رواية علي فين يا زمن الفصل الثالث بقلم اية شاكر
وقفت في طرقة الكلية ببص للموبايل وأنا مش عارفة أضحك ولا أقلق..
وبسرعه رنيت على أم هناء، فردت بزعل:
- شوفي جدتك! ضربتني بالمقشة وطردتني!
- معلش يا أم هناء، شكلك ضايقتيها... استني دقايق متمشيش أنا جايالك في الطريق..
- طيب... لأمر لله، هقعد قدام الباب على ما تيجي.. دا جدتك دي ست شـ ـريره، إنتي مستحملاها ازاي دا أنا أعرف واحده كنت شوفتها مره في الـ..
قاطعتها بنفاذ صبر من كتر كلامها:
- خلاص يا أم هناء.. امسكي لسانك شويه.
بعد ربع ساعه
وصلت العمارة..
ركبت الأسانسير وافتكرت الشاب بتاع الصبح فابتسمت.. لكن مسحت ابتسامتي بسرعة.. ما هو مش وقته خالص!
أم هناء قامت وقفت، بتنفخ ومضايقة...
أول ما شافتني بدأت تشتكي، كانت رغاية جدًا ومش بتفصل كلام..
فسيبتها تتكلم وفتحت الشقة ولما دخلت..
لقيت تيته عفاف قاعدة في الأنتريه وحاطة المقشة جنبها، بصت ناحية أم هناء بحاجب مرفوع وزعقت:
- إي اللي جابك هنا تاني؟
قعدت جنبها وقلت:
- اي بس يا تيته؟ زعلانه منها ليه؟
نفخت بضيق وقالت:
- بتتكلم كتير... دماغي وجعتني.
بدأت أم هناء تدافع عن نفسها:
- أنا بتكلم كتير؟! دا أنا كنت بسليكي يا حجه.
بصيت لأم هناء واعتذرتلها قولتلها تمشي... فمشيت وهي بتتمتم:
- أول مرة في حياتي واحدة تمسكلي المقشة بالطريقه دي.
أول ما الباب اتقفل...
بصيت لتيته عفاف... وبصتلي.
وسكتنا ثانيتين...
وفجأة انفـ.ـجرنا في الضحك...
وقالت:
- دي مبتفصلش كلام! ودني وجعتني من رغيها.
- أنا هتكلم معاها وهفهمها متتكلمش معاكي تاني.
- اللي تشوفيه يا ساعه أنا من ايدك دي لإيدك دي.
- وأنا بحبك يا قلب ساعه.
وحضنتها...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكتب زيد قفل آخر ملف على جهاز الكمبيوتر، وبعت الترجمة لمدير المشروع...
رفع إيده يفرك رقبته بتعب، وبص حواليه..
معظم الموظفين كانوا بدأوا يمشوا.
جمع أوراقه، وحط اللابتوب في الشنطة، ونزل من الشركة.. لما ركب عربيته، وسند راسه على الكرسي للحظات...
افتكر زمن.. مع إن مجمعهوش بيها إلا مواقف بسيطه بس فتحت باب من الفضول في قلبه...
افتكر اول مره شافها لما صحته من النوم برنها الجرس وشكل إيديها وهي بتترعش، وهي بتحكيله تفاصيل اللي حصل لجدتها، ومحاولتها تبين إنها قـ ـوية قدام الست الكبيرة..
ورفضها ركوب الأسانسير معاه.. كان متوقع من طريقة لبسها واحترامها إنها هتعمل كدا بس ركب لأنه كان مستعجل..
حمحم وشغل العربية، وطول الطريق، كل ما يقف عند إشارة، يلتفت حواليه يمكن يشوفها راجعة من الكلية...
ولما وصل قدام العماره بص حواليه يمكن يشوفها..
لكنها مظهرتش..
استغرب من نفسه أنه بيفكر بالطريقة دي!
تنهد بعمق، ابتسم وهو بيهز راسه، وكمل طريقه...
طلع شقته، وأول ما فتح الباب، شم ريحة الأكل..
خرجت والدته من المطبخ وهي بتمسح إيديها في المريلة..
- حمد لله على السلامة يا حبيبي..
- الله يسلمك يا أمي.. راجعه من شغلك بدري؟
- أيوه استأذنت بدري عشان أعمل أكله حلوه.. يلا الأكل جاهز.. غير هدومك واستعد.
ابتسم وقال بمرح:
- دا أنا على أهبة الإستعداد.
وبعد شويه قعدوا على السفرة، وزيد قعد بين طفلين، أحمد وأيسل.. وبدأ يحط اكل في أطباقهم..
- كل إنت يا زيد أنا هأكلهم.
- عادي أنا باكل وبأكلهم يا أمي.
وبدأو ياكلوا في صمت، فسألت والدته:
- مالك؟ شكلك فيك حاجه؟
سكت شوية... وبعدين قال:
- بفكر أسافر يا أمي.
اتصدمت، سابت المعلقة، رفعت عينيها له بسرعة:
- تسافر؟!
هز راسه بتأييد:
- عايز أهرب من هنا.. مبقتش طايق البلد دي... ولا عارف أتعامل مع الناس.. الناس قلوبها قاسيه اوي يا أمي... عايز أروح مكان محدش يعرفني فيه...
فضلت ساكتة لحظات، وقالت بحنان وبارتباك:
- مع إن مرتبك كويس، وشغلك حلو هنا... وتقدر تشتغل أكتر من حاجه من خلال النت وتزود دخلك.
ابتسم ابتسامة باهتة:
- الفلوس مش كل حاجة.. أنا فعلًا سهل عليا أجيب فلوس لكن مش مرتاح... آه يا زمن رايح بينا على فين يا زمن...
- ليه كل ما تشوف قسوة قلوب الناس تصرخ وتقول: " آه يا زمن، رايح بينا على فين يا زمن؟!" هو إحنا ليه بنلوم الزمن وبنشتكي الأيام؟ والزمن هو الزمن متغيرش، اللي اتغير هو قلوب الناس..
- صحيح فكرتيني يا أمي بمقولة الشافعي...
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا
وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ
وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا
وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ
وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضًا عَيانا
تجاهلت كلامه وحطت إيديها على قلبها وقلقت يبعد عنها، فقالت:
- زيد، كفاية أخوك ومراته بعدوا عني... سابولي عيالهم وسافروا، وشويه وهياخدوهم، تقوم إنت كمان تسيبني؟! عايزني اكون لوحدي زي الحاجه عفاف؟
بصلها وسكت... فحاولت تستعطفه:
- خليك جنبي يا زيد... مقدرش أتحمل غيابكم كلكم مرة واحدة كده.. وبعدين أصلًا المفروض تفكر في الجواز إنت كملت ٢٦ سنه وشقتك جاهزه..
حرك معلقة في طبق المعكرونه، وقال بصوت هادئ:
- ربنا يقدم اللي فيه الخير يا أمي.. ادعيلي إنتي بس..
حركت سبابتها في وشه:
- شيل موضوع السفر ده من دماغك.
ابتسم وقال:
- متقلقيش لو سافرت هاخدك معايا مش هسيبك هنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم
- بصي يا أم هناء متتكلميش معاها وهي مش هتعمل فيكي حاجه.. أنا هخلص كليه وهروح مشوار وهرجع على المغرب، بالله عليكي مش عايزه مشاكل... وأنا متابعه كل حاجه من الكاميرا.. وأي حاجه رني عليا...
هزت راسها:
- حاضر يا أستاذه زمن..
وبين المحاضرات في الكلية كنت أول مرة أقعد مع بنت اتعرفت عليها اسمها سالي في كافيتريا الكلية...
من لما اتعرفت عليها ومش بنتكلم الا في المحاضرات وعن الدراسة، لكن النهارده أول مرة نقعد ونتكلم عن نفسنا..
وكانت مشاكلها غريبة، بتشتكي من تدخل أهلها في حياتها وانهم متحكمين فيها، بيختارولها كل حاجه اللبس والاكل والجامعه والمواعيد، وأنا بقول في نفسي ياريت أهلي موجودين ويتحكموا فيا زي ما هما عايزين...
بصتلي وهي بتقلب العصير بين إيديها، وقالت بابتسامة:
- إنتِ شخصيه مألوفه يا زمن، يعني أنا من أول ما شوفتك حسيت إني اعرفك من زمان.
ابتسمت وأنا بهز كتفي وسكت.
بصتلي باهتمام:
- هو صحيح إنتِ عايشة فين؟
بدأت أحكيلها عن نفسي وإني شغاله جليسة..
اتسعت عينيها بدهشة:
- بجد؟ إزاي؟ وأهلك فين؟ موافقين؟
سكت ثواني، وتنهدت وقلت بهدوء:
- أهلي! كل واحد فيهم عايش حياته وناسيني.. لأنهم منفصلين.
- طب... احكيلي أكتر عنك.
سألت بحماس، فحكيتلها عن حياتي الغريبة وإني كنت عايشه مع عمي.. فضلت باصة لي شوية وقالت:
- يا بختك مفيش حد بيتحكم في حياتك، إنتي أكيد مرتاحة كده..
- مرتاحه ازاي بس! الموضوع مش سهل زي ما إنتي متخيلة.
شربت سالي من العصير وسألت:
- يعني؟
- يعني أنا بالليل ببقى مرعوبة... وكل صوت بيخليني أقوم من النوم مفزوعة.. يعني في أيام مبنامش، وفي أيام بنام وقلبي مقبوض، وأيام مبلاقيش حد أستند عليه غير ربنا.. بس الحمد لله...
- طيب ما تكلمي مامتك وباباكي وتعيش معاهم.
- كلمتهم كتير وكل واحد فيهم بيتهرب مني ويبعتلي فلوس شهر وبعدين ينساني تاني... واخر حاجه بابا قالي إني كبرت وأعتمد على نفسي وأنا أهوه اعتمدت على نفسي الحمد لله على كل حال.
ابتسمت وهي سرحانة:
- أنا معجبه بيك يا زمن.. إنتي حره، بتصرفي على نفسك، وبتروحي الكلية، وبتشتغلي.. نفسي اعيش كده حره..
- حره! والله لو كان عندي بيت وأهل، عمري ما كنت فكرت في الحرية دي... الأهل نعمة كبيرة أوي يا سالي..
هزت راسها وهي مبتسمة:
- عندك حق.
بس مكنش باين عليها الاقتناع..
غيرنا الموضوع بعدها، وقعدنا نهزر ونضحك لحد ما ميعاد المحاضرة جه...
وبعد الجامعة... روحت دار النشر اللي ترجمتلهم كتاب عشان يقيموه ويمضوا معايا العقد، قابلتني زوجة صاحب الدار ومضينا العقد...
قالت:
- هبعتلك رقم أستاذ بديع تبعتيله الكتاب عشان يعتمده أو يقولك لو فيه ملاحظات عليه... تمام؟
- تمام إن شاء الله.
أخدت الرقم وبعت الكتاب وأنا قاعده..
قرأ الرساله أول ما وصلت وكأنه قاعد في الشات، كتب:
- هراجعه وأرد عليكي.
وأثناء الطريق لقيته بعت:
"ترجمتك اللغوية كويسة، وواضح إن عندك حصيلة لغوية محترمة... لكن الترجمة الأدبية مش مجرد نقل كلمات... الكاتب هنا كان بيحاول ينقل إحساس، وإنتِ نقلتي المعنى لكن الإحساس ضاع.."
اتصدمت لأن الكتاب أخد مني وقت طويل بقالي ٦ شهور شغاله عليه!
ومن الصدمه مردتش عليه! فبعت رساله تانيه:
"أنصحك تعيدي ترجمة العمل من البداية، لأن المترجم محتاج يعيش مع النص مش يرص كلمات مترجمه جنب بعضها"
قولت بيني وبين نفسي: مين بديع ده اللي جاي يعدل عليا ده؟!
وبصيت لصورته على واتساب وشوفت صورة راجل ليه دقن أبيض.. وشكله معدي الخمسين...
وقررت إنه طالما أكبر مني يبقى لازم أحترمه، فرديت:
" أنا ترجمته في ست شهور ازاي حضرتك راجعته في أقل من ربع ساعه!"
"الخبره بقا.."
كتبت بضيق: تمام.
نفخت بضيق لأن الكتاب معجبهوش...
وطول الطريق كنت متعصبة ومش طايقة أي حد... لحد ما وصلت البيت.
ـــــــــــــــــ
"سالي"
طول الطريق بفكر في زمن كنت منبهره بيها وبتخيل نفسي عايشه زيها... لدرجة إني اتمنيت أهلي ينفصلوا...
وقفت قدام باب الشقة، أخدت نفس عميق وفتحت..
وقابلني زعيق أمي:
- الساعة كام يا هانم؟
بصيت في ساعتي:
- خمسة إلا ربع.
- والمحاضرة بتخلص اتنين!
- ما أنا كنت بشتري ورق مهم...
قاطعتني بعصبية:
- ورق اي ده اللي يأخرك ساعتين يا سالي؟
قلعت جزمتي بهدوء وأنا بقول بسخرية:
- والله يا ماما كنت في المكتبه مكنتش بتفسح.
خرج بابا من أوضته على صوتنا:
-في إيه؟ متأخره كدا ليه يا سالي؟
ردت ماما قبل ما أتكلم:
- ومش كدا بس،الهانم مبتردش على موبايلها وكل يوم بقت تتأخر على غير العاده.
بصلي بابا بنظرة شك، فحاولت أبرر:
- يا بابا والله...
قاطعني:
- بعد كده هوصلك وأجيبك بنفسي..
انفعلت:
- أنا مش صغيره للتحكمات دي.
- متعليش صوتك!
تنهدت وسكتت، وكمل وهو بيبصلي بحدة:
- من النهارده أنا اللي هوصلك... الموضوع انتهي.
- بس...
قاطعني:
- مفيش بس!
دخلت أوضتي وقفلت بابها ورايا.. سندت ضهري عليه.. حسيت إني مخنوقه...
كل يوم نفس الكلام...
نفس الخناق...اتأخرتي، لابسه كدا ليه؟ هتاكلي أكل صحي! بيتحكموا في كل حاجه.
قعدت على السرير.. افتكرت زمن...
افتكرت إنها بتصحى لوحدها، وتفطر اللي على مزاجها، وتروح كليتها، وترجع بيتها من غير ما حد يسألها كل خمس دقايق هي فين!
تنهدت.. وقلت في نفسي يا بختها عايشه حره..
وقررت أدور على شغل شبهها وأبعد عن بيتي وتحكمات أهلي...
فتحت النت وبدأت ابحث عن شغلانة جليسه ليلية..
ابتسمت بحماس وقررت إني لازم أسيب البيت وأعيش لوحدي.. زي زمن..
بس ازاي؟ أهرب من البيت؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
عمل زيد لنفسه كوب قهوة...
قعد قدام اللابتوب، ولسه هيفتحه...
رن موبايله... بص للشاشة للحظه ورد بإلقاء السلام، رد اللي بيكلمه السلام وقال:
- المترجمة الجديدة بعتت لحضرتك الملف؟
فتح اللابتوب وهو بيرد:
- أيوه... وصل.. قرأت منه مقتطفات وقولتلها الملاحظات.. عندها لغة كويسة جدًا... لكن محتاجة تشتغل أكتر على الترجمة الأدبية. بعتلها ملاحظاتي، ولما تعدلها تبعتهالي تاني..
- تمام، شكرًا لمجهودك يا أستاذ بديع.
- العفو.
قفل المكالمة، وحط الموبايل على المكتب..
سند بضهره على الكرسي، وهو بيردد الاسم:
- أستاذ بديع!
افتكر زيد في بداية مشواره، كان كل ما يتخيل نفسه واقف في حفلة توقيع، أو في لقاء مع القراء، أو بيتسأل عن حياته الشخصية، يحس بضيق..
مكنش بيحب الأضواء... ولا فكرة إن الناس تعرف تفاصيل حياته..
كان عايز كتبه هي اللي تتكلم عنه، مش اسمه ولا شكله..
علشان كده اختار اسمًا مستعارًا...
"بديع مبدع".
ومع مرور الوقت، بقى كل العاملين في الدار يعرفوه بالاسم ده، لدرجة إن بعضهم ميعرفش أصلًا إن اسمه الحقيقي زيد..
فتح الملف اللي بعتتهوله زمن من جديد...
ظهر أعلى الصفحة:"Translated by: Z.Z"
عقد حاجبيه:
ـ Z.Z؟
كرر الحرفين وهو بيبتسم، وقفل الملف...
