رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الثالث
ترددت الكلمة في أرجاء الصالون الواسع وكأنها طلقة رصاص اخترقت صمت المكان، لترتد في أذن لؤلؤ مرات ومرات. “نتجوز؟”
همست لؤلؤ والكلمة تحرق شفتيها، قبل أن تنفجر ضاحكة بمرارة ممزوجة برعب خالص، ضحكة هستيرية جعلت عادل يتراجع خطوة للخلف، بينما ظل هشام ثابتاً كتمثال من الجليد، وعيناه تراقبان انهيارها ببرود ظاهري يخفي خلفه عواصف من التخبط.
“إنت أكيد مجنون!” صرخت لؤلؤ والدموع تتطاير من عينيها، وتراجعت للخلف حتى اصطدمت بحافة الطاولة الزجاجية.
“أتجوز الجلاد بتاعي؟ أتجوز اللي دمر حياتي وكسرني؟ ده إنت لو آخر راجل في الدنيا دي أنا أفضل أموت ولا إني أكون على ذمتك يوم واحد!”
تقدم هشام نحوها بخطوات بطيئة، كل خطوة كانت تزيد من دقات قلبها المذعور. لم يصرخ، ولم يغضب، بل تحدث بصوت خافت، أجش، يحمل فحيح أفعى سام.
“صوتك ميعلاش، إنتي هنا في بيتي.” قالها وهو يقترب حتى حاصرها بين جسده الصلب والطاولة.
“إنتي فاكرة إني دايب في دباديبك وعايز أتجوزك عشان سواد عيونك؟ فوقي يا شاطرة. الجواز ده ورقة… حبر على ورق، مجرد صفقة بيزنس عشان أنقذ اسمي وشركتي من الفضيحة اللي إنتي كنتي الطعم فيها.”
“وأنا مالي ومال شركاتك؟” بكت لؤلؤ بقهر، رافعة وجهها الأسمر المبلل بالدموع نحوه. “أنا عايزة أمي… سيبني أروح.”
رفع هشام يده ببطء، وبإصبعيه القاسيين أمسك بذقنها، مجبراً إياها على النظر في عينيه المظلمتين. ملمس بشرتها الساخن أرسل تياراً غريباً في عروقه، لكنه تجاهله تماماً.
“أمك اللي إنتي بتعيطي عشانها دي، مش مريضة ومحتاجة عملية غالية؟” سأل هشام بابتسامة قاسية.
“أنا هتكفل بكل مصاريف علاجها، هسفرها أحسن مستشفى في العالم لو لزم الأمر. وفي المقابل، إنتي هتمضي على قسيمة الجواز دي. هنطلع قدام الصحافة ونقول إننا بنحب بعض، وإن اللي حصل في الفندق ده كان سوء تفاهم وإننا كنا بنحتفل بجوازنا في السر.”
اتسعت عيناها بذهول من قسوته وقدرته على التلاعب بكل شيء. “إنت شيطان… إنت بتشتريني بمرض أمي؟”
أفلت ذقنها ببطء، وتراجع خطوة للخلف، ليعود إلى قناعه الجليدي. “سميها زي ما تسميها… بيع، شرا، إنقاذ. قدامك لحد بكره الصبح تظبطي دماغك. عادل هيوديكي أوضتك، ومش عايز أسمع صوتك لحد ما المأذون يوصل.”
أعطاها ظهره مستعداً للمغادرة، فصرخت خلفه بيأس: “ولو رفضت؟”
توقف هشام دون أن يلتفت، وقال بصوت جليدي: “لو رفضتي، هرميكي للصحافة بره، وهخلي البوليس يلبسك تهمة دعا*رة وابتزاز… وساعتها، أمك مش هتلاقي اللي يجيبلها قرص الدوا، وتموت بحسرتها عليكي.”
غادر الغرفة تاركاً إياها تنهار على الأرض، تبكي حظها العاثر وشر*فها المهدور، في حين تقدم عادل بشفقة واضحة ليقودها إلى إحدى غرف القصر الفارهة.
في جناحها الواسع، الذي يفوق في مساحته وفخامته منزلها بأكمله، جلست لؤلؤ على حافة السرير الحريري، تضم ركبتيها إلى صدرها، وترتجف من البرد رغم دفء الغرفة. الليل يزحف ببطء، حاملاً معه أثقالاً من القهر.
نظرت إلى نفسها في المرآة الكبيرة المقابلة للسرير؛ فتاة نحيلة، سمراء، لا تملك من مقومات الأنوثة ما يجذب رجلاً عادياً، فكيف برجل يركع له الجمال نفسه؟ لماذا هي؟ لماذا اختارها القدر لتكون ضحية في حرب لا تفهمها؟
تذكرت والدتها المريضة، وجهها الشاحب وسعالها الذي يمزق سكون الليل في حارتهما الفقيرة.
أغمضت عينيها بقوة، وابتلعت غصتها المريرة. لقد حُسم الأمر. هي الآن مجرد سلعة، قطعة شطرنج في يد هذا المغرور.
ستبيع حريتها ونفسها لتنقذ والدتها، لكنها أقسمت في سرها أنها لن تبيع كرامتها، ولن تسمح له بأن يكسر روحها.
على الجانب الآخر من القصر، في مكتبه المظلم، كان هشام يقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة، يراقب حديقة القصر الغارقة في الظلام، وبيده كأس من المشر*وب.
كان غاضباً، محبطاً، ومشتتاً. كيف يقع هشام الشافعي في فخ رخيص كهذا؟ كيف يُجبر على الزواج من فتاة لا تلفت انتباهه حتى لو كانت الفتاة الوحيدة على وجه الأرض؟
لكن، وسط هذا الغضب العارم، كانت هناك تفاصيل صغيرة تقتحم عقله رغماً عنه. رائحتها البسيطة التي علقت بسترته… ارتجاف جسدها النحيل عندما لامسها… ونظرة عينيها الواسعتين اللتين تشعان براءة وتحدياً في آن واحد.
شرب ما تبقى في كأسه دفعة واحدة، محاولاً إخماد تلك الأفكار السخيفة. هي مجرد أداة، ورقة لعب سيستخدمها ليعبر هذه الأزمة، ثم يلقي بها في سلة المهملات عندما ينتهي دورها.
أشرقت شمس الصباح الباكر، حاملة معها بداية حياة جديدة لم تخترها لؤلؤ. استيقظت على طرقات خفيفة على باب غرفتها. دخلت مجموعة من النساء يحملن حقائب ضخمة وفساتين وأدوات تجميل. نظرن إلى لؤلؤ بنظرات تحمل مزيجاً من الاستغراب والتعالي، وكأنهن يتساءلن:
“أهذه هي عروس هشام الشافعي؟”.
“هشام بيه باعتنا عشان نجهزك يا هانم.” قالت إحداهن بعملية تامة.
استسلمت لؤلؤ لهن كدمية خشبية فاقدة للإرادة. حاولن وضع طبقات كثيفة من مساحيق التجميل لإخفاء سمرة بشرتها، لكنها انتفضت فجأة، وبصوت حازم لم تتوقعه من نفسها قالت:
“امسحي كل ده… أنا مش هحط ألوان على وشي، ومش هغير خلقة ربنا عشان أعجبه.”
تبادلت النساء النظرات بصدمة، لكنهن رضخن لطلبها أمام إصرارها. اكتفين بلمسات بسيطة جداً أبرزت اتساع عينيها، وصففن شعرها الفاحم ليصبح كشلال من الحرير ينسدل على ظهرها، وألبسنها فستاناً أبيض بسيطاً للغاية، ضيقاً من الأعلى وينسدل بنعومة، خالياً من أي تطريز مبالغ فيه.
عندما نظرت لؤلؤ في المرآة، لم تعرف نفسها. الفستان الأبيض البسيط عانق جسدها النحيل بطريقة غريبة، مبرزاً رقة خصرها، واللون الأبيض جعل بشرتها السمراء تتوهج بلمعة برونزية ساحرة ومختلفة تماماً عن معايير الجمال التقليدية المبتذلة.
لم تكن فاتنة صارخة، بل كانت لوحة فنية نادرة، تنطق بالبراءة والغموض.
انفتح باب الجناح فجأة ليدخل هشام. كان يرتدي حلة سوداء مفصلة بعناية فائقة، تزيده هيبة ووسامة طاغية. دخل والغضب يسبقه، يريد أن ينهي هذه المهزلة بأسرع وقت.
“خلصتوا ولا لسه؟ المأذون…”
توقفت الكلمات في حلقه، وتسمر مكانه بالقرب من الباب. وقعت عيناه عليها. صمت طال لثوانٍ بدت كالدهر.
تجولت عيناه ببطء شديد على طول جسدها، من خصلات شعرها الفاحمة، إلى عينيها الواسعتين المحاطتين برموش كثيفة، نزولاً إلى بشرتها السمراء التي تتلألأ تحت إضاءة الغرفة كالذهب العتيق، وصولاً إلى قوامها الرقيق الملتف بالحرير الأبيض.
أين الفتاة القبيحة الرثة التي رآها بالأمس؟ ما هذا السحر الأسود الذي يقف أمامه؟ شعر بنبضة قوية، متمردة، تضرب صدره بقوة أربكته.
ابتلع ريقه بصعوبة، وحاول جاهداً أن يستعيد قناع البرود الذي كاد أن يتصدع.
أشار بيده للنساء بالخروج، فانسحبن بهدوء، تاركين إياهما في مواجهة مشحونة بالتوتر.
تقدم نحوها بخطوات بطيئة، وعيناه لا تفارقان عينيها المذعورتين. كلما اقترب، كلما تسارعت أنفاس لؤلؤ، وتراجعت هي خطوة للخلف حتى التصق ظهرها بالمرآة.
وقف أمامها مباشرة، لدرجة أنها اضطرت لرفع رأسها لتنظر إليه. كانت رائحة عطره الرجولي تخترق حواسها وتصيبها بالدوار المعتاد.
مد يده ببطء نحو وجهها. أغمضت عينيها بقوة وارتجفت شفتاها بانتظار صفعة أو إهانة، لكنها شعرت بأصابعه الخشنة تزيح خصلة متمردة من شعرها خلف أذنها برقة متناهية لا تتناسب مع وحشيته.
“المأذون تحت.” قال بصوت منخفض، أجش، وعيناه تتفحصان ملامحها وكأنه يحفظها. “قدام الناس بره، إنتي حبيبتي اللي بموت فيها… مفهوم؟
فتحت عينيها لتلتقي بعينيه المظلمتين. أومأت برأسها بضعف.
“يلا بينا.”
التقط يدها الباردة، ووضعها داخل ذراعه، وسحبها نحو مصيرها المجهول.
في الصالون الرئيسي، كان المأذون يجلس، وبجواره عادل، ومحامي الشركة كشاهدين. كانت الأجواء باردة، رسمية، تخلو من أي مظاهر للفرح.
جلست لؤلؤ بجوار هشام، جسدها متصلب كلوح من الثلج.
بدأ المأذون في تلاوة الخطبة التقليدية، وكل كلمة كانت تقع على قلب لؤلؤ كالمطرقة. كانت تنظر إلى يدها السمراء الصغيرة التي ترتجف فوق الطاولة، وفجأة، شعرت بيد هشام الكبيرة والدافئة تغطي يدها بالكامل، تعتصرها بخفة وكأنه يمدها ببعض القوة لتتماسك. نظرت إليه بصدمة، لكنه كان ينظر للمأذون بوجه خالٍ من التعبير.
“بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.”
انطلقت الجملة التي أنهت حياة لؤلؤ القديمة، وكتبت شهادة ميلاد لحياة جديدة، مشوهة ومحفوفة بالمخاطر.
هي الآن السيدة لؤلؤ هشام الشافعي، زوجة الإمبراطور المغرور.
نهض هشام فوراً، وأمسك بيدها يوقفها. “جاهزة للمسرحية الحقيقية؟” همس في أذنها ببرود.
“الصحفيين بره القصر بالمئات يا هشام.” قال عادل بتوتر وهو ينظر من النافذة. “كل القنوات لايف مستنيين خروجك.”
“افتح البوابات، وخليهم يدخلوا لحد السلالم الخارجية.” أمر هشام بثقة مطلقة.
سحب هشام لؤلؤ نحو الباب الرئيسي الضخم للقصر. بمجرد أن انفتح الباب، اندلعت عاصفة من الفلاشات التي أضاءت عتمة الصباح، وأصوات صراخ الصحفيين، والميكروفونات الممتدة كأعناق الأفاعي.
انكمشت لؤلؤ برعب خلف جسد هشام الضخم، وأغمضت عينيها هرباً من الأضواء الكاشفة، لكن هشام أحاط خصرها النحيل بذراعه القوية، وضمها إليه بشدة لدرجة أنها كادت تلتصق بصدره تماماً، مجبراً إياها على مواجهة العاصفة معه.
“هشام بيه! إيه حقيقة الفيديو المسرب؟”
“هل فعلاً تم اختطاف الآنسة لؤلؤ؟”
“إيه ردك على اتهامات الاغتصاب اللي بتهز البورصة دلوقتي؟”
رفع هشام يده الحرة ببطء، وفي ثانية واحدة، سكت الجميع، وكأن ملكاً يأمر رعيته بالصمت.
الكاريزما الطاغية التي يتمتع بها كانت قادرة على إخراس مئات الألسنة.
ابتسم هشام ابتسامة هادئة، واثقة، ونظر إلى الكاميرات نظرة تحدٍ.
“يا جماعة، أنا مقدر اهتمامكم بحياتي الشخصية،”
بدأ حديثه بصوت جهوري ولهجةواثقة. “بس كل اللي بيتقال ده مجرد إشاعات سخيفة لتشويه سمعتي وسمعة مراتي.”
عمت همهمات الصدمة بين الصحفيين. “مراتك؟” صرخ أحدهم.
“أيوه، مراتي.” رفع هشام يدها اليسرى التي ألبسها فيها خاتماً ماسياً ضخماً منذ دقائق قليلة لتلتقطه عدسات الكاميرات.
“لؤلؤ مش بس خطيبتي اللي كنت مخبيها عن الإعلام، لؤلؤ هی حرم هشام الشافعي رسمياً . اللي حصل في الفندق إننا كنا بنحتفل، وبعض الكارهين استغلوا الموقف وصورونا عشان يعملوا فضيحة من لا شيء.”
وسط ذهول الجميع، تقدم صحفي خبيث، معروف بعدائه لهشام، وصرخ بصوت مستفز:
“يا هشام بيه، كلامك مش مقنع! الآنسة لؤلؤ باين عليها الرعب، ووقفتها جنبك زي اللي مساقة للإعدام. إنت أكيد مجبرها على المسرحية دي عشان تنقذ شركتك من الانهيار! فين الحب اللي بتتكلم عنه؟ إحنا مش شايفين غير خوف في عينيها!”
تجمدت لؤلؤ، وشعرت بأنفاسها تنقطع. الصحفي كشف كذبتهم من النظرة الأولى. نظرت إلى هشام بخوف، تنتظر كيف سينفجر غضبه المدمر.
لكن هشام لم يغضب. بل ابتسم ابتسامة خطيرة، شيطانية، أذابت قلوب المراسلات الحاضرات.
التفت ببطء نحو لؤلؤ. توقف الزمن بالنسبة لها. رات عينيه المظلمتين تشتعلان ببريق غريب، لا هو غضب ولا هو برود.. بريق أذاب الجليد في عروقها وأشعل مكانها ناراً مجهولة.
“إنتي خايفة يا حبيبتي؟” همس هشام بصوت مسموع للميكروفونات، صوته كان يقطر حناناً مزيفاً لكنه بدا حقيقياً لدرجة مرعبة.
وقبل أن تستوعب لؤلؤ ما يحدث، أو تفتح شفتيها لترد، انقض هشام عليها. أحاط وجهها الصغير بيديه القويتين، وجذبها إليه بقوة ساحقة، ليلتهم شفتيها المرتجفتين في قبلة عميقة، قاسية، ومتملكة.
انفجرت فلاشات الكاميرات كالألعاب النارية، وتعالت شهقات الصحفيين المصدومين.
أما لؤلؤ… فقد غابت عن الوعي تماماً، ليس من الخوف هذه المرة، بل من الصدمة، من حرارة شفتيه التي أحرقت روحها، ومن هذا الشعور المباغت الذي اجتاح جسدها الضئيل لأول مرة في حياتها.. لتتركه مستمراً في قبلته الوهمية أمام العالم، بينما كانت هي تغرق في ظلام من نوع آخر، ظلام لذيذ ومخيف، يعلن عن بداية حرب حقيقية، ليس لإنقاذ شركته.. بل لإنقاذ قلبها من سطوة هذا الوحش الذي امتلكها للتو!
