رواية عناد الصقر الفصل الرابع
أنتِ فعلاً حفيدة عثمان الرضوان نفس النار.. ونفس العناد
بعد ساعتين - في ممر المستشفى كان زين يمشي ذهاباً وإياباً كأسد محبوس في قفص.
يداه مشبوكتان خلف ظهره، وعروق رقبته بارزة كأنها حبال
جلس مروان على أحد المقاعد يراقبه بصمت، يعرف صديقه جيداً.. يعرف أن هذا الصمت أخطر من أي انفجار. أخيراً توقف زين وقال بصوت عميق
- مروان..
مروان بحذر: - أيوة يا زين.. زين والتفت إليه بعينين كعيني الذئب ..... قولي.. إيه اللي خلى جدي يوصل لطارق بعد 20 سنة اختفاء؟
مين اداله المعلومة؟ مروان حك رأسه بتوتر: - الموضوع أكبر مما تتخيل يا زين..
جدي ما كانش بيدور على طارق من فراغ.. أنا سمعت إن في حد من رجال الأعمال في القاهرة اتعامل مع "طارق" في صفقة، والراجل ده صاحب جدنا..
قال الاسم قدامه بالصدفة.. وجدنا ربط الخيوط.. زين بسخرية مُرة: - بالصدفة..
عمر ما كان في صدفة في حياة عثمان الرضوان.. الراجل ده بيلعب من يوم ما اتولد. مروان: - وإنت يا زين.. هتعمل إيه دلوقتي؟ جدي حالته خطر.. والدكتور قال العملية لازم تتعمل خلال أسبوعين..
ولو حصل أي ضغط نفسي عليه الوضع هيبقى أسوأ..
نظر زين للسقف وأغمض عينيه، ثم فتحهما وقال بصوت كالرعد
أنا هعمل اللي جدي عايزه.. بس بشروطي أنا...... محدش يمشيني غير عقلي..
وبنت طارق دي.. لو فاكرة إنها هتبقى "مدام الرضوان" وتعيش حياة أميرات..
يبقى مشافتش زين الرضوان لسه. ابتلع مروان ريقه.. عرف إن اللي جاي على البنت دي.. مش هيكون سهل.
« « « « « « « « « «
في فيلا طارق - القاهرة
الفيلا تحولت لساحة حرب صامتة. طارق جالس في الصالون ورأسه بين يديه كأنه يحمل جبلاً على كتفيه.
نيرمين تبكي في صمت وهي تمسك كوب الماء بيدين مرتجفتين. كمال جالس في مواجهتهم بثبات صعيدي لا يتزحزح، يشرب شايه بهدوء كأنه في زيارة عادية.
أما أيسل.. فكانت واقفة في زاوية الغرفة، ظهرها مسنود على الحائط، ذراعاها متشابكتان على صدرها، وعيناها تشتعلان بنار لم يرها أحد من قبل.
كمال وضع الكوب وتحدث بهدوء
طارق.. أنا مجيتش أعاديك.. جيت أرجعك لعيلتك.. الحاج مريض وعايز يشوف كل ولاده وحفايده قبل ما..
طارق بحدة مفاجئة: - قبل ما إيه يا كمال؟! قبل ما يموت؟! هو افتكرني يوم وأنا بموت هنا من الغربة؟! هو سأل عليا مرة؟!
20 سنة يا كمال.. 20 سنة كنت ميت بالنسبالكم! كمال بهدوء أعمق: - إنت اللي مشيت يا طارق.. إنت اللي رفضت تسمع كلام أبوك.. طارق وقف بعصبية: - أبويا؟!
أبويا مات وأنا عندي 10 سنين يا كمال! عمي عثمان هو اللي ربانا أنا وأخويا سامر..
بس لما كبرت واختلفت معاه في حاجة واحدة.. حاجة واحدة بس.. طردني من البلد!
أيسل تدخلت بصوت حاد اختلفتوا في إيه يا بابا؟
صمت الجميع. طارق نظر لابنته بعينين محمرتين
أيسل.. مش دلوقتي..
أيسل بعناد: - لا! دلوقتي! من حقي أعرف! أنا طول عمري عايشة من غير عيلة، من غير جد، من غير ولاد عم، من غير هوية حقيقية!
من حقي أعرف ليه!
صمت طارق.. نظر للأرض.. ثم تحدث بصوت مكسور
جدك عثمان.. كان عايزني أتجوز واحدة من عيلة كبيرة في الصعيد عشان يوسع نفوذه.. وأنا كنت بحب أمك..
نيرمين مكانتش من عيلة كبيرة.. كانت بنت موظف بسيط.. لما جدك عرف إني عايز أتجوزها.. اتجنن.. قالي إما تنفذ كلامي أو تمشي من البلد دي.. وإياك ترجعلها تاني.
اخترت أمك.. ومشيت. سقطت دمعة من عين نيرمين وهي تسمع القصة التي تعرفها جيداً لكنها تؤلمها في كل مرة
كمال تنهد بألم
طارق.. أنا عارف إن الحاج غلط.. وهو كمان عارف إنه غلط.. عشان كده عايزك ترجع.. عايز يصلح اللي كسره..
أيسل بسخرية حادة
يصلح؟! بإنه يجبر بنت ابن أخوه تتجوز حفيده؟! ده إصلاح ولا سيطرة جديدة؟!
التفت كمال لأيسل بنظرة فاحصة.. نظر في عينيها طويلاً.. ثم ابتسم ابتسامة غريبة وقال
أنتِ فعلاً حفيدة عثمان الرضوان.. نفس النار.. نفس العناد..
هتبقي تعب أوي على ابني أيسل بتحدٍ.....ابنك مين ده
زين؟ اللي قابلته في المول وهو فاكر نفسه سيد الكون؟!
صُدم الجميع. طارق بذهول
إنتي قابلتيه؟!
أيسل بعدم اكتراث: - قابلته وزعقتله كمان.. وما كانش يعرف إنا مين ولا أنا كنت أعرفه..
كمال وقف ببطء وقال بثبات الحاج عثمان عايز العيلة كلها تتجمع خلال أسبوع في السرايا..
والبنت دي لازم تيجي مع أبوها.. ده مش طلب يا طارق.. ده أمر...... وتوجه نحو الباب لكنه توقف قبل أن يخرج والتفت لأيسل قائلاً
وبالمناسبة يا أيسل.. جدك عثمان مبيجبرش حد.. هو بس بيخلي الشخص نفسه يختار اللي هو عايزه
وده أخطر بكتير من الإجبار. خرج كمال. وبقيت أيسل واقفة في مكانها.. للمرة الأولى لم تجد رداً ذكياً..
« « « « « « « « « «
في سرايا الرضوان - الأقصر - ليلاً .... عاد زين من المستشفى ودخل غرفته القديمة..
الغرفة التي لم يدخلها منذ أربع سنوات.
كل شيء كما هو.. ..كأن الزمن توقف هنا.
سريره.. مكتبه القديم.. صورته وهو طفل مع جده على حصان أبيض..
أمسك الصورة ونظر إليها طويلاً.. دُق الباب بخفة.. دخلت فريدة تحمل كوب شاي. فريدة بابتسامة رقيقة
شاي بنعنع.. زي ما بتحبه.. أخذه منها بصمت.. جلست بجواره على السرير وأسندت رأسها على كتفه.
فريدة بهدوء: - وحشتني يا زين.. البيت ده كان ميت من غيرك..
زين بصوت خافت: - وأنا كمان يا فريدة.. بس كان لازم أمشي.. فريدة بتردد: - زين.. أنا عايزة أقولك حاجة..
زين: - قولي..
فريدة: - جدو قبل ما يتعب.. كان بيتكلم عن البنت دي كتير.. بنت طارق.. وكان بيقول حاجة غريبة..
زين بحدة: - إيه هي.. فريدة رفعت رأسها ونظرت في عينيه: - كان بيقول...."البنت دي هي الوحيدة اللي تقدر تكسر الصقر.. وتعيد فيه الروح اللي ماتت.
نظر زين لأخته بجمود.. ثم نهض ووضع كوب الشاي وقال بقسوة
جدي غلطان.. أنا مش محتاج حد يكسرني.. ومفيش حد يقدر.. وخرج من الغرفة.. لكن فريدة ابتسمت في سرها وقالت بهمس
هنشوف يا زين.. هنشوف
« « « « « « « « « «
في غرفة أيسل - القاهرة - نفس الليلة.....كانت جالسة في الظلام.. تنظر للسقف.. أيسل لنفسها بصوت خافت
عيلة بتتحكم في حياة الناس.. جد بيأمر والكل بيطيع.. وواحد اسمه زين فاكر نفسه ملك الدنيا..
ابتسمت ابتسامة شريرة وقالت
طيب يا سيد الصقور.. لو القدر جمعنا تاني.. هوريك إن في حاجة اسمها أيسل طارق..
ومفيش صقر في الدنيا يقدر يكسر عنادها.
قلبت على جنبها ونامت.. ولم تكن تعلم أن القدر يضحك عليها في تلك اللحظة..
لأن الأسبوع القادم سيغير حياتها بالكامل.
