى أمامه مسخًا يثير احتقاره و يستفز غضبه، لتسمعه يقول بنبرة ساخرة:
ـ لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، صحيح اللي يعمل خير في الزمن دا يبقى غلطان، شوفتي نيتك الطيبة اتقلبت عليكِ ازاي، و بدل ما تردلك الجميل خطفت منك جوزك…
صمت لثوان قبل أن يُتابع بجفاء:
ـ تصدقي زينة دي طلعت وحشة أوي، أصلها كمان مانت بتحاول تبوظ علاقة أشجان و رنا، و من الواضح أن دا كان على هواكي صح ولا أنا غلطان؟
نبيلة باندفاع:
ـ لا طبعًا بتقول أيه؟ أنا… أنا وقفتلها قبل كدا، و قولتلها ان أشجان عندك خط أحمر، و ان هي المسئولة عن رنا…
سخر خالد قائلًا:
ـ هيبان. كله هيبان، و كل اللي غلط هيتحاسب..
رنة الوعيد في نبرته كان لها صدى كبير في أذنيها و أدركت بأن الأمر لن يمر مرور الكِرام،و لكن دخول كمال في هذه اللحظة كان انقاذًا كبيرًا لها، فحين رأته نبيلة هتفت بانفعال:
ـ جاي تكمل شماته فيا يا كمال؟
تجاهلها كمال و وجه نظراته إلى خالد قائلًا:
ـ عايزك في موضوع مهم…
استغلت الفرصة لتهرول الى الخارج و هي تتمتم بارتباك:
ـ أنا هشوف الولاد…
ما ان خرجت حتى بدأ كمال بالحديث قائلًا:
ـ عرفت ان زينة هتخرج النهاردة من المستشفى..
خالد باختصار:
ـ أيوا، و انا هروحها على بيت أهلها..
كمال بجمود:
ـ تمام، خليك أنت، هروح أنا أوديها…
ارتفع أحد حاجبي خالد باندهاش من كلامه، ٤بل ان يقول باستفهام:
ـ من امتى الجدعنة دي؟
كمال بتجهم:
ـ عادي هو أنت لوحدك اللي جدع يعني؟
خالد بفضول:
ـ لا بجد ليه؟
صمت كمال يسترجع حديثه مع سوزان منذ عدة أيام
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ سوزي، ينفع اتكلم معاكي؟
هكذا تحدث كمال موجهًا حديثه إلى سوزان التي حدجته بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بالرغم من أني على آخري منك، بس اتفضل..
كمال بتعب:
ـ حتى أنتِ يا سوزي؟
سوزان بتقريع:
ـ يعني هقولك أيه؟ كل ما ربنا يسهلهالك من ناحية تنيلها من ناحية، هو حد قالك أني لاقية آسيا دي في الشارع؟ حالف لا تشل البت؟
كمال بلهفة:
ـ والله ما كنت أقصد، و بعدين الموقف حصل بسرعة، و كمان أنا أصلًا في حاجة كدا مش مريحاني…
سوزان باستفهام:
ـ حاجة أيه؟
شرع كمال في سرد ما يقلقه قائلًا:
ـ مش مرتاح لزينة و لا لطريقتها مع خالد، يعني أنا طول عمري عارف أن زينة مابتحبش خالد، مش مابتحبوش بتكرهه، لكن بتضايق منه، و دايمًا كانت بتشوفه شخص قاسي، و متسلط..
سوزان باستنكار:
ـ بس خالد مش كدا، هو شديد شوية بس في الحق..
كمال موضحًا:
ـ معرفش تعرفي أيه عن علاقة خالد وسهام بس هما كانوا دايمًا في مشاكل و دايمًا كانوا بيختلفوا، بالرغم من أنهم كانوا بيحبوا بعض جدًا، لكن طول الوقت في خلافات، و زينة كانت دايما بتشوف أنه صعب و متسلط و بيقهر سهام
صمت لثوان قبل أن يستطرد قائلًا:
ـ أنا حتى فاكر يوم جنازتها زينة كانت منهارة، و قعدت تتكلم عنه كلام مش كويس انه كان بيعاملها وحش، و انه سابها و سافر، و هي ماتت بسبب إهماله، طبعا خالد مسمعش الكلام دا، أنا و عمر و جوزها اللي يرحمه بس اللي كنا موجودين، و عشان كدا سامح خدها و مشيوا على طول.
سوزان باستفهام:
ـ أيه بالظبط اللي مش مريحك يا كمال؟
كمال بجمود:
ـ لما روحنا الشركة عند عز اتفاجئت أنها جريت على خالد و اترمت في حضنه، و كررت دا في المستشفى قدامنا كلنا، دي كمان اتضايقت أن أشجان زعلت و اتكلمت عندها بطريقة مش كويسة، نظراتها كدا مكنتش مريحة، دي مش منظر واحدة مخضوضة لسه خارجة من حادثة اغتصاب، ماشي ممكن تلجأله اول مرة و هنقول أنها اترمت في حضنه من الخوف، طيب المرة التانية مجريتش عليا ليه و لا على عمر؟ ووليه اتضايقت أن أشجان زعلت؟
شعرت سوزان بأن للحديث باقية، فقالت باستفهام:
ـ و بعدين ؟ كمل..،
كمال بغضب:
ـ طبعًا أنا طول عمري لا بحب عز و لا برتاح فيه، و لو جينا للحق هو في عيوب كتير أوي، بس عينه مش فارغة، و لا بتاع ستات، و من الواضح أنه بيحبها أوي.. استحالة هيفكر انه يعمل فيها كدا…
تنبهت جميع حواس سوزان لحديثه فقالت بلهفة:
ـ طب ما يمكن حاول معاها و صدته عشان كدا حاول يعتدي عليها، هو مش مبرر، بس مثلًا خرج عن شعوره، حب يجبرها عليه بالطريقة دي…
كمال بنفي:
ـ لا..
ـ يعني أيه يا كمال؟
كمال باقتضاب:
ـ أنا راجعت تسجيلات الكاميرا…
سوزان بلهفة:
ـ و لقيت أيه؟
كمال بنبرة متجهمة:
ـ لقيت ان سلوكها معاه مكنش مريح، و باين أوي انهم منسجمين مع بعض، و دا يأكد الكلام اللي عز قاله، أنهم بيحبوا بعض و متفقين على الجواز، و كان بيتكلم وهو منهار و مش قادر يستوعب هو عمل كدا ازاي، اللي أكد شكوكي أن في حاجة مش مظبوطة ان هي نفت الكلام دا تمامًا معايا، و مع خالد..
سوزان بتفكير:
ـ يعني هي لو بتحبه أو منسجمه معاه، هتتهمه اتهام زي دا ليه؟
كمال بجفاء:
ـ أكيد عشان هدف في دماغها، و احساسي بيقولي ان الهدف دا يخص خالد، و اللي أكدلي الكلام دا ان فعلًا عز مكنش في وعيه…
شهقت سوزان بصدمة:
ـ بتقول أيه؟
كمال بتوضيح:
ـ لما رجعت سجل الكاميرات لقيت أن زينة خدت شنطتها معاها البوفية، النور هناك كان خفيف أوي مكنش موضح حركتها، بالرغم من ان في نور قوي بس هي مكنتش مشغلاه، فمكنش باين هي بتعمل ايه، و بعد كدا خدت العصير و راحت على مكتب عز، في الطبيعي هي بتدلع في كلامها، و حركاتها، لكن الوضع كان أوفر. خصوصًا ان حركاتها بعد كدا كان فيها تعمد واضح أنها تثيره..
سوزان بلهفة:
ـ لا استنى لحظة، يعني هي حطتله حاجة في العصير؟
قاطعها كمال هاتفًا:
ـ حطتله منـ.شط جن… في العصير…
شهقت سوزان بذهول:
ـ انت بتقول أيه يا كمال؟
كمال بتأكيد:
ـ اللي سمعتيه، انا خدت كوباية العصير و بعتله للمعمل عندنا و أكدولي ان فيها منشط…
ـ طيب معلش يعني هي هبلة للدرجادي عشان تعمل كل دا، و تسيب تسجيلات الكاميرات اللي ممكن تدينها؟
كمال بحنق:
ـ ماهو اللي خلا شكي يزيد فيها، أنها رفضت رفض قاطع تبلغ عنه، و حجتها ان عشان اسم العيلة ميتضرش! هو اسم العيلة يهمها في أيه؟ زائد أن هي و سهام الله يرحمها كانوا بيكرهوا نبيلة كره العمى، يعني دي فرصة ذهبية بالنسبالها أنها تشمت في نبيلة، هتضيعها كدا بسهولة؟
شعرت سوزان بالذهول من حديث كمال، و لكنه بدا منطقيًا خاصًا و هي تعلم محاولاتها في التودد إلى خالد، و التفرقة بين رنا و أشجان مما جعلها تقول بلهفة:
ـ طيب انت قولت لخالد على الكلام دا؟
كمال بحنق:
ـ للأسف لا و مش هقدر أقوله اي حاجة دلوقتي، الوضع في الشغل صعب، و في شركات منافسة ظهرت مؤخرًا بتنافسنا بقوة، و عندنا مناقصة مهمة كمان كام يوم وخالد متوتر جدًا و مش متحمل أعباء تانية..
سوزان بتفكير:
ـ بس الوضع كدا ميطمنش. دي واحدة مجنونة، لازم يعرف اللي عملته..
زفر كمال بتعب تجلى في نبرته حين قال:
ـ هيعرف طبعًا، بس لما يطمن على موضوع المناقصة دي، و في خلال الفترة دي، مش هخلي زفت دي تحتك بيه أصلًا..
سوزان باندفاع:
ـ طب و آسيا؟
كمال بتفكير:
ـ لازم اتكلم معاها بصراحة، مش عايز العلاقة بيننا تتوتر اكتر من كدا….
عودة إلى الوقت الحالي
ـ انا عارف انك متوتر عشان المناقصة، و مش طالبة يعني زينة و حواراتها، أنا هروح أخلص الليلة و أنت ركز في الشغل…
هكذا تحدث كمال بلا مُبالاة ليهتف خالد بتحذير:
ـ نركز، نركز كلنا في الشغل.. الوضع مش مريحني، و الكلب اللي أسمه أمين دا عماله يلاعبنا، هو و الراجل العبيط اللي ماشي وراه دا، و انا مش هقبل بالخسارة..
كمال بعنفوان:
ـ الوتايدة مبيخسروش يا وحش، ولو حصل أيه احنا وتايدة يعني لا يمكن نتكسر…
ابتسم خالد بامتنان على حديث كمال ليتحدث بحبور:
ـ طب جهز نفسك بقى عشان في وتد زيادة هينضم للعيلة كمان كام شهر..
برقت عيني كمال من حديث خالد ليهتف بلهفة:
ـ بتتكلم بجد يا خالد؟ أشجان حامل؟
اومأ خالد برأسه قبل أن تتسع ضحكته وهو يقول بانتشاء:
ـ حامل، و هتجيب ولد إن شاء الله.. ريان خالد الوتيدي…
صاح كمال بفرحة عارمة و هو يندفع لمعانقة خالد:
ـ أيوا بقى يا وحش.. عملتها يا جاحد. كان نفسي أعملها قبلك، و اغيظك
تعانق الشقيقان بسعادة قبل ان يتراجع خالد للخلف ليلكم كمال بخفة في كتفه وهو يقول بحدة زائفة:
ـ اتجننت ياد و لا أيه؟ و لا صدقت أنك دبابة بصحيح؟ دانا الوحش بردو..
تهكم كمال ساخرًا:
ـ لا فكك انت، على ما ريان يدخل الجامعة كدا هكون انا لسه باديء افكر، أنا آخر مرة حضنت القادرة اللي معايا دي كان في العيد اللي فات…
خالد بتشفي:
ـ أحسن خليها تربيك…
صمت لثوان قبل ان يقول بتحذير:
ـ كمال مش هوصيك مش عايز حد يعرف حاجة خالص عن الموضوع دا، أشجان تعبانه و انا قلقان عليها..
كمال بلهفة:
ـ عيب. كمان العيلة كلها عنيها وحشة و كلهم متنيلين بستين نيلة، محدش فيهم طايل بوسة حتى، هيقروا عليك لما يشبعوا…
ـ أومال وتايدة أيه بس، و أنتوا مش مسيطرين كدا؟
هكذا تحدث خالد و هو يبتسم ليسترعي انتباههم صوت طرق على بابا المكتب، ثم اطل عمر برأسه ليشير خالد الى كمال الذي تفهم على الفور ة غادر ليتقدم عمر من خالد قائلًا برسمية:
ـ كنت عايز اتكلم معاك في موضوع؟
تقدم خالد ليجلس في المقعد و هو يشير إليه قائلًا:
ـ طب أقعد خلينا نعرف نتكلم..
ما أن جلس عمر حتى بدأ خالد بالحديث قائلًا:
ـ قبل ما تتكلم في أي حاجة، عايزك تسمعني…
ناظره عمر بصمت ليُتابع خالد قائلًا:
ـ حقك عليا يا عمر.. أنا عارف ان اللي حصل كان صعب بس مفيش راجل في الدنيا هيقبل أخته تضرب قدام عنيه، و عز كان مزودها أوي.. خرجت عن شعوري غصب عني، مكنتش أحب ابدًا دا يحصل قدامك…
ابتسم عمر بسخرية تجلت في نبرته حين قال:
ـ كتر خيرك والله أنك فكرت في مشاعري، تخيل بقى انه هو ولا هو هنا، مهتمش حتى انه يقعد يتكلم معايا عن اللي حصل، محاولش يبرر موقفه، مش فارقله أصلا شكله قدامي انا ابنه. في أب بالجحود دا؟
شعر خالد بالأسف تجاهه ليحاول تخفيف الإمر قائلًا:
ـ هو مشغول بحربه مع أمك يا عمر، و بعدين خلينا نتكلم بصراحة، من فترة طويلة و انت بطلت تتعشم فيه فمتوهمش نفسك انه ممكن ييجي يبررلك..
صاح عمر بحنق:
ـ الموضوع دا غير أي موضوع، دا قمة القذارة اللي في الدنيا، تخيل راجل داخل على الستين سنة يبقى مغتـ.صب؟!
تراجع الى الخلف مضيفا بتحسر:
ـ و لا على رأيك انا من زمان بطلت اتعشم فيه او حتى اشوف في حاجة كويسة، المهم، انا عايزك في موضوع تاني خالص…
ـ موضوع أيه؟
هكذا استفهم خالد، فأجابه عمر بنبرة جافة:
ـ أنا عايز اتجوز شروق تاني، و عايزك تيجي معايا نطلبها من عمها..
صمت خالد قليلًا قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ و أنا موافق، و دي هتكون أكتر خطوة صح تاخدها في حياتك، بس دا في حالة ان هي تكون موافقة، و موافقتها دي أنا لازم اسمعها منها
تهدلت أكتاف عمر وهو يقول بتعب:
ـ هي سامحتني، بس أنا مش واثق اذا كانت هتوافق تثق فيا تاني ولا لا، و عشان كدا عايزك تتكلم معاها، و تقنعها. أنا بحبها أوي يا خالد. بحبها و من وقت ما سبتها و انا حياتي بقت جحيم..
ربت خالد فوق كتفه، وهو يقول بتفهم:
ـ حاضر، هتكلم معاها….
عمر بلهفة:
ـ في أقرب وقت يا خالد…
خالد برزانة:
ـ متقلقش، بس خليني اقولك اني مش لوحدي اللي هقدر أقنعها، في حد له دلال عليها أكتر مني.
عمر بلهفة:
ـ سوزان؟
خالد بتشجيع:
ـ يالا طير بقى عليها…
اللهم اجعل ما أبكاني اليوم سببًا لفرحٍ عظيم غدًا، وما كسر قلبي بابًا لخيرٍ لم أكن أراه. اللهم عوّضني عن كل ألم، واشفِ قلبي من كل ما يؤذيه، وارزقني راحةً تجعلني أنسى كيف كان الحزن يؤلمني. يا رب، لا تجعلني أواجه أيامي بقلبٍ مُنهك، وكن معي في كل لحظة أشعر فيها أنني لم أعد أحتمل.❤️
♡♡♡♡♡♡♡♡♡
ـ صدجت أني ممكن أبيعك يا رحيم؟
هكذا تحدثت ضي بحزن ليمد رحيم يده و يرفع رأسها ناظرًا الى عينيها الجميلتين، ليقول بنبرة جريحة:
ـ وجت اللي سمعتك بتجوليلي أني وسط أهلي و ناسي، قلبي اتشج نصين…
شهقت بألم، وهي تصرخ بنبرة مُلتاعة:
ـ والله ما خنتك، والله كان حاطط سلاحه على راس أمي.. مكنتش اجدر اجول غير اكده. ده جادر، مبيهموش حد واصل، كنت تحكيلي كد أيه هو قاسي، لكن مكنتش بصدج، لما شفته و بصيت في عنيه كأني شايفة غول جدامي، ده مبيحبش حد، ده عِنديه القدرة يعمِل كل حاجة عفشة في الدنيا
كانت تتحدث، و جسدها ينتفض بذعر بدا جليا فوق ملامحها و في نبرتها، ليشدد من احتضانها، وهو يقول بنبرة حانية:
ـ اهدي خلاص أهو غار في داهية…
انتفض جسدها للخلف مرة آخرى وهي تقول بتلعثم:
ـ تجصد أيه؟
رحيم بقوة وهو يحتوي وجهها بين يديه:
ـ خلاص أنتِ بقيتي في أمان جاري، و مش هيجدر يجربلك تاني..
تراجعت عنه وهي تضرب صدرها بعُنف قبل ان تقول بنحيب:
ـ أنت مفكِر أني هربت منيه؟ و لا أني هقدر مرجعش تاني! يا مراري، أنت متعرِفش اني جيت إزاي؟
رحيم بجهامة:
ـ جيتي ازاي؟
نجاة بتلعثم:
ـ اتفق من أمي أنه يخليها تقنعني اسلمه رقبتك، و أمي جالتلي، و اتفجت معاها انها هتفهمه أني وافجت عشان انتقم منِك بعد ما عرفت منك انك هتتجوز عليا، وفعلًا كلمته و بلغته باللي حوصول، و لما كلمته كان مشغول، و حواليه صوت عالي و جالها أنه في حفلة، و مش فاضي، جوم هي استغلت أنه مش فاضي، و جابتلي تلافون حد من البنتة اللي بيشتغلوا في المطبخ من غير ما هي تحس، و أني كلمت صافية عشان اجولها أني عايزة أقابلك ضروري، و هي اللي جالتلي أروح عل اسطبلات الخيل، وهي هتخليك تاجي اهنه..
رحيم باستفهام:
ـ طيب و خرجتي كيف؟
نجاة بأنفاس مقطوعة:
ـ لبست هدوم واحدة من البنته اللي بتشتغِل حدانا، و خرجت بعد ما البنات خرجوا، بعد ما أما شغلت الخفير عشان ميركزش معايا و اني خارجة…
صمت رحيم يطالعها بنظرات عاشقة، فقد عرضت حياتها للخطر لتأتي إليه، و قد تذكر حديث ياسر ذلك اليوم قبل أن يغادر:
ـ اسمعني كويس يا رحيم، انا معرفش نجاة، لكن من كلام غنى عنها أنها بتحبك أوي، و انها لا يمكن تغدر بيك، أنا عارف ان الموقف صعب، بس مش يمكن هو مهددها؟
تدخل خالد قائلًا على مضض:
ـ توقع كل حاجة منه، لو نفذت اللي اتفقنا عليه، هتقدر تعرف اذا كانت فعلًا بتحبك، و لا لا، و نبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد…
عودة الى الوقت الحالي
ـ عرضتي حياتك للخطر، عشان تاجي تعاتبيني؟
نجاة بحدة:
ـ لاه، جيت عشان اطلع جلبك من مكانه، الخاين اللي ما صدج أغيب و جري يدور على غيري..
عانق خصرها يقربها منه وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ و أني موافج جلبي ملكك تعالي فوج و أعملي و فيه اللي انتِ عيزاه..
شهقت نجاة باستنكار:
ـ فوج أيه، و تحت أيه؟ بجولك حط السلاح على راس أمي، عايزه يعمل فيها ايه لما يعرِف أنها هربتني؟ ده هيهرسها زي ما بيهرسوا الفول المدمس..
رحيم بسخط:
ـ ما يهرسها ولا يولع فيها و لا يتحرقوا هما اللتنين…
نجاة بتقريع:
ـ بمناسبة الحريق، أنت صحيح ولعت في مقابر عيلتنا؟
رحيم بنبرة حانقة:
ـ و اني هولع فيهم ليه؟ ماهم كدا كدا في جهنم، و بئس المصير، دول مخلوش حاجة معملوهاش، يا بت دا المسيخ الدجال هيطلع من عيلتكوا…
رن الهاتف بيد نجاة، فانتفض جسدها، مما جعلها تقول بلهفة:
ـ اني لازمن اروح، هتلاقي البت خلصت اللي امي جالتلها عليه و بتدور على تلافونها.
رحيم بغضب:
ـ نجاة، خليكي أهنه، و أني هجدر احميكي انتِ، و امك من الكلب ده..
نجاة بلهفة:
ـ أحب على يدك يا رحيم سيبني امشي، ده ناويلك على الشر، و بعدين أني لازمن اعرِف من امي كل حاجة تخص الوكر ده، اني حاسة بالذنب بسبب اللي بيحصول للبنات دي…
ـ يعني انتِ متعرفيش الرموز اللي في الوشم اللي على ضهرك؟
هكذا استفهم رحيم لتجيبه نجاة بصدق:
ـ والله ما اعرِف، أني كنت بجولك اكده عشان كنت خايفة..
كان قلبه يأمره بأن يضرب بكل شيء عرض الحائط و ألا يتركها تذهب خطوة واحدة بعيدًا عنه، فهذا البعد هو الجحيم بالنسبة إليه، لذا ما ان اوشكت على الذهاب حتى امتدت يديه تجذبها لتتوسط ذراعيه مرة آخرى وهو يشدد من احتضانها، لتبادله العناق مرة أخرى، فهتف بألم:
ـ جلبي ممطاوعنيش اسيبك تمشي..
رفعت نجاة رأسها و قالت بعتب:
ـ و طاوعك تتجوز غيري يا رحيم…
رحيم بلهفة:
ـ مفيش الكلام ده.. عمر عيني ما هتشوف حرمة غبرك..
حاولت الكلام فوضع يده أمام شفتيها ليقول بنبرة خشنة:
ـ هتعرفي كل حاجة بعدين.. خليكي اهنه معاي، مش هجدر اسيبك تمشي..
نجاة بلهفة:
ـ متجلجش علي، المهم دلوق أننا لازمن نعرِف طريج الوكر، جلبي حاسس ان أمي مش هتجولي كل حاجة بسهولة..
صاح رحيم بحدة:
ـ الله يخربيت أمك و أبوكي في ساعة واحدة، اني مش هسيبك تمشي..
نجاة بانفعال:
ـ مش هجعد اهنه يا رحيم غير لما اعرِف اخلص الناس من شره، مش هتحمل بنات غيري يتأذوا بسببه.
رحيم بانفعال:
ـ ماشي يا نجاة، امشي، و هعرِف أرجعك بطريقتي…. المهم جوليلي معرفتيش أيه قصة الحفلة دي؟
نجاة بتفكير:
ـ لاه… بس أني سمعته جبل سابج، بيتكلم عن واحد أسمه عثمان حاجة الدين، مفهمتش الحديث جوي، بس كانه يعرِف عثمان ده جوي، أو زعلان عشانه، لانه كان بيجول، عثمان ميجبلش أن حد ينافسه…..
صمت رحيم يفكر:
ـ يا ترى مين عثمان ده؟
اللهم إن في قلبي حزنًا لا يعلمه إلا أنت، وثقلًا لا أستطيع حمله وحدي، فاحمله عني بلطفك. اللهم خذ بيدي حين أضعف، وآنس وحشتي حين تضيق بي الدنيا، وأنزل على قلبي سكينتك، وعلى روحي رحمتك❤️
♡♡♡♡♡♡♡♡♡
ـ أخس عليكِ يا غنى، بتكلميني كدا ليه؟ و انا اللي متصلة اطمن عليكِ؟!
غنى بسخط:
ـ متصلة تطمني عليا ولا متصلة تعمليلي مشكلة؟
شهقت صابرين باستنكار:
ـ انا يا بنتي عايزة اعملك مشااكل؟ مكنش العشم يا غنى..
غنى بلهفة:
ـ يا ماما مقصدش، بس أنا بجد زهقت، و لسه متخانقة مع ياسر امبارح بسببك
صابرين بلهفة:
ـ الشر بره و بعيد اتخانقتوا ليه يا ضنايا؟
غنى بحدة:
ـ عشان قولتله الكلام اللي قولتيهولي
صابرين باندفاع:
ـ و قالك أيه؟
صمت غنى تسترجع ما حدث البارحة
ـ أيه يا ياسر يا حبيبي مالك؟ هي هيام ضايقك و لا أيه؟
هكذا تحدثت غنى بقلق ليجيبها ياسر بوجوم:
ـ لا مفيش حاجة، يالا عشان ننام…
اندفعت غنى بلهفة:
ـ طيب مش هتكمل أكلك؟
ياسر باختصار:
ـ لا خلاص شبعت..
اندفعت مرة أخرى في الحديث قائلة:
ـ طيب، مش هنقعد نتكلم شوية؟
شعر ياسر بأن هناك خطبِ ما ليقول باستفهام:
ـ في حاجة يا غنى؟
غنى بارتباك:
ـ يعني كنت حابة اتكلم معاك شوية، لو مش تعبان..
اقترب يعانقها وهو يقول بحنو:
ـ لا يا حبيبتي مش تعبان و لا حاجة.. تعالي نقعد نتكلم..
جذبها لتجلس بجانبه على الأريكة ليبدأ بالحديث قائلًا:
ـ ها يا قمري، قوليلي بقى أيه اللي شاغل بال الغُريبة بتاعتي، و مطير النوم من عنيها؟
ترددت كثيرًا في الحديث، و لكنها أرادت التخلص من إلحاح والدتها عليها لنبدأ بالحديث قائلة بارتباك:
ـ يعني، كنت حابة أدردش معاك شوية، بخصوص، بخصوص شغلك مع بابا …
شعر بأن القادم لن يعجبه لذا قال باختصار:
ـ كملي…
ارتبكت الحروف فوق شفتيها حين قالت:
ـ بصراحة، ماما كلمتني، و طلبت مني، أني اطلب منك، لو تعمل لبابا مرتب شهري، يكون يعني ثابت كل شهر و كدا، أنت عارف الظروف و كل حاجة بقت غالية..
ذم ياسر شفتيه و هو يوميء برأسه قائلًا بسخرية:
ـ ربا يعني؟
غنى بتلعثم :
ـ لا، مش كدا… انا اقصد
قاطعها ياسر و هو يعتدل ثم ناظرها بغضب انضم إلى القسوة في نبرته حين قال:
ـ لا تقصدي و لا متقصديش. اسمعيني كويس يا بنت الناس، في كلمتين هقولهملك، مش هكررهم تاني، أول حاجة إياكِ تفكري تدخلي في شغلي، لا تطلبي و لا تؤمري، و خليكِ عارفة كويس أوي إن في فرق كبير بين اني بحبك و بقدرك، و بين انك تتخيلي انك ممكن تمشيني على مزاجك، سامعة؟
ارتعبت من مظهره و غضبه لتحاول تبرير موقفها قائلة:
ـ يا ياسر اسمعني…
للمرة للثانية يقاطعها هاتفًا بحدة:
ـ الحاجة التانية، أمك على عيني و على راسي، لكن هتدخل في اللي ميخصهاش مش هسمح بيه، أنا اتفاقي مع راجل كل شوية تكلمك تملى دماغك بكلام مالكوش صالح بيه كله هييجي على دماغك في الآخر سمعتي و لا مسمعتيش؟
حاولت تصحيح موقفها و هي تلعن نفسها كونها استمعت لتوسلات والدتها لتقول برجاء:
ـ طيب ممكن تسمعني؟
هدر بها بقسوة:
ـ غنى… اعمليلك قفلة و قومي اتخمدي…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ اسمعيني كويس، والله لو على رقبتي استحالة هتدخل في أي حاجة تخص الشغل تاني، حرام عليكِ يا ماما، أنا نفسي أعيش مرتاحة بقى، مش عايزة مشاكل مع ياسر أبوس رجلك..
صابرين بدهاء:
ـ يا بت هو أنا قصدي اعمل بينكوا مشكلة؟ انا كان قصدي بس تخليه يراعي أبوكي الغلبان، و كله في الأول و في الآخر ليكِ انتِ، هو أحناةحيلتنا غيرك؟
غنى بسخط:
ـ يا ستي أنا مش عايزة حاجة منكوا، خدي كل حاجة ليكوا، بس سبيني أعيش حياتي من غير مشاكل، انا مش عايزة غير اني أعيش جنب ياسر و بس.. دا مخاصمني من امبارح بسببك..
صابرين في محاولة لتغيير دفة الحديث:
ـ سيبك الكلام الخايب دا، أنا أصلا كل اللي نفسي فيه انك تعيشي مرتاحة معاه، بس انتِ اللي كلمتي طول عمرها بتقف في زورك، المهم، انا عايزة اروح أكشف عليكِ..
غنى بلهفة:
ـ تكشفي عليا ليه؟
صابرين بتقريع:
ـ يا بت صحصحي كدا، هيكون عشان أيه؟ قربتي على تلت سنين متجوزة أهو، و لسه محبلتيش، عايزة أروح اطمن عليكِ..
انتفضت دقات قلبها، بعد أن صرحت والدتها بمخاوفها علانية لكنها حاولت التظاهر بأنها لا تُفكر في الأمر لتقول بجفاء:
ـ الموضوع مش في دماغي دلوقتي انا و ياسر سايببنه وقت ما ربنا يريد…
ـ بقولك أيه يا بت انتِ اتعدلي و بطلي تفكيرك المايل دا، عايزة تستني أكتر من كدا ايه؟ لما الحرباية اللي عندك دي توسوس في ودانه و تخليه يجبلك ضُرة!
هوى قلبها بين ضلوعها من حديث والدتها الذي كان أشبه بالخناجر التي تنحر فؤادها دون رحمة لتهتف بانفعال:
ـ أيه الكلام اللي بتقوليه دا يا ماما؟ بطلي بقى أنتِ مفيش في قلبك أي ذرة رحمة بيا؟
صابرين بتقريع:
ـ يا بت دانا شايلة همك..
غنى بتعب:
ـ يا ماما….
ـ ماما! قولي كدا بقى.. قاعدة هنا تطبخيها مع ماما، هي عادتكوا ولا هتشتروها؟
هكذا قاطعتها هيام التي اندفعت من الخارج دون ان تطرق الباب لتستدير غنى بلهفة، و قد انتفضت مفزوعة حين شاهدت هيام بمنتصف غرفتها، لتشهق بعُنف قبل ان تصرخ في وجهها بغضب:
ـ أنتِ ازاي تدخلي أوضتي من غير ما تستأذني؟
شهقت هيام باستنكار:
ـ استأذن؟ البيت بيت جوزي و أخواتي و عيزاني استأذن منك…
صاحت غنى بانفعال:
ـ أخوكي دا اللي هو جوزي، يعني ماله مالي، و بيته بيتي، و أوضتي دي تتعلمي تستأذني قبل ما تدخليها..
هيام باحتقار:
ـ قولتيلي.. ماله هو مالك، و بيته هو بيتك!!
أخذت تدور حول غنى و هي تتابع قائلة:
ـ هو دا بقى اللي بتخططوله من زمان من أول ما بقى ريس و له شنة ورنة و جيبه مليان؟ الأول تجري عليه عشان يطلقك من المخفي جوزك، و بعد كدا. تقعدي تتمسكني أنتِ و أهلك لحد ما تجيبوا رجله، وطبعًا هو هييجي هييجي. ماهو دايب في الغربية لشوشته، و نطرق هيام من سكتنا عشان يخلالنا الجو، وبعد كدا تقعدي تتدلعي و تتوددي لحد ما تخليه يدخل أبوكي معاه شغله بفلوسه. ياترى بقى الخطة الجاية أي؟ تكوشوا على شقاه و تعبه و ترموه ولا ناويين على أيه بالظبط؟
كانت هيام تتحدث والعرق يتصبب فوق جبهتها من فرط الغضب الذي قابلته غنى بالجمود رغمًا عن غضبها هي الآخرى من حديث هيام لكنها قررت أن تضع حداً لتدخلها السافر بحياتهم:
ـ الخطط و المؤامرت دي مش بتاعتنا يا أم حمادة، دي ليها ناسها اللي عارفين نفسهم كويس، بس معلش أنا عذراكي كل واحد بيشوف الناس بعين طبعه…
برقت عيني هيام من حديث غنى لتصرخ بصوت جهوري اهتزت له جدران البيت:
ـ اخرسي قطع لسانك..
تجمدت الكلمات على شفتيها حين سمعت ذلك الصوت المرعب من خلفها:
ـ هياااام
التفتت هيام على صوت يزيد الغاضب الذي تابع بقسوة:
ـ تعالي ورايا…
التفتت إلى غنى قائلة بحدة:
ـ مخلصناش يا… يا غُريبة.. بس وغلاوة الريس ماحد هيعملك قفلة أنتِ و الحرباية امك غيري…
انهت جملتها و خرجت خلف يزيد لتشعر غنى بالألم يتزايد بداخلها مما جعلها تسقط جالسة فوق الأريكة و عي تبكي بعُنف، فقد ضاقت ذرعًا من كل ما يحدث معها، لتسمع صوت هاتفها يرن، فوجدته رقم والدتها، لتشعر بالغضب يتعاظم بداخلها، فقامت بإلقاء الهاتف بكل قوتها حتى ارتطم بالحائط و صار اشلاء
في الأسفل جلست هيام أمام يزيد الذي كان الغضب يأكله من الداخل مما جعل نبرته حادة حين قال:
ـ أيه اللي أنا سمعته فوق دا يا هيام؟
هيام بلا مُبالاة:
ـ سمعت أيه يا قلب هيام؟
يزيد بغضب:
ـ أنتِ مش ناوية تجبيها البر مع غنى؟ عايزة أيه؟ عايزة تطفشي ياسر بسبب عمايلك دي؟
هيام بحدة:
ـ قصدك بحافظ عليه و على ماله اللي الحرباية و أمها عايزين يلهفوه..
يزيد بتحذير:
ـ اتكلمي كويس عن مرات أخوكي، لو جه و سمع الكلام دا هتبقى ناهية يا هيام..،
هيام بانفعال:
ـ ناهية مع مين بالضبط؟ انتوا عايزين تجننوني؟! و بعدين تعال هنا انت نفسك مش راضي انه دخل ابوها شريك معاه، و لا كل واحد مسموحله يقول رأيه، و هيام بنت البطة السودا..
يزيد بحدة:
ـ تقولي الكلام دا لأخوكي، مالك و مالها؟
هيام بغضب:
ـ قولتله، ومعجبهوش …
عودة الى البارحة
ـ عايزة تشاركيني يا هيام! غريبة أوي..
هكذا تحدث ياسر بتهكم قابلته هيام بسخرية لازعة:
ـ يعني هي جت على هيام يا ياسر! ما أنت مشارك اللي يسوى و اللي ميسواش..
هدر ياسر مُحذرًا:
ـ اعمليلك قفلة يا هيام، و بلاش السكة العوجة دي معايا…
هيام بجفاء:
ـ ماشي يا ياسر، أنا مش عاجبني انك دخلت الراجل حماك دا معاك في مشروعك، الناس دي طمعانين فيك…
ـ ميخصكيش…
هكذا تحدث ياسر بنبرة حازمة لتقول هيام بانفعال:
ـ ازاي؟ مش المال مالنا كلنا؟
ياسر بتجهم:
ـ مالك في الحفظ، و الصون عيزاه خديه، انما دا مشروعي أشارك اللي أنا عايزه..
هيام بحنق:
ـ يعني مش هتشاركني معاك و هتشاركه هو؟
ياسر بسخرية:
ـ لا ازاي! و دي تيجي؟ عيني، شوفي عايزة ايه، و انا معاكي، بس خلي بالك أنا حتى لو وافقت انك تشاركيني مش هسمحلك تفتحي بقك، و لا تدخلي في اللي ملكيش فيه، آخرك الربح بتاعك هتاخديه بما يرضي الله. غير كدا متحلميش.،
كادت تطحن ضروسها من فرط الغل لتهتف بحدة:
ـ و يزيد بردو هيسري عليه الكلام دا؟
ياسر بصرامة:
ـ و أي بني آدم خلقه ربنا…
عودة إلى الوقت الحالي
ـ يزيد مين يا ولية أنتِ؟ بتحشريني في الكلام ليه؟؟
هكذا صاح يزيد بانفعال قابلته هيام بالجمود حين قالت:
ـ كلنا في مركب واحدة، اعمل حسابك على كدا..
يزيد بصرامة:
ـ دا اللي أنتِ عيزاه،و بتحلمي بيه لكن مش هيحصل، احنا رجاله، مش عيال ماسكين في ديل جلابيتك، صحصحي يا هيام، الزمن بقى غير الزمن، و على فكرة بقى لو فضلتي على الحال دا هتلاقيني في يوم جاي اعزمك على فرحي زيك زي الغريب، مانا مش هغلط نفس غلطة ياسر…
ـ و أيه هي غلطة ياسر بقى؟
هكذا تحدث ياسر القادم من الخارج لتتنقل نظرات هيام فيما بينهم لتتساقط عبراتها و هي تناظرهم بألم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ يا خسارة تعبي و شقايا عليكوا، كنت فكراكوا هتبقوا سندي و ضهري يا ولاد رييع، معملتش حساب اليوم اللي هتقطموا ضهري فيه، حتى الراجل اللي كنت بتحامى في ضله راح و سابني.. يا ميلة بختك يا هيام، يا كسرتك من ولادك يا هيام
قالت جملتها، و هرولت إلى غرفتها و صوت شهقاتها يتردد في الأجواء حولهم….
اللهم إني أسألك راحةً لقلبي، وسكينةً لروحي، وطمأنينةً تملأ صدري. اللهم أبعد عني القلق والحزن، واصرف عني ما يؤذيني، واكتب لي من الخير ما يرضيني، ومن الفرج ما ينسيني كل ضيق. اللهم اجعل قلبي مطمئنًا بك، راضيًا بقضائك، واثقًا بتدبيرك، ولا تجعل في نفسي أمرًا إلا يسّرته، ولا همًا إلا فرّجته، ولا دعاءً إلا استجبته. يا رب ارزقني راحة البال، وهدوء النفس، وجميل العوض، وطمأنينة لا تزول. آمين❤️
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
ـ بت! يا مُرك يا خالد. بت تانية! يا حزن الحزن…
هكذا أخذت تولول صافية لتبرق عيني أشجان من حديثها، و ما كادت ان تتحدث حتى هتفت صافية مرة أخرى:
ـ طول عمره بخته جليل، لا بيعرف يفرح يا جلبي، و لا يتهنى، مراته الأولى تجبله البت، و تموت، و التانية بعد سنتين و نص حامل في بت…
ـ هي مين دي اللي حامل؟
هكذا استفهمت نبيلة التي كانت تتوجه الى الخارج برفقة هايدي ليستوقفها حديث صافية التي أجابتها بسخط:
ـ الغالية مرت اخوكي حامل في بت.. شوفتي الهنا اللي احنا فيه، يظهر ان نسل الوتايدة هينجطع على يدكوا..
امتقعت ملامح أشجان وهي تنظر إلى نبيلة التي تفاجئت في بداية الأمر، و لكنها سرعان ما ناظرت أشجان بتهكم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ و مالهم البنات دول حتى رزق يا صافية..
ناظرتها صافية بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ رزق! مين دول اللي رزق دا أنتِ بوم ما اتولدتي محصول الرز بتاعنا غرق، و الشونة اتحرجت، و أبوي فضل غضبان على رمضان ياجي ست شهور…قال رزق قال
غضبت نبيلة من حديثها و هتفت بحدة:
ـ على فكرة أنا اكبر منك، و عيب تقوليلي كدا، يالا يا هايدي…
ما ان ابتعدن حتى هتفت هايدي بتنبيه:
ـ ماما انتِ سمعتي اللي قالوه؟ اللي أسمها أشجان دي حامل! طيب ازاي؟
نبيلة بنفلذ صبر:
ـ عادي بتحصل، المهم أنهل هتجيب بنت يعني خيبة زيها زي رنا، أهم حاجة عندي، ميبقاش ولد…
ـ طيب انتِ واثقة فيهم؟ ما يمكن بيكذبوا؟
نبيلة بتهكم:
ـ أشجان ممكن تتخابث، انما التانية دي لا، يا حبيبتي دي لو كانت حامل في ولد كان زمان صافية ملت الدنيا زغاريط، أسأليني انا عن لؤم الفلاحين، المهم ركزي معايا في اللي هقولك عليه تعمليه…
ـ أنتِ ليه قولتلي قدامهم أني حامل؟ أنا مكنتش عايزة حد يعرف أني حامل دلوقتي…
هكذا تحدثت أشجان بخوف و شفاه مرتجفة لتحدجها صافية بحدة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ اجمدي شوية يا بت أنتِ، اكده و لا أكده كانوا هيعرفوا، و وجتها لو كنا حلفنالهم على المية تجمد انك حامل في بت و لا كانوا هيصدجوا..
ناظرتها أشجان بحيرة و توجس تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ هو. هو أنتِ ليه مش عيزاهم يعرفوا أني حامل في ولد؟
صافية بتحذير:
ـ وطي حسك، الواد بيتحسد، واللي اسمها نبيلة دي صفرا و عينها مدورة، منضمنش تدخلك عين تقسمك اتنين…
زفرت أشجان بقوة، و هي تقول بأنفاس مقطوعة:
ـ فكرة بردو، بيني و بينك أنا بخاف منها أوي….
ربتت صافية فوق كفها، وهي تقول بطمأنه و عينيها تحمل نظرات غامضة اربكت أشجان كثيرًا:
ـ متخافيش، طول ماني موجودة، نبيلة هتخاف بس تبصلك….
اومات أشجان برأسها دون أن تفصح عم ما يخالجها من شكوك، ليصل إليهم صوتًا عميق يوحي بأن صاحبه رجلًا ذو هيبة كبيرة، و شخصية قوية، فالتفتت ذات الخصلات السوداء الطويلة، التي تمايلت مع نسمات الهواء الذي حمل رائحتهم العطِرة التي أزكمت قلب ذلك الذي توقفت عينيه على تلك الفاتنة لبضع لحظات ليشعر بنبضاته تتعثر بداخل صدره وبأن الأنفاس احتبست برئتيه إلى أن جاءه صوت خالد الذي رحب به بحفاوة:
ـ معقول ؟ الحاج عامر الجيار بنفسه عندنا؟ أيه النور دا؟
انتزع عامر أنظاره بصعوبة من على صافية لينظر الى خالد محاولًا التعامل بصورة طبيعية ليرد تحيته قائلًا:
ـ دا نورك يا خالد باشا، أني جولت أسأل بدل أنت مبتسألش..
تفهم خالد عتبه، ليقول بنبرة خشنة:
ـ طول عمرك صاحب واجب يا حاج عامر اتفضل نتكلم جوا…
ـ اسمعني زين يا خالد، أني متابع، و عارف اللي عندك، و عشان أكده هدخل في الموضوع على طول، شروق و جميلة جعادهم عندكوا مينفعش، و أني جيت عشان أخدهم، ليهم أهلهم، و ناسهم.. دي الأصول، أكده و لا أية؟
هكذا تحدث عامر ما أن أصبحوا بداخل غرفة المعيشة ليتحدث خالد بنبرة خشنةر
ـ عداك العيب يا حاج عامر، بس بردو أحنا أهل والدتهم، يعني مش غُرب..
عامر بوقار:
ـ صوح، لكن أنا و انت عارفين أن شروق بالذات مينفعش تجعد أهنه، خصوصي، أنها كانت متجوزة ابن خالها، و اطلجوا…
فاجأهم ذلك الصوت القادم من الخلف:
ـ و أنا جاي دلوقتي. بطلب ايد شروق منك لعمر مرة تانية..
التفت الرجلان ينظران باندهاش إلى…..
