رواية عناد الصقر الفصل الثالث 3 بقلم نون


 رواية عناد الصقر الفصل الثالث 

على طريق الصعيد - الساعة الثانية فجراً..... السيارة تشق الظلام وزين كأنه وحش أُطلق من قفصه

عيناه الرماديتان مثبتتان على الطريق لكن عقله في مكان آخر تماماً.. أربع سنوات.. أربع سنوات لم يطأ قدمه تراب الصعيد، أربع سنوات لم يشم رائحة النيل من شرفة السرايا، أربع سنوات يبني جداراً من الجليد حول قلبه..

وجرس هاتف واحد هدم كل شيء

رن هاتفه مرة أخرى.. كانت فريدة. فتح السماعة

فريدة.. انفجرت في بكاء هيستيري

زين!! جدو بيموت!! تعالى بسرعة!! الدكاترة بيقولوا مش هيعدي الليلة!! أغمض عينيه لثانية واحدة.. ثانية واحدة كادت تكلفه حياته على الطريق السريع.. فتحهما وقال بصوت لم تسمعه فريدة من قبل.. صوت مكسور رغم صلابته

قولي لجدي.. الصقر راجع. أغلق الخط.. ضغط على دواسة البنزين حتى ارتعشت السيارة بأكملها..

« « « « « « « « « «

في نفس الليلة - فيلا طارق بالقاهرة

كانت أيسل في غرفتها، جالسة على السرير تحتضن وسادتها، وعقلها يدور كالإعصار. فتحت اللاب توب وكتبت في محرك البحث...."زين الرضوان - مجموعة الرضوان" ظهرت عشرات المقالات والصور..

"زين الرضوان.. الصقر الذي يحكم إمبراطورية جده من القاهرة

"أصغر رئيس مجلس إدارة في تاريخ الصعيد"الرجل الذي لا يبتسم..

حوار مع زين الرضوان الذي رفض الحديث عن حياته الشخصية"نزلت بالصفحة لتجد صورة له في أحد المؤتمرات.. واقفاً بقميص أسود وبدلة رمادية داكنة، يداه في جيبيه، ونظرة عينيه تخترق الكاميرا كأنه يُحذر المصور من الاقتراب.

بلعت ريقها بصعوبة وقالت لنفسها بصوت مرتجف: - ده.. ده فعلاً هو. يعني ده ابن كمال الرضوان.. يعني ده.....

أغلقت اللاب توب بعنف ونهضت تمشي في الغرفة ذهاباً وإياباً: - لا لا لا.. بابا ساب العيلة دي من زمان وغيّر لقبه، يعني مفيش حد يعرف إن طارق ده هو "طارق سامر الرضوان".. مفيش حد يعرف إني حفيدة عثمان الرضوان.. مفيش حد.. توقفت فجأة..

بس لو هو عرف.. لو عرف إني بنت طارق اللي جدهم بيدور عليه من سنين.. جلست على الأرض واحتضنت ركبتيها: - يا ربي أنا عملت إيه.. أنا قولتله اسمي لا مقولتش.. خلاص محصلش حاجة.. لكن قلبها كان يخبرها أن شيئاً ما بدأ يتحرك.. شيئاً لن تستطيع إيقافه.

« « « « « « « « « «

في مستشفى الأقصر الدولي - الساعة الخامسة فجراً

وصل زين. لم ينتظر أن يركن السيارة بشكل صحيح، تركها أمام المدخل الرئيسي ودخل يجري.. للمرة الأولى منذ سنوات يجري زين الرضوان.. الرجل الذي لا يستعجل لأحد، الرجل الذي يمشي ببطء متعمد ليجعل العالم ينتظره.. كان يجري كطفل خائف. في الممر الطويل رآهم......

كمال واقف يسند ظهره على الحائط، وجهه شاحب و مروان جالس على الكرسي ورأسه بين يديه. فريدة تبكي في حضن أمها "وداد" زوجة كمال.

لحظة رأوه.. توقف الزمن. فريدة رفعت رأسها ورأت أخيها.. الأخ الذي لم تره منذ أربع سنوات إلا عبر شاشة الهاتف.. صرخت بكل ما فيها: - زييييين!! ركضت نحوه كالمجنونة وارتمت في صدره، تبكي بحرقة: - وحشتني!! وحشتني يا زين!! جدو بيموت يا زين!! أمسكها بيديه الضخمتين وضمها بقوة، أغمض عينيه لثانية وابتلع الكتلة التي كانت تخنق حلقه.. لن يبكي.. "الصقر لا يبكي"..

رفع رأسه ونظر لأبيه.. كمال بعينين دامعتين وصوت مبحوح: - رجعت يا ابني.. زين بصوت متماسك بالكاد:

- جدي فين.. كمال: - العناية المركزة.. الدكتور قال القلب ضعيف جداً ومحتاج عملية، بس سنه مش هيساعد.. زين بحدة: - مين الدكتور المسؤول.. عايزه دلوقتي. مروان نهض بسرعة: - تعالى معايا..

« « « « « « « « « «

في غرفة الطبيب دخل زين بدون استئذان، دفع الباب بيده ودخل كأنه يملك المستشفى بأكملها.. الطبيب انتفض من مكانه بصدمة:

يأفندم! مينفعش تدخل كده! اقترب زين من المكتب، وضع يديه على سطحه، وانحنى حتى أصبح وجهه قريباً من وجه الطبيب، وقال بصوت كفحيح الثعبان: - أنا زين الرضوان.. حفيد المريض اللي عندك.. وأنا مش جاي أسمع إن جدي مش هيعدي الليلة..

أنا جاي أسمع إيه اللي محتاجه عشان يقوم من على السرير ده.. لو محتاج دكتور من برا مصر هجيبه.. لو محتاج مستشفى كاملة هشتريهاله.. لو محتاج قلب جديد هديله قلبي أنا..

بس متقوليش مفيش أمل! الطبيب بارتباك واحترام: - يا بيه.. الحاج عثمان محتاج عملية قلب مفتوح

وأنا بصراحة بنصح تتعمل بره مصر.. زين وقف بكامل طوله الطيارة هتكون جاهزة الصبح.. جهز التقارير كلها.. ومتسيبش جدي ثانية واحدة لوحده.

خرج زين من الغرفة، وقف في الممر وأسند ظهره على الحائط.. أخيراً بعيداً عن كل العيون.. مرر يده على وجهه.. ويد واحدة ارتجفت. اقترب منه مروان بهدوء وقال بصوت خافت

زين.. زين بدون أن يفتح عينيه: - لا تكلمني دلوقتي يا مروان.. مروان: - لازم تعرف حاجة.. جدو قبل ما يقع.. كان بيتكلم مع حد في التليفون.. وبعدها قال جملة واحدة خلت كل اللي في البيت يتصدموا..

فتح زين عينيه ونظر لمروان بحدة: - قال إيه.. مروان ببطء: - قال..."لقيت طارق.. ولقيت البنت.. وزين لازم يتجوزها" الصمت. صمت مرعب. ثم انفجر زين كالبركان: -

إيييييه؟!

« « « « « « « « « «

في اليوم التالي - فيلا طارق بالقاهرة

كانت أيسل تتناول إفطارها بهدوء غير معتاد، تقلب الجبنة في طبقها بشرود. نيرمين لاحظت وقالت بقلق: - مالك يا أيسل؟ إنتي من إمبارح ساكتة.. فين جنانك اللي بنحبه؟

أيسل بتردد: - ماما.. أنا عايزة أسألك سؤال وعايزاكي تردي عليا بصراحة.. وضعت نيرمين الكوب من يدها وجلست أمامها: - اسألي يا حبيبتي.. أيسل وقلبها يدق: - ليه بابا ساب عيلته؟

ليه مش بنروح الصعيد؟ ليه أنا معرفش حد من عيلة الرضوان؟ ليه بابا غيّر لقبه؟ تجمدت نيرمين.. كأن أحداً صب عليها ماء مثلجاً.. في تلك اللحظة بالذات.. فُتح باب الفيلا.. دخل طارق.. لكنه لم يكن وحده. خلفه كان يقف رجل ضخم البنية

يرتدي جلباباً صعيدياً أبيض، وعمامة، ووجهه كأنه منحوت من الصخر.. طارق بوجه شاحب وصوت مرتجف

أيسل.. نيرمين.. نظرت أيسل للرجل الغريب ثم لأبيها: - مين ده يا بابا..؟ الرجل تقدم خطوة وقال بصوت جهوري هز أركان الفيلا:

أنا .....كمال الرضوان وجاي آخدك معايا الصعيد.. بأمر من جدك ...عثمان الرضوان

سقط الطبق من يد أيسل وتحطم على الأرض.. نيرمين وقفت بذعر

- طارق!! إيه اللي بيحصل ده!! طارق بانكسار: - الحاج عثمان.. عرف مكاننا.. أيسل وقفت بعناد وتحدٍ، نظرت لكمال في عينيه مباشرة وقالت بصوت لا يرتجف: - أنا مش رايحة أي حتة.. ومفيش حد يقدر يجبرني! ابتسم كمال ابتسامة غامضة وقال ببطء

دي نفس الجملة اللي أبوكي قالها من 20 سنة.. وشوفي هو دلوقتي فين.

التفتت أيسل لأبيها.. ورأت في عينيه شيئاً لم تره من قبل.. خوف

. « « « « « « « « « «

في نفس التوقيت - مستشفى الأقصر كان زين جالساً بجوار سرير جده، ممسكاً بيده المتصلة بالأجهزة الطبية. فتح عثمان عينيه ببطء.. رأى حفيده.. ابتسم ابتسامة ضعيفة لكنها مليئة بالانتصار.. عثمان بصوت واهن: - رجعت يا صقر.. زين ببرود يُخفي عاصفة بداخله: - رجعت يا جدي.. بس مش عشان أتجوز حد.. رجعت عشانك إنت بس.

عثمان بضحكة ضعيفة تحولت لسعال: - يا حبيبي.. أنا لسه فيا نَفَس.. وطول ما فيا نفس.. كلمتي فوق كلمة أي حد.. زين بثبات

- مش المرادي يا جدي.. أنا مش هتجوز بنت طارق اللي هرب.. مش هتجوز بنت الراجل اللي خان العيلة! فتح عثمان عينيه بالكامل فجأة.. وبقوة لا تتناسب مع حالته أمسك يد زين بقبضة حديدية وقال بصوت مرعب رغم ضعفه: -

اسمعني كويس يا زين.. البنت دي مش بنت طارق بس.. البنت دي حفيدتي أنا.. ودمها من دمي.. وأنا عمري ما طلبت منك حاجة.. المرادي بطلب.. وأنت عمرك ما رديتلي طلب!

سحب زين يده ببطء.. وقف.. نظر من نافذة الغرفة للنيل البعيد......وللمرة الأولى في حياته.. لم يجد رداً


تعليقات